يقع إنجيل اليوم في الفصل الثالث عشر من إنجيل القديس متى، وبالتالي يشكل جزءاً من التعليم الثالث من بين التعاليم الخمسة؛ ومحور هذا التعليم هو التكلم عن ملكوت الله بالأمثال، وهذا ما نراه في بداية الإنجيل: " مثل ملكوت الله كمثل... ". حكيمٌ هو المسيح لأنه قادر على استخراج الحقائق من الواقع، فالمسيح استخدم مثلاً من الواقع، وبشكل خاص الزراعة.
يتكلم المثل عن رجلٍ زرع زرعاً طيباً في حقله، ولكن بينما الناس نائمون، أتى العدو وزرع بين القمح زؤاناً (شوكاً)؛ ونبت القمح وكذلك الزؤان معاً؛ وعرف الرجل أن أحد أعدائه من فعل ذلك؛ فطلب الخدام من سيدهم أن يجمعوا الزؤان؛ إلا أنه أمر خدامه أن يجمعوا الزؤان وقت الحصاد، الوقت الذي فيه يجمعون القمح، خوفاً من اقتلاع القمح وهم يجمعون الزؤان. فيجمعون القمح ليضعوه في أهرائه ويًحرق الزؤان.
صعب فهم هذا الإنجيل، وهذا ما نراه في (الآية 36) حيث يطلب التلاميذ من المسيح بأن يفسر لهم المثل؛ والمسيح يشرح لهم المثل قائلاً: "الذي يزرع الزرع الطيب هو ابن الإنسان، والحقل هو العالم والزرع الطيب بنو الملكوت، والزؤان بنو الشرير، والعدو الذي زرعه هو إبليس، والحصاد هو نهاية العالم، والحصّادون هم الملائكة. فكما أن الزؤان يجمع ويحرق في النار، فكذلك يكون عند نهاية العالم: يرسل ابن الإنسان ملائكته، فيجمعون مسببي العثرات والآثمة كافةً، فيخرجونهم من ملكوته، ويقذفون بهم في أتون النار، فهنالك البكاء وصريف الأسنان. والصديقون يشعون حينئذٍ كالشمس في ملكوت أبيهم؛ فمن كان له أُذنان فليسمع. كلام المسيح الآن واضحاً فإما أن تكون قمحاً طيباً تُزرع في ارضٍ طيبة وإما أن تكون زؤاناً تُزرع في ارضٍ شوكية.
لكن هنالك سؤلاً يُطرح ذاته علينا بقوة: لماذا يستخدم المسيح الأمثال في تعليمه عن الملكوت، وكأنه لا يريد لأحدٍ أن يفهم ما يعلم؟ أم هنالك أمراً آخر يتطلب فحص الضمير عليه؟ فهل أنا قادر على فهم كلام السيد المسيح؟ فإن لم فهم كلامه فكيف لي أن أكون أرضاً طيبة وزرعاً طيباً؟
إن المثل واضح تماماً، لأنه يُستخرج من الواقع وهذا ما قلناه سابقاً بأن المسيح حكيم لأنه استخرج المثل من واقع حياة الناس؛ ولكن المشكلة الكبرى هي في عدم قدرتنا على فهم كلام المسيح؛ وعدم القدرة هذه تعود إلى كوننا بعيدين عن السيد المسيح، إلى كوننا مسيحيين بالاسم؛ وبالتالي مثل اليوم لا يقول لنا فقط أنه علينا أن نكون قمحاً طيباً وأرضاً طيبةً، بل بأن ندخل بعلاقة مميزة مع المسيح، نُقبل إليه ونتفاعل مع كلامه حتى نفهم أمثاله من دون أن يشرحها أحد لنا. كل يومٍ علينا أن نصلي من اجل هذه النعمة، لأن هذه العلاقة مع المسيح نعمة يهبها روح الله، فبدون الصلاة لا نستطيع أن ندخل بعلاقة مع المسيح.
يقدم لنا إنجيل اليوم إذاً رسالتان: الأولى هي أن نصلي من أجل أن ندخل بعلاقة شخصية مع يسوع حتى نتمكن من أن نفهم تعاليمه وخصوصاً أمثاله؛ والأمر الثاني وهو أم نكون قمحاً طيباً وأرضاً طيبةً. والسؤال الأخير كيف لنا أن نكون قمحاً طيباً؟
نكون قمحاً طيباً عندما: أكون تلميذاً حقيقاً للمسيح، محباً لله، وديعاً، جائعاً وعطشاً إلى البر، رحيماً، محباً للعدل، طاهر القلب، ساعياً إلى السلام، مُضطهَداً من أجل البر والحق، ملحاً للأرض ونوراً للعالم، متصدقاً، مصلياً، مؤمناً بالعناية الإلهية، معزياً للحزانى وللمتألمين وقت شدتهم، بسيطاً، طفلاً، طيباً، سبب خلاصٍ للآخرين، ناصحاً لقريبي، مسامحاً له، وأخيراً مكرماً لملائكة الله وقديسيه، وعلى رأسهم جميعاً وفوق كل خليقة والدة الإله مريم العذراء القديسة دائمة البتولية، التي دائماً نرفع لها الحمد والشكران، هي أول شخصٍ فهمت تعاليم ابنها وكانت قمحةً طيبة فقد بذلت ذاتها لأجل مخلصها؛ ومنها تستمد الخليقة كلها النعم والبركات من قلب ابنها الرحيم كلي الجودة والصلاح.
كثيرة مطالب الإنجيل ومن منا بلا خطيئة، ومن منا لم يقصر بإحدى هذه الأمور؛ ولكن الأمر الوحيد الذي لا ننكره ولن نتزحزح عنه إلا وهو أن ثقتنا بيسوع وبرحمته كبيرة جداً، وبه كل شيءٍ مستطاع.
يارب إننا نثق بك وبرحمتك وبخلاصك لنا، فكرسنا لقلبك الأقدس. أمين
الاكليريكي عيسى حجازين