اخوتي في المسيح يسوع،
اليوم، هو اليوم الخمسون بعد الفصح، هو اليوم الذي تُعيّد فيه الكنيسة عيد العنصرة، اليوم الذي حلّ فيه الروح القدس على الكنيسة الاولى المؤلفة من الرسل ومريم ام يسوع.
ان القراءة الاولى من قراءات هذا اليوم الاحتفالي تروي لنا حدث حلول الروح القدس كما هي مدونة في سفر أعمال الرسل. انه عيد معمودية الكنيسة وتثبيتها وانطلاقتها الرسولية شاهدةً للمسيح، كما وعدها يسوع قبيل صعوده الى السماء اذ قال لهم: "يوحنا عمَّد بالماء، أما أنتم فسوف تعمَّدون بالروح القدس بعد بضعة أيام... وستنالون قوة بحلول الروح القدس عليكم، وتكونون لي شهودا في اورشليم وفي كل اليهودية والسامرة حتى أقاصي الارض.
هذا هو الروح الذي لا يستطيع أحد ان يقول ان يسوع ربّ الا بإلهام منه كما هو مبين في القراءة الثانية. هذا الروح الذي حلّ على الكنيسة في مثل هذا اليوم بعلامات مرئية. نسمعه كصوت مدوي كعاصفة الريح، نراه ملأ جوانب البيت بل بالأحرى ملأ جوانب الكون. وكذلك نراه يمنح مواهبه للرسل المبينة من خلال اللغات المختلفة التي فهمها الجمع الحاضر في اورشليم فكان كل واحد يسمعهم يتكلمون بلغته.
هذا العيد كان معروفا في العهد القديم، وكان يسمى "بعيد الاسابيع" اي في ختام الاسابيع السبعة التي تلي عيد الفصح اليهودي، وكان بمثابة شكر لله على بواكير غلة الحنطة. كان الحصاد يبدأ في عيد الفصح وينتهي في ختام سبعة اسابيع، وفي اليوم الخمسين كان يتم الاحنفال ومعه ايضا كان شعب العهد القديم يتذكر اليوم الذي تسلّم فيه موسى لوحي الشريعة على جبل سيناء.
ولكن كما حلّ فصح المسيح مكان الفصح اليهودي، هكذا حلّ عيد حلول الروح القدس مكان عيد بواكير غلة الحصاد، وجلب هذا الحلول على الكنيسة وعلى البشرية احسانات روحية، وكان بمثابة بواكير الكنيسة التي نقلها الرسل الى جميع الامم: إيماناً ومعمودية وتوبة ومواهب من الروح القدس وحياة مشتركة. وحلّ مكان تذكار تسليم الوصايا لموسى، عيد تسليم شريعة الروح الجديدة الغير مكتوبة بحبر على ألواح من حجر، بل بروح الله الحي في قلوب البشر. انها شريعة الروح القدس، شريعة الحياة الجديدة المتفجرة من موت المسيح وقيامته.
ولكن وكما هو مبين في انجيل هذا اليوم، العنصرة الاولى وحلول الروح القدس كان يوم القيامة. عشية الفصح عندما كان الخوف يشل طاقات التلاميذ، ويلتهم نفسهم. واذ يسوع في وسطهم، مخترقاً الجدران والابواب نافخاً فيهم روحه القدوس، ومعطياً لهم سلامه، لا سلام البشر الزائف، بل سلام الايمان الراسخ، والثقة المطلقة، السلام الجريء، الراسخ في الاعماق، وفيما قال لهم "السلام عليكم" أراهم جراحه، حيث السلام غالباً ما يقود الى الاستشهاد، لأنه تقبلٌ لله، وتوافق مع مشيئته، وصراع مع قوى الشر.
زودهم بالسلام، فغمرهم الفرح، وأحدث فيهم تحولا مدهشاً، فأولئك الذين كانوا خائفين، تسلحوا بقوة الهية، اتسعت آفاقهم، وشددت قلوبهم. وهذا الفرح لم يكن فرحاً سطحياً عابراً، بل هو فرح القيامة الذي قهر الموت والخوف، الفرح النابع من الايمان بيسوع. وبعد ان منحهم السلام ثانية منحهم المهمة الجديدة التي كان يعدّهم اليها منذ ان دعاهم في بداية حياته العلنية. "كما ان الآب أرسلني أنا أرسلكم" رسالة تستمد قوتها وعظمتها من السماء، من الآب الذي أرسله. لقد جعل كلا من رسله والمؤمنين به يسوعاً آخر مرسلا الى العالم. ثم نفخ يسوع في رسله وقال لهم "خذوا الروح القدس".
وبنفخة الروح هذه، لم يمنحهم مجرد قدرة سرية عجيبة، بل وهبهم الروح الذي تلقاه من أبيه، وهكذا منحهم سر كيانه وشخصه. جعل في تلاميذه المنهارين، حياة هادرة، وأولاهم مع روحه، سلطة الغفران، التي هي كفيلة بتحويل كيان البشر.
وكما نفخ الله روح حياة على آدم في سفر التكوين، ها هو يسوع الذي جعله الله ربّاً، ينفخ قوة الروح القدس على التلاميذ. ذاك الذي اختبر الموت يكشف عن ذاته الان انه سيد الحياة. وبمنحه الروح القدس منحهم الروح المحرر، واهب الحياة، الذي يحب ويسامح بإسم يسوع، ويستبدل قلوباً من حجر بقلوبٍ من رأفة ورحمة.
وهو ما برح ينفخ في كل مؤمن نسمة حياة جديدة مفعمة بروحه، كي يجدد حياة كل واحد منا، اينما وجد، ويحرر العالم من الخطيئة، ومن الشر، ويبث فيه روحاً جديداً.
هو الذي يمكث معنا الى الابد وهو فينا، كمحامٍ، ومعزٍ ومشجع وشفيع، هو روح الحق، الذي يرشدنا الى حقيقة المسيح، وبالتالي الى حقيقة الله الثالوث وحقيقة الانسان، وهو الذي يجعلنا شهودا للحقيقة. وهو الذي يجعلنا ابناء الله ويعلمنا ان ننادي الله الآب "يا ابانا".
وهكذا يكون حلول الروح القدس قد بدأ مساء أحد القيامة، وكان بشكل منظور يوم العنصرة، وهو لا يزال حدث متواصل في حياة المؤمنين والكنيسة، حيث لا يزال يوزع عطاياه ومواهبه على المؤمنين من أجل تقديسهم ومن أجل الرسالة.
فتعال ايها الروح القدس، وأعطنا قلباً جديداً تحيا فيه عطاياك قلباً يغمره الفرح المسيحي. تعال وأعطنا قلباً نقياً يحب الله، ولا يعرف الشر، قلباً كبيراً منفتحاً على كلمتك الملهمة والصامتة والقديرة، قلباً كبيراً وقوياً يحب الجميع ويخدم الجميع ويتألم مع الجميع. لك المجد والشكر الى الابد. آمين.
الشماس جوني أبو خليل