نحن أيضاً، في لحظة فريدة من لحظات الحياة، يُطرح علينا سؤال المصير، ويبلغ إلينا نداء الله إلى خوض مغامرة الخضوع لأمره تعالى. وليس واحداً منا إلا وله يوم بشارته، ولحظة دعوته إلى الانتقال من دنيا ذاته إلى دنيا الله، ومن الاهتمام بمصيره إلى الاهتمام بمصير الإنسان.
وقد نكون أحياناً في شبه غربة عن هذا النداء، إلى أن ينتصب الله بغتة في حياتنا، ويملأ قلبنا، ويسمعنا سؤاله الرهيب الذي يخيرنا بين القداسة والتفاهة، بين أن نكون لذاتنا أو نكون لغيرنا.
إن أول ما ينتابنا في مواجهة هذا النداء، هو الشعور بالخوف والعجز، ورغبة في التهرب. ولا شك أن كل اختيار لله، يتطلب إنكارنا لذاتنا أولاً.
لقد كان بإمكان مريم أن تضع الحجج بصغر سنها أو بفقرها أو بأُميتها، لتتهرب من المسؤولية الرهيبة المقترحة عليها. ولقد كان بإمكانها أن تتذرع بكل الذرائع البشرية لتحيد عن الطريق التي رسمها الله لها. ولكنها قبلت بأن تلقي بنفسها في تلك المغامرة الإلهية، التي ابتدأت بتأنس ابن الله وانتهت بتأله ابن الإنسان.
نحن مسؤولون كالعذراء مريم عن حضور المسيح في العالم واستمرار سر تجسده. فالمسيح بحاجة أن نعطيه جسداً ودماً وقلباً وعينين وأذنين، لكي يستمر عائشاً بيننا، ويتحقق وعده: "هاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم".
المسيح وحده بين رجالات التاريخ لا يعيش في الماضي، ولا في صفحات الكتب، بل في صميم الواقع البشري. إنه بحاجة إلى أن يتجسد كل يوم في أتباعه، فيتكلم بلسانهم، ويبصر بعيونهم، ويسمع بآذانهم، ويحب بقلبهم، ويتعذب بجروحهم.
لقد تساءل المسيح يوماً: "متى جاء ابن الإنسان أتراه يجد الإيمان على الأرض؟" (لوقا18: 8). سؤال خطير، ليس له جواب إلا عند الذين عقدوا العزم على أن يحملوا مسؤولية حضور المسيح في العالم، واستمرار تجسده من خلال سيرتهم وشهادة حياتهم، عملاً بقول الرسول بولس: "فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيّ" .(غلاطية 2: 20).