الأحد الخامس للفصح

اخوتي واخواتي الاعزاء، احيكم تحية مباركة في المسيح الرب القائم من بين الأموات.
نحن الان في مسيرة الزمن الفصحي وها قد شارف الزمن على نهايته، وهو لا ينحصر فقط في  هذه الفترة من السنة وإنما كل احد وكل قداس هو زمن فصحي.
وضع الانجيل لنا من قبل الكنيسة في هذا الزمن المقدس، لتقول لنا بان السيد المسيح هو الطريق والحق والحياة، وانه بقيامته فتح لنا ابواب الحياة الابدية، وأن الطريق لهذه الابواب هو فقط المسيح القائم من بين الأموات، وكما أن المسيح طريقنا إلى الأب السماوي علينا نحن أيضا أن نكون طريقاً للآخرين في حياتنا وان نقوم معهم في المسيح يسوع الممجد.
أن حياة يسوع على الأرض وأعماله التي عملها وتعاليمه التي علمها وصلت به إلى حد الصليب، وموته على الصليب كان الطريق لنا لندخل معه إلى مجد الله. وان الالقاب الموجودة في هذا المقطع الانجيلي،  تخص يسوع وانه اراد أن يشركنا فيها بفعل قوة قيامته.
فهو نور العالم الذي يتوهج فيه، إذا كنا نحن من أبناء النور وحملنا انوار القيامة للكون. ويقول المعلم أيضا "أنا الراعي الصالح"، نعم انه الراعي الصالح ولكننا نشاركه هذه الرعاية في كل مرة نرشد اخاً تائهاً عن الطريق، في كل مرة نبحث عن اخٍ خارج الكنيسة وقد ابتعد عنها لنعيده إلى مرعى الرب.
المقطع الانجيلي الذي سنتأمل به يركز على عدة أمور هامة لحياتنا المسيحية، أولا: عدم الاضطراب والخوف، وثانياً: المنازل التي اعدها يسوع والموجودة عند الأب السماوي،ثالثاً: يسوع هو الطريق والحق والحياة وهو طريقنا إلى الأب. وهذه النقاط ستكون منطلقاً لتأملنا:
أولا: "لا تضطرب قلوبكم، انكم تؤمنون بالله فأمنوا بي أيضا"
الاضطراب، الخوف، الفزع، التوتر، القلق كل هذه الكلمات ليست كلمات مجردة ولكنها موجودة بحياتنا بالفعل، فكثيراً من المرات قلقنا بسبب امرِ ما، قد انتابنا الشعور بالخوف بسبب حادث حصل معنا أو نشعر بأنه سيحدث، ونشعر أحيانا بالتوتر ونضطرب ونتشتت لحاضرنا الذي نعيشه ولمستقبلنا، الذي لا نعرف عنه شيء. أن هذه أمور طبيعيٍة من جهة وانها موجودة في حياتنا اليومية من جهة أخرى، فهي لا تحدث معنا فقط ولكنها حدثت مع الرسل من قبلنا، فقد خافوا في بستان الزيتون عندما قبض على يسوع، وخوفهم هذا تحول عند العنصرة إلى اعلان البشرى بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات بقوة الروح القدس.
إنجيل هذا الصباح يأتي مشدداً ايانا بقول يسوع لنا: "لا تضطرب قلوبكم"، انها ليست مجرد جملة من يسوع بل هي وصية وعلينا أن نعمل بموجبها، لذلك يقول لنا: لا تضطرب قلوبكم لاننا نؤمن بالله. ايماننا بالله هو مصدر قوة لنا في حياتنا، واذا كنا مؤمنين بالله علينا أن نضع جانباً كل الأمور التي تثير فينا الخوف والقلق والاضطراب والشك، وان نتمسك ونتشدد بالرب وحده الذي نؤمن به. يقول صاحب المزمور: "إلى الله وحده تطمئن نفسي ومن عنده خلاصي، هو وحده صخرتي وخلاصي هو حصني فلا اتزعزع" (مزمور62/2-3). حياتنا اليومية ليست سهلة، حياتنا اليومية معقدة، كثيرة التطلب منا، وانها مرهقة وقد تؤدي بنا إلى الابتعاد عن الله وجعله في المرتبة الثانية أو الثالثة، فإننا عندما نضع الله في هذه المراتب تصبح حياتنا بلا معنى ولا فائدة، ومليئة من الملل، ومن الخوف، ومن الفزع، ومن الاتكال على قيصر (أي الآخرين أو المال، أو الجاه...) بدل الله تعالى، ومن هنا نبدأ بفقدان كل معاني حياتنا الانسانية والروحية والمسيحية التي تصبح اسماً دون أفعال مسيحية حقيقية.
انها دعوة لنا بان نجعل الرب يسوع مركز حياتنا، هو الهنا، هو سيد قلوبنا وألا نخاف من شيء لأنه بقيامته قد غلب كل شيء في هذا العالم كما قال: "ثقوا يا بنيّ،َ اني قد غلبت العالم" وواضعين في مركز حياتنا الثقة به لأنه هو صخرة عزنا ومعتصمنا.
