في تشرين الاول 1942، قُبل في اكليريكية كراكوفيا المتخفية. فتابع في الخفاء دروس كلية اللاهوت ، فيما كان يتابع عمله في المصنع. جاء الالمان يبحثون عنه، ولكنهم لم ينحدروا الى الطبقة السفلى حيث كان منطرحا ارضا يصلي. ونجا ايضا من النفي الى روسيا. وساهم كارول في انقاذ مواطنين يهودا من براثين النازية.
في الاكليريكية، قرأ "المقالة في التعبد الحقيقي لمريم العذراء" للقديس لويس ماري غريتيون دي مونفور، الذي يعترف كارول بأنه مدين له بالكثير. فتأصلت فيه عبادته لمريم. وفهم ان مريم تقربنا من المسيح وتقودنا اليه، بشرط ان نحيا سرها في المسيح" (من كتاب "دعوتي"). وتأثر ايضا بالمثال الكهنوتي لخوري آرس القديس.
وفي عيد جميع القديسين 1/11/1946 نال السيامة الكهنوتية. وارسلوه حالا الى روما تقديرا لمواهبه، فنال الدكتوراة في اللاهوت الادبي عام 1948. وكان دائما يلازم المثقفين ورجال الفكر وحملة الاقلام، يرشد ويوجه، ويدافع عن مصالحهم. وقد نشر ابحاثا عدة في بلاده. وتناقلت الصحف الفرنسية مقالاته، وقد نشر اكثرها في صحيفة الفاتيكان الاوسرفاتوي رومانو.
ومن روما عاد الى وطنه ليعمل في كرم الرب، ولمتابعة ابحاثه ودروسه. فكد وجدّ، واستطاع ان يفوز بشهادة دكتوراة ثانية. فوكل اليه الرؤساء تدريس الفلسفة واللاهوت في الجامعة الكاثوليكية في "لوبلين" Lublin ، ومعهد اللاهوت في كراكوفيا.
وبعد استلام عدة مناصب رعوية، عُيّن في 4 تموز 1958) اسقفا مساعدت في كراكوفيا، وعمره لا يتعدى 38 سنة. وبقي في وظيفته هذه الى وفاة مطران كراكوفيا، فرقاه بولس السادس الى درجة رئيس اساقفة كراكوفيا في 13/1/1964، حيث شارك بفعالية في دورات المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965). في سنة 1967 انعم عليه الباب بولس السادس برتبة كاردينال.
وفي آذار من عام 1976 استقدمه البابا بولس السادس الى الفاتيكان، وكان يقدر مواهبه وكفائته، وعهد اليه بالقاء مواعظ الرياضة السنوية على لفيف الكرادلة ومعاوني البابا في الفاتيكان. فقام بهذه المهمة خير قيام "حاملا الى الفاتيكان كلمة الحياة، لنائب المسيح ومساعديه الاقربين"، فنجم عنها كتاب بعنوان: "علامة مناقضة" . وكان قبل انتخابه بابا قد اصدر احد عشر كتبا، ومئة وخمسة وثمانين دراسة فلسفية او لاهوتنية.
انتخابه حبرا اعظم
توفي بولس السادس في 7 آب 1978. وفي 25 منه، دخل الكرديمال فوتيلا مجمع الكرادلة الذي انتخب بابا في اليوم التالي الكردينال البينو لوتشياني، بطريرك البندقية. فاتخذ اسم يوحنا بولس الاول. الا ان حبريته لم تدم ثلاثة وثلاثين يوما. فافتتح مجمع الكرادلة الجديد في 14 تشرين اول. وقر رأي الكرادلة على اختيارالكردينال فوتيلا في مساء 16/10/1978، بعد 48 ساعة من بدء عملية الاقتراع. وقد اشترك في المجمع 111 كردينالا أي نفس العدد الذي اختار سلفه يوحنا بولس الاول.
كان انتخابه مفاجأة أي مفاجأة، للعالم اجمع. والمفاجأة الكبرى كانت له هو بالذات، كما عبر عنها بقوله في اول خطاب اذاعه في كنيسة السكستين:
".. اول ما يخطر ببالنا بعد اختيارنا لكرسي بطرس هو الآية القائلة: يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه! ما ابعد احكامه من الادراك، وطرقه عن الاستقصاء (رومة 32:11). ونحن ليس لنا ان نحاول فهم مقاصد الله الخفية، بل علينا ان نعبد ونصلي، ونفهم انه من المتوجب علينا ان نردد مع صاحب المزامير: "اني رافع عيني الى العلاء الى حيث تأتي نصرتي. نصرتي من عند الرب صانع السموات والارض" (1:120).
