يوم الدعوات ‏1999

الله يدعو الى الحياة الابدية.

الاحتفال بيوم الدعوات السنوي هو مناسبة تكرّر كل سنة وتعيد الانتباه الى نقطة مهمة من حياة الكنيسة: الدعوة الى الكهنوت الخدمي والى الحياة المكرسة. وسنة 1999 المكرسة للآب تفتح امامنا افقا جديدا ننظر من خلاله الى هدف كل حياة بشرية: الحياة الابدية. ومن هذه المنطلق سننظر الى اهمية الدعوة الى الكهنوت الخدمي والحياة المكرسة، وهي الهبات التي ما زال الآب" الذي منه تأتي كل هبة صالحة" يغنى الكنيسة بها.

أول ما نشعر به هو واجب تسبيح الله الآب " ابو ربنا يسوع المسيح" (افسس 1،3) للدعوات الى الكهنوت والى الحياة الرهبانية التي تنعم بها الكنيسة في هذا القرن المنتهي. فالله ما زال يظهر من خلال رجال ونساء يعيشون – بقوة الروح القدس – بكلامهم وبأعمالهم التي تصل الى الشهادة، حياة بذل وتفان في خدمة اخوتهم. وهكذا من خلال خدمة الاساقفة والكهنة والشمامسة، يبرهن الله الآب على استمرار الوجود السري للمسيح المخلص، ( العلمانيون المؤمنون بالمسيح رقم 22) . وهم  يبنون الكنيسة بخدمتهم التي لا غنى عنها في الجسد الواحد والمتنوع المواهب والدعوات والخدمات.

وقد افاض الله روحه بغزارة على ابنائه بالتبني، ومن خلال مختلف انواع الحياة المكرسة، أظهر حبه الابوي الذي يرغب في جمع البشرية كلها. محبة الله محبة تنتظر صابرة، وتقبل بفرح كل من بعود الى البيت الابوي تائبا. محبة تربي وتصحّح، محبة تشبع القلب الجائع الى الحب. محبة تشير الى آفاق جديدة في الحياة الابدية تحمل على الامل وسط صعوبات الدهر الحاضر والالم والموت. كل ذلك من خلال الذين يتركون كل شئ ويتبعون المسيح ويكرسون ذواتهم كاملة لتحقيق الملكوت.

اود في هذه السنة المكرّسة للآب أن ادعو الجميع  الى التفكير في موضوع الدعوة الى الكهنوت والحياة المكرسة، متبعين خطوة خطوة الصلاة التي علّمنا اياها السيد المسيح: ابانا" .

1.  أبانا الذي في السموات. عندما ندعو الله " ابانا" هذا يعني الاعتراف أن محبته هي ينبوع الحياة. ففي الاب السماوي يكتشف الانسان المتبَنّى انه "اختير قبل إنشاء العالم ليكون امامه قديسا بلا عيب في المحبة" ( أفسس 1،4) . يذكر المجمع الفاتيكاني ان " المسيح عندما كشف سر ابيه ومحبته كشف ايضا سر الإنسان  ودعوته الالهية" ( فرح ورجاء 22) . لذا فالأمانة لله هي امانة الانسان لنفسه وهي التي تساعده على تحقيق ذاته وعيش حياته. وكل دعوة تجد اصلها في سر المعمودية التي فيها يلد " الانسان مجددا من الماء والروح" ( يوحنا 3،5) ويشارك في حياة النعمة التي أعلَنت على ضفاف الاردن ان يسوع هو ابن الله الحبيب الذي عنه رضى الله ( لوقا 3،22) . المعمودية هي مصدر خصب لكل دعوة مسيحية. لذا من الضروري ان يعي الموعوظون والاولاد المعمدون اهمية المعمودية ويقيموا علاقة بنوية اصيلة مع الله الآب.

2.   ليتقدّس اسمك. تتحقق الدعوة الى نكون " قديسين كما أنه هو قدوس" (اللاويين 11،44) عندما نعطي الله المكان الذي يعود اليه. والعصر الذي نعيش فيه ،على ما فيه من روح علمانية، فيه توق الى ما هو مقدس، ويبحث عن قديسين يعيشون بشكل جذري اولوية الله في حياتهم ويظهرون بتصرفهم محبة الله وعنايته. والقداسة نعمة يجب ان نطلبها دون ملل، وهي الجواب الشافي والفعّال للجوع الى الامل الذي يعيشه عالمنا اليوم. تحتاج البشرية كهنة قديسين ونفوسا مكرّسة تعيش يوميا بذل الذات الكامل لله وللإخوة. كما تحتاج الى آباء  وامهات يعيشون داخل جدران الاسرة نعمة سر الزواج، ويثيرون في قلوب من يقترب منهم الرغبة في عيش ارادة الله على الاسرة. وتحتاج البشرية أيضا الى شباب اكتشفوا شخصيا يسوع المسيح وأولعوا به بحيث يستطيعون ان يشعّوا فيما حولهم محبة الانجيل.

