الاسبوع الثاني من زمن الصوم

الأسبوع الثاني من زمن الصوم  "التجلي"

إخوتي الأعزاء، سلام المسيح معكم دائماً...
إن تجلي يسوع المسيح يقودنا نحو الفصح أي نحو سر الموت والقيامة. ويقع الحدث بعد اعتراف بطرس في قيصرية فيلبس بأن يسوع هو المسيح ابن الله الحي، وبعد أن أنبأ يسوع لأول مرة بآلامه وصلبه. إذاً يقع التجلي في منعطف رئيسي من حياة يسوع العامة، حيث يكشف نفسه لتلاميذه ليُثّبت إيمانهم.
هذا المنعطف أي التجلي سأحاول اليوم أن أشرحه متبعاً سياق الآيات الإنجيلية حتى نخرج منه ببعض الأفكار الجديدة والمفيدة لحياتنا الروحية.
                                        
يقول الإنجيل: "مضى يسوع ببطرس ويعقوب ويوحنا وصعد الجبل ليصلي"
صعد يسوع ليصلي ثم تجلى أمام التلاميذ. فالتجلي يستلزم أولاً صعوداً أي الصعود إلى القمم والابتعاد عن هموم الأرض. وثانياً إنفراداً في الصلاة.
إن غاية كل تجلي هو اتحاد النفس بالله بالصلاة. وثمرة التجلي هي التغيير الخارجي والداخلي معاً: الوجه والثياب والأعماق. يعلمنا السيد المسيح من حادثة التجلي أن نكون معه دائما في الصلاة ليس في الوقت الذي نشعر فيه بالرغبة بل عندما نحس بالمشقة والجفاف الروحي، لأننا لا نعرف في أية ساعة يتجلى فيها الرب.
وصعد الجبل ليصلي. الجبل في الكتاب المقدس هو مكان لقاء الإنسان بالله والله بالإنسان. لكن طرق الجبل صعبة. فالمسالك كثيرة ومتعرجة. وفي ذلك رمز على أنه قبل المجد يأتي التواضع وقبل القيامة يبرز الألم. الجبل هو مكان مهم في الكتاب المقدس، على الجبل أراد إبراهيم أن يقدم ابنه اسحق ذبيحة للرب. على الجبل أعطى الله موسى الوصايا العشر، أما بالنسبة للمسيح فلدي ه ثلاثة جبال: 1- جبل التطويبات ويظهر عليه المسيح نبيا معلماً. 2- جبل التجلي ويظهر عليه المسيح ملكاً في أبهى حُلَل مجده. 3- جبل الجلجلة ويظهر عليه المسيح كاهناً لم يقدم خرافاً ولا ثيراناً بل قدم ذاته ذبيحة. وهنا نكتشف أن المسيح هو نبي وملك وكاهن.
في سفر المزامير (24: 3-4 ) لا يصعد إلى جبل الرب إلا النقي الكفين والطاهر القلب، وفي مزمور (87: 1) على الجبال المقدسة أسس الرب صهيون، وفي أشعيا (2: 3) على الجبال يعلِّم الرب طُرُقه وسلوكَ سُبُلِه، وفي سفر التكوين (22: 1-2) على الجبال امتحن الله إبراهيم. إذاً الجبل هو رمز الرسوخ والثبات والقوة. حياة المسيح بدأت على جبل التطويبات (متى4: 8) وانتهت على جبل الجلجلة (متى 28: 16)، ونحن! المدعوون إلى حقل الرب ألسنا نعيش في جبل الرب (المعهد الإكليريكي) الذي لا يدخله إلا المدعو ، وفيه يُنَشأ  ويتعلم طرق وسلوك الرب وفيه يَمتحن الله كل واحد منا، وكلنا يعرف أن الطريق طويلة وفيها المشقات من أجل وصول القمة. في حادثة التجلي كما في المعهد وفي كل مكان يقترن الألم بالمجد، الألم الذي تحدث عنه المسيح قبل التجلي والذي يجب أن يتحمله كل تلميذ للملكوت. لكن الألم يعقبه المجد، والله يكافئ بالمجد كل من سار في درب الآلام كما أنشدنا قبل قليل في نشيد الغروب مرددين: إنّ له الطوبى والمجد. 

