انتصار المسيح على تجارب الشيطان
نبدأُ أيها الأخوة الأسبوعَ الأولَ من الزمنِ الأربعيني، زمنِ الصلاةِ والصوم، زمنِ التوبةِ والارتداد، زمنِ العودةِ إلى الله وإلى الذات. به نَلِجُ إلى البريةِ الداخليةِ، أي إلى قلبِنا، لنعيشَ بعلاقةٍ شخصيةٍ مميزةٍ وفريدةٍ مع الله. هذا الزمنُ هو زمنُ افتقادِ الله لنا.
يروي القديس متى حادثةَ صومِ المسيحِ أربعين يوماً في البرية، ومن ثم تجاربَ الشيطانِ الثلاثِ الذي يستخدمُ الكتاب المقدس ليخدع المسيح، إلا أن المسيح ينتصرُ في النهايةِ مستخدماً أيضاً الكتابَ المقدس.
الزمن الأربعيني هو زمن الولوج إلى البرية الداخلية
- ما هي هذه البرية وبماذا تذكرنا؟
نحن نعرف من خلال التقليد المقدس أن القديس متى قد وجه كتابه إلى المسيحيين من أصلٍ يهودي، لهذا نراه من خلالِ هذا المقطعِ الإنجيلي يذكرُهُم بخبرة خروجِهِم من مصرَ إلى البرية " صعدوا إلى البرية والله نزل لملاقاتهم"، حيث اختبر الشعب بنوة وأمانة الله لوعوده، بينما كان عبداً في مصر " أنت ابني وأنا اليوم ولدتك ". وعلى ضوء هذه الخبرة يُقدِّمُ لهم حادثةَ صيامِ المسيح وانتصارِهِ على الشيطانِ التي تمت أيضاً في البرية.
كان الله بمثابةِ الأب، أطعمَهُم وسقاهُم؛ أنارَ طريقَهُم في الليلِ وحماهُم من حرِّ الشمسِ في النهار. أحبَّهُم وأوصاهُم بأن يُحبُّوه هو وحدَه. فَغَدَت تلك الخبرةُ خبرةً شخصية، فريدةً وحية، لأن الله كان بينهم يُكَلِّمُهُم، وكانوا يُجيبونَه كُلُّهُم بصوتٍ واحد " كل ما قاله الربُّ إياه نصنع ".
ولكن علينا أن ننتبِه أن هذه الخبرةَ مؤقتةٌ ومدعوةٌ للانفتاحِ وللشموليةِ " نحو الأمم " حيثُ لا تَقِفُ عندَ عَتَبَةِ حدودِ الأرض، بل تتعدَّاها إلى داخلِ الأرضِ حيثُ يعيشُ الشعبُ بسلامٍ وبحسبِ إرادةِ الله، ويَكُونونَ بركةَ لكلِّ الأممِ لتصيرَ هي أيضاً من شعبِ الله المختار، فيملكَ الله وقتئذٍ على كلِّ الأرض.
ولكن نرى أنَّ هذه الخبرةَ قد فَشِلَتْ في تحقيقِ المشيئةِ الربانية؛ عَبَدُوا العجلَ وتذمَّروا على الله، جَرَّبُوه وخافُوا عندَ دخولِ الأرضِ وعاشوا كباقِي الأمم. ولكِنْ بالرغمِ من كُلِّ ذلك، إلاَّ أنَّ الله بَقِيَ أميناً لوعودِه، لدرجةِ أنَّهُ نَزَلَ بَينَهُم في شخصِ يسوعَ المسيحِ الذي عاشَ تلكَ الخبرةَ مرةً أخرى بشكلِها الصحيحِ في الوقتِ الذي فَشِلَ الشعبُ في عَيْشِها مِنْ قبل؛ صَعِدَ إلى البريةِ لمُلاقاةِ الله وأنتصرَ على الشيطان، فأصبحَ بركةً وسببَ خلاصٍ للجميع، وحقَّقَ بذلكَ بَدءَ ملكوتِ اللهِ على الأرض ".
- السؤال الذي يَطرحُ ذاتَه: هل من ممكن أن نعيش تلك الخبرة اليوم؟ ومتى؟
بالتأكيدِ نعيشُها مِنْ خلالِ الزمنِ الأربعينيِّ في الصومِ والصلاةِ على نورِ خبرةِ المسيح؛ واليوم توجه لنا الكنيسة هذا النصَّ المقدسَ كدعوةٍ جديدة، لعيشِ تلكَ الخبرةَ في هذا الزمن. ففي هذا الزمن نَلِجُ إلى بَرَّيتِنا الداخليةِ "إلى قَلبِنا" " نُصعد قلبنا إلى الله الذي ينزل لملاقاتنا " لنعيشَ تلكَ الخبرةَ الحيةَ مَعَ اللهِ حيثُ نَحيا فقط مِنْ كلامِه، وندخلَ بصداقةٍ شخصيةٍ وفريدةٍ مَعَه، ليملكَ على قَلبِنا وحياتِنا، ونكونَ بركةً لكُلِّ الناس. ولكِنْ قد نسألُ أنفُسَنا ما هِيَ طبيعةُ هذا الصومِ وهذه الصلاة؟
وهنا أنهي بجوابٍ على هذا السؤالِ من سفرِ أشعيا النبيّ الفصلِ الثامنِ والخمسين بعنوانٍ:
" الصوم الذي يرضي الله "
- يخاطب الشعب الله فيقول: ما بالُنا صُمنا وأنت لم تَرَ؟
وعَذَّبنا أنفُسَنا، وأنت لم تَعلَم؟
- ويجيب الله: لا تصوموا لتُسمِعوا أصواتَكم في العلاء.
أهكذا يكونُ الصوم الذي فَضَّلتُه حين يُعذب الإنسانُ نَفسَه.
تُسمون ذلك صوماً ويوماً مرضياً للرب؟
أليسَ الصومُ الذي فَضَّلتُه هو هذا:
" حَلُّ قيودِ الشرِّ وفَكُّ رُبُطِ النير
وإطلاقُ المسحوقينَ أحراراً وتحطيمُ كلِّ نير؟
أليسَ هو أن تكسِرَ للجائع خُبزَكَ وأن تُدخل البائسين
المطرودين بيتكَ، وإذا رأيت العريان أن تَكسُوَه وأن لا تتوارى عن لحمك؟
إذا تخليتَ عن لُقمَتِكَ للجائع وأشبعت الحَلقَ المُعَذبِ، يُشرِقُ نورُك في الظلمةِ ويكونُ ديجورُكَ كالظُّهر، ويَهديكَ الربُّ في كلِّ حين، ويُشبِعُ نَفْسَكَ في الأرض القاحلة، ويُقوِّي عِظامَك فتكونُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وكيَنبوعِ مياهٍ لا تَنضُب. وبِفضلِكَ يَبنونَ أخرِبَةَ قديمِ الأيام وأنت تُقيمُ أُسسَ الأجيال. أمين