مريم يسوع المصلوب
(شفيعة الموقع)
ولدت الراهبة مريم يسوع المصلوب، في بلدة من قرى الجليل تدعى عبلين. من أبوين صالحين فقيرين، كانا ينتميان إلى طائفة الروم الكاثوليك. وقد ولد لهما اثنا عشر ولداً، ماتوا كلهم منذ الصغر. فتوسلا إلى الله أن يمنّ عليهما بابنة، فتحملا مشاق السفر إلى بيت لحم لطلب هذه النعمة، فاستجاب الله لطلبهما. وفي الخامس من شهر كانون الثاني عام 1846، رزقا ابنة أسمياها مريم. وبعد سنتين منّ لله على مريم بأخٍ سمّي بولس ولكن سرعان ما توفي والدهما وتركاهما يتيمين.
تبنّى مريم عمها وأخذ يعاملها كأحد أولاده. أما أخوها بولس فقد تبنته خالته في ترشيحا. وقد أراد الله أن ينبّه مريم منذ الصغر على بطلان الدنيا وزوالها، فسمعت صوتاً في داخلها يقول لها، وهي تدفن عصفوراً: "هكذا كل شيء يزول، فإذا شئت أن تعطيني قلبك، بقيت معك على الدوام" . فكانت في حياتها تتذكر دائماً تلك الدعوة إلى الزهد بأباطيل العالم.
رغبت مريم أن تكرس حياتها لله في الرهبنة. فقدمت طلباً للدخول في رهبنة القديس يوسف. فقُبِلَت في الرهبنة وذهبت إلى مرسيليا وبدأت هناك تتعلم اللغة الفرنسية. وقد أجمعت رفيقاتها على القول بأنها الأولى في الشغل، تخص نفسها بما كان من الأشغال أشد العناء. وكانت طاعتها موضوع إعجاب الجميع. وقد حدث لها هناك حوادث كثيرة فائقة الطبيعة منها انطباع جراح الفادي على قلبها ويديها ورجليها ورأسها. وكان ذلك في الصوم الكبير عام 1867 في عيد جراحات السيد المسيح.
وعندما حان وقت التقرير النهائي لقبولها أو رفضها في الرهبنة، رأى الرؤساء أنه من الأفضل لها أن تذهب إلى دير للراهبات المحصنات، لأن الخوارق العجيبة التي تحدث لها في حياتها تحتاج إلى اختلاء كلي. فقبلت في دير الكرمل في مدينة بو في فرنسا، ومنذ دخولها أعطيت اسم "مريم يسوع المصلوب". كشفت مريم لرئيستها الجديدة عن أسرار حياتها الروحية، فكانت رئيستها تزودها بالنصح والإرشاد.
لقد ظل العدو الجهنمي يلاحقها بتجارب متنوعة. فكم من المرات وسوس لها أن تترك الدير وتنصرف، وأنها غير مدعوة إلى الحياة الرهبانية.
في آب عام 1870 أبحرت مع بعض الراهبات الكرمليات إلى الهند لتأسيس دير في إقليم المنغلور. وقد مرت في المنغلور بمصاعب وتجارب كثيرة، إلا أنها تحلت دوماً بطاعتها وتواضعها، ثم رأى رؤساؤها بأن يعيدوها إلى بو، فعادت مع راهبتين في خريف 1872.
كانت الأخت مريم يسوع المصلوب تحث على تأسيس دير للكرمل في بيت لحم. وكانت تزداد مراراً أن الله يريد هذا المشروع وأنه سيمهد جميع العقبات في الساعة التي يريدها. وهذا ما تم فعلاً، فقد أزيلت العقبات المالية لبناء الدير، والحصول من روما على الإذن المطلوب لتأسيس الكرمل في بيت لحم.
