الاخوة والأخوات الأحباء،
نختتم في هذه الأيام الزمن الفصحي، الذي عشناه ونعيشه على انغام الحدث الأهم في العام، ألا وهو موت وقياة السيد المسيح له المجد، وفي انتظار عيد العنصرة اي حلول الروح القدس على العذراء والرسل. في بدايات الكنيسة كان الفصح عبارة عن ذكرى قيامة السيد المسيح من بين الأموات والدخول النهائي في الكنيسة لطالبي العماد بعد تحضير طويل ودسم، في ومن خلال الزمن الأربعيني، حيث يتقدمون لسر العماد في السهرة الفصحية. فيصبحون مسيحيين ويدخلون ضمن عائلة الكنيسة. أما الوقت الذي يتبع يوم ميلادهم الجديد، ميلادهم في الكنيسة، فهو وقت مهم جدا لوعي النعم الكثيرة التي افاضها العماد في كل منهم. لهذا فاقراءات التي تضعها الكنيسة في هذا الزمن (خصوصا في السنوات أ) تهدف الى تعميق هذه الحالة الجديدة للمعتمد الجديد، وفهم عميق لهذا الوضع الجديد الذي اصبحه.
هذه المقدمة تساعدنا على فهم أعمق للقراءات التي سنتأمل بها اليوم، وعيشها متذكرين أنه في ليلة الفصح جددنا مواعيد معموديتنا، مما يسمح لنا أنت نقبل بروح متجدد كلمة الله نبع الحكمة والحق. في هذا الأحد السادس بالخصوص تظهر من خلال القراءات ثلاث مواضيع متصلة الواحدة بالأخرى كما سنرى. في القراءة الثانية من رسالة بطرس الرسول تبدأ بأمر واضح:"قدسوا الرب المسيح في قلوبكم وكونوا دائما مستعدين لأن تردوا على من يطلب منكم دليل على ما أنتم عليه من الرجاء". هذا النص الانجيلي يأتي ضمن اطار الاضطهادات التي يمكن أن تحدث للمؤمن من قبل الأعداء. يجب أن نقدس الله ونعبده بطريقة خاصة في القلوب. فيه يجد المسيحيون القوة بأن يتقدموا بدون خوف أمام المعتدين والمتهمين كشهداء وشهود للحقيقة. "فالمسيح نفسه مات مرة من أجل الخطايا..." هذا هو الدافع العميق الذي يبرر الموقف الشجاع والمحب: ممكن لأن "ايضا مات المسيح مرة واحدة من أجل الخطايا، مات وهو بار من أجل فجار ليقربكم الى الله..." (1 بطرس 3:18). "فقد تألم المسيح ايضا من أجلكم وترك لكم مثالا لتقتفوا آثاره..." (1 بطرس 2: 21).لذا فان آلام المسيح لها قيمة كبيرة بالنسبة للمسيحيين: للحدث الوحيد فقط بأن المسيح، البرئ، قد تألم، والألم بدون سبب بالنسبة للمسيحيين له قيمته الكاملة في آلام يسوع. المسيحي المؤمن يمكنه أن يواجه العالم وكل الذين يضطهدونه بثقة، لأنه بالايمان والعماد يشارك في انتصار سيده. وهذا ممكن لأن المسيح يحيا فيّ.
يقول القديس كيرلس الاسكندري:"الروح يغير صورة الذين يسكن فيهم. يغير وبسهولة كل الأذواق الارضية الى اذواق سماوية، ومن الخجل الى قوة روح، مليئة بالشجاعة والكرم. الرسل كانوا بهذا الاستعداد لذلك أحيوا في الروح ولهذا لم ينتصر عليهم المضطهدون بل متمسكين بقوة بحب المسيح.
"انكم في ذلك اليوم تعرفون أني في أبي، وأنكم فيّ وأني فيكم". (يوحنا 14: 20). من خلال هذه الآية نجد أنفسنا في مركز انجيل اليوم. هذا المقطع الانجيلي (يوحنا 14: 15 – 21) عبارة عن بداية الخطاب الوداعي ليسوع الذي يركز على ذهاب وعودة بسوع. التفكير الأولي يجعلنا نفكر أن مثل هذا النص يجب أن يفرأ قبل الفصح مثلما رتبه يوحنا في انجيله. في الواقع خطاب الوداع الذي يشكل مجموعة من الوعود هو في ذات الوقت انفتاح على فهم الأحداث التي ستتحقق في الأيام التي سوف تتبع، تُفهم كلها على ضوء تذكار هذه الأحداث في القلب والأعين المنارة من بالروح الذي اتى "يعلمنا كل الأشياء". الخبرة التي عاشتها الجماعة المسيحية الاولى ساعدتنا لكي نفهم افضل معنى حضور يسوع في وسطهم بالآب والروح القدس.
