إخوتي الأعزاء، في الزمنِ الأربعيني يكثرُ الحديثُ عن الألمِ والموتِ والخطيئة، فجاءَ إنجيلُ هذاَ اليوم ليقولَ لنا أن الألمَ موجودٌ لتظهرَ محبةُ اللهِ لنا. وفي مغفرة الخطايا تظهرُ رأفةُ ورحمةُ الله، فلو لم يمُت السيدُ المسيح على الصليبِ من أجلنا لما عرفنا قدرَ محبةِ اللهِ لنا. لقد سمعنا حادثةَ شفاءِ الأعمى مُنذُ مولِدِه، فابتدأ النصُ الإنجيلي بتساؤلٍ وجِّه إلى يسوع من قِبَلِ الرُسل، فقد سألهُ التلاميذ مَن خطئَ هو أم والداه؟ وعند سماعنا هذا التساؤل الذي يضرِبُ جذورهُ في عقليةِ الرُسلِ والعالم القديم، وذلك بما يخصُ الارتباطَ بين الخطيئةِ والألمِ والمرض واللعنة.
ولكي نفهمَ ما الذي يجري فلنعودَ معا إلى سفرِ أيوب. فكُلُنا نعلمُ مُعاناةَ وخبرةَ أيوب مع الألم، فقد جاءَ سِفرُ أيوب ليقولَ بأن المرَضَ والألمَ ليسا بالضرورةِ بسبب الخطيئة، فأيوب لم يقترف ذنباً ومع ذلكَ عانى أشدَ الآلامِ والمصائبِ بعدَ أن كانَ يمتلِكُ كُلَ شيء، فقد كان المقصود منَ اقتران الألمِ بالخطيئةِ هو المعنى التشبيهي، فالخطيئةُ كالمرض تُؤلم وتُسببُ المعانة، وهذا ما أردَ أن يُعلِمَهُ الله للبشريةِ على مدارِ تاريخِ الخلاص، فحينَ تساءل التلاميذُ كانوا على مسافةٍ بعيدةٍ من فكِ رمزِ الارتباطِ بين الألمِ والمرض من جهةٍ والخطيئةِ من جِهةٍ أُخرى، وبغيرِ ذلكَ يكونُ الله عديم الرحمة! لأنه هنالك الكثيرَ منَ الألمِ والمرض والويلاتِ في عالمنا، وحتى يسوع نفسه أشار إلى ذلك عندما التقى المُقعد الذي شفاه وقال له: "اذهب ولا تعد إلى الخطيئةِ مرةً أُخرى"، وإنما أرادَ يسوع بذلكَ أن يسمو بمفهومِ الارتباطِ هذا، ليُشيرَ إلى الألمِ الذي تُسبِبُهُ الخطيئة. وأما لماذا لا نشعر بألم الخطيئةِ فلأننا نحيا بقوانينِ هذاَ العالم دونَ الإحساسِ بملكوت السموات والذي يجب علينا أن نحقِقَهُ على الأرض.
وفي إنجيل اليوم نرى يسوع يُجيبُ على عجلٍ وبوضوحٍ تام على تساءُلِ التلاميذ، بأنْ لا هذا ولا والداه أخطآ ولكن لكي تظهرَ فيهِ أعمالُ الله، رحمةُ اللهِ بمغفرةِ الخطايا كما بشفاءِ الجسدِ من المرض.
ثم يتنقل يسوع مِنَ الكلامِ إلى الفعل "فيتفُلَ ويجبل"، وما أن نسمعَ هذهِ الكلماتِ حتى يرتدَ صداها من سِفرِ التكوين عندما تفلَ اللهُ وجبلَ فخلقَ الإنسانَ ونفخَ فيهِ نسمةَ الحياة، وها هُنا يسوع يُعيدُ خلقَ الأعمى مِن جديد ولكنَّ هذهِ المرة ليسَ أعمى بل ثاقبَ البصر، وذلكَ بعدَ أن أضافَ إليهِ قائلاً له: "اذهب واغتسل في بِركَةِ سِلوام" ففي سفرِ أشعيا ترمزُ هذهِ البركة للعنايةِ الإلهيةِ التي تُغلِفُ الإنسانَ كما لو كانَ ذلكَ قبلَ أن يكتشِفَ أدمَ وحواء أنهم عُراة، فبذلكَ يكونُ يسوع قد شفاهُ مِن عماه فولَدهُ ابناً لهُ كما لو أنه عمَّدهُ، ولأنَّ يسوع قالَ بنفسهِ أنهُ نورُ العالم كان هذا الأخير ابناً للنور، فنراهُ ما أن لَبِثَ أن أبصرَ النورَ حتى شهِدَ لهُ رسولاً، فقد أشارَ القديس يوحنا على أنَّ البِركةَ تُعرفُ بِبِركةِ الرَّسول. ولكنَّ شهادةَ هذا الرَّسول اقترنت بالصعوبات، فقد بدأَ معهُ مُسلسلُ الاستجوابِ والتحقيق، مِن قِبَلِ مُحِيطِه جيراناً وفريسيين, حتى أنهم اختلفوا على شخصيةِ يسوع، "خاطئ هو أم لا"، ولأنهُ أتمَ الشفاءَ يوم السبت، مع أن يسوع بصنعه العجائب وخصوصا في السبت يحقق معنى السبت الحقيقي وهو الراحة في الملكوت دونَ ألمٍ ونقص. فيأتي الأعمى الذي شفاهُ ليُدافِعَ ويشهدَ أمامهم فيقول: "إنه نبي، وإن كان خاطئ فكيفَ يَستجيبُ لهُ الله لولا أنَّهُ مِن عندِ الله". ويشهدَ أيضاً لنفسهِ بأنَّهُ تلميذهُ، فحينَ طلبوا منهُ إعادةَ روايةِ ما حدثَ لهُ فيُجِيبُهم: "لقد قُلتُهُ لكُم فلم تُصغوا، فلماذا تُريدونَ أن تسمعوهُ ثانية؟ أتُراكم ترغبونَ في أن تصيروا أنتم أيضاً تلاميذه؟". هذا ما أراده يسوع من تلك العجيبة، أن يرتدَ الإنسانَ عندما يُبصرُ النورَ ويعترفَ بهوية يسوع. ثم تكتملُ شهادَتُهُ عندما التقاهُ يسوع مرةً ثانية فسألهُ إن كانَ يؤمِنُ بابنِ الإنسان، فاكتفى مِن يسوع فقط بأن أشارَ إلى نفسهِ بأنهُ كذلكَ حتى آمنَ وسجدَ له.
