>
الأحد العشرون من زمن السنة

"الرب اختارني مذ كنت في بطن أمي"
بسم الأب والابن والروح القدس الإله الواحد. آمين

أن هذا اليوم لهو من الأيام التي نحتفل به مع الكنيسة جمعاء في عيد القديسين بطرس وبولس. وكما تعلموا يا إخوتي أن قداسة البابا قرّر تخصيص السنة القادمة ابتداء من 28/6/ 2008 حتى 29/6/2009 للقديس بولس للتذكير بسيرته وتعاليمه.

قبل عدة أيام احتفلنا بعيد القديس يوحنا المعمدان سابق المسيح، الذي اعد الطريق للرب ومهد السبل والقلوب له، مشيراً اليه قائلاً: "هوذا حمل الله الذي يحمل خطايا العالم". استشهد المعمدان بقطع رأسه على أيام هيرودس لانه كان يصرخ دائماً ويعلن صوت الحقيقة والصواب، الا ان هذا لم يكن يعجب محيطه لذلك قاموا ضده وقتلوه.
أما اليوم نتابع مسيرة احتفالنا بعيد القديسان بطرس وبولس. بطرس هو ذاك الصياد الذي كان يصطاد السمك في بحر الجليل، واصبح يصطاد البشر في جبال وسهول الجليل وأورشليم، وفي ساحات روما. بطرس هو سمعان بن يونا الذي دعاه يسوع مع اخوه اندراوس، تركا خلفهما اباهما ومصدر عيشهما وشبكتهما وسفينتهما وكل الامور المادية، ولكنها تحولت هذه الأشياء المتروكة ووظيفتهما إلى نِعم من اجل البشرية.
بطرس أصبح رئيس السفينة في وسط هذا العالم الصاخب، فهو صخر بُني عليه الكنيسة ويقود الكنيسة المتمثلة في السفينة في بحر العالم وما فيه من شرور وأوجاع والآلام. واصبح يصطاد بشبكة جديدة هي شبكة الحب والعطاء والبذل والتضحية والعدالة والسلام، ولم يعد يصطاد السمك بل البشر ويمنحهم النعم التي هم بحاجة إليهم من خلال الأسرار المقدسة ويصبحوا هم بدورهم صيادي لرب الجنود.
وبطرس الرسول يعطينا درس علينا ان نتعلم منه ان نهجر ورائنا كل شيء من اجل اتباع يسوع، وعلينا ان نكون على مثاله صيادين ومبادرين إلى كل ما هو صالح يفيد البنيان من اجل الايمان والخير. وان نقدم حياتنا شاهدين لإيماننا حتى الموت. وفي كل صباح علينا ان نكرر قوله "نعم يا رب انت تعلم اني احبك" وحبي ليسوع هذا يتطلب مني ان اخلي ذاتي وأنانيتي لكي يحل حب المسيح في قلبي ليملئني منه ليشع  نوراً للعالم في وسط ظلماته.
المعمدان هو سابق للمسيح، وبطرس هو من عاش مع المسيح، وانكره وشاهد وشهد لقيامته، اما بولس الرسول هو لم يسبق المسيح ولم يعرفه معرفة بشرية ولكنه عرفه بالإيمان.
بولس اسمه قبل اهتدائه هو شاول. ولد في طرسوس وهو يهودي من حزب الفريسيين الذي يحافظون على تطبيق حرفية الشريعة، وهو يفتخر بذلك (فل3/5). عاش طفولته في اورشليم (اع26/4-5) وتتلمذ على يد جملائيل (اع22/3). كان شاول ذا ثقافة يونانية كبيرة، وكان متقناً للغة اليونانية عارفاً بادابها وعاداتها (اقور15/33، 9/24-27) فنحن امام معلم واديب كبير، فاستطاع بعد ايمانه مَسحنة الثقافة اليونانية واعطائها صبغة مسيحية وايمانية.