ويواصل الإنجيل: "وإذا رجلان يكلمانه وهما موسى وإيليا"
لماذا بالذات موسى وإيليا! موسى لأنه تلقى الوصايا على جبل سيناء وهو يرمز إلى الشريعة، وإيليا لأنه صعد إلى السماء في مركبة نارية وهو يرمز إلى الأنبياء. ولقد ظهرا ليقدما الخضوع للمسيح ابن الله. كون المسيح في الوسط  يعني أنه خلاصة الشريعة والأنبياء. وهنالك تتابع وتكامل بين مظهر المسيح على جبل التجلي وبين مظهر المسيح على جبل الجلجلة. فكما تجلى في مجده عانى أشد الألم على الجلجلة، وهذه دعوتنا التي فيها تعاقب بين الألم والمجد والمجد والألم. ولكن لا بد من الصمت والصلاة لاكتشاف أصبع الله في حياتنا.
في غمرة المجد والجمال كان موسى وإيليا يحدثان يسوع عن الذل والعذاب. وفهم التلاميذ أن هذا الذي سيتجلى كإله سيتألم كإنسان ضعيف ومهان، وأراد يسوع أيضاً أن يفهمنا أن الحديث على الأرض يجب أن يبقى حديثا عن الألم والعذاب، وأن أسعد ساعات حياتنا وفي أوج صلاتنا ينبغي أن نتألم مع المسيح.

ويواصل الإنجيلي متحدثاً عن رد فعل بطرس إذ قال: "حسنٌ أن نكون ههنا فلو نصبنا ثلاث خيم"
يمكن أن نعطي حكماً إيجابياً وآخر سلبياً على جملة بطرس. فالحكم الايجابي هو الرغبة المشتعلة عند بطرس في المكوث مع المسيح وليس فقط المرور العابر والعلاقة السطحية. أما بالنسبة للحكم السلبي فهو اعترافه فقط بمسيح مجيد لا ظل للألم في حياته. أليس هذا ما فعله بطرس بالتجلي ولم يفعله في الجلجلة. ونحن! هل نطلب الله ونعترف ونؤمن به فقط في الراحة والسهولة والانبساط؟ وماذا عن الألم والصعوبة والتجربة والمرض والموت؟ عندما نرى المسيح متجليا أو عندما نرى أنفسنا متجلين في نشوة انجازاتنا ونجاحاتنا نفرح ونريد البقاء معه، لكن يجب أن ننتبه أن جبل التجلي يعقبه جبل العذاب، فهل صداقتنا ومحبتنا ليسوع ستكون فقط في لحظة المجد كما عاشها بطرس. بطرس هذا الذي أنكر معلمه في ساعة الألم. بطرس هذا الذي بدل الخيام الثلاث التي أرادها على الجبل، أنكر معلمه ثلاث مرات أمام جواري وحشم كان من المفروض أن يُخيفهم لا أن يُخيفوه. انطلاقاً من مثال بطرس الايجابي والسلبي لنقيم حياتنا ومواقفنا من يسوع وصليبه! يقول سفر أيوب لنا (2: 10) أنقبل الخير من الله ولا نقبل منه الشر.

إخوتي
يعلمنا يسوع من حادثة التجلي أن حياة الإنسان هي تعاقب بين المجد والضعف، بين التجلي والجلجلة. مسيرة الصوم هي عبور من الصحراء إلى الأمجاد، من الصعوبات إلى الراحة والسعادة. فلنعش الصوم منتظرين مجد القيامة ولنعش الحياة منتظرين الأبدية.
آمين.

جورج أيوب

 

vatican
lpj
oessg

إذا كنت طالب سابق
إضغط هنا