يوحنا بولس الثاني رسول السلام
وضع البابا السلطات المدنية ازاء مسؤولياتها على الساحة الدولية:
- سنة 1981، اوفد يوحنا بولس الثاني، الى رؤساء جمهوريات الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد السوفياتي وفرنسا ورئيس وزراء المملكة المتحدة، وفدا من الاكاديمية الحبرية للعلوم، اوكل اليه ان يحمل وثيقة بشأن النتائج التي ستترتب على اوروبا والعالم من جراء استخدام محتمل للاسلحة النووية.
- في سنة 1993، وقّع الكرسي الرسولي معاهدة ضد انتاج الاسلحة الكيميائية وتطويرها واستخدامها؛ وفي سنة 1997، معاهدة حظر الالغام ضد الافراد. وفي سنة 1994 اصدر المجلس الحبري "عدالة وسلام" وثيقة بعنوان: "تجارة الاسلحة، تأمل خلقي".
- في 27 تشرين الاول 1986، دعا يوحنا بولس الثاني الى احياء يوم صلاة في اسيزي، ضم 130 مسؤولا دينيا ينتمون الى كل الجماعات المسيحية والى الديانات الكبرى غير المسيحية، كي يصلّوا، كل واحد من جهته، من اجل استتباب السلام في العالم. بعد اعتداءات 11 ايلول 2001، في نيويورك، واندلاع الحرب في افغانستان، دعا البابا الكاثوليك الى التزام صوم من اجل السلام (14 كانون الاول 2001)، ودعا ممثلي الاديان في العالم الى حياء يوم صلاة من اجل السلام في العالم، في اسيزي (24 كانون الثاني 2002)، عقبه اصدار "وصايا اسيزي العشرة" من اجل السلام.
- كان يُصدر البابا كل سنة رسالة بمناسبة "اليوم العالمي للسلام"، في الاول من كانون الثاني. فتعرض تلك الرسائل مبادىء عظيمة، من مثل: "البلوغ الى السلام، التثقيف على السلام" (1979)، "لخدمة السلام، احترام الحرية" (1981)، "من قلب جديد يولد السلام" (1984)، "الحرية الدينية شرط كي نحيا معا السلام" (1988)، " سر السلام الحقيقي يكمن في احترام الاقليات" (1989(، الخ....
- العراق: تدخل يوحنا بولس الثاني، ما يقارب الاربعين مرة، ساعيا الى تجنب حرب الخليج (1991). وكتب البابا شخصيا الى رئيسي الولايات المتحدة الاميركية والعراق وناشدهما بألا يتورطا في الحرب. وفي مطلع اذار 2003، استقبل البابا عددا من السلطات واطلق نداءات عاجلة، خوفا من ان تندلع حرب جديدة في العراق. واوفد الكردينال اتشيغاراي اللا الرئيس صدام حسين في بغداد، والكردينال لاغي الى الرئيس بوش في واشنطن.
- لبنان: اطلق يوحنا بولس الثاني نداء من اجل السلام والعدالة في الشرق الاوسط (1982)، بعد اغتيال الرئيس البناني بشير الجميل. من حهة اخرى، توجه الرسالة الرسولية "الاسرار الكبرى" (Les grands mystères) ، (1984) الانتباه الى الوضع في لبنان، وكذلك رسالة اخرى وحهها الى جميع الاساقفة الكاثوليك (1989). وسنة 1989 ايضا، اطلق نداء الى جميع المسلمين، لصالح لبنان، وفي الوقت عينه، بعث برسالة الى جميع اساقفة الكنيسة الكاثوليكية حول الوضع في هذا البلد، وكرس يوم صلاة من اجل استتباب السلام في لبنان.
- فلسطين: رأى البابا، بالنسبة الى النزاع الفلسطيني-الاسرائيلي، ان البحث عن حل سلمي بالتفاوض هو السبيل الوحيد الممكن، اذ ان تلك الارض "مقدسة في نظر اليهود والمسيحيين والمسلمين". ولقد سمحت المعاهدات الدبلوماسية التي أُبرمت مع (اسرائيل) (1993 و 1997)، ومع منظمة التحرير الفلسطينية (2000) بان بُعترف قانونيا بوضع الارض المقدسة الخاص. وفي الوقت عينه، عاد بوحنا بولس الثاني وأكد ان مصير مدينة اورشليم-القدس هي ان تكون مكان مصالحة، ومثالا للتعايش السلمي بين الجماعات الثلاث. واكدت الرسالة الرسولية "سنة الفداء" (Redemptionis anno) (1984)، اناورشليم- القدس هي ميراث جميع المؤمنين وملتقى السلام لشعوب الشرق الادني. وفي سنة 1997، راسل البابا رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو والرئيس الفلسطيني يأسر عرفات لصالح السلام. وكرس يوما للصلاة من اجل السلام في الارض المقدسة، يوم احد الرحمة الالهية، على اثر الاعتداء على بازيليك الميلاد ببيت لحم (2002)؛ ثم تحدث بالهاتف مع الاباء الفرنسيسكان المحاصرين؛ وفي الاول من أيار، اوفد اتلكردينال اتشيغاراي في مهمة خاصة الى اورشليم-القدس. ويوم اربعاء الرماد 2003، كرس يوما اخر للصوم والصلاة من اجل السلام في الشرق الادني. لكن النزاع ما زال مشتعلا!...
