![]() |
![]() |
|
||
|
|
|
|
||
الكنيسة في أوروبا28 حزيران 2003 المقدمة1. عاشت كنيسة اوروبا مع أساقفتها السينودس الذي كان موضوعه: "يسوع المسيح الحيّ في الكنيسة، منبع أمل لأوروبا". وأنا أيضًا أتبنّى موضوعَ الأمل، وهو يأتي في سياق الاحتفال باليوبيل الكبير لعام 200 الذي كان علامة "أمل حقيقيّ لجميع الذين ينظرون الى المسيح والى كنيسته". 2. اعتمد الآباء السنوديّون موضوع الأمل لاجتماعاتهم، وهو آخر السينودسات الخاصة حسب القارّات. وكان هدفُه ايجادَ طرق جديدة للتبشير بيسوع المسيح. وكان الآباء الأوروبيون قد بحثوا الأمر نفسه في سينودس خاص إثر سقوط سور برلين عام 1991. السبب في اعتماد نفس الموضوع هو حاجة القارّة الأوروبية الى المسيح، لأنها أوشكت أن تفقدَه... 3. خبرة السينودس. امتازت اجتماعات السينودوس (من 1 – 23 تشرين أوّل) بتبادل الخبرات وسماع الآخر والتعلّم منه. وكانت من أهم الخبرات تلك التي عاشها أساقفة الكنيسة في أوروبا الشرقية أثناء الحكم الشيوعي. ومن تجلّيات الروح القدس في السينودس أن اوروبا شعرت أنها يجب أن تواجه التحديات المفروضة عليها بحكم وجودها في القارة الأوروبية. من هنا نَظَرَ الأساقفة نظرةً واقعية الى القارة الأوروبية، ورأوا ما فيها من نقاط ونور ونقاط ظلمة، ومن تساؤلات ثقافية وإنسانية وخلقية وروحيّة. ثم خَلُصوا الى أوليات عمل الكنيسة وسط هذا الواقع. 4. كما أن خبرة السينودس ولّدت عند المشاركين شعورًا بالوحدة العميقة بينهم، بالرغم من وجود الفروقات بين مختلف البلدان الأوروبية. ولا شك أن هذه الوحدة تعود الى الجذور المسيحية للقارّة الأوروبية. كما وجدت فكرة أخرى طريقها في هذه المسيرة السنودية، وهي فكرة الرجاء. فمع تحليل واقع القارة، توضّحت حاجةُ الانسان الأوروبي الى رجاء قويّ يعطي معنى للحياة وللتاريخ ويساعد على السير معًا. من هنا انطلق التفكير من سرّ المسيح وسر الثالوث الأقدس. أراد السنودس أن يعرض مجدَّدا وجهَ المسيح الحيّ في الكنيسة، والموحي بالله المحبة الذي هو تواصل بين الأقانيم الثلاثة. 5. صورة سفر الرؤيا. أريد في هذه الرسالة أن أضمّ صوتي الى أصوات الآباء المجتمعين في السينودس. "من له أذنان فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" (رؤيا 2، 7). أريد، وأنا أبشّر أوروبا بإنجيل الرجاء، أن استلهم سفر الرؤيا الذي يكشف لجماعة المؤمنين معنى الأحداث العميق. سفر الرؤيا يضعُنا أمام كلمة الله الموجّهة الى جماعات المؤمنين كي تفهم انخراطها في التاريخ، بما فيه من مشاكل وتساؤلات، في ضوء انتصار الحمل النهائي المذبوح والقائم من الموت. كما أن كلمة سفر الرؤيا تحمينا من التجربة القائمة على بناء عالم البشر من دون الله أو ضدّ الله. يتضمّن سفرُ الرؤيا تشجيعًا للمؤمنين بالرغم من جميع المظاهر. فهو يؤكّد للجماعات المسيحية أن المسيح انتصر، وأنّ الخلاص تمّ وهو نهائي. من هنا يجب الوقوف أمام متاعب العالم موقفَ الثقة العميقة، المؤسّسة على الايمان بالقائم من بين الأموات، والذي هو حاضرٌ دائمًا ويعمل في التاريخ.
