الدعوات في خدمة كنيسة الرسالة

رسالة قداسة البابا بندكتس السادس عشر
بمناسبة يوم الصلاة من أجل الدعوات الرهبانية والكهنوتية
13 نيسان 2008

ترجمة الأب ريموند عبدو الكرملي - لبنان

لقد اخترت لهذا اليوم موضوع: "الدعوات في خدمة كنيسة الرسالة".

إن يسوع القائم من بين الأموات أرسل رسله: "اذهبوا في كل الأمم واصنعوا رسلاً، عمّدوهم باسم الآب والأبن والروح القدس" (متى 28/ 19)، ووعدهم "وأنا سأكون معكم طوال الأيام والى انقضاء الدهر" (متى 28/ 20).
فالكنيسة هي مُرسلة بشكل عام، ومُرسلة في كل واحد من أعضائها؛ وبواسطة سر المعمودية والتثبيت، تجعل من كل مسيحي معمّد رسولاً للشهادة واعلان الانجيل. والبعد الرسولي متّصلٌ بشكل مباشر وحميم بالدعوة الكهنوتية. فقد وهب الله، في العهد القديم، رجالاً مدعوين لكي يكونوا رسله لدى شعبه فكان منهم الأنبياء والكهنة. هكذا فعل عندما دعى موسى حين أرسله الى الفرعون لكي يُخرج شعبه من مصر، ولكي يؤدّي له العبادة في الصحراء على جبل حوريب (سفر الخروج 3/ 10-12). وهكذا فعل مع باقي الأنبياء. إن وعود الله للآباء قد تحققت في المسيح يسوع الذي أرسله الآب، وقد اختارنا نحن أيضاً في المسيح منذ الأزل وفيه جعلنا أبناء له، لذلك فان المسيح قد أسس الملكوت السماوي على الأرض، لكي يحقق مشيئة الله الآب، وقد كشف لنا سره الأزلي من خلال طاعته في تحقيق الفداء.
كمساعدين في رسالته المسيحانية، اختار يسوع له تلاميذ خلال حياته العامة. وطلب الى رسله أن يعطوا الناس الطعام (متى 14/ 16) خلال معجزة تكسير الخبز، وذلك لكي يدفعهم الى تحمل مسؤولياتهم أمام حاجة الناس الى الغذاء، لكنه أظهر لهم الغذاء الذي لا يفنى (يوحنا 6/27). لقد تأثر يسوع بجوع العالم الى الحقيقة وكذلك بتعب الجموع وخوفها كالقطيع الذي لا راعي له، وطلب من الرسل أن يصلّوا الى رب الحصاد لكي يرسل فعلة الى حصاده (متى 9/36). ولأنه يحب شعبه الضائع، دعى الرب رسله الى مهمة الصلاة من أجل أن يرسل الرب فعلة لحصاده (متى 9/38)، وأرسل الأثني عشر أولاً "الى الخراف الضائعة من شعبه".
فالجماعة المسيحية الأولى كانت رسولية بامتياز لأنها كانت تريد أن تكون أمينة لتعليم يسوع. كما وأن الاستجابة لدعوة المعلم تعني أيضاً أن تواجه الكنيسة بحكمة وبساطة، جميع المخاطر المحدقة وحتى الاضطهادات، لأن "التلميذ ليس أعظم من معلّمه، ولا الخادم أعظم من سيده" (متى 10/24).  فالرسل عندما يتحدون بمعلّمهم يسوع المسيح، لا يقومون بواجب التبشير وحدهم، بل يسوع نفسه يعمل فيهم ومعهم. "مَن قَبِلكم فقد قَبِلَني، ومن قَبلَني قَبِل الذي أرسلني" (متى 10/40). والشهود الحقيقيين المغمورين "بقوة من العلاء" (لوقا24/49)، يبشرون جميع الأمم "بالتوبة وغفران الخطايا" (لوقا 24/47). ولأنهم مرسلون من قبل الرب، يحمل التلاميذ أسم "رُسُلٍ"، هدفهم أن يجولوا في طرقات العالم مبشرين بالانجيل كشهود لموت المسيح وقيامته من بين الأموات.  والقديس بولس يعلن أنه يبشر بيسوع مصلوب (1 قور 1/23).