فسافرت الأخت مريم يسوع المصلوب مع عدد من راهبات كرمل بو متوجهات إلى فلسطين لإنشاء دير في بيت لحم. وصلن مدينة القدس ومكثن فيها بضعة أيام لزيارة الأماكن المقدسة، ثم توجهن إلى بيت لحم، وكان ذلك في أيلول 1875. وبالهام من الله دلت الأخت مريم يسوع المصلوب على تلة مقفرة وقالت: "هناك يبنى الدير". فتم شراء الأرض وأشيد البناء وسكن فيه الراهبات في تشرين الثاني عام 1876 قبل أن يكتمل البناء بشكل كامل.
وفي بيت لحم أعلنت الأخت مريم يسوع المصلوب أن السيد المسيح يريد أيضاً ديراً للكرمل في الناصرة. فتم شراء الأرض في الناصرة عام 1877. وفي السنة التالية سمح غبطة البطريرك للرئيسة ولمعلمة الابتداء وللأخت مريم بالسفر إلى الناصرة ليشاهدن موقع الدير الجديد. وعند مرورهن بقرية اللطرون بالقرب من قرية عمواس، نزلت الراهبات من العربة الأخت مريم أمامهن، وكانت مختطفة بالروح، وأسرعت الخطى، فوصلت بعد قصير إلى تلة عليها بعض الأطلال فتوقفت هناك متأثرة والتفتت إلى الراهبات وقالت لهن: "هذا هو حقاً الموضع الذي أكل فيه سيدنا يسوع المسيح مع تلميذيه". وقد تم شراء المكان فيما بعد، وشرع في أعمال الحفر، فكشفت الحفريات عن أنقاض كنيسة ترتقي إلى بداية القرن الثالث.
كانت الراهبة مريم يسوع المصلوب تشتاق إلى الموت بكل قواها لأنها ترى في الموت انعتاقاً من الدنيا واتحاداً نهائياً بالله. فلما قرب وقت رحيلها إلى الأبدية، ازدادت تجرداً وتشوقاً إلى تلك الساعة الأخيرة: "عجل أيها الرب، ولا تؤجل وقت انصرافي إلى جوارك، فلقد ابرمتني الحياة، ولست إلا ولداً أضاع أباه وسعى في طلبه... فيا ليتني كنت أنا يسوع وكنت أنت الأخت مريم فما كنت ادعك مدة طويلة سقيماً ذابلاً، إني كطائر سجين في القفص، فافتح لي الباب لأطير إليك".
وفي 24 آب عام 1878 فسدت جروحها تنذر بموتٍ قريب. فقدمت ذاتها لله لتحتمل كل ما يريده منها في هذه الحياة، كي يرحمها في الآخرة. ويوم الأحد 25 آب أثبت الطبيب سوء حالها، فزارها غبطة البطريرك منصور براكو وأخذ يشددها في ساعة موتها، وتلطف غبطته فمنحها المسحة الأخيرة. وبعد أن انصرف من عندها، تذكر أنها أنبأته قبل مدة بأنه سوف يمنحها هو نفسه سر مسحة المرضى، وتمت النبوءة.
وفي اليوم التالي أصابتها نوبة قاسية، فمسحها مرة أخرى الأب بلوني، ثم فاضت روحها بسكينة. وبعد أن وضع جثمانها في التابوت شوهد على ثلاث مرات أن ذراعيها تخرجان منه تلقائياً وتمتدان على شكل صليب، وبعد أن طوتها الرئيسة مراراً قالت لها: "بأمر الطاعة، ضمي يا ابنتي ذراعيك لنتمكن من إقفال التابوت". فلبثت ذراعاها لا يتحركان. وأعلنتها روما عام 1983 طوباوية وها هم ينتظرون أعجوبة من الله لإعلان قداستها.
لا بد لنا من أن نصلي من أجل إعلان قداستها فهي قديسة بلادنا وديارنا المقدسة
أيتها الطوباوية مريم يسوع المصلوب... صلي لأجلنا وباركي موقعنا الالكتروني هذا ليكون أداة لنشر رسالة المسيح على الأرض.