الفصل الأوليسوع المسيح هو رجاؤنا "لا تخف، أنا الأول والأخير، أنا الحي" (رؤيا 1، 17-18)
المسيح القائم معنا دوما6. في زمن الصعوبات والاضطهادات ضد الكنيسة، يأتي صوت كلمة الله في سفر الرؤيا يدعو الى الرجاء: "لا تخف، أنا الأوّل والآخِر، والحيّ وقد كنت ميتًا وها أنا حيّ الى دهر الدهور، ولي مفاتيح الموت والجحيم" (رؤيا 1، 17-18). وهكذا نجدا أنفسنا أمام شخص يسوع المسيح " البشرى السارّة"، الأوّل والآخِر. وبه تجد كلّ أحداث الحياة والتاريخ معناها. قيامته هي الكلمة الأخيرة لكلّ شئ، وهو الحمل الماثل أمام عرش الله (راجع رؤيا 5، 6). وهو يمسك بيده الكواكب السبع (رؤيا 1، 16) التي تمثّل الكنيسة وما تعيشه من ألم واضطهاد، ولكنها كنيسة يملأها الفرح لأنها بين يديّ من انتصر على الموت والخطيئة. وهو الذي "يمشي في وسط المنابر السبع" (رؤيا 2، 1). هو حاضر وفاعل في كنيسته، وهو الذي "يأتي" (رؤيا 1، 4) من خلال حضور الكنيسة وعملها في تاريخ البشر. وهو سيأتي في نهاية الأزمنة ليعيد كلّ شئ الى نصابه (راجع، رؤيا 14، 15 – 16).
1. تحديات وعلامات الرجاءلكنيسة أوروبا ضعف الرجاء 7. كلمة الله في سفر الرؤيا موجّهة الى كنائس أوروبا التي تعيش فترة من ضعف الرجاء. فهنالك كثيرٌ من البشر يسيرون هائمين لا يعرفون أين يتّجهون، ومنهم كثير من المسيحيين. هنالك نقاط كثيرة في القارة الأروبية تدعو الى القلق، بالرغم من وجود علامات ايجابية كثيرة. لكن الظاهر أن ثِقَل التاريخ الماضي والحاضر بدأ يُحدث تمزّقات في النسيج الأوروبي. ومن هذه العلامات المُقلقة أريد أن أذكر التعتيم على الماضي المسيحي للقارة الأوروبية، و نوعًا من اللامبالاة الدينية المتفشيّة. وأنا استشعر الخطر الكامن في إعطاء أوروبا وجهًا جديدًا يستنثني تراثها المسيحي العميق والغنيّ. لا شك أن آثار هذه الحضارة المسيحية موجودة في كل مكان في أوروبا، لكنها قد تُصبح مجرّد آثار تُذكّر بالماضي ليس إلاّ. كثيرون لا يتوصلون الى تناسق سليم بين الرسالة الانجيلية والسياق الاجتماعي والثقافي الحاضر. وفي بعض الأماكن، أصبحت المجاهرة بالإلحاد هي الخط الطبيعي، بينما أصبحت المجاهرة بالإيمان هي الخط المغاير. 8. وفقدان هذه الذاكرة المسيحية يقود الى شعور بالخوف من المستقبل. فكثيرون لا يملكون معنى لحياتهم. علامة أخرى هي تناقص عدد المواليد وعدد الدعوات الى الكهنوت والحياة الرهبانية، والصعوبة، لا بل رفض اتخاذ قرارات جذرية تُلزم مدى الحياة، حتى في الزواج. علامة أخرى مُقلقة هي الشعور بالوحدة القاتلة. فقيمة الأسرة مثلا هبطت إلى أدنى مستوياتها، وظهرت في بعض الأماكن مشاعر التعصب العرقي، والخلافات الدينية، وعقلية التركيز على المصالح الشخصية فقط. وحتى ظاهرة العولمة، فإنا تسير نحو تهميش الفقراء وازدياد عدد الفقراء، بدل من أن تتجه الى تأمين مصالحَ جماعة البشر كافّة. وهنالك أيضًا ضعف في الشعور بالتضامن بين الأشخاص. فبالرغم من وجود الكثير من المؤسسات الخيرية، الاّ أن الأشخاص المعوزين يشعرون أكثر بالوحدة وبنقص الدعم المعنوي وبنقص المحبة. 9. ونجد خلف كل هذه المظاهر التي لا توحي بالرجاء، محاولة ابراز مفهوم عن الانسان دون الرجوع الى الله وإلى يسوع المسيح. وهذا المفهوم يجعل من الانسان مركز العالم المطلق، واضعًا نفسه مكان الله. وهكذا ننسى ان الله خلق الانسان لا أن الانسان خلق الله. تُعطي الحضارة الأوروبية الانطباعَ ان الانسان يعيش في حالة "كفر صامت"، أي أنه يعيش عمليا كما لو كان الله غير موجود. ومن هنا نفهم محاولة تقديم تاريخ أوروبا دون ذكر المكوِّن المسيحي لها. نجد أنفسنا اليوم أمام حضارة أوروبية مضمونها معاكسٌ للقيم الانجيل ولكرامة الانسان. ومن مظاهر هذه الحضارة، ظاهرةُ النسبيّة في موضوع الايمان والأخلاق. وفي النهاية نجد أنفسنا أمام حضارة يمكن أن نطلق عليها اسم "حضارة الموت".