وفي مسيرة التبشير هذه يعطي كتاب أعمال الرسل دوراً أساسياً لرسل آخرين تظهر دعوتهم في حالات خاصة ترسلها العناية الالهية، وفي بعض الأحيان أليمة، مثل الاضطهاد بسبب يسوع.  فالروح القدس يسمع بأن تتحول التجربة والأزمة الى مناسبة لعمل النعمة، إنها هدية من الرب وحظٌ لكي يُعلن أسم الرب بين الأمم الأخرى، ويتسع حجم الجماعة المسيحية. إنهم رجال ونساء مكرسين للرب يسوع المسيح (لوقا 15/26)، أوّلهم القديس بولس؛ إنه المرسل الأكبر في تاريخ الأزمنة، وقصته تظهِر الرباط القائم بين الدعوة والرسالة. يقبل بولس دعوته مباشرة من المسيح (روما1/1، غلاطية 1/11-12 و 15-17) هذه الدعوة التي مصدرها "حب المسيح" الذي يشكل قوة الرسل (2 قور 5/14). وهناك خدام أمينين للكنيسة، مرسلين كثر وعلى مر العصور، قد اقتفوا آثار الرسل الأولين طائعين لمسحة الروح القدس.
والمسيح  يدعو دوماً الرسل الجدد لكي يشهدوا لايمانهم ويبشروا الشعوب الوثنية (مرقس 3/13-15). إن حب المسيح ينتقل الى الاخوة من خلال المَثَل والكلمة ومن خلال الحياة المُعطاة بكامِلها؛ والدعوة الخاصة التي تُمَيِّز المرسلين طيلة حياتهم، تحتفظ بقيمتها، وتبقى الأساس والمثال لتعاليم الكنيسة الارسالية، التي تحتاج دوماً لأولئك الذين يَهَبون حياتهم بشكل كامل وجذري، وهي تحتاج دوماً لنفحةٍ جديدة وجريئة.
بين هؤلاء الأشخاص الذين قدموا ذاتهم بكاملها لخدمة الانجيل هناك الكهنة بشكل خاص. لقد دعوا لإعلان كلمة الرب وخدمة الأسرار، خاصة الافخارستيا والتوبة، متفانين في خدمة الصغار، المرضى والمتألمين، والفقراء، والذين يمرّون بلحظات مؤلمة وصعبة، في جميع أصقاع الأرض حيث هناك الكثيرين حتى اليوم لم يلتقوا المسيح. والمرسلون يحملون الى هؤلاء البشرى الأولى بمحبة المخلّص.
لقد أظهرت الاحصائيات أن عدد المعمّدين يتزايد كل سنة بسبب النشاط الرسولي الذي ينجزه هؤلاء الكهنة المكرسين كلّياً من أجل خدمة اخوتهم. وفي هذه المناسبة علينا أن نشكر جميع الكهنة الذين يبنون الجماعات الكنسية والرعوية بواسطة اعلان الكلمة وخدمة الافخارستيا، دون أن يوفّروا قواهم في سبيل خدمة رسالة الكنيسة. كما نشكر الله من أجل العديد من الكهنة الذين تألّموا حتى بذل حياتهم من أجل خدمة المسيح... إنهم شهودٌ تتحول شهادتهم الى مثال ووحي مؤثرين جداً في العديد من الشباب اليوم، لكي يتبعوا المسيح هم أيضاً، باذلين حياتهم من أجل اخوتهم، وهكذا يجدون الحياة الحقيقية. فالمسيح يصبح حاضراً بين البشر اليوم، بواسطة الكهنة، وهو يصل الى أقاصي الأرض.
لقد نعمت الكنيسة دائماً برجال ونساء عاشوا من أجل الانجيل بشكلٍ جزري، بفعل مسحة الروح القدس، وذلك بواسطة نذور الطاعة والعفة والفقر. هذه الأعداد من الرهبان والراهبات التي تنتمي الى مؤسسات رهبانية مختلفة ومتعددة، تتبع الحياة التأملية والحياة الارسالية، لها الفضل في تبشير الشعوب بالانجيل. فبصلاتهم المستمرة والجماعية، يشفع الرهبان الذين يعيشون حياة تأملية، بالبشرية جمعاء. وأولئك الذين يعملون في الرسالة يحملون للجميع شهادة حيّة لحب الله ورحمته، من خلال أعمال المحبة المتنوعة التي يمارسونها.
إن تكريسهم الرهباني يجعلهم أحراراً لكي يقدموا ذواتهم للرب تاركين كل شيء، متفرغين للتبشير بالانجيل حتى أقاصي الأرض. وتتصف رسالتهم ونشاطهم المليء بالمغامرة والروح المقدام، بالروح الخلاقة وعبقريةٍ تستحقّ الإعجاب. إنهم أسخياء، يتقدمون دوماً الى الأمام في الرسالة، ويخاطرون بصحتهم وحياتهم. حقاً إن الكنيسة جمعاء لَتُقَدّرهم جداً.
واليوم، أيها الاخوة، ولكي تتمكن الكنيسة من اكمال رسالتها التي قبلتها من المسيح، ولكي لا يتضاءل عدد المبشرين بالانجيل جميع الشعوب، فإنه من الضروري أن لا تنقص أبداً، في الجماعات المسيحية، تنشئة الأطفال والبالغين على الايمان الناضج. ومن الضروري المحافظة على روح المسؤولية الارسالية لدى المؤمنين، وروح المشاركة والتعاضد مع شعوب الأرض. فهبة الايمان تنادي جميع المسيحيين من أجل التعاون الارسالي. هذا الوعي الارسالي تغذيه تنشئة مسيحية سليمة، وتبشير جيد، بالاضافة الى عيش الليترجية وتنشئة سليمة على الصلاة. وهو ينمو من خلال ممارسة الانفتاح في المحبة وتقبل الآخر، ومن خلال المرافقة الروحية والتأمل والتمييز الروحي، كما تدعمه البرامج الرعوية التي تهتم بشكل مميز بتنشيط الدعوات الجديدة والعناية بها.
فالدعوات الجديدة الى الحياة الرهبانية والكهنوتية تُزهر في بيئة روحية خصبة لاحقت العناية الجيّدة. فالجماعات المسيحية التي تفهم البعد الارسالي في سر الكنيسة، لا يمكن أن تنطوي على ذاتها. والدعوة، التي هي شهادة للحب الالهي، تصبح فعالة بشكل خاص عندما تعبّر عن التزام جماعي لكي "يؤمن العالم" (يوحنا 17/21).
فالكنيسة تطلب كل يوم عطية الدعوة هذه من الروح القدس. وكما في بداياتها، يوم العنصرة، مجتمعة حول مريم سلطانة الرسل، تتعلّم هذه الجماعة أن تصلي طالبةً من سيدها أن ينبت رسلٌ جُدُد يجيدون عيش الايمان والحب الضروريين من أجل الرسالة.
وبينما أقدّم للجماعات الكنسية في العالم هذه التأملات لكي تساعدها وتوحي اليها ما يجب أن تفعل، أشجّع جميع الذي يلتزمون في خدمة الدعوات بشجاعة وإيمان أن يثابروا في التزامهم، وبعاطفة كبيرة أتوجّه الى المنشّئين، الى معلّمي التعليم المسيحي، وخاصة الى الشباب والفتيات الذي بدأوا مسيرة لتمييز دعوتهم الشخصية، طالباً من الله لهم البركة الخاصة والتشجيع.

الفاتيكان في 3 كانون الأول 2007
البابا بندكتس السادس عشر

vatican
lpj
oessg