الأحد الثالث من زمن الصوم
"اسقيني... إن عطش أحد، فليجئ إليّ ليشرب"
في الأسبوع الثالث من زمن الصوم تضع لنا الكنيسة حادثة السامرية، قد نتساءل ما هو الحدث المميز لتضع أمنا الكنيسة هذه الحادثة أمامنا في زمن الصوم. لنتأمل قليلا بأحداثها:
المسيح مع تلاميذه ماراً بالسامرة متجهاً نحو الجليل– يستريح يسوع على حافة البئر وتلاميذه يذهبون لشراء الطعام – قدوم المرأة السامرية – سؤال يسوع "اسقيني" – الحوار الذي دار بين السامرية ويسوع عن ماء الحياة...

يسوع عطشان:
"اسقيني"... نسمع صداً لهذه الآية في صرخة يسوع على الصليب في إنجيل القديس يوحنا (19: 28) قائلاً: "أنا عطشان"... لو تعمقنا في المقطع الإنجيلي فإن السامرية قد أهملت سؤال يسوع ولم تعطه ليشرب، حتى بعد أن عرفت بأنه مسيح الله وانتهى الأمر بالحديث عن ماء الحياة، وبالعودة إلى الصليب فالجنود قد أسقوه خلاّ وضعوها في اسفنجة.
نلاحظ أيضا كلام السيد المسيح عن ماء الحياة وعلاقتها بالماء التي خرجت من جنب يسوع وفاضت لتصبح انهار بركات ونعم لجميع الذين يستقون منها.
رسالة شمولية
حديث يسوع مع السامرية هو بشارة لأعداء اليهود، فالمسيح بحديثه مع السامرية يكسر كل العادات التي تحرم اليهود من الحديث مع أهل السامرة ولا يكتفي بذلك بل يعلن لها بأنه ماء الحياة وبأنه مسيح الرب... وعلى الصليب، فموت السيد المسيح هي رسالة شاملة للجميع دون تمييز لتوحيد الجماعتين بدمه الذي أريق على الصليب.
أحداث واضحة وربط واضح بين أحداث السامرية وأحداث الصلب وموت السيد المسيح... لكن ماذا يقول لنا الإنجيل الطاهر اليوم في عالمنا هذا؟
رسالة واضحة "اسقيني" كم هم العطشانين في حياتنا اليوم؟ وهذا العطش هو عطش روحي ومن ثم عطش مادي. عطش روحي: لسماع كلمة الله تعالى التي تروينا، لان الذي يشرب منها لا يعود مجددا لكي يشرب لأنها تكفيه إلى الأبد "أما من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا، فلن يعطش أبداً". وعطش مادي: أي كم هم عدد المحتاجين في عالمنا لنمد لهم يد المساعدة، كم هم الناس الذين لا يجدون خبزهم اليومي، ومن هنا نتذكر كلام السيد المسيح "كل مرة عملتم هذا (أي عمل الخير) لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار فلي عملتموه" (متى 25: 40).
عطش المسيح لامتلاك القلوب هو عطش البشر اليوم لامتلاك الله للعيش معه للأمانة له ولتعاليمه التي تمنحنا ماء الحياة وتفيض في نفوسنا، إلا أن هذا العطش وان جاز التعبير يُشفى بكثير من المشروبات غير ماء الحياة، لكي يسكت الإنسان عطشه ولكنها تعود وتجعله يبحث مجدداً عن ماء الحياة.
هناك من يبحث عن ماء الحب وماء الكنوز وماء السلطة وماء الجاه وماء التملك إلا انه مازال عطِشا، عطِشا لذاك الذي يعطي ماء الحياة، عطش لسماع كلمة الله تقول له: "أنا ماء الحياة، والماء الذي أعطيه يفيض بالحياة الأبدية".  
قد تقولون لي: لا فهناك من هم بغير حاجة إلى هذا الماء، إلى هذا الحب! نعم هناك من هم بغير حاجة إلى الله لأنهم قتلوا الله في حياتهم، إذا صُلبَ المسيح في حياتهم وفي أعماقهم ومازال مصلوبا يصرخ بأنه عَطِشٌ إلى توبة هؤلاء الخطاءة، عطِشٌ إلى رجوعهم لحضن الآب والكنيسة، إلا أنهم يمدون له خلاً ليزيدوا من أوجاعه، وهذا الخل هو الجراحات التي نهينه بها.
عطش المسيح لم يعد يعني شيء لعالم اليوم، لهذا العالم الذي يبحث عن الله بطريق بعيدة كل البعد عنه، فهو يبحث عن الله من خلال التطور والثقافة والالكترونيات والتي هي بحد ذاتها خير، لفائدة الإنسان ولتقدمه، إلا أنها أبقت السيد المسيح معلقاً على صليب قلوبنا صارخا "أنا عطشان" طالباً منا "اسقيني".
وكم هم الأشخاص المصلوبين والذي يصرخون صرخة العطش إلى الحب والماء والخبز اليومي وما من مساعد، فالكل مهتم بنفسه والكل يبحث عن إرضاء نفسه وراحتها.
إخوتي الأحباء، حاجة البشر اليوم إلى المسيح هي حاجة كبرى، فعلى كل مسيحي وخاصة تلميذ المسيح أن يكون مُجَسِّداً لحضور المسيح بين إخوته، بأن يكون مسيحا فاديا فاض من جنبه دم وماء ليغسل العالم من خطيئته وليقوده إلى حظيرة الآب الواحدة.
في عالمٍ يصرخ الحاجة إلى الخبز اليومي، على تلميذ المسيح وعلى كل مسيحي أن يُجسِّد قول المسيح: "أنا ماء الحياة"، بأن نوفر لكل محتاج ما يحتاجه وأهمها الله تعالى وخدمة الأسرار ومن ثم المساعدة المادية التي هي واجب علينا كلنا وخاصة في هذا الزمن، زمن الصوم المبارك، الذي فيه على كل مؤمن أن يوفر ولو القليل من صومه لإعطائه للمحتاج لذاك الذي يصرخ "اسقيني" لان هذا التوفير هو حقٌّ له وحرامٌ علينا.
لم تنتهي رسالة المسيح مع السامرية بصورة نتوقعها، فقد أصبحت السامرية رسولة لأهل السامرة، فذهبت وبشرت بأنها عرفت المسيح، فأقام عندهم وبشرّهم بملكوت الله. فالمسيح يسوع يروي كُلَّ إنسان يعطشُ إلى كلمة الله تعالى، فرسالتنا هي رسالة شمولية لكل إنسان يبحث عن الله تعالى وهو بحاجة إلى هذا الماء، ماء الحياة الأبدية، التي فيها يتطهر المؤمن من جميع خطاياه ويتقرب أكثر وأكثر من احتفالات الأسبوع المقدس، أساس إيماننا المسيحي: موت المسيح على الصليب وقيامته في اليوم الثالث.
هل أنت عطشان؟ هل حولك من هو عطشان؟ فأنت المسؤول عن خلاص نفسك وخلاص الآخرين لمعرفتك بأن المسيح هو ماء الحياة، فلا تتباطىء... لأنه قال: "إن عطش أحد، فليجئ إليّ ليشرب. ومن آمن بي، كما قال الكتاب: تفيض من صدره أنهار ماء حيّ" (يوحنا 7: 37). آمين.  

إبراهيم أنيس نينو

vatican
lpj
oessg