طوبى للرحماء، فإنَّهم يُرحَمون.
طوبى لأطهارِ القلوب، فإنَّهم يُشاهِدونَ الله.
طوبى للساعينَ إلى السلام، فإنَّهم أبناءَ اللهِ يُدعَون.
طوبى للمُضطهدينَ على البِرّ، فإنَّ لهم ملكوتَ السموات.
طوبى لكم، إذا شتمُوكُم واضطهدُوكُم، وافتَرَوا عليكم كُلَّ كذبٍ من أجلي. إفرحوا وابتهجوا: إنَّ أجرَكُم في السمواتِ عظيم".
إنجيلُ هذا اليومِ هوَ إنجيلُ التطويباتِ الإنجيلية، وهوَ يقعُ في الفصلِ الخامسِ من الإنجيلِ بحسبِ القديسِ متى. يُطْلَقُ على هذا الفصلِ معَ الفصلَيْنِ السادسِ والسابعِ "العظةُ على الجبل" أو "عظةُ يسوعَ الكبرى" التي قامَ بها يسوعُ على الجبلِ بالقربِ من كفرناحوم. فقد ركَّزَ يسوعُ في هذهِ العظةِ الكبرى على الطاعةِ الصادقةِ النابعةِ من قلبِ الإنسانِ ومن داخلِه، وليسَ على المركزِ والسُلطةِ والمالِ والجاهِ والوجاهة ... الخ.
إنَّ التطويباتِ الإنجيليةَ التسعَ التي ذُكِرَتْ في إنجيلِ هذا اليومِ لهيَ مُلَخَّصُ شريعةِ يسوعَ المسيحِ وجوهرُ وحيِ بشارتِهِ الجديدةِ لمملكتِه. هذهِ المملكةُ كما نعلمُ ليست كأيِّ مملكةٍ في هذا العالم، بل هيَ مملكةٌ ليست من هذا العالم.
أعضاؤها: الثالوثُ الأقدس ومريمُ العذراء والقديسُ يوسف وجميعُ القديسينَ في السماء وكلُّ المؤمنينَ بيسوعَ المسيحِ على الأرض ونحنُ أيضاً.
دستورُها: التطويباتُ الإنجيلية.
هدفُها وغايتُها: الإتحادُ الكاملُ باللهِ وخلاصُ الإنسانِ ورؤيةُ اللهِ وجهاً لوجه.
رايتُها وجوهرُها: المحبةُ والسلامُ والعدلُ والسعادة.
قمَّتُها وذروتُها: موتُ يسوعَ المسيحِ وقيامتُهُ من بينِ الأمواتِ وانتصارُهُ على الشرِّ وعلى سلطانِ الظلام.
إنَّ كلمةَ "طوبى" هيَ كلمةٌ من أصلٍ عبريٍّ معناها: "هنيئاً لِ"، "ما أسعدَ" أو كما نقولُ في لُغتِنا العاميةِ "نيّالُه". فالتطويباتُ هيَ دستورٌ أخلاقيٌّ للتلاميذِ ولنا ومعيارُ السلوكِ لكلِّ المؤمنين، ومقارنةٌ بينَ قِيَمِ الملكوتِ الأبديةِ وقِيَمِ العالمِ الوقتية، وهيَ مقارنةٌ أيضاً بينَ الإيمانِ السطحيِّ عندَ الفرّيسينَ والإيمانِ الحقيقيِّ الذي يريدُهُ يسوع. كُلُّنا نعلمُ بأنَّ التطويباتِ تسعٌ، ولا يمكننا أن نأخذَ ما نريدُ وما يُلائِمُنا ونتركَ الباقي، بل علينا أن نأخذَها كلَّها، لأنَّها تكشفُ ما يجبُ أن نكونَ عليهِ كأتباعٍِ للمسيح. كلُّ واحدةٍ منها تبيِّنُ لنا الطريقَ الذي نسلكُ للسعادة، وهذهِ السعادةُ في نظرِ المسيحِ ليست سعادةَ العالمِ المؤقّتةِ بل تعني الرجاءَ والفرحَ وعدمَ الاتِّكالِ على الظروفِ الخارجيةِ بل على اللهِ وحدَه.