وأما الفريسيون فكانَ نصيبُهم مِن يسوع بالحُكمِ عليهم بثباتِ خطيئتِهم، وتتمةِ نبوءةِ أشعيا القائلة: "تسمعونَ سمعاً ولا تفهمونَ، ومُبصرينَ تُبصِرونَ ولا تَنظرون". فقد انفردَ إنجيلُ القديسِ يوحنا بحادثةِ شفاءِ الرجلِ الأعمى مُنذُ مولِدَهُ، وسَرَدها بِتفاصِيلها ليصلَ بنا إلى هذهِ النتيجة، فقد أرادَ أن يُعمِقَ ويوضِحَ كيفَ يكونُ الأعمى مُبصِراً والمُبصِرُ أعمى، فإننا نرى كم كان سريعاً ارتدادُ الأعمى بعد شفائه، فأصبحَ تلميذاً بسرعة ومُبَشِّراً ومدافعاً عن البشارة فكأنه للتو دخل الملكوت.
أخوتي الأعزاء، وبعد خوضِ تفاصيلِ هذهِ الحادثة، دعونا نَنسجُ خيوطاً بينها وبيننا، فَمَن أكثرُ مِنَّا معرضٌ في هذهِ الدُنيا لسماعِ تعليمِ يسوع، فنحنُ أولاً بُعمادنا نولَدُ أبناءً ممسوحينَ رسلاً للمسيح، وبامتياز مسؤول كمدعوينَ من قِبل لله، ففي كُلِ يومٍ ندرُسُ كلِمةَ الله ونتعمقُ فيها مِن جميعِ النواحي، الكتابيةِ منها واللاهوتيةِ أيضاً ونتعلمُها فنُردِدُها للآخرين بحُكمِ رسالتِنا، ولكن هل نسمعُها وننقُلَها دونَ تطبيقها في حياتنا كشهادةٍ للنور؟ أم نكونُ كما قالَ الفريسيونَ للأعمى المعافى: "أنتَ تِلمِيذَهُ، أمَّا نحنُ فإننا تلاميذُ موسى"، فكُلُنا يعلمُ أنَّ المسيحَ جاءَ شريعةً حية، فهل نكونَُ أحياءً بالشريعةِ أم محكومً علينا بالشريعة، فالفريسيون أكتفوا بنقلِ حرفِ الشريعةِ دونَ نسمةِ الحياةِ التي تبثُها الشريعة!
هكذا نفعل نحن عندما نكتفي بالمسيحيةِ دونَ المسيح، كما قالَ غاندي: "أعطوني مسيحَكُم وابقوا مسيحيتَكم لكُم" أو كأن نبقى متجلِّينَ على الجبل كبطرس؟ فلننزِل عن الجبلِ ونرىَ الواقع كما أبصرهُ الأعمى فبدءَ يُبشرُ ويدافعُ عن الرسالة. فالذي يُريدُ أن يعملَ كابنٍ للملكوت فالوقتُ قد حان، فلا السبتُ ولا الخوف يستطيعان أن يُقيِّدا الروح، فالمسيحُ لم ينتظر حتى يمضي السبت لأن الملكوت هو الآن، وإذا حلت النعمة بطُلت الخطيئة، وكذا فعلَ تِلميذُهُ الذي شفاه فلم يبقى تحت ثِقَلِ الخوفِ منَ الفريسيين وصعوباتِ الدعوةِ بل أشار إلى الحق.
وأخيراً ها نحنُ نقترب أسبوعاً آخر من القيامةِ حيثُ يكتملَ التحضيرُ الذي بدأناه بالصوم والتوبة والارتداد بتجديدِ مواعيدِ عُمادنا، لنُخلَقَ مِن جديد أبناءً وورثةً لملكوتِ يسوع، مبصرينَ النور كما أبصرهُ الأعمى، ومشاركينَ بأفراحِ واستحقاقات السيد المسيح القائم من بين الأموات، فمن لم يبدأ بعد فلينهض وليباشر المسيرة فالوقتُ لم يفوتها بعد، ومن بدئها فليستمر، فأمنا العذراء استمرت مع يسوع حتى الصليب.
الإكليريكي سامر هاني حداد