" اذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة "
إخوتي الأعزاءَ في المسيحِ يسوع،
ها نحنُ على أعتابِ الأسبوعِ المقدَّسِ إذ نسمعُ الجموعَ تهتفُ "هوشعنا لابنِ داود". واليومَ نسمعُ إنجيلَ المرأةِ الخاطئةِ والزانيةِ التي قَبِلَت يسوعَ ملكاً على حياتِها، لذا دعونا نتأمَّلُ اليومَ في شخصيَتِها قبلَ الدخولِ في سِرِّ الآلامِ والقيامة، وبذلكَ يذكِّرُنا اللهُ أنَّ الوقتَ لم يَفُتْ بعد. نلاحظُ قبلَ كُلِّ شيءٍ دورَ الشريعةِ السلبيِّ التي قد تقتلُ الإنسانَ ولا تساعدُهُ على الحياةِ بل على القتل، وعندما نتمسَّكُ بهذهِ الشريعةِ نصبحُ أصوليينَ لهذهِ الشريعة.
يأتي الفريسيونَ ليسألوا يسوعَ عن الزِّنى، ولكنَّ يسوعَ لم يُجِبهُم بشيء، بل بَقِيَ صامتاً وخطَّ على الأرض، وذلكَ ليقولَ لهُم أنَّهُ ليسَ الدّيانَ بل الرحمةَ والرحيمَ والطبيبَ الشافي للسِّقام، ولكنَّهُم في المقابلِ لم يفهموا ذلكَ بل كانوا كما قالَ يسوعُ لهُم قبلاً: "أنتم كالقبورِ المُكلَّسة". هُم كفِرعَوْنَ قاسي القلبِ الذي لم يرحمِ العبرانيينَ في الزَّمان الغابر. هذا التاريخُ الطويلُ بينَ اللهِ وشعبِ العهدِ القديمِ الذي كانَ في كثيرٍ منَ الأحيانِ قاسي القلبِ ولا يريدُ منحَ بركةِ الربِّ لباقي الأمم. وهذا ما نشاهدُهُ في بدايةِ هذا المقطعِ الإنجيليّ. لكن قبلَ أن نرى الزِّنى بمفهومِنا اليوم، علينا أن نرجعَ إلى معنى الزِّنى في الكتابِ المقدَّس، إذ أنَّ اللهَ حرَّمَ الزِّنى على الشعبِ لأنَّهُ عبادةٌ للأوثانِ التي كانت تفتنُ قلبَ الشعبِ وتردَّهُ عنِ الله، والزِّنى أيضاً هوَ إهانةٌ للجسدِ ولخالقِه، لذلكَ حرَّمَ اللهُ الزِّنى . إنَّ هذا كلَّهُ لأنَّهُ يعملُ على عدمِ توازنٍ بينَ الإنسانِ وأخيهِ الإنسان، كما كانت خطيئةُ قائينَ الذي قتلَ هابيلَ أخاهُ وعَمِلَ على عدمِ الانسجامِ بينَهُ وبينَ الطبيعة.
"مَنْ مِنْكُم بلا خطيئةٍ فليَرْمِها بحجر". الكُلُّ خطأةٌ والكُلُّ بحاجةٍ إلى غفرانِ تلكَ التي هيَ سمةُ الجنسِ البشريِّ الضعيفِ والواهن. ولكن قد أتى مَنْ هوَ أقوى مِن هذهِ الطبيعةِ وانتصرَ على الشَّرّ. هذا هوَ دورُنا في هذهِ الأيامِ التي نحاولُ فيها أن نقمعَ ضُعفَنا بالإماتةِ والحرمانِ والصوم، وذلكَ ليسَ لنقولَ أنَّنا صائمونَ بل لنقوِّيَ إرادَتَنا الواهنةَ والضعيفة. وهذا ما يدعونا إليهِ ارميا النبيّ: "مزِّقُوا قلوبَكُم لا ثيابَكُم".
ها إنَّ يسوعَ وحدَهُ معَ المرأة التي شعرت برحمَتِهِ وحنانِهِ على الخاطئ، وكانت نظرتُهُ نظرةَ رحمةٍ لها فقال لها: "وأنا لا أحكُمُ عليكِ". هذا هوَ جوابُ يسوعَ أمامَ توبةِ الخاطئِ وندامَتِه. لذا لم يَفُتِ الأوانُ بعدُ للندامةِ والرجوعِ إليهِ تعالى. لذلكَ وضعتِ الكنيسةُ هذا الزمنَ الذي هوَ زمنُ افتقادِ اللهِ لشعبِه ليذكِّرَنا دائماً بما يجبُ علينا أن نعمل. وكما قالَ يسوعُ للمرأة: "اذهبي ولا تعودي إلى الخطيئة". هذهِ هيَ دعوةُ المرأةِ في حياتِها الجديدةِ في أن تُبَشِّرَ بيسوعَ المسيح، وألاّ تعودَ لطريقِ الخطيئةِ بل تتذكَّرَ رحمةَ اللهِ لها في كُلِّ يومٍ مِن أيامِ حياتِها.
ونحنُ اليومَ إخوتي، ماذا نستخلِصُ مِن كُلِّ ما تأمَّلْنا فيهِ في إنجيلِ المرأةِ الزانية ؟؟؟!
أولاً: أن نستغلَّ الفرصَ التي تأتينا للتوبة، ففي يومِنا هذا وخصوصاً في الزمنِ الأربعينيّ هنالكَ فرصةٌ كبيرةٌ للتوبةِ لذا علينا أن نأخذَ بزمامِ الأمور ونعملَ لخلاصِنا الروحيّ. ومِن ثُمَّ نهتمُّ بخلاصِ إخوتِنا الذينَ هُم بالقُربِ مِنَّا. بذلكَ نختبرُ حُبَّ اللهِ لنا، وهذا يُساعِدُنا أكثرَ على النُّموِّ في حياتِنا الروحية.
ثانياً: أن نعترفَ بخطايانا التي اقترفناها بحقِّ اللهِ وبحقِّ القريب وبحقِّنا، ليكونَ لنا بمثابةِ بدايةٍ جديدةٍ في حياتِنا. وبذلكَ نشاركُ المسيحَ في موتِهِ وقيامتِهِ، وهكذا يموتُ الإنسانُ القديمُ ويحيا الإنسانُ الجديد، ونردِّدُ بعدَها معَ القديسِ بُولس: "لست أنا أحيا بلِ المسيحُ يحيا بي".
ثالثاً: أن نُبَشِّرَ بيسوعَ كُلَّ الناسِ ونُعْلِنَ عملَ حبِّهِ الخلاصيِّ مِن أجلِنا ومِن أجلِ الناس، وذلكَ ليس باللسان فحسب بل بأعمالِنا وبشهادتِنا لهُ في حياتِنا اليومية. وبالتالي نستحِقُّ اسمَ أن نكونَ مسيحيين، وذلكَ بالاقتداءِ بذاكَ الذي تنازلَ وشارَكَنا في ناسُوتِنا.
"يا مريمُ ملجأَ الخطأة، ارأفي بِنا عندَ ابنِكِ الحبيبِ الذي يدعونا للندامةِ والرجوعِ والتوبةِ عَن خطايانا، أعطِنا أن نكونَ على أُهبَةٍ الاستعدادِ دائماً لقبولِ نعمةِ التوبةِ في حياتِنا، وبذلكَ نستحِقُّ موتَ وقيامةَ سيِّدِنا يسوعَ المسيح".
الإكليريكي علاء مشربش