لقد أعلنَ يسوعُ المسيحُ أنَّ الملكوتَ قريب، وهنا نتساءَلُ ونطرحُ على أنفسِنا هذا السؤال: ماذا يلزَمُنا لكي نكونَ في ملكوتِ الله؟ فهذا سؤالٌ لا بُدَّ مِنَ الإجابةِ عليه. إنَّ جوابَهُ سهلٌ وبسيط، ألا وهوَ: "التطويباتُ الإنجيليةُ وعيشُها". وهذا يعني أن نكونَ مستعدِّينَ لأن نقولَ وأنَ نفعلَ ما يبدو في نظرِ العالمِ غريباً، فنعطيَ بينما يأخذَ الآخرون، ونُحِبَّ بينما يكرَهَ الآخرون، ونساعدَ عندما يُسيءَ الآخرون. وبذلكِ نحصلُ على كلِّ شيءٍ ونكونُ معَ الله.
إنَّ ملكوتَ اللهِ ليسَ سهلاً، فلا بُدَّ من وجودِ بعضِ العثراتِ والصعوباتِ في الوصولِ إليه. فيسوعُ يقولُ لنا:"طوبى لكم، إذا شتموكُم واضطهدوكُم وافتَرَوْا عليكُم كلَّ كذبٍ من أجلي، إفرحُوا وابتهجوا: إنَّ أجرَكُم في السمواتِ عظيم، فهكذا اضطهدُوا الأنبياءَ من قَبلِكُم". كلُّ تطويبةِ هيَ عبارةٌ عن مناقضةٍ صريحةٍ لأسلوبِ الحياةِ في العالم. وفي هذهِ التطويبةِ الأخيرةِ يشيرُ يسوعُ المسيحُ إلى أنَّ مَنْ يرغب في امتلاكِ هذهِ الصفاتِ الموجودةِ في التطويبات، لا بُدَّ مِنْ أن يُواجِهَ المعارضة. وليسَ من مثالٍ أعظمَ وأفضلَ من مثالِ يسوعَ المسيحِ نجدُهُ لكُلِّ صفةٍ موجودةٍ في هذهِ التطويبات. الاضطهادُ بكافةِ أنواعِهِ وأشكالِهِ لهوَ خيرٌ لنا نحنُ أتباعُ المسيحِ والمؤمنونَ به، لأنَّهُ يُوجِّهُ أنظارَنا نحوَ ملكوتِ اللهِ ويُقوِّي إيمانَنا. يقولُ القديسُ بطرسُ في رسالتِهِ الأولى:"إذا تألَّمتُم من أجلِ البِرّ، فطوبى لكم" (ا بط 3: 14). فالاضطهادُ يعني أنَّنا بقينا أُمناءَ للهِ على الأرض، وفي المستقبلِ سيكافِئُنا اللهُ على أمانَتِنا بإدخالِنا الملكوتَ الأبديّ. وهذا ما يحُثُّنا عليهِ القديسُ بطرسُ في رسالتِهِ الثانية، إذ يقول:"فضاعفوا جهدَكُم يا إخوتي في تأييدِ دعوةِ اللهِ واختيارِهِ لكم. فإذا فعلتم ذلكَ لا تزِلُّون أبداً. وبذلك يُفْسَحُ لكم في مجالِ الدخولِ إلى الملكوتِ الأبديّ، ملكوتِ ربِّنا ومخلِّصِنا يسوعَ المسيح" (2 بط 1: 10-11).
طوبى لفقراءِ الروح ... للمحزونين ... للجياعِ والعطاشِ إلى البِرّ ... للرحماء ... لأطهارِ القلوب ... للساعينَ إلى السلام ... للمُضطَهَدِين ... لنا. يقدِّمُ لنا يسوعُ هنا الخلاصَ الحقيقيَّ ويضعُ السعادةَ الحقيقيةِ في متناولِ كلِّ واحدٍ فينا.
ويعطينا يسوعُ المكافآتِ الإلهيةَ لكلِّ تطويبةٍ تتضاربُ معَ القِيَمِ العالميةِ والبشريةِ ومعَ أسلوبِ الحياةِ في العالم، فيقول: لهم ملكوتَ السموات ... يرِثُونَ الأرض ... يُعَزَّوْن ... يُشْبَعُون ... يُرْحَمُون ... يشاهِدُونَ الله ... أبناءَ اللهِ يُدْعَوْن ... لهم ملكوتَ السموات ... إنَّ أجرَكُم في السمواتِ عظيم.