- اميركا اللاتينية: وساطة الكرسي الرسولي، على طلب من الطرفين المتصارعين، في النزواع الذي تواجهت فيه الارجنتين والتشيلي، بشأن "قناة دي بيغل"، تشكل رمزا لما يمكن ان يكون الاهتمام بالسلام. توصلت المفاوضات التي بدأت في 28 نيسان 1982 الى توقيع معاهدة في 29 تشرين الثاني 1984، فاججتنب هكمذا النزاع المسلح. لكن البابا لم يدع نيكاراغوا تستغله، فرفض طلب الحكومة السندينية الثورية بان يعرض خدماته ويتفاوض مع الولايات المتحدة لتجنب تدخلها في السلفادور، الموجه ايضا ضد نيكاراغوا (1983).
الرسائل التى اصدرها يوحنا بولس الثاني
1) "فادي الانسان" (Redemptor hominis) ، 15 آذار 1979. تتضمن برنامج الحبرية، وتحلل الوضع البشري في عصرنا، وتجيب عن تساؤلات الانسان الجوهري: لماذا تجسد الله؟ لدى اقتراب الالفية الثالثة، يذكّر البابا بان سر المسيح الفادس هو اساس رسالة الكنيسة وكرامة الانسان.
2) "الغني بالرحمة" (Dives in misericordia) ، 30 تشرين الثاني 1980. يرسم يوحنا بولس الثاني، في تعليقه على مثل "الابن الضال" (لو 15: 11-32)، صورة لأنسنة منفتحة على الله الآب، الذي محبته اقوى من الموت والخطيئة. فالرحمة الالهية، التي تعيد الى ابنها كرامته الاولى التي افقدته اياها الخطيئة، تلك الرحمة التي نلمسها في العهدين القديم والجديد، لا تذلُ الانسان، بل توطده في كرامته.
3) "بممارسة عمله" (Laborem exercens) ، 14 ايلول 1981. انها اولى رسالة عامة اجتماعية ليوحنا بولس الثاني. يؤكد البابا انه، بالعمل، يشارك الرجل والمرأة في عمل الله الخالق، لكون العمل عنصرا من عناصر كرامة الطبيعة البشرية. بتحويله الطبيعة يكمل الانسان ذاته ويصبح "ايضا كائنا اكثر انسانية". في هذه الرسالة يعود البابا ويؤكد مبدأ "سمو العمل على الرأسمال:. يتحدث عن حقوق العمال واهمية النقابات، ويعلن موقفه من روحانية العمل...
4) "رسولا الصقالبة" (Slavorum Apostoli) ، 2 حزيران 1985. صدرت بمناسبة المئوية الحادية عشرة للتبشير بالانجيل في بلاد الروس الذي قام به القديسان كيرلس وميتوديوس (رسولا الصقالبة – السلاف)، "المثاليان الحسيان والسندان الروحيان لمسيحيي عصرنا"، صانعا انثقاف الانجيل اللذين ارسيا "الجسر الوحي بينالتقليد الشرقي والتقليد الغربي".
5) "السيد والمعطي الحياة" (Dominum et Vivificantem) ، 18 ايار 1986. تشكل هذه الرسالة العامة مع رسالتي "فادي الانسان" و الغني بالرحمة" الصفق الثالث من عرض للثالوث الاقدس. اذ كان الروح يُشهر خطيئة العالم، فانه يحول الالم الى حب محلص. انه يأتي ويثبت "الانسان الداخلي"، في استشراف يوبيل العام 2000. لقد حققت هذهالرسالة العامة عن الروح القدس في حياة الكنيسة والعالم تقاربا لاهوتيا مع الارثوذكس.
6) "ام الفادي" (Redemptoris Mater) ، 25 اذار 1987، عن الطوباوية مريم العذراء في حياة الكنيسة في مسيرتها نحو السنة المريمية. تقيم مريم في وسط الكنيسة وتمارس وساطة ام في سبيل ابنائها.
