أخلاقيات طب الحياة

 

مقدمة

الإنسان مدعو إلى حياة زاخرة تتخطى حدود وجوده على الأرض لكونها اشتراكا في حياة الله ذاتها. هذه الدعوة التي تفوق الطبيعة البشرية تكشف بعمقها عظمة الحياة البشرية وقيمتها حتى في طورها الزمني. وبإمكان كل إنسان منفتح على الحقيقة والخير انفتاحا مخلصا وبنور العقل وعمل النعمة الباطن أن يتوصل إلى أن يكتشف في الشريعة الطبيعية المكتوبة في القلوب ما تتضمنه الحياة البشرية من قيمة مقدسة، من بدايتها حتى نهايتها. وبإمكانه أن يؤكد ما يتمتع به كل كائن بشري من حق في أن يظل هذا الخير الأساسي في نظره موضوع احترام كامل. وحتى التعايش الإنساني والمجتمع السياسي يرتكزان على الاعتراف بهذا الحق.
الدفاع عن هذا الحق وإعلاء قيمته يجب أن يتحققا على يد المؤمنين بالمسيح الذين يدكون روعة الحقيقة التي ذكر بها المجمع: من خلال التجسد يتمتع الإنسان بقيمة لا تضاهى.
الكنيسة في السنوات الأخيرة قدمت الكثير لتوضيح رسالتها في المجتمع المسيحي وغير المسيحي. وقد ظهرت عدة رسائل بابوية عن الأخلاق ورسائل من المجامع الكنسية.
سنة 1981 رسالة في وظائف العائلة
سنة 1989 في كرامة المرأة
سنة  1993 "تألق الحقيقة"
سنة  1995 "إنجيل الحياة"
مجمع العقيدة والإيمان "الحياة هبة الله" 1987
المجلس الحبري من أجل العائلة "الإنسان والجنس حقيقة ومدلول: توجيهات من أجل التربية في العائلة"
المجلس الحبري للعائلة "الإعداد لسر الزواج" 1996
المجلس الحبري للعائلة "الأسرة، الزواج وقرانات الأمر الواقع" 2000
المجلس الحبري لوسائل الإعلام والاتصال الاجتماعية "وسائل الإعلام والاتصال الاجتماعية: أخلاقيات وآداب"
المجلس الحبري لوسائل الإعلام والاتصال الاجتماعية المجلس الحبري لوسائل الإعلام والاتصال الاجتماعية" الكنيسة والانترنت
رسالة إلى الأسر من البابا يوحنا بولس الثاني 1994
رسالة إلى  النساء 1995
وثيقة إلى الكهنة المعرفين حول قضايا أخلاقية مرتبطة بسر الزواج 1997
المجمع الحبري للحياة حول الاستنساخ 1997

الواقع البشري:
أمام وعي الإنسان لكرامته وحقوقه وحريته وتطور العلم نكتشف انتهاكات تستهدف الحياة البشرية والحياة الأسرية. ففي "إنجيل الحياة" يترجم البابا ما يشعر به كل ضمير مستقيم: "كل ما يتصدى للحياة ذاتها ككل ضرب من ضروب القتل والقتل الجماعي والإجهاض والقتل الرحيم وحتى الانتحار المتعمد، وكل ما هو انتهاك لحصانة الإنسان كالبتر والتعذيب الجسدي أو الأدبي ومحاولات الضغوط النفسانية، وكل ما يهين كرامة الإنسان كظروف الحياة المنحطَّة والاعتقالات الاعتباطية والنفي والرق والدعارة والمتاجرة بالسناء والأحداث، وظروف العمل المشينة التي تُحدر العمال إلى مستوى مجرّد أدوات للكسب، بلا حرمة لما يتمتعون من شخصية حرة ومسؤولة هذه الممارسات جميعها وما يشبهها إنما هي، في الحقيقة، ممارسات مخزية. فهي تفسد الحضارة" (رقم 3)
وينتقل إلى موضوع التقدم الطبي ويقول أيضا أن هذه اللوحة آخذة في الاتساع. "فمع ما نلحظه من آفاق جديدة، ناجمة من التقدم العلمي والتقني، نرى أشكالا جديدة من التعرض لكرامة الإنسان. وفي الوقت نفسه ترتسم وتتكون حالة حضارية جديدة تضفي على الجرائم التي تستهدف الحياة وجها مستحدثا وأكثر إغراقا في الظلم. فثمة طبقات واسعة في الرأي العام تبرر بعض الجرائم ضد الحياة باسم حقوق الحرية الفردية، وتنطلق من هذه الأرضية لتطالب لا بالتبرئة فقط بل بموافقة الدولة لتمارسها في حرية مطلقة وبدعم مجاني من قبل الخدمات الصحية" (رقم 4). حتى الطب نفسه المدعو إلى حماية الحياة البشرية والعناية بها ينساق أكثر فأكثر إلى ارتكاب أفعال تستهدف حياة الإنسان.
وهذا ما يدعوه البابا في الرسالة "حضارة الموت" ومن مميزاتها موت الإنسان وموت الله. من صميم مأساة عالم اليوم أنه يعيش كسوف معنى الله ومعنى الإنسان. فعندما يفقد الإنسان معنى الله، فهو يجنح إلى فقدان معنى الإنسان أيضا وكرامته وحياته. وهذا الكسوف يفضي إلى المادية العملية التي تنشر بذار الفردانية والمنفعية والمتعية. سواء على أساس الصحة أو الحياة أو الحياة الزوجية... ففي هذه القرائن الحضارية لم يعد الجسد في نظر البعض حقيقة شخصية مميزة، علامة ومكانا للعلاقة مع الآخرين ومع الله ومع العالم، بل أمسى مجرد كتلة مادية ومجموع أعضاء ووظائف وطاقات لا تستعمل إلا وفاقا لمقاييس اللذة والفاعلية، وخاضعا للاستغلال: فبدلا من أن يكون علامة ومكانا ولغة للحب أي لبذل الذات والانفتاح على الغير في كل غنى شخصيته يمسي فرصة ووسيلة لتثبيت "الأنا" وإشباع الرغائب والغرائز. وهكذا يشوه معنى العلاقة الجنسية في الزواج.

vatican
lpj
oessg