بيد أن هنالك حنينٌ الى الرجاء10. ومع ذلك فقد أكّد آباء السينودس أن الانسان لا يمكن أن يعيش دون رجاء. وكثيرًا ما يبحث الانسان عن الرجاء حيث لا يوجد الا تعزيات عابرة، منها ما يَعدُ به العلم والتكنولوجيا والرخاء المادي والمخدرات وحتى الفلسفات والعقائد الشرقية القديمة والشيع الروحية الحديثة ومنها ال New Age. لكن كل ذلك لا يمكن أن يملأ قلب الانسان بالسعادة التي يشعر أنه مدعوّ الى التمتّع بها.
علامات الرجاء11. ان كان الانسان لا يستطيع أن يعيش دون رجاء، فكم بالأحرى الكنيسة التي تعيش على انتظار ملكوت الله الآتي والحاضر في العالم. ويجب، من باب العدل، أن نذكر أيضا الكثير من علامات الرجاء التي يمنّ المسيح بها على كنيسته. أوّل ما يجب ذكره هنا هو حرية الكنيسة في أوروبا الشرقية، وانفتاح المجال أمام النشاط الراعوي فيها. ثم تركيز الكنيسة على مهمّة التبشير حتى في علاقتها مع الأمور الاجتماعية والسياسية، والوعي لرسالة كل مؤمن معمّد، وحضور المرأة المتزايد في عمل الكنيسة.
جماعة الشعوب 12. هنالك أيضا علامات رجاء كثيرة في أوربا كمجموعة شعوب. وهي علامات أزمنة نستطيع أن نرى فيها عمل الروح القدس. من هذه العلامات التي ذكرها الآباء انفتاح الشعوب على بعضها البعض، وتصالح الأمم التي كانت متخاصمة، وتوسيع دول الجماعة الأوروبية والتعاون وتبادل الخبرات في سبيل التقدم العام وبروز وجدان أوروبي موحّد نتمنّى أن ينمو، وانتشار الديموقراطية المتّسع والذي يساهم في توحيد القارة. ثم هنالك احترام واسع لحقوق الانسان وتحسن ظروف الحياة الانسانية التي نأمل أن تساهم أيضا في تعميق الجذور الخلقية والروحية لحياة الانسان.
شهود الايمان 13. أريد التركز الآن على بعض النواحي التي تخصّ حياة الكنيسة. أريد ان أذكّر بشهادة الايمان حتى سفك الدم، التي عاشها الكثيرون في اوروبا الشرقية أثناء الحكم الشيوعي. وهم مثال لنا، وعلامة على حيوية الكنيسة. فهُم أشعّوا نور المسيح في ظلمة الضلال. وبما أنهم ينتمون الى مختلف الكنائس، فهم أيضا علامة رجاء للحركة المسكونية، وغذاء لوحدة الكنيسة المنشودة. وهم يقولون لنا ان الشهادة هي تجسّد انجيل الرجاء. فهم بسفك دمائهم يبشّرون بالإنجيل.