ثانياً: "في بيت ابي منازل كثيرة"                          
لنحصل على منزلنا المعد لنا والذي وعدنا به يسوع، علينا أن نضع ثقتنا به، وان يكون هو غايتنا فوق كل غاية ومنفعة.
ولكن ما المقصود بالمنزل؟ هل هو البناء المكون من الاسمنت والحجارة؟ ام هل هو منزل مكون من الحجارة الحية التي مكوناتها الاساسية المحبة، و الاسمنت المكون من الإيمان والرجاء؟ وهل يستمد قوته من أسرار الكنيسة ولا سيما سر الافخارستيا أي من جسد الرب يسوع ودمه؟
الإنسان المسيحي هو إنسان مميز لأنه يصبح ابن لله بالتبني في سر العماد، وعليه أن يعيش إيمانه في المجتمع، وان يكون شاهداً للمسيح في وسط جماعة لا تؤمن به أو ترفضه حيث يكون الملح والخميرة التي تخمر العجين، وان يبني بيته السماوي ابتدءً من هنا "اكنزوا لكم كنوزاً في السماء".
ومن هنا على كل إنسان مسيحي أن يختار المنزل السماوي أي أن يكون مع يسوع أو دونه ولا خيار وسط بينهما، وهذا الاختيار يبدأ منذ الان بان افتح للرب يسوع باب قلبي، ليدخل اليه ويسكن في داخلي، و في اختياري له وفي السير خلفه، متبعاً اياه بحمل صليبي وصعوباتي ومشقاتي التي تواجهني في حياتي سواء كانت صعوبات في العمل، في الدراسة، في المنزل بين الاسرة...
من اراد أن يكون له نصيب في الملكوت عليه أن يعمل عمل أبناء النور وان ينزع من حياته كل ما يعوق تقدم مسيرته نحو منزله السماوي. ان يدخل من الباب الضيق، باب المحبة، والتضحية، والمغفرة، والتواضع، والحكمة، وعدم التمسك المادي بالاشياء، ومحبة الاعداء، والتصالح بين الإخوة... وهذه كلها تؤدي بنا إلى اختيار الطريق والحق والحياة.
ثالثاً: "أنا الطريق والحق والحياة"
كلمات يسوع بسيطة، غير معقدة ومكونة من حروف بسيطة، ولكن الصعوبة تكمن في عيشها بحياتنا، وفي اتخاذها مبدأ وطريقاً في مسيرة حياتنا الروحية.
في حياتنا اليومية نسير في طرق متعددة، ولكل منها نهاية سعيدة أو حزينة. طرقنا كثيرة ومتعددة، ولكن علينا أن نطرح سؤالاً على ذواتنا، هل الله موجود في كل طريق من الطرق التي نعيشها ونسلك بها في حياتنا اليومية؟ ام أن طرقنا ليست كطرق وارادة الله؟
ولكن علينا أن نتيقن انه رغم تعدد الطرق هناك طريق واحد فقط إلى السماء، إلى الفرح والسعادة، والعيش بسلام وطمأنينة ليس مع انفسنا بل مع الآخرين، وهذا الطريق هو يسوع المسيح القائم. قام وفتح لنا الطريق إلى ما نتوق إليه.
قد يطرح احدنا سؤال ويقول: كيف علي أن اسلك في هذا الطريق؟
يعطينا يسوع بتعاليمه المسلك في هذا الطريق، وهذا التعليم نجده بوضوح في الأناجيل ولا سيما عند القديس متى عندما جلس وشرع يسوع يعلم الجموع. والتطويبات تعطينا صورة مثالية حتى نتبع المعلم داخلين من الباب الضيق إلى السعادة المرجوة.
واذا انتقلنا إلى القديس بولس الرسول فانه يشدد قائلاً: "إذا كان احد في المسيح، فانه خلق جديد.قد زالت الأشياء القديمة وها قد جاءت اشياء جديدة" (2كور5/17) ويعلم أيضاً: "عليكم أن تتجدوا بتجدد اذهانك الروحي... ولذلك كفوا عن الكذب... وليصدق كل منكم قريبه... اغضبوا ولا تخطأوا... لا تخرجن من افواهكم أية كلمة خبيثة بل كل كلمة طيبة تفيد البنيان عند الحاجة وتهب نعمة للسامعين... ازيلوا من بينكم كل شراسة وسخط وغضب وصخب وشتيمة وكل ما كان سُوءاً... ليكن بعضكم لبعض ملاطفاً مُشفقاً وليصفح بعضكم عن بعضٍ كما صفح الله عنكم في المسيح" (افسس 4)
ولذلك من اراد أن يكون المسيح له طريقاً عليه أن يسير سيرة المعلم وان يعمل بتعاليمه.
ومن اراد هذه الطريق سعى إلى الحق ورغب في الحياة التي هي المسيح.
وفي النهاية يا إخوتي لنجدد ايماننا بالمسيح القائم ولنقل:
المسيح قام... حقاً قام
المسيح قام... حقاً قام
المسيح قام... حقاً قام

الاكليركي رامز دعيبس
vatican
lpj
oessg