وخاصة، فالميزة العامة تعود إلى الطبيعة البشرية، إذ أن لكل إنسان جسد، أما الميزة الخاصة فتعود إلى كل فرد إذ أن لكل إنسان جسده الذي يتعلق به وهو مسؤول عنه مباشرة يمتاز الجسد بأنه يستطيع أن يعبر عن حالة الإنسان الباطنية والداخلية، فما يعيشه الإنسان في تفكيره وفي شعوره وفي نواياه يسعى إلى إظهاره في الخارج بواسطة جسده... فيمتاز الجسد بالحركة، فهي طريق الحياة، وحركة الجسد هي في خدمة حياة الإنسان مثل: حركة الأكل تهدف إلى تغذية جسد الإنسان والإستمرار في الحياة، مثل آخر: الرياضة البدنية تهدف إلى ترويض الجسد وتشجيع النشاط، مثل آخر: الوظيفة الجنسية تهدف إلى إستمرار الحياة بواسطة الإنجاب. فكل وظائف الجسد تتصل بحياة الإنسان وتخدمها، لذلك فهي ليست محدودة بحركاتها الخارجية، بل تجد معناها الحقيقي بالعودة إلى مجمل حياة الإنسان في كافة جوانبها .
فمعنى الجسد إذاً هو معنى علائقي، فخدمته والإعتناء به يهدفان إلى إنجاح علاقة الإنسان بالإنسان في مختلف وجوهها .
هل يتكلم الكتاب المقدس عن الجسد؟
الكتاب المقدس كما هو معلوم، ليس كتاب فلسفة أو كتاب علم، إنه كتاب وحي الله وهو شهادة لحياة الله مع شعبه، إنه شهادة إيمان يبنى عليها الإنسان علاقته الشخصية بالله، ومنها يستقى المقاييس والمعايير الضرورية لنجاح هذه العلاقة
في إطار الميثاق والعهد مع الله، يدرك الإنسان أن كل ما يملكه يدعو إلى أن يصبح جزءاً من جوابه على دعوة الله له، فالإيمان بالله يوحِّد كل شىء يجمع ما بين عوالم الإنسان وأجزائه كلها، وإنطلاقاً من هذا التوجه الكتابي، ينظر الإنسان إلى جسده كعنصر مهم من عناصر جوابه على دعوة الله له، فإذا كان الجسد حقيقة ملازمة لحياته اليومية، فلا يعقل أن يكون خارجاً عن إطار إيمانه بالله. فإن له دوراً يلعبه في مجال الإيمان، وإذا كان الجسد يظهر وجه الإنسان الحي، فإنه مدعو إلى أن يكون تعبيراً خارجياً وحسياً عن حالة الإيمان الذي يعيشه الإنسان أمام الله .
يستخدم الكتاب المقدس تعبيرين للدلالة على علاقة الإنسان بالله:
1) تعبير "جسد" ليدل على علاقة عداوة مع الله، أي ان الإنسان يعيش بعيداً عن الله، مخالفاً لمشيئته، وهذا ما يعبر عنه إرميا النبي بقوله: "وقال الرب: ملعون من يتوكل على الإنسان ويجعل الجسد سنداً له، ويصرف قلبه عن الرب، فيكون مثل النبت في الصحراء، يسكن الفلاة الشديد الحر والأرض المالحة التي لا تسكن، مبارك من يحتمي بالرب ويجعل الرب مأمناً له" (17/5-7)، هذا الكلام النبوي يظهر التناقض بين التوكل على الجسد، أي على قوة الإنسان، والتوكل على الله، ويشدد على ضرورة اللجوء إلى الله ومحبته، وكأن الجسد تعبير عن الإنفصال عن إرادة الله والتعلق بالأمور الدنيوية والعيش حسب الأنانية وكأن الله غير موجود، هذا الكلام يمهد الطريق أمام ما سوف يقوله بولس في العهد الجديد عن الحياة حسب الجسد التي هي حياة الخطيئة .
2) تعبير "روح" ليدل على علاقة صداقة مع الله، أي أن الإنسان يعيش قريباً من الله، مطيعاً لإرادته، ذلك أن روح الله الذي خلق كل شىء والذي نفخه الله في التراب ليخلق الإنسان، هو أساس الإيمان، وهو الذي بدخوله إلى قلب الإنسان يجعله يحيا حياة روحية مبنية على روح الله الذي ظهر في شريعته وفي أقوال أنبيائه