فقراءُ الروحِ هُم مَنْ علَّمَتْهُمُ الحياةُ ألاّ يعتمِدُوا إلاَّ على اللهِ وحدَه، والودعاءُ هُم مَنْ يتَّخِذَونَ مِنْ يسوعَ المسيحِ مثالاً لأنَّهُ وديعٌ متواضعُ القلب. المحزونونَ هُمُ الذينَ لا يزالونَ ينتظرونَ التعزيةَ النهائيةَ التي تستطيعُ وحدَها أن تُنَجِّيَهُم مِن أحزانِهِم، والجياعُ والعطاشُ إلى البرِّ هُم أُمناءُ لشريعةِ اللهِ ألا وهيَ البِرّ وهُم جياعٌ وعطاشٌ لكلمةِ الله. أمَّا الرحماءُ فهُم على مثالِ الآبِ السماويِّ الرحيم، وأطهارُ القلوبِ هُم أطهارُ القلبِ والأعماقِ والدَّاخل. السَّاعونَ إلى السَّلامِ هُم مَنْ ينشرونَ السَّلامَ والعدلَ بينَ الناسِ وينشرونَ السلامَ الدَّاخليَّ أيضاً، والمُضطَهَدُونَ على البِرِّ هُم مَنْ يتعرَّضُونَ للمعارضةِ والرفضِ لكونِهِم أُمناءَ لشريعةِ اللهِ في حياتِهِم. "طوبى لكم" هيَ لِمَنْ كانَ أميناً على هذهِ الأرضِ وعَمِلَ مشيئةَ اللهِ في حياتِهِ دائماً. "كُنْتَ أميناً على القليل، فسأُقِيمُكَ على الكثير: أُدْخُلْ نعيمَ سيِّدِك" (متى 25: 21).
هذهِ التطويباتُ هيَ لكُلِّ واحدٍ فينا يعملُ مشيئةَ اللهِ ويتبعُ مملكةَ يسوعَ المسيحِ ويريدُ أن يكونَ غَنِيَّاً بالله. فالغَنِيُّ باللهِ هوَ ذلكَ الإنسانُ الذي يَتَّكِلُ على اللهِ دائماً ويعملُ الخيرَ في حياتِهِ ويكونُ في وضعِ المُحتاجِ للهِ دائماً وينتبهُ للقريبِ ولاحتياجاتِه.
وفي النهاية، أعطانا السيِّدُ المسيحُ التطويباتِ لكي نعيشَها ونحيا مِنْ خلالِها، ولم يُعْطِنا إيَّاها لتقييدِنا وإرباكِنا. فلنعمل جميعاً على تطبيقِها وعلى أخذِها كُلِّها كاملةً لكي نعيشَها ونُطبِّقَها في حياتِنا، وإلاّ وضعناها على الرفِّ واخترنا منها ما يناسِبُنا أو نسيناها كلَّها لأنَّنا نقولُ في داخِلِنا:"إنَّها ليست لنا! هيَ صعبةُ التطبيقِ والعيشِ في حياتِنا! ونحنُ لا نقوى على جَعْلِها دستوراً لحياتِنا، لأنَّ ذلكَ يتطلَّبُ منَّا تغييرَ كُلِّ حياتِنا وعقلِّيَتِنا وكُلِّ شيءٍ في حياتِنا!". ولكن هذا ليسَ صحيحاً، فالتطويباتُ "ليست فوقَ طاقَتِكَ ولا بعيدةً منكَ، بل هيَ قريبةٌ منكَ جدِّاً، في فَمِكَ وفي قلبِكَ لتعملَ بها" (تث 30: 11، 14).
ولكن إذا عَمِلْنا بالتطويباتِ الإنجيليةِ سنستَحِقُّ قولَ المسيحِ وتَهْنِئَتَهُ لنا:"إفرحُوا وابتهجُوا: إنَّ أجرَكُم في السمواتِ عظيم". آمين.
الشماس فرح سلامة بدر