"اذا كنتم تحبوني حفظتم وصاياي..." (آية 15). "من تلقى وصاياي وحفظها فذاك الذي يحبني والذي يحبني يحبه أبي، وأنا ايضا احبه وأظهر له نفسي" (آية 21). "اذا احبني أحد حفظ كلامي فاحبه أبي ونأتي اليه ونجعل لنا عنده مقاما" (آية 23). هذه الاستشهادات الثلاث تكوّن تفسيرا عميقا للروابط الموجودة بين حفظ الوصايا والمحبة وحضور الله فينا. موضوع الوصايا التي علينا المحافظة عليها وعدم مقدرة الانسان على الأمانة لها موضوع يخترق كل كتب العهد القديم. نصين من هذا القبيل من كتب الانبياء يشكلان نوعا من الحل لهذه المشكلة وعد كشف عنه ولكنه يبقى غي مكتمل الظهور" أجعل شريعتي في بواطنهم و أكتبها على قلوبهم..." (أرميا 31: 33). "وأعطيكم قلبا جديدا وأجعل في أحشائكم روحا جديدا وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلبا من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسيرون على فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها". (حزقيال 36: 26 – 27). هذه الوعود تصبح واقعية أكثر ومرئية أفضل وقريبة أكثر الآن. وصية يسوع قبل يوم من موته:"وأنا سأسأل الآب فيهب لكم مؤيدا آخر يكون معكم للأبد، روح الحق ... أما أنتم فتعلمون أنه يقوم عندكم ويكون فيكم". (آية 16- 17).
هنا العلاقة مع القراء الاولى ايضا: يظهر من جديد وبوضوح موضوع سكنى الله فينا، "نحن هياكل الله الحي" (1كورنثوس 6: 16). " ادخل الى عمق ذاتك انت الذي اصبحت غريبا عن ذاتك... وأبحث عن الله ووصاياه الكامنة فيك أنت حيث توجد صورة الله، في داخل الانسان يسكن المسيح، في داخلك تتجدد أنت على صورة الله (القديس اغسطينوس).
"أظهر له نفسي.." (آية 21). الى هنا بعد كل التأكيدات ووعود يسوع أن يصبح ويكون"فينا" لا يمكن لهذا الظهور الا أن يكون ظهورا روحيا وعمقا حميما يجعل من تلميذ يسوع والمؤمنون به واعون لمشاركتهم في حياة يسوع والآب واعين بخبرة عميقة انهم موضوع محبة الله ، محبة يجب أن تمر الى الحب الأخوي مظهرة الحب الالهي، لذلك ممكن ان نؤكد أن وحدة المعمدين هي ظهور حقيقي لحب الله: في الاخوة الذين نحبهم ممكن أن نحصل، بنعمة الايمان، على حضور يسوع وبواسطته حضور الآب.
القراءة الاولى من سفر أعمال الرسل موجودة ضمن نص الفصل الثامن حيث يذكر لوقا بداية الرسالة الى الوثنيين. فيلبس يعظ يسوع المسيح بشجاعة كبيرة الى السامريين غير المقبولين من قبل اليهود والمعتبرين هراطقة واعداء الشعب من قبلهم، شبه وثنيين انهم خارج جماعة الخلاص أي خارج شعب الله. من خلال وعظ فيلبس بدأ نوع جديد من البشارة. انفتاح جديد، سيحدد من الآن البعد الخلاصي للكنيسة الذي اصبح عالمي. مع حلول الروح القدس فهم الرسل أن عليهم أن يكونوا دعاة حب، والآن يعلمون أن رسالتهم هي ارساء دعائك الحب والفرح بالروح ونشرها.
يتردد صدى هذه القراءات بقوة لكل واحد فينا الآن وهنا في الاسبوع السادس من الزمن الفصحي. نعمة العماد المجددة التي تحققت في ليتورجية العشية الفصحية وجددناها كلنا تجعلنا نعي ونعرف من جديد اننا هيكل الله ونحمل في داخلنا، بموقف السجود الدائم، الثالوث الأقدس الساكن فينا. لنعش اذا منتبهين لهذا القبول، مفعمين بظهور الله من خلال كلمته، والأسرار وأحداث كل يوم التي يتجسد فيها الله باستمرار، مهيئين انفسنا لمواجهة، مثل يسوع، قوى الأعداء وقوى الشر وهمنا الأول هو ايصال غنى الروح القدس المستقر في احشائنا الى جميع الاخوة.