أحد الشعانين

"الحقَّ الحقَّ أقولُ لكُم: إنَّ حبةَ الحنطةِ التي تقعُ في الأرض، إن لم تمُتْ تبقَ وحدَها، وإذا ماتتْ أخرجَتْ ثمراً كثيراً"

إخوتي الأعزاء
ها نحنُ نقتِربُ من دُخولنِا إلى أورشليم، وما زِلنا في الزمنِ الأربعيني، زمنِ المسيرةِ نحوَ الذاتِ والرجوعِ الى اللّه، زمنِ الصحراءِ الداخلية، التي يبحثُ فيها الإنسانُ عن ذاتهِ. حيثُ تبدأُ هذهِ المسيرةُ بالصحراءِ التي عاشَها المسيحُ مُجّرباً منَ الشيطان، وبعدها نسمعُ صوتاً منَ السماءِ يقول: " هذا هَو ابني الحبيب، فلهُ أسمعوا ". على جبلِ التجلِّي، وبعدَ ذِلكَ نرى يسوعَ يخاطبُ المرأةَ السامرية، ويعطيها ماءَ الحياةِ الأبدية، وأخيراً نشاهدُ يسوعَ يفتحُ عينيِّ الأعمى منذُ مولدةِ، وإقامةَ لعازرَ مِنَ الموت، وهو الآنَ يدخلُ أورشليمَ، راكباً على جحشٍ.
إنَّ ما رأيناهُ سابقاً بما فيهِ المعجزاتِ التي تُظهِرُ ملكوتَ اللّه، حيثُ تدُّلُ على الشهادةِ لسلطانِ يسوع، كما نرى في الفصلِ السابع من إنجيلِ القديسِ متى. إذ إنَّ المعجزاتِ هي علاماتٌ على رسالةِ يسوعَ وسلطانهِ، فهو ليسَ مسيحَ الكلامِ فقط بل مسيحَ الفعل. إن معجزاتِ يسوعَ مُثبتةٌ تشهدُ إتماماً للعهدِ القديم. نرى في الفصلِ الحادي عشرَ من إنجيلِ القديس متى " العرجُ يمشون، والعُميُ يُبصرون"  بهذهِ المعجزاتِ تُقامُ عدالةُ اللهِ الموعودِ بها في العهدِ القديم، يضعُ يسوعُ نفسَهُ بمعجزاتهِ تحتَ مشيئةِ اللّهِ ، كما أُوحيَ بها في العهدِ القديم، فمعُجزاتهُ هيَ فعلُ طاعةٍ إذاً، وهذا ما يُميزُها عنِ السِّحر، لا بل هيَ علاماتٌ للإيمان. أمامَ هذا السلطانِ وهذهِ العظةِ التي رأيناها في أعمالِ المسيحِ، تقوُدنا إلى إنجيلِ اليوم، يومِ البهجةِ والاحتفالِ في أورشليم، اعتادتِ الجماهيرُ في أورشليمَ أن ترى دخولَ ملكٍ أو قائدٍ آتٍ مِنَ الحربِ كالمُنتصر،  ولكن لم ترَ أبداً أورشليمُ احتفالاً مثلَ استقبالها للمسيح.
يدخلُ الملكُ مدينةَ القدسِ بينَ صفينِ منَ الجنودِ راكباً عربةً حربية، ولكن مِنْ خلفِهِ صفُّ منَ الأسرى مُقيدِينَ في السلاسلِ يصرخونَ مِن شِدةِ الألمِ والاهانة، يصرخونَ مِن الرعبِ والخوفِ على حياتهِم، لأنَّ سيفَ الجنودِ فوقَ رؤوسِهِم يهدّدُهُم في كُلِّ لحظة، ويضربُ في كُلِّ لحظةٍ بدونِ رحمةٍ الأسيرَ الضعيفَ والمسكين. كانَ دخولُ الملوكِ في الواقعِ احتفالاً للدمِ وللموتِ أمَّا احتفالُ المسيحِ في مدينةِ القدسِ فيختلفُ كلَّ الاختلاف: هوَ ملكُ السلامِ قبلَ كلِّ شيء، حولهُ لا جيشُ ولا سيوفُ ولا صوتُ سلاسلِ الأسرى، بل صفوفُ مِن الناسِ ومِن الأطفالِ يصرخونَ بفرحِ "هوشعنا لابنِ داود، مباركٌ الآتي باسمِ الرب!".. وفي صفِّ الذينَ استقَبلوا المسيحَ الأعمى الذي أعادَ المسيحُ البصرَ إليه، المشلولَ الذي شفاهُ المسيح، لِعازرَ الذي أقامَهُ من بينِ الأموات، السامرية التي أعطاها ماءَ الحياةِ الأبدية، وجميعَ المرضى الذين شفاهمُ، والفقراءَ الذين بشّرَهُم، والأطفالَ الذينَ أحبَّهُم المسيحُ مِراراً ومِراراً. فاستقبالُ للمسيحِ هو احتفالٌ للحياةِ والمحبة.
