كانت مريم تحفظ كلّ هذه الأشياء
حفظت مريم كلّ ذكريات ما حدث وما عاشت في الناصرة، بإيمان نضج دون توقف من خلال حياتها اليومية وفي نشاطاتها وتغيُّراتها وأفراحها واحتفالاتها وروتينيتها وتجاربها، من يوم إلى يوم ومن سبت إلى سبت. ذُكر أكثر من مرة أنها "لم تكن تفهم تلك الأمور"، "تعجَّبت مما يُقال في أمر الصبي"، "وكانت مريم تحفظ كلّ هذه الأمور وتتأملها في قلبها". تتأملها في قلبها، وإذا أردنا أن نكون أدق: "تتمعّن وتتبصّر" كلّ تلك الأمور في قلبها.
لم تفهم مريم، ولكنها كانت تحاول أن تفهم . لم يكن إيمان مريم مستقبلاً فقط وتركُها لم يكن تخلٍّ. كان إيمان مريم صابراً، إيمان دون إجبار الحقيقة ويبقى منتبهاً، ويبحث دائماً في سبر غور السر العميق بعيون كبيرة ثاقبة في انتظار إتمام كمال الوحي.
على العكس من ذلك، نحن مجرّبون بعدم الصبر خصوصاً في مسيرتنا الروحية. نريد أن نعلم إلى أين يقودنا الله. ونحاول في بعض الأحيان أن نجبر كلمة الله بجعلها تقول ما نريد نحن وتبرّر نظرياتنا، أي أن نسيطر على الكلمة، أو أن نسيطر على طرق الله، وبالتالي يتملَّص الله دائماً في هذه الحالات. عاشت مريم، بكليتها وبكمالها، صراع الإيمان هذا، لأنه معركة. لقد عاشته بالخصوص في اللحظات التي كان عليها أن تضع نفسها محافظة على قنديل إيمانها موقداً في قلبها في الليل.