أخلاقيات طب الحياة

الجسد - الجزء الثاني
هل يوجد في الكتاب المقدس تناقض بين الجسد والروح في حياة الإنسان؟ كلا بالطبع، فهو لا يتنكر لطبيعة الجسد وما يحمله من عناصر حيوية تجعل الإنسان حياً، وكيف يمكنه لك وهو يشهد بأن الجسد هو خليقة الله وهو بذلك حسن؟ فالجسد في ذاته لا يمكن القول فيه إنه جيد أو سيء إلا بارتباطه في حياة الإنسان وبإدراك الدور الذي يلعبه ضمن جواب الإنسان على دعوة الله له، فإذا كان عنصراً طيباً يعبر عن إيمان الإنسان بالله وهذا ما يجب أن يكون عليه. وإذا كان يناقض الإيمان عندما يستخدم ضد مشيئة الله، فهو أمر سيء ومشجوب، وطبعاً ليس الله بخلقه الإنسان يجعل الجسد سيئاً، بل الإنسان في استخدامه له يعطيه التوجه السيء ويبعده عن حقيقته،فما يهم الكتاب المقدس هو وضع الجسد في صلب دعوة الإنسان من هنا تأتي كل الممارسات التقوية والروحية التي تستخدم الجسد لتعبر عن حالة الإنسان المؤمن،نذكر منها أوضاع الصلاة والصوم والسهر، وكلها ممارسات جسدية لجأ إليها الآباء الروحيون والقديسونليعبروا بواسطتها عن علاقتهم بالله ورغبتهم في مزيد من الوحدة معه .















يعبر المسيح عن دور الجسد في الإيمان عندما يقول: "لا تخافوا ممن يقتل الجسد ولا يستطيع أن يقتل النفس، خافوا خاصة ممن يمكنه أن يهلك النفس والجسد في جهنم". وهو بذلك يفهمنا أن حياة الإنسان الحقيقية ليست الحياة الزمنية الحاضرة التي تجد في الجسد وصوره وأفعاله شكلها الظاهري، صحيح أن استمرار الجسد الحي هو علامة لاستمرار الإنسان الحي، إلا أن للجسد نهاية عاجلة كانت أو آجلة، ونفكر أيضاً في قول آخر للمسيح: "ما من حب أعظم من هذا وهو أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبائه" (يوحنا 15/13). يسوع بذل جسده أي حياته الزمنية تعبيراً عن محبته للبشر، وهذا الفعل هو المثال الأعلى لكل استخدام للجسد في سبيل الإيمان، وهو يظهر لنا مادة المحبة الأولى، أي محبة الله ومحبة القريب، فالإنسان المؤمن يستوحي فعل المسيح لينظر إلى جسده من منظار المحبة، أي من منظار الانفتاح المستمر على الله والإنسان .
يتحدث القديس بولس عن معنى الجسد في الإيمان ودوره في مسيرة خلاص الإنسان فيقول: "ونحن نعلم أن الإنسان القديم فينا صلب مع المسيح حتى يزول سلطان الخطيئة في جسدنا، فلا نبقى عبيداً للخطيئة، لأن الذي مات تحرر من الخطيئة" (روما 6/6-7). يعبر القديس بولس في هذا الكلام عن الجسد الذي يرمز إلى الخطيئة وهو بذلك يلاحظ أن واقع الإنسان هو واقع الخطيئة، فالإنسان ترك الله وعصى إرادته وعاش حسب أهوائه الجسدية .
لا شك في أن شهادة الكتاب المقدس في الجسد تظهر أنه عنصر أساسي في علاقة الله بالإنسان وفي علاقة الإنسان بالله في المقابل، وهي ترتكز على المعطيات التالية :
- أخذ الله تراب الأرض ونفخ فيه روحه فصار الإنسان جسداً حياً، فالجسد هو عطية إلهية ووجوده مرتبط بوجود الله .
- علاقة الجسد بالتراب تدل على القرابة الموجودة بينه وبين الخلائق كلها، فالمادة هي عنصر يوحد بين جميع المخلوقات، هذه القرابة الخارجية لا تكفى لتحدد دور الجسد ووظيفته في حياة الإنسان .
- علاقة الجسد بروح الله، إن إرادة الله واحدة في جميع مخلوقاته وهي إرادة الحياة والخلاص، فبروحه يجمع بين جميع مخلوقاته مع الحفاظ على تراتبيتها بحيث يتصدر الإنسان جميع المخلوقات ويتسلط عليها وذلك بأن يشهد لحضور روح الله فيها .

هل الجسد الذي نعيش فيه جسد مقدّس؟ لماذا؟
إنه من صُنع يد الله، إنه خليقة الله الذي رأى كل شيء حسناً .
إن السيد المسيح تنازل وأخذ جسداً مثلنا وإن كان خالياً من الخطيئة .
إنه مقدّس لأنه مسكن الإله: "ألا تعلموا أن أجسادكم هي هيكل الروح القدس" (اكور16:19).
إنه مقدَّس إذ يتقدّس بقبول الأسرار المقدّسة .
إنه مقدَّس إذ يشترك في تمجيد الله بالصلوات والشعائر الدينية، فإننا نمجِّد الله بأفواهنا إذ نرنم ونمجِّده بركبنا إذ نركع .
إنه مقدَّس لأنه سيُمجَّد يوماً في القيامة .
إنه مقدّس لأنه لغة الحب بين الزوجين .
إنه مقدّس لأنه يواصل عملية الله في الخلق .

فالجسد مقدّس وله كل الاحترام، ولاسيما في الحياة الزوجية والعلاقة الزوجية


11
vatican
lpj
oessg