"صوت صارخ في البرّية" ومنها الى العالم!
(بقلم الاب د. بيتر حنّا مدروس)
صدر مؤخرا كتاب بالايطالية ، من جمع ناندينو كابوفيلا وتأليفه وبمقدّمة من نيافة الكردينال كارلو ماريا مارتيني رئيس أساقفة ميلانو السابق، ونقله قدس الاب ابراهيم الشوملي الى العربية تحت عنوان :"البطريرك ميشيل صبّاح ... صوت صارخ من البرّيّة". ويأتي صدور الكتاب – الذي جمع عددا من عظات البطريرك ومحاضراته وانجازاته – في الفترة التي فيها يعتزل رسميا مهامه البطريركية ليقدّم الشعلة الى خلفه رئيس الاساقفة فؤاد بطرس الطّوال. ومع التحية الى كلا الحبرين : البطريرك صبّاح والبطريرك المنتخب طوال ، يقدر المرء أن يركّز هنا على نقاط ثلاث عظيمة الشّأن ، بين مواضيع كثيرة يضيق المقام لذكرها وايرادها مفصّلة.
تمهيد : عبارة "صوت صارخ : في البرّيّة أعدّوا طُرُق الرب!"
وردت الاية في نبوة أشعيا 40 : 3 حيث يدعو الله شعبه أن يهيّىء في الصحراء سُبُل ارضاء الخالق ، بالتوبة والندامة والتواضع . وتألق في النص التوازي المترادف بشكل كامل " في البرّيّة أعدّوا طريق الرب ، واجعلوا سُبُل الهنا في الصحراء قويمة".
أمّا قول العزة الالهية "اجعلوا سبل الله قويمة" فتعني ان على البشر أن يتّقوه تعالى وأن يسيروا هم في طرق الله القويمة أي أن يقوّموا نهجهم حسب المشيئة السيدية.
وتمّت نبوّة أشعيا – ابن المدينة المقدسة البار – في المعمدان يوحنا (يحيى) بن زكريا الذي دعا في الصحراء الى تهيئة طريق الرب في البرّيّة. فالصحراء في العهد القديم ولا سيما سفر الخروج مكان مناجاة الله لشعب الميثاق العتيق واختلائه به بعيدا عن مغريات الدنيا المتمثلة في "مصر" الفرعونية الوثنية . والصحراء مكان يسهل فيه الارتقاء بالروح الى الله والاندهاش أمام عظمة الخالق وجمال الخليقة ولا سيما السماء المرصّعة بالنجوم والتجرد من حطام الدنيا.
"صوت صارخ من البرّيّة"
المقصود البرّيّة القريبة من المدينة المقدسة وبيت لحم، صحراء الارض المقدسة ، البرّيّة الجغرافية الطوبوغرافية التي شهدت تقشف السيد المسيح له المجد والمعمدان وبعدهما جحافل النساك والرهبان (الى يومنا هذا). والمقصود أيضا صحراء معنوية قاحلة جرداء ، "تيه" الضياع ، حيث يصرخ الانسان فلا يسمع الاّ صدى صوته ، هو في واد والعالم في واد، وكأن الارض المقدسة عُزلت عن باقي المعمور وقد لحفت سكّانها شمس الهجير وسكنوا الرمضاء. وصاحوا وما من مجيب.
البرّيّة (بشدّ الراء) والبريّة أي الخليقة ، يوحنّا وهيرودس!
استشهد الكتاب "صوت صارخ من البرّيّة" بالبطريرك اللاتيني المقدسي الصبّاح الذي خاطب المحافل الدولية والزعماء السياسيين على كل المستويات. تكلّم بصواب عن ضرورة "العدل الذي ثمرته السلام" ( مقتبسا من سفر أشعيا أيضا). وأصغى "صانعو القرار" الى بطريرك القدس وأحيانا جعلوا – كما تقول العامّة – "أذنا لهم سطحا وأذنا مزرابا" وابتسم قوم منهم لما وصفوه "بسذاجة" البطريرك ولسان حالهم :"قول القرايا لا يوافق قول السرايا!" ولكن الوضع كان يشبه – نوعا ما – مواقف الاحبار الرومانيين من زعماء هذا العالم . قداسة البابا يعظ ويحثّ على العدل والسلام ، ولكن "السياسة" تريد المصالح لا المباديء ، والانجازات لا الاخلاقيات. في القرن الميلادي الاول ، وقف يوحنا بن زكريا أمام هيرودس انتيباس رئيس الربع وقال له بشجاعة :"لا يحلّ لك!" وكان يروق لهيرودس الاستماع الى المعمدان. ولكن عند العمل والواقع ، سار هيرودس على مصالحه وأهوائه .
ومع ذلك ، ما تخلّى لا يوحنا المعمدان ولا سائر أنبياء العهد القديم عن قول الحق وان جلب لهم نقمة الولاة. وما تردد البابوات في تبيان الحقيقة والسعي الى العدالة والمعروف، وان كره زعماء هذه الدنيا! فكلمة الحق – التي قالها أيضا البطريرك ميشيل – تبقى سيفا على الباطل مشهورا. ولا يصحّ الا الصحيح! والامل – دوما – أن يدرك زعماء العالم والمنطقة – أن "مصلحتهم" هي في احلال السلام والعدل.
الانتماء الى الوطن ولا سيّما الارض المقدسة
اشتهرت البطريركية اللاتينية منذ تجديدها سنة 1847 بصون الاراضي والاوقاف وباقتناء ما استطاعت – وهكذا تفعل حراسة الاراضي المقدسة للاباء الفرنسيسكان – في سبيل المحافظة على الوديعة أو الامانة ، غير مستهينة بالارض الطهور : لا تؤجّر قطعة أرض ولا تبيع ، بل تستردّ أوقافها حتّى بعد خمسين سنة (مثلا في بيسان). وسعت الكنيسة الكاثوليكية الى تثبيت المؤمنين بالمسيح في أرض المسيح عن طريق مشاريع تنمية واسكان تمّت رغم ما نصبته جهات معيّنة من عراقيل لا يتصوّرها عقل ولكن الايمان بالله تغلّب عليها. ومعروف دور البطريركية اللاتينية في الحث على الصمود والعدول عن الهجرة – وهي من العلل التي أضعفت المسيحية بشكل مأساوي في الشرق الاوسط عامّة وفلسطين خاصّة. وقد نشرت صحيفة "القدس" الغراء مقالا بليغا موثّقا للكاتب أحمد دياب أعرب فيه عن القلق لتناقص المسيحيين في الشرق الاوسط أرض المسيح والانجيل الطاهرين ، تحت عنوان "هل يخلو الشرق الاوسط من مسيحييه؟" (عدد الخميس 21 – 6- 2008).
التسامح الديني
سعى غبطة البطريرك ميشيل صبّاح الى التقارب بين رجال الاديان المختلفة وبين المؤمنين من أتباع هذه الديانات. وأنجز الكثير في هذا المضمار ويبقى الكثير كي يدرك الناس انهم كلّهم اخوة وان المؤمن –وان كان أكثر الناس ابتلاء أي امتحانا – فعليه أن يكون أكثر الناس انسانية والاّ حام حول تديّنه شكّ . وكان الاب المرحوم لويس خليفة اللبناني – مؤسس مجلة "بيبليا"- يقول :"الشرق يرفع لواء الدين والغرب لواء حقوق الانسان. في الشرق يقرّبون احيانا الانسان على مذبح الدين ، وفي الغرب يضحّون بالدين على مذبح "الانسانية". أمّا المطران سليم الصايغ ، النائب البطريركي اللاتيني في الاردن، فقد لحظ بصواب أن حقوق الانسان موجودة في الانجيل المقدس قبل أن تصرخ الثورة الفرنسية "حرية – مساواة أخوّة" وأن تعلنها الامم المتحدة.
خاتمة
في الحادي والعشرين من حزيران الجاري يسلّم غبطة البطريرك ميشيل صبّاح العهدة والبطرشيل (رمز الخدمة الاسقفية) الى خلفه رئيس الاساقفة فؤاد الطوال على كرسي المدينة المقدسة وسائر فلسطين والاردن وجزيرة قبرص على الابرشية اللاتينية. انها لمناسبة للصلاة والعمل واستخلاص العبر ولكي نضمّ أصواتنا الى صوتي البطريرك الصبّاح والبطريرك المنتخب الطّوال مبتهلين "بصراخ شديد ودموع ذوارف" كي ينقذنا الرب من موت الضياع والعنف والبغض والفتنة وكي تحل محبّة الله في القلوب والعقول ، اذ "من أورشليم تخرج الشريعة، ومن المدينة المقدسة كلمة الرب".