قداسة الكثيرين14. ان الارتداد الذي يهدف إليه التبشيرُ بالإنجيل قاد كثيرًا من المؤمنين الى القداسة. وأنا لا أقصد فقط الذين تُكرّمهم الكنيسة على الهياكل، بل أيضا جميع الذين عاشوا قيم الانجيل في حياتهم البسيطة وفي تأدية واجباتهم اليومية الروتينية. هم الحجارة الحيّة على تبني أوروبا الجديدة.
الرعية والحركات الكنسية15. ما زال الانجيل يثمر في الجماعات الراعوية، وفي الأشخاص المكرّسين وفي العلمانيين الملتزمين وفي حركات الصلاة والعمل الرسولي، كما في الحركات الروحية الجديدة والتي غالبًا ما تجلب عددًا كبيراً من الشباب. كما ما زالت الرعية، في اوروبا الغربية والشرقية على حدّ سواء، تقوم بعمل كنسي وراعوي رائد، بالرغم من حاجتها المستمرة الى التجديد. الرعية تؤمّن للمؤمنين مساحة يمارسون فيها حياتهم المسيحية، وهذا أمر مهم لأنه غالبًا ما يشعر الفرد بالضياع في خضم الحياة العصرية ولا سيما في المدن الكبيرة. 16. وفي الوقت الذي أشكر فيه جميع الحركات الرسولية العاملة في الكنيسة، لا بد من توجيه كلمة شكر للحركات الروحية الجديدة التي تنتشر في أكثر من مكان. هي تساعد المسيحيّين على عيش قيم الانجيل، كما أنها منبتُ دعوات كثيرة للكهنوت والحياة الرهبانية، وتساعد العلمانيين على الإلتزام في حياة الكنيسة. وكثيًرا ما تكون هذه الحركات ملتزمةً أيضا بالعمل المسكوني، وحتى في الحوار بين الديانات. أخيرا، هذه الحركات هي من أفضل الطرق لمحاربة ظاهرة الشيع.
المسيرة المسكونية17. نشكر الله على الخطوات التي تمّت في مجال حوار المحبة والحقيقة والمصالحة خلال السنوات الماضية. وهذه نعمة من الله على القارّة الأوروبية التي شهدت تمزّقًا في الكنيسة في الألفية الثانية، وما زالت تعاني من نتائجه المؤلمة. أذكر لحظات مؤثرة أثناء عمل السينودس والتي تدفعنا دوما الى النظر الى الأمام، بالرغم من المشاكل العالقة والمشاكل الجديدة التي تظهر من وقت لآخر. الحل الوحيد هو السير بروح التواضع والاستعداد للمصالحة. وأكرّر هنا ما قاله الأساقفة من أن الحركة المسكونية تشكل علامة رجاء قويّة للكنيسة اليوم، لأنّ الوحدة بين الكنائس غنىً للجميع. الخطوات التي تمّت في الحوار مع الكنائس الأورثذكسية ومع الكنائس البروتستانتية هي من عمل الروح القدس، ونحن نشكر الله عليها.
2. العودة الى المسيح أصل كل رجاء الاعتراف بالإيمان 18. برز في اجتماعات السينودس أن الكنيسة ينبغي أن تعطي أوروبا كنـزًا ثمينًا لا يستطيع غيرها أن يعطيه، وهو الايمان بيسوع المسيح، أصل كل رجاء. هذا الايمان موجودٌ في أصل تاريخ اوروبا، وهو الذي ساهم في الحاضر والمستقبل في تطوّر القارة ونموّها. هذه هي رسالة الكنيسة بعد ألفي سنة، وهي رسالة لن تتغير: يسوع المسيح هو الرب، وفيه وحده لا في غيره الخلاص. والكنيسة هي الطريق التي منها يمر هذا الخلاص. ومن إعلاننا لهذا الإيمان، ينطلق من قلوبنا اعتراف بالرجاء مملوءٌ فرحًا: " أنت يا رب رجاء الانسان والتاريخ الأوحد، في هذه الحياة وبعد الموت. بك ومعك فقط يمكننا أن نصل الى الحقيقة. فيك نجد معنى لحياتنا وفيك نتعاون ونتّحد، وفيك يصبح التمايز غنىً وفيك تعمل قوة الخلاص في التاريخ، وفيك تعمر مدينة الانسان. فيك يكتسب الألم معنى خلاصيًا، وفيك تقهر الحياةُ الموتَ، وفيك تشارك الخليقة مجد أبناء الله".
يسوع المسيح رجاؤنا19. يسوع المسيح هو رجاؤنا، لأنه هو، ابن الله الأزلي، اتّخذ طبيعتنا الفانية وشاركنا في كل شئ ما عدا الخطيئة، ليفدينا ويخلّصنا. هذا هو قلب ايماننا. وفقدان معنى الحقيقة حول يسوع المسيح أو عدم فهمه بالشكل الصحيح يحولان دون الدخول في عمق محبة الله وفي سرّ الثالوث. يسوع المسيح هو رجاؤنا لأنّه يكشف لنا سر الثالوث. هذه هي العقيدة الأساسيّة في الايمان المسيحي، وهي تستطيع أن تُقدّم الآن، كما فعلت في الماضي، نموذجًا سليما لأطر وحدة الحياة والتاريخ والثقافة لمختلف شعوب القارة الأوروبية. لا شك أن هنالك أكثر من سبب وراء الوصول الى الإعتراف بقيمة الحياة البشرية والعائلة، وكرامتها وقدسيتها، واحترام حقوق البشر القانونية، والعمل في سبيل الخير العام والإعتراف بقيمة العمل البشري. كل هذه القيم فرضت احترامها على الدول والحكومات والتشريعات. وفي ذلك مساهمة للحضارة اليونانية واللاتينية وشعوب أوروبا القديمة واليهودية والإسلام. لكن لا بدّ من القول أن المساهمة الكبيرة في كل ذلك هي التي تلك الذي أتت من الايمان المسيحي. وهذا ما يجب الإقرار به وذكرُه إن أردنا ان تصبح أوروبا قارّة موحّدة. والإقرار بالحقيقة التاريخية أمرٌ يعود بالفائدة على الجميع. لا تتدخّل الكنيسة في التشريعات الأوروبية، لأنها تحترم استقلالية الشؤون الزمنية، لكنها تذكّر جميع المسيحيين بتاريخهم الايماني ودور هذا التاريخ في تكوين أوروبا، وبأن ايمانهم بسر الثالوث الأقدس هو أفضل ضمان لمستقبل واحد بين مختلف الشعوب. وهذا الايمان فيه من الغنى بحيث أنه يحمل حلولاً للكثير من المعضلات التي تُعاني منها القارة، ومنها التفكّك الاجتماعي وفقدان مراجع موضوعية لمعنى الحياة والتاريخ. من هنا الفائدة اللاهوتية والراعوية الكبيرة للتعمّق في سر الثالوث. 20. ليست الكنائس المحلية مجرّد كيانات خاصة. فهي تعمل ضمن النسيج الانساني والاجتماعي، ويجب ان تتمتّع بصفة قانونية محدّدة. فالجماعات المسيحية عندما تفكّر في نفسها وفي رسالتها تكتشف أنها هبة من الله للقارة بأكملها. هذا هو فحوى البشرى السارّة. وفي حملهم لهذه الرسالة، يؤكد المؤمنون مجدّدا أن يسوع المسيح هو المخلص وهو الوسيط الوحيد بين الله البشر. وبه يجد الكون بأكلمه معناه الأخير والكامل. وهو ليس فقط وسيط الخلاص، بل هو أصل الخلاص ونبعه. وفي سياق التعدّدية العرقية والروحية الحالية والتي تميّز أوروبا بشكل متزايد، لا بدّ من الاعتراف والتركيز على يسوع المسيح مخلص العالم الوحيد. لذا أطلب من الجميع أن ينفتحوا على شخص يسوع المسيح وأن يدَعوه يجدّدهم من الداخل، وأن يُعلنوا من على السطوح لمن يريد أن يسمع من أصحاب النوايا الحسنة أن من يلتقي بيسوع المسيح يجد الطريق والحق والحياة. يستطيع المؤمنون، بشهادة حياتهم وبتبشيرهم بالكلمة، ان يُظهروا للأوروبيين أن يسوع المسيح هو مستقبل الانسان. فإيمان الكنيسة يقول أنه "ما من اسم تحت السماء ننال به الخلاص" (أعمال 4، 12). 21. يعتقد المؤمنون أن يسوع المسيح هو رجاء كلّ إنسان لأنه يعطي الحياة الأبدية. فهو كلمة الحياة (1 يوحنا 1، 1)، وقد أتى الى العالم "لتكون لهم الحياة وتكون لهم أفضل" (يوحنا 10،10). وهو يقول لنا أن معنى حياة الانسان لا يقف عند البُعد المادي بل يتعدّاه الى بُعد الحياة الأبدية. وواجب كلّ كنيسة محليّة في أوروبا هي أن تكون واعية الى العطش الكامن في قلب كل انسان للقيم الخالدة والروحية، والتي بوسعها فقط أن تعطي الحياة لأوروبّا. من هنا ضرورة العمل على برنامج عمل ثقافي ورسولي يخدم هذا الهدف. ثم ينبغي ان تعطي الكنائس المحلية شهادة رجاء لاهوتية، أي مؤسّسة على المسيح القائم من بين الأموات، والذي سيأتي ديّانًا للأحياء والأموات ومن ثم يدعونا الى مشاركته في المجد الأبدي.
يسوع المسيح الحيّ في الكنيسة 22. سيجد الأوروبيون معنى الحياة النهائي إن هم عادوا الى المسيح. وهم يستطيعون أن يعودوا اليوم لأن المسيح حاضر ويعمل في كنيسته. فهو في الكنيسة والكنيسة فيه، وبواسطة الكنيسة يتابع عمل الفداء. ونسطيع، بعيون الايمان، أن نرى حضوره السرّي في العلامات التي وضعها لنا. فهو حاضر أوّلاً في الكتاب المقدّس. وهو حاضر بنوع خاص ووحيد في سر الإفخارستيا، الذي هو حضورٌ جوهري وحقيقي. وحاضر أيضا في جميع الأعمال الليتورجية التي تحتفل بها الكنيسة باسمه، ومن بينها الأسرار المقدّسة. ويسوع المسيح حاضر في العالم تحت أشكال أخرى كثيرة، خصوصًا في تلاميذه الذين يعبدون الله ب"الروح والحق" ويعيشوا حياة المحبة التي تُظهر للجميع أنهم تلاميذ المسيح.
الفصل الثاني انجيل الرجاء مُوكلٌ الى كنيسة الألف الثالث "أسهر واعضد البقايا التي أوشكت أن تموت" (رؤيا 3، 2)
1. الرب يدعو الى الإرتداد يسوع المسيح يخاطب كنائسنا اليوم 23. "هذا ما يقوله القابض على الكواكب السبعة بيمينه ... الأوّل والآخر الذي كان ميتًا وعاد حيًّا... ابن الله" (رؤيا 2: 1 ، 8، 18). يسوع يخاطب كنيسته. ويخاطب كنائسنا المحلية بخصوص حياتها الداخلية والتي تختبر أحيانًا تيّارات وعقليات لا تتناسب مع العقلية الانجيلية، او اضطهادات أو شكوكًا أو خطر العلمنة وفقدان ايمان الينابيع، أو تجربة الانسياق وراء منطق العالم. نرى كثيرًا من الأحيان أن بعض الكنائس فقدت محبّتها السابقة (رؤيا 2، 4). نلاحظ أن بعض الكنائس تواجه تجربة التعب والضعف والمناقضات. وهي تحتاج الى سماع صوت العريس يدعوها مجدّدًا الى الارتداد والى الانطلاق لحمل رسالة البشارة الجديدة. فالكنيسة تحتاج دومًا الى مواجهة نفسها مع متطلبات كلمة الله، كي تتطهّر بشكل مستمر فتبقى عروسًا نقيّة "لا شائبة فيها ولا تغضّن" (أفسس، 5، 27).