3.   ليأت ملكوتك. تذكرنا القداسة وليمة العرس التي يدعو الله اليها الجميع، والتي لا يدخلها الا من كانت عليه " حلة العرس" أي حلّة النعمة. صلاة "ليأت ملكوتك" دعوة الى التوبة وتذكير ان حياة الانسان علىالارض يجب ان تكون بحثا مستمرا لملكوت الله اولا وقبل كل شئ. دعوة الى ترك عالم الكلمات التي تمر والالتزام بسخاء – بالرغم من الصعووبات والعوائق – بما يدعونا اليه الرب. كما تعني صلاة " ليأت ملكوتك" اختيار بيتَ الله بيتا شخصيا لنا نعيش فيه ونعمل ونحب بروح يسوع المسيح. كما تعني ان ملكوت الله " بذرة صغيرة" تحوي غنى لا يوصف، لكنها في نفس الوقت معرّضة لخطر الرفض. أطلب من الله ان يقبل كل المدعويين الى الكهنوت والحياة المكرسة بذرة الدعوة التي وضعها الله في قلوبهم. فالله يدعوهم الى اتباع المسيح بقلب غير منقسم الى ان يكونوا رسل الملكوت احراراً فرحين. وهم ان لبّوا النداء بسخاء، شعروا بالسعادة التي يصبو اليها قلبهم.

4.   لتكن مشيئتك. قال يسوع : " طعامي ان أعمل مشيئة الذي ارسلني" (يوحنا 4، 34) . يكشف يسوع المسيح بهذه الكلمات أن حياتنا مخططٌ لها بعناية فائقة من قِبل الله. وكي نكشتف ذلك يجب ان نترك النظرة التي تحصر الحياة في البعد الارضي ونضع في الله أساس حياتنا ومعناه. والدعوة هي اولا هبة من الله. الدعوة ليست في أن تختار، بل في أن تُختار. هي جواب على محبة تسبق وترافق. وهكذا تصبح حياة من يقبل مشيئة الله بفرح خيرا يتوق من طبيعته الى ان يتبدّل ليصبح تقدمة لله.

5.   أعطنا خبزنا كفاف يومنا. جعل يسوع من مشيئة ابيه طعامه اليومي. ودعا اتباعه الى الاكل من الخبز الحي الذي يشبع الروح: خبز الكلمة وخبز الافخارستيا. يجب، على مثال مريم أن نربّي قلبنا على الامل، ونفتحه على الله الذي " لا محُال عنده" والذي يجعل القلب يطفر فرحا وعرفان جميل. ولمن يجيب بفرح على دعوة الرب، تصبح أحداث الحياة – السعيدة منها والحزينة – مادة لحوار واثق مع الآب، واكتشاف مستمر لهويته الخاصة كإبن لله مدعو الى المشاركة – على قدر طاقاته – في عمل الخلاص العظيم الذي بدأه المسيح وأوكله كنيسته.

6.   واغفر لنا خطايانا كما نحن نغفر لمن أخطأ الينا". كانت المغفرة والمصالحة من أكبر العطايا التي كشف عنها يسوع المسيح – المرسل من الآب – عندما أعلن افتتاح  " سنة نعمة الرب" ( لوقا 4، 19). فقد أصبح هو "صديقا للخطأة" ( متى 11،19) . وبذل ذاته "تكفيرا عن الخطايا" ( متى 26،28)، وأخيرا ارسل تلاميذه الى العالم ليبشروا  بالتوبة وغفران الخطايا. فالله يعلم ضعف البشر، لذلك سبق واعدّ لهم طريق الرحمة والمغفرة كخبرة تُشارك – يُغفر لك ان أنت غَفرت – كي تظهر في الحياة التي جدّدتها النعمة الملامح الحقيقية للأبناء الحقيقيين للآب السماوي.

7.   ولا تدخلنا في التجارب لكن نجنا من الشرير. الحياة المسيحية مسيرة مستمرة للتحرر من الشر ومن الخطيئة . يعطي الله قدرته وقداسته بواسطة سر المصالحة ، ويمنح قوة جديدة لعيش الحب بحرية ، وللتأكيد أن الخير أقوى من الشر. والله يوكل اليوم الى كل انسان – كل حسب دعوته مواهبته الخاصة – مهمة مصارعة الشر التي بدأها يسوع المسيح. وفي هذا الصراع هناك دور بارز لمن اختارهم الله للكهنوت الخدمي ، الاساقفة والكهنة والشمامسة. كما أن للمكرسين دور لا غنى عنه لانهم " يظهرون بتكريسهم الكامل وتفانيهم وجود المسيح المحب والمخلص، المسيح الذي ارسله الآب لