البطريرك يوسف فاليرغا

 

السنوات الأولى
ولد يوسف فاليرغا في 9 نيسان 1813 من ابوين هما يوسف فاليرغا وجاتشينتا فراندو في مديته لوانو الواقعه على ساحل ليغوريا بالقرب من مدينه جينوه بايطاليا. وكان السابع من بين ثمانيه عشر ولداً، مات نصفهم صغاراً، وشغل الباقون مناصب مختلفة.
كان ابوه بَنَّاء يقصده الجميع لامانتة. وكانت امه حكيمه مدبره، فتحت دكاناً لتساعد في حمل احمال البيت  الكبيرة ومسؤوليات الحياة.
كان يوسف اشقراً، حاد الطبع، حاد الذكاء، وعندما بلغ سن الدراسة كانت اليد قصيرة لتعليمة كباقي الطلاب فدخل كطالب داخلي، لكن سيدة مقتدرة طيبة تبرعت بتدريس يوسف كطالب خارجي، وسرعان ما برز بين المتفوقين.بعد ان انه انهى الدراسه النهائية، تسائل كباقي الحكماء ماذا يريد ان يصبح؟ وكان ثلاثه من اصدقاءه دخلوا الدير ليصبحوا كهنة، فتسائل بدوره هو لماذا لا يصبح كاهناً ايضاً؟
ومن هنا بدأت رغبة الكهنوت تستولي عليه، فصارح ابواه بالحقيقه وأبدا الموافقه والتأييد. فلحق بأصدقائه الثلاثة في معهد البينغا الاكليريكي.
الطالب الاكليريكي
لمع يوسف بين طلاب المعهد لما كان له من رجاحة العقل والدأب للدراسة ورصانته اضافة الى شخصيته القويه. لدرجة ان  اصد قائة اتخذوامنه زعيما لهم. ترك المعهد الاكليريكي لمدة سنه كامله، فذهب الى روما وتابع دراسه اللاهوت. وكان امله ان يلتحق بالارساليات.
وسارت  الرياح كما تشتهي السفن، فأعطاة  اسقف البينغا تصريحا للخروج خارج الابرشيه، فتابع في رومادراسة اللاهوت حتى حصل على الدكتوراة في الحق القانوني. ودرس اللاتينية واليونانية والعربية والكلدانية.
اصبح كاهناً ابرشياً وحلمه ان يصبح مرسلا. سيم كاهنا في 17\12\1836 وعمل بعد رسامتة في مجمع نشر الايمان، حيث اسلم اليه عداد الوثائق الصادره باللاتينية واليونانية والعربية. وكان ينتظر تعيينه مرسلا في احى المناطق البعيده ليبذل نفسه من دون ملل او كلل في سبيل المسيح. وكان مسروراً جداً عندما اختاره الموسنيور موسابيني مرافقا له في زياره رسوليه الى كلابريا.
في بلاد الشرق
كان المونسنيور  فيلارديل، القاصد الرسولي في سوريا بحاجة الىسكرتير، فبعث رساله الى مجمع نشر الايمان، فبعث له المجمع الاب فاليرغا الذي انتقل الى سوريا في حزيران 1841. امضى ايامه الاولى في دراسه ملفات القصادة في حريصا والتعرف على المنطقة وعلى اهلها والاطلاع على العادات والتقاليد. واعطاه القاصد صلاحيات النائب العام في القصادة.
وصل الاب فاليرغا الى الموصل بسبب حادثه حصلت هناك وطُلِب منه التدخل بقضيه خلافات عائلية، وبعد ان رأى الوضع الروحي السيئ في الموصل بعث رساله الى مجمع نشر الايمان وشرح لهم الوضع العام في المنطقة وخاصة عن الوضع في بلاد ما بين النهرين. بقي الاب فاليرغا في الموصل عند القاصد الرسولي لبلاد ما بين النهرين ووضع نفسه في خدمه بلاد ما بين النهرين. درس اللغة الكلدانية والكردية، وطبع كتاب التعليم المسيحي بالكلدانية والعربية.
ساءت الاوضاع في الموصل كثيراً جداً ودخل رجال العصابات على الدير حيث يقيم الاب فاليرغا ونجا لانه اجنبي وذهب الى روما اما الرهبان والكهنه فقد اسروهم وقتلو البعض منهم. وثارت فتنه بين المسيحيين والاسلام في المدينه فطاله من هذه المشكله خنجرا في ظهره مما ادخله في غيبوبه لولا ان شابا مسلماً انقذه ونقله الى المستشفى.
نال الاب فاليرغا اعجاب الجميع بنشاطه وغيرتة الرسولية ،فجعله الاب تريوش نائبا عاما في 14 تشرين اول 1844 . وبدأ النائب العام بزيارة الرعايا والكنائس والاديرة في بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين. اهتم الاب بجميع امور القصادة  الرسولية والمحلية. وكانت روما تلمس من تقاريرة عن الاوضاع في المنطقة وطرقة في حل المشاكل نضوجاً وتفهماً للعادات والتقاليد ولعلقية ابناء الشرق.
ارسله المنسميور تريوش الى روما ليبحث في امور مهمه تهم المنطقة والرعايا، وفي نفس الوقت كان البابا يريد ارساله في مهمه جديدة بالغه الاهمية. كان الباب قد قرر اعادة الكرسي البطريركي اللاتيني الى القدس وعينه هو لهذا المنصب الرفيع في شهر ايار عام 1847 .وكان عمره 34 عام. كان الكرسي الرسولي الاورشليمي شاغراً منذ 1291 . ومده هذه الفتره كان الاباء الفرنسيسكان يحرسون الاراضي المقدسة ويقودون جمهور المؤمنين في الامور الروحية ، وكان لرئيسهم صلاحيات النائب الرسولي.
دهش الاب فاليرغا بهذا التعيين. واعطاه البابا فرصه ليذهب بعا عند اهله وذوييه ليراهم قبل المغادره الى الاراضي المقدسة.
بطريرك القدس
في العاشر من تشرين الاول 1847 قام الحبر الاعظم بمراسم السيامة للبطريرك الجديد وكتب البطريرك الجديد رساله لامة وكتب رسالتين للاراضي المقدسة بالعربية واللاتينية وبقي اسبوعين في روما يتحدث الى البابا ويسترشد منه عن واجباتة وصلاحياتة وعلاقاتة مع السلطات الحاكمه ومع الناس.
وصل الى الاراضي المقدسة على متن باخرة فرنسية ووصل الى الرملة واقام هناك ليلة عند الاباء الفرنسيسكان ثم وصل الى القدس بموكب احتفالي استقبله فيه حارس الاراضي المقدسة وبعثه من الدوله العثمانية وكان راكباً جواداً قدمه له حاكم المدينة وخرجت مدينة القدس لاستقبال البطريرك الجديد .
بقي البطريرك في دير المخلص للاباء الفرنسيسكان الى ان حصل على مقر البطريركيه الخاص به، وفي 2 شباط 1849 دخل كنيسة القيامة في موكب احتفالي. وبدا بوضع المخطط الرعوي الذي سيعمل به في الاراضي المقدسة، وبدأ يفكر في كيفيه انشاء رعايا جديدة وزيادة اماكن العبادة، مع العلم انه لم يكن يملك شيئا سوى العناية الربانية التي ستساعده طوال فترة قيادته للبطريركيه.
حصلت العديد من المشاكل ومنها سرقة نجمه الميلاد الداله على مكان الولادة، فتوجة البطريرك والقنصل الفرنسي الى المدينة الخالدة وقابلا البابا الذي شجع البطريرك وشكره على جهودة. وسافرا الى باريس، ودبر القنصل مقابله بين وزير لخارجيه الفرنسي والبطريرك وتحدثا عن العلاقات بين الدوله العثمانيه وقضيه الاراضي المقدسة. طلبت الحكومة الفرنسية من السلطات العثمانية انشاء لجنه مختلطه خاصه لمتابعه حقوق الكنيسة في الاراضي المقدسة، وفجأة يقوم السلطان العثماتي بالانقياد الى روسيا وتثبيت الامور كما كانت بخصوص الاراصي المقدسة، وبعث القيصر الروسي تهديدا الى القسطنطينية، الا ان فرنسا وانجلترا وقفتا الى جانب تركيا، فدارت حرب القرم، وبعد خسارة روسيا بقيت العلاقات متوترة بين الدول، ومن ذلك الحين لم يتمكنو من وجدان حل للقضيه وبقيت الامور كما هي عليها الان حسب فرمان تركي المعروف الى الان بالا(ستاتس كوو).
قام البطريرك بتوفير كادر دراسي للتعليم في المعهد الاكليريكي الذي كان قد اسسه هو في القدس بجانب مقر البطريركية.
رعايا جديدة
كانت رعية بيت جالا اول الرعايا التي بناعا واسسها البطريرك، كان الاب جان موريتا يرعى نفوس الرعيه روحيا ويعلمهم التعليم المسيحي، وبنى الكنيسة بعد ان حصل على فرمان من الدوله العثمانية. اخذ بناء هذه الرعية صدى كبير حيث بدأت القرى الاخرى تطالب بوجود كاهن يتابع اهل المدينة ويتابع التعليم المسيحي، فأرسلت قرية جفنا وفداً الى البطريرك تطالب بكاهن يعلمهم التعليم المسيحي الكاثوليكي، وفي عام 1856 استقر الاب كارديتو وهكذا تاسست الرعية بهدوء. وعلى اثر انشاء رعية جفنا ومرور الاب كارديتو برام الله في طريق جفنا ظهرت عند النفوس رغبه في اعتناق الكثلكه في رام الله. في اواخر 1855 طلبت رام الله بواسطه وفد كاهناً للاهالي وعام 1857 استقر الاب كوتا تماما في رعية رام الله. وبنفس السنه طلبت 30 عائله من الروم الارثوذكس في اللد الانضمام الى الكنيسة الكاثوليكية ، فأرسل اليهم البطريرك الاب الدوبراندو الفرنسيسكاني، وبعد سنتين اسلم الرعية الى الاب سيمون من الاكليروس البطريركي. وانشأ رعيه بيرزيت اللتى بدأت تحتفل بالطقس اللاتيني وقامت رعية الطيبة بفضل كاهني جفنا ورام الله. تمكن البطريرك من انشاء رعايا في كل قرى القدس، وفي الجليل انشأ رعايا نابلس(1862)، ويافا الناصرة(1866)، ورعية السلط شرق الاردن(1866).
رهبانيات جديدة
وجه البطريرك نداء الى الرهبنيات طالبا منهم المساعدة في خدمه النفوس. وجاءت راهبات القديس يوسف واسست مدارس في القدس (1855)، واسست المدارس في بيت لحم(1849)، و يافا(1852). ثم جاءت راهبات الناصرة(1854) فأقمن المدارس في الناصرة (1885)، وحيفا(1858) وعكا (1861)، وشفا عمرو(1864). ودخل راهبات سيدة صهيون واسسن مدرسة في القدس وميتما في عين كارم. واسس الاب بلوني من كهنة البطريركية ميتما للاولاد في بيت جالا ثم نقله الى بيت لحم.
القاصد الرسولي
رأى الكرسي الرسولي هذا الانجاز الكبير الذي قام به البطريرك، فعينه قاصداً رسولياً في سوريا ولبنان، ومن وقتها اخذ يقسم وقته بين الاردن وفلسطين شتاءاً وربيعاً وسوريا ولبنات صيفاً وخريفاً.
فكان يمثل الكرسي الرسولي لدى الكنائس الكاثوليكية الشرقية، والتوسط بينها وبين مجمع نشر الايمان.
المراحل الاخيرة
تعب البطريرك من كثرة السفر بين البلدان من سوربا و لبنان وفلسطين ودول اوروبا، واخر زياره له كانت من سوريا الى لبنان والاردن وفلسطين، وفي الاردن شدد رعية السلط ومهد لانشاء رعايا جديدة في كل من الرميمين والفحيص والسلط وعجلون وعنجرة.

وفي الثاني من كانون الاول 1872 انتقل الى رحمه الله بعد فترة طويلة من ملازمة الفراش وكان له من العمر تسعة وخمسين عاماً. ودفن في كاتدرائية البطريركية وكان قد ترك البطريركية التي اعاد احياءها بجهده وبمعونه الله واللتي مازالت تواصل خدمة ورعاية النفوس الى الان بنعمه الله تعالى.

الإكليريكي سلام حداد

11
vatican
lpj
oessg