7) "الاهتمام بالشأن الاجتماعي" (Sollicitudo rei socialis) ، 30 كانون الاول 1987، بمناسبة الذكرى العشرين لرسالة البابا بولس السادس "تقدم الشعوب" (Populorum progressio) . لمواجهة تحديات التطور، يقترح البابا على الشعوب رؤية تضامنة عالمية. وتدعو الرسالة العامة الى "قراءة لاهوتية للمعضلات المعاصرة" كي يُستخلص منها الطابع الادبي للتطور، وتدعو الى وعي متزايد للتضامن، بما في ذلك بين بلدان النصف الشمالي للكرة الارضية والنصف الجنوبي.
8) "رسالة الفادي" (Redemptoris missio) ، 7 كانون الاول 1990، بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لصدور قرار المجمع الفاتيكاني الثاني في النشاط الارسالي. تدعو الرسالة العامة، متوجهة نحو الالفية الثالثة، الى تبشير آسية بالانجيل، وقطاعات المجتمع الحديث الجديدة (المدن العظمى، المهاجرين...)، وعالم الثقافة، وذلك مع احترام الضمائر.
9) "السنة المئة" (Centesimus annus) ، الاول منايار 1991، بمناسبة الذكرة المئوية الاولى لصدور الرسالة العامة "الشؤون الحديثة" (Rerum novarum) ، للبابا لاون الثالث عشر. في هذه الرسالة العامة الثالثة المكرسة لعقيدة الكنيسة الاجتماعية، ينتقد البابا الاشتراكية والرأسمالية الحرة (الليبرالية)، دون ان يُسلك الكنيسة في طريق وسط. وفيما يرضى البابا باقتصاد السوق، يندد بالفقر الناجم عن الاقصاء بأمر من عالم الانتاج والتبادل...
10) "تألق الحقيقة" (Veritatis splendor) ، 6 آب 1993. تذكّر هذه الرسالة العامة بأسس اللاهوت الادبي، على اثر "تباين في الرأي" عند لاهوتيين يفرقون بين الحرية الانسانية والحقيقة الادبية، رافضين الناموس الطبيعي، معيدين النظر في دور السلطة الكنسية التعليمية، متناسين وصايا الله.
11) "أنجيل الحياة" (Evangelium vitae) ، 25 اذار 1995، حول قيمة وحصانة الحياة البشرية التي تتهددها ثقافات وذهنيات معاصرة. اساس كرامة الانسان هو انه خُلق "على صورة الله كمثاله" (تك 1: 26). يستنكر البابا من جديد الاجهاض والموت الرحيم – "وثقافة الموت" -. ويدعو الى ثقافة جديدة للحياة البشرية ترتكز على الانجيل. العبارات التي يستخدمها توحي بان ذلك التعليم معصوم عن الخطإ.
12) "ليكونوا واحدا" (Ut unum sint) ، 25 ايار 1995، عنالالتزام المسكوني، وبالاخص مع الكنائس الشرقية.ويذكّر يوحنا بولس الثاني بان أولوية البابا هي خدمة وحدة، ويدعو الى دراسة لاهوتية في ممارسة تلك الاولوية، بهدف تفعيل تقارب الكنائس.
13) "الايمان والعقل" (Fides et ratio) ، 14 ايلول 1998. انهما "الجناحان اللذان يرتفع بهما نحو تأمل الحقيقة". يوجه البابا الانتباه ويركزه على الحقيقة وأساسها بالنسبة الى الايمان. على اللاهوت ان يتجدد ابتغاء لخدمة افضل وانجع للبشارة بالانجيل، وان يستشرف الحقيقة النهائية.
14) "الافخارستيا حياة الكنيسة" (Ecclesia de Eucharistia) ، 17 نيسان 2003، حول الافخارستيا وعلاقتها بالكنيسة. الافخارستيا تُسهم في بناء الكنيسة، موثقة رُبط الشركة بين اعضائها، في مدرسة مريم، المرأة "الافخارستية".
عرف يوحنا بولس الثاني، مثله مثل كل الناس، حدود الطبيعة البشرية واخطار الحياة. في 13 ايار 1981، في عيد سيدة فاطيما، فيما كان يخترق جمع الحجاج في سيارة مكشوفة، بساحة القديس بطرس، قاصدا قاعة اجتماع يوم الاربعاء العام، اذا بالشاب محمد علي اكجيا يُطلق رصاصتين تصيبان البابا. ولما كانت اصابته خطيرة، بقي ست ساعات في غرفة عمليات مجمع جيملي الطبي. ولقد قال القاتل المحترف التركي الجنسية، في ما بعد، انه لم يفهم كيف ان الرصاصتين لم تفعلا فعلهما: "لقد صوبت جيدا". وبعد علاجه التام ذهب الى السجن وصفح عن الذي حاول قتله، فكان مثال المسيح الذي غفر عمن قتلوه قائلا اغفر لهم يا ابتي .
الطالب الاكليريكي
سلام حداد