عمل الانجيل عبر التاريخ 24. لا شك ان الرسالة الانجيلية تغلغلت في تاريخ اوروبا بأكلمه. وقد ظهر ذلك من خلال تاريخ الشعوب والحضارات والأعراق المختلفة، بحيث أنّه لا يمكن عمليًّا فصل تاريخ الشعوب الأوروبية عن تاريخ الكنيسة، لا في الماضي البعيد ولا في القرون الأولى، لاسيما في الوقت الذي شهد انقسام الإمبراطورية الرومانية، بحيث أصبحت الكنيسةُ القوةَ الوحيدة في الغرب. وحتى في القرون الحديثة حين تفكّكت القارة وظهرت مختلف الشعوب والبلدان، وانفصلت الثقافة عن الايمان، بقي دور الايمان كبيرًا. 25. واهتمام الكنيسة بأوروبا نابع عن طبيعة الكنيسة وعن رسالتها. وهذا أيضا ظهر في التاريخ من خلال وجوه الكثير من القديسين والشهداء الذي ساهموا في تكوين وجه القارّة الأوروبية. وقد ساهمت الكنيسة، انطلاقا من نظرتها للانسان المبنيّة على الكتاب المقدس، أن تصنع صورة الانسان الأوروبي وحضارة الانسان الأوروبي وثقافته، بأفضل ما فيها من عناصر. وهكذا نجد ان القيم الانجيلية هي الأساس الذي عليه بَنَتْ أوروبا قِيَمها الثقافية والحضارية. لهذا السبب تكرّر الكنيسة دون ملل أن هذا التراث يجب ان يُذكر وأن يتمّ الاعتراف به بوضوح.
العمل على وجه حقيقي للكنيسة 26. كنيسة أوروبا مدعوّة لأن تسمع صوت الحمل يقول لها: "أسهر واعضد البقايا التي اوشكت أن تموت" ( رؤيا 3، 2)، لأنها تلاحظ روح لامبالاة دينية تجتاح اوروبا، وعددًا كبيرا من أبناء القارة لا يعرفون المسيح بَعد ولم ينالوا سر المعمودية، والروح العلمانية تتغلغل في جميع مجالات الحياة بحيث ان الكثير من المسيحيين يعيشون ويفكرون ويقرّرون كما لو كان المسيح غير موجود. كل هذه الأمور لا تطفئ نار الرجاء، بل تجعلُه أكثر تواضعاً وتحفزًا للعمل. 27. حتى لو شعرنا أحيانا، كما شعر الرسل أثناء هبوب العاصفة (مرقس 4، 35 – 41) أن المسيح نائم، يجب أن تقوَى فينا القناعةُ أن الرب يسوع المسيح حاضر، بقوّة روحه، وأنّه يعملُ في الكنيسة وفي تاريخ البشرية. وهو يواصل من خلال الكنيسة عملَه الخلاصي بحيث يشكّل هذا الأخير في تاريخ البشر علامةَ رجاء لا يخيب. وفي عصرٍ يتّسمُ بالحركة الدائمة، حتى في مجال العمل الراعوي، المطلوب من مسيحيّي اوروبا أن يعكسوا في حياتهم شعاعًا من قوّة القائم من الموت، وأن يعيشوا باتحاد حميم معه. نحن بحاجة الى جماعات مؤمنة، على مثال سيدتنا مريم العذراء، تعيش وتحافظ على معنى الصلاة الليتورجية والحياة الروحية الداخلية، وتسبّح الرب وتصلّي له وتسجد له وتسمع كلمته. 28. وأمام التأثيرات الدائمة التي تدفع الى الفرقة والتضاد، يجب على الكنائس المحلية في أوروبا، بقوة اتحادها مع خليفة بطرس، أن تلتزم بأن تكون علامات وحدة لشعب الله بأجمعه، في الايمان والمحبة. لذا يجب ان تهتم الكنائس ببناء جوّ من المحبة الأخوية الجذرية، التي تُعاش باسم يسوع، وأن تقيم فيما بينها علاقات متبادلة مبنيّة على روح المشاركة والمسئولية والروح الرسولية والخدمة، وأن تتعامل مع بعضها البعض باحترام وروح ضيافة وتصحيح أخوي إن لزم الأمر. كما عليها أن تعيش روح التسامح وأن تخطّط لعمل راعوي منظّم، وتهيّئ ما يلزم له من أشخاص أكفّاء. هكذا يمكن للكنائس أن تعكس شعاعًا من حياة الثالوث الأقدس، وتصبح علامةً ناطقة تدعو الى الإيمان. 29. وكي يتحقق هذا يجب على الكنيسة أن تبرز ما فيها من تنوّع في المواهب والدعوات والتي تدعو بأجمعها الى الوحدة وتُغنيها. من هنا يج | ||||