ونحنُ أيضاً سنخرجُ في احتفالٍ مماثل،  وفيةِ تعطينا الكنيسةُ غُصناً منَ الزيتون. ما هوَ رمزُ واختيارُ غصنِ الزيتون؟ هو رمزُ السلامِ والوفاق، واختيارهُ، لأنَّ المسيحَ هوَ ملكُ السلام، لأنهُ أتى ليقدِّمَ لنا السلامَ الحقيقيَّ الذي لا يزولُ أبداً، هوَ سلامُ القلبِ والضميرِ كما قالَ المسيحُ في الإنجيل: " السلامَ أستودِعُكم وسلامي أمنحُكُم، لا كما يمنحهُ العالم ". وهذا السلامُ أولاً معَ اللّهِ، الذي يجدُ فرحَهُ عندما يسكُنُ في قلبِ الإنسان، في ضميرٍ طاهرٍ نقيّ، ولكننا نبتعدُ عنِ اللهِ عندما نرتكبُ الخطيئة، وكما أنَّ النورَ لا يستطيعُ أن يتساكنَ معَ الظلام، كذلك المسيحُ، لا يستطيعُ أن يسكُنَ مع الشيطانِ ومعَ الخطيئة، يجبُ أن نختار:إما المسيحَ أو الخطيئة.
ثانياً: معَ القريب: المسيح يأتي ويريدُ أن يجِدَ السلامَ في قلوبنِا، الويلُ لذلكَ الإنسانِ الذي يقتربُ منَ السّرِّ الفِصحيّ والحقدُ وروحُ الانتقامِ في قلبهِ، كيفَ نجرؤُ أن نطلبَ الغفرانَ منَ اللهِ لنفوسِنا، ونحنُ نرفضهُ لقريبِنا؟ نعم، المحبةُ تميِّزنُا عن غيرنا. ولكن في بدايةِ هذا الأسبوعِ المقدِّسِ يجب عليَّ أن أقول: أُريد! أريدُ أن أقتربَ منَ الله، أريدُ أن أُزيلَ الحاجزَ الذي بيني وبينَ الله، وبيني وبينَ القريِب، أريدُ أن أعيدَ الصداقةَ معَ الله والقريب ! فمِلكُنا هو ملكُ السلامِ إذاً، رأينا سلطانهُ ومجدهُ، لكنَّ هذا المجدَ وهذا السلطانَ ليسا بحسب أفكارِنا بل بحسبِ أفكارِ اللّه. القديسُ بطرسُ قالَ للمسيح: أنتَ ابنُ اللّه، أنت مسيحُ اللّه، ليشهدَ لعظمةِ المسيحِ ومجدهِ ( هذا هو فخرُ المجدِ)، لكنَّ المسيحَ نراهُ يتكلّمُ بعدَها مباشرةً عن آلامهِ، وهوَ يربطُ هذا المجدَ بالصليبِ، لأنَّها هي أفكارُ اللّهِ وعمُله.
إنَّ الصليبَ يكشفُ وجهَ اللّهِ الحقيقي. حيثُ نرى الإلهَ في قبضةِ البشر؛ دودةً بِلا حِراكٍ أو دِفاع، مُسلَماً إلى الظلم؛ مجروراً كمجرمِ أمامَ المحاكم. يتركُهُم يفعلونَ به ما يشاءونَ دونَ أن يُبِديَ حِراكاً. نحنُ نعرفُ أنَّ المسيحَ هو الصورةُ الكاملةُ الظاهرةُ للإلهِ غيرِ الظاهر: ماذا نرى إذاً؟ نرى مِن خِلالِ المسيحِ المحكومِ عليهِ بالموتِ والمخذولِ والمرفوض إلهً ضعيفاً بلا عزوةٍ، وبلا سلاح، إلهً قابلاً للكسرِ، متواضعاً مُهاناً، مختلفاً تماماً عنِ الفكرةِ التي لدينا عنُه. المجدُ بالنسبةِ للمسيحِ إذاً ليسَ أيَّ مجد، بل هو الذي يسبقهُ الألُم والموتُ وطاعةُ اللّه. هذا المجدُ والسلطانُ هما الاسمُ الذي يفوقُ كُلَّ الأسماء. " من أرادَ أن يتبعني، فليحملْ صليبهُ ويتبعني" ( مر8: 34). الصليبُ يكِشفُ عن هويةِ المسيحيِّ الحقيقيّ أيضا فمنَ العبثِ أن نبحثَ عنِ المسيحيِّ في مجالٍ غيرِ الصليب. فالمسيحيةُ بدونِ تضحيةِ الصليبِ تتحوّلُ إلى كلامٍ فاضٍ ومملّ، حيثُ الوجودُ المسيحيّ، إذا نَزعنا عنهُ الصليبَ يفِقدُ الحياةَ ويصبحُ ضياعاً. هنا يمكنُ أن نُعرّفَ المسيحي هكذا: هو الذي يحملُ الصليبَ مع المسيح. الصليبُ شعارُ المسيحيّ . الصليبُ علامةُ المسيحيِّ المميّزة. هذا ليس كلاماً غيبياً أو خيالياً. فالمظهرُ لا يعملُ المسيحيِّ ولا يصُنعهُ. فإذا لم يلبس المسيحيُّ الصليب، فلا شيَء يجعلهُ مسيحياً؛ لا الصلبانَ الذهبيةَ التي نُزيّنُ بها صُدورَنا ولا الأسماءَ المسيحيةَ ولا شهاداتِ المعمودية. لاشيَء يُعطينا الهوية. وللصليبِ وجهان :وجهُ ألمٍ وجهُ حُب؛ لا ينفصلان. الصليبُ بالطبعِ هو ألمٌ وعزلةٌ وسوءُ فهمٍ ونكرانُ جميل وإذلالٌ ورفض، ولكنَّهُ في نفسِ الوقتِ محبّة. لا يكفي أن نتألّمَ حتى نقول أننّا نحمِلُ الصليب: يجبُ أن نحِملَ الصليبَ في نفسِ الاتّجاهِ الذي حملهُ فيهِ يسوع؛ أي أن نتألّمَ ألمَ القداسةِ والعطاءِ من أجلِ الاخرين.ليسَ الصليبُ كاشفاً هويةَ المسيحيِّ فقط، إنهُ يكشفُ معنى الحياةِ أيضاً. فنحنُ لا نؤمنُ بالألمِ مِن أجلِ الألم ، أو بالصليبِ مِن أجلِ الصليب، نحنُ نؤمنُ كعلامةٍ على حياةٍ ُمعطاةٍ بالصليبِ للآخرين. إذن ليسَ كلُّ صليبٍ هو الصليب، فقط الصليبُ المُقَدَّمُ ، الُمعطى هو الصليبُ الحقيقيّ.
لايكفي أن نحملَ الصليبَ إذن، ينبغي على الصليبِ أن يُعَبِّرَ عن تضامنٍ وعن إرادةٍ أننا لسنا لدواتنا، وعن مقدرةٍ واستعدادٍ لبذلِ حياتِنا في سبيلِ الآخرين. صليبٌ كهذا يُثمرُ قيامة. إذن فلا نخدعْ أنفَسنا. القيامةُ لا تعقُبُ أيَّ صليب، إنّما الصليبُ الذي َمرَّ بالجلجلة. هو المصلوبُ الذي يقوم. من لا ينصلبْ لا يقوم. يسيرُ المسيحيُّ إلى المجدِ من خلالِ الألم؛ فهلْ نتجاهلُ الصليبَ وهَو الطريقُ الإجباريُّ إلى الحياة؟ العلامةُ الوحيدة التي تُميِّزُ المسيحيَّ عن غيرهِ هي الصليب. العلامةُ الوحيدةُ التي تميِّزُ الدينَ المسيحيَّ عن بقيةِ الأديانِ هي الصليب. الصَّفةُ التي تُميِّزُ إلهَ المسيحيينَ عن أيِّ إلهٍ في كلِّ العقائدِ، هيَ أنّ إلهَ المسيحيينَ هو إلهٌ مصلوبٌ. قالَ بولسُ رسول:" لا أريدُ أن أعرفَ بينَكُم إلا المسيحَ والمسيحَ مصلوباً". وضع َبولسُ شهادتهُ للصليب كمركزٍ لعقيدةِ القيامة. والصليبُ لا يزالُ هنا بيننا شامخاً. لا نرى يسوعَ يحِملهُ، إنما نحنُ نحملهُ. والصليبُ هو طعامُنا اليوميُّ الذي نتناولهُ كُلَّ صباحِ " احملْ صليبكَ كُلَّ يومٍ واتبعني". هو الشاهدُ الوحيدُ على حقيقةِ اللهِ وعلى زوالِ هذا العالمِ وتفاهتهِ. نحنُ لا نؤمن بإلهٍ إلاّ بإلهِ الصليب، وهو الإلهُ الذي لا يستطيعُ العالمُ تقبُّلَهُ إلاّ إذا تغيّرَ وتابَ.
لا تخافوا مِنَ الصليب، لا تهربوا مِنَ الصليب. الصليبُ وعاء القيامة، وفي الصليبِ نورُ القيامة. مَنْ يحملِ الصليبَ يحمل النورَ والمجدَ مِن الآنَ على هذهِ الأرض.

"الحقَّ الحقَّ أقولُ لكُم: إنَّ حبةَ الحنطةِ التي تقعُ في الأرض، إن لم تمُتْ تبقَ وحدَها، وإذا ماتتْ أخرجَتْ ثمراً كثيراً".

الإكليريكي سيمون حجازين

vatican
lpj
oessg