كان شاول شاباً ذا حمية وغيرة كبرى. كان يقوم باوحش الاجراءات، ويقود بنفسه الحرب ضد المؤمنين بالمسيح وكان يقيدهم بالسلاسل، منزلاً بهم اقسى العقوبات والموت. حياته لم تنتهي بان يموت وهو مُضَطِهد للمسيحيين بل انتهت وهو مُضَطَهد من اجل المسيح. حوالي سنة 35 ميلادي تغيرت حياته كلياً اذ ظهر له يسوع وهو في طريق دمشق متجهاً بكل قواه لقتل المسيحيين، اوقفه يسوع ودعاه ليحمل الحب حيث الحقد، والمغفرة حيث الاساءة، والتواضع حيث الكبرياء، والعطاء حيث الاخذ، ظهر له يسوع ومُخاطباً اياه بان يدخل معه في الحياة الجديدة وهي الحياة في المسيح، وتغير اسمه من شاول إلى بولس فاصبح على مثال الاباء والانبياء له رسالة وشهادة للمسيح.
اصبح بذلك حاملاً وناقلاً يسوع إلى الاخرين، وشاهداً له واصبحت الحياة له هي المسيح، وان كل شيء نفاية في سبيل ان يربح المسيح.
تحمل هذا الرسول العظيم المحن في حياته والاضطهاد والسجن والقيود والشتم والضرب والجوع والعطش، تحمل كل ذلك في سبيل البشارة وهو مقنع بان الذي دعاه قادر على مساعدته، وهو مؤمن بنعمة وقدرة المسيح "تكفيك نعمتي" هذه دعوة لنتأمل في حياة القديس بولس ونقتفي اثاره للسير معه إلى ملء الحياة في المسيح.
نحن اليوم نعيش في وسط عالم متغير وسريع التقلب، عالم لا يوجد لديه قناعات ثابتة، في عالم يطالب يوم عن يوم بفصل الحياة والقيم الدينية عن الحياة اليومية، عالم يقول لا نريد ان نعطي لله ما هو له، بل نريد ان نعطي ما لقيصر ما هو لنا. عالم اليوم هو بالنسبة للمؤمنين بالمسيح هو غربة علينا ان نعيش بها لنتقل إلى ديارنا السماوية، وعلينا ان نكون في هذه الغربة ووسط هذا العالم الملح الصالح، والنور المضيء، والخميرة في وسط العجين. مشاكلنا وحياتنا اليومية مليئة بالصعوبات وبالاحزان وعلينا ان نعيشها بكل ما هي عليه، وان لا نتهرب منها، علينا ان نقدمها في كل يوم إلى الرب يسوع ليحولها إلى قرابين وذبيحة ليتمجد بها، وعلينا ان نؤمن انه بعد الحزن هناك الفرح، وبعد الموت القيامة، فحياة يسوع لم تنتهي على الصليب ولا في القبر لكن القيامة كانت بعد الموت.
بولس الرسول يعلمنا بان نكون غيورين ومتحمسين لإيماننا، وان نعيشه بتمامه وان نشهد له. ايماننا بالمسيح هو ايمان باله حي، هو ايمان باله المحبة الذي يبذل ذاته في سبيل احبائه، والذي عملنا بذل ذواتنا في سبيل الاخرين "ليس لاحد حب بان يبذل نفسه في سبيل احبائه".

في النهاية بولس الرسول هو رسول الامم وهي دعوة لنا بان نصبح مرسلين على مثاله ليسوع المسيح، وان تكون حياتنا هي نفسها رسالة. وان يكون اشتراكنا بالذبيحة الافخارستيا هي نقطة البداية لنكون مرسلين في مختلف مجالات الحياة.
ان اكون رسول يعني ان احمل رسالة معلمي المسيح إلى الاخرين، وان اكون وسيلة نعمة للاخرين، وان اصالح المتخاصمين، وان ادعو الاخرين لعيش الوحدة مع المسيح في الخبز الذي نكسره والكأس الذي نشربه.

ايها القديسان بطرس وبولس... صليا لاجلنا
وكل عام وانتم بخير

الاكليريكي رامز دعيبس

 

lpj
vatican
oessg
إذا كنت طالب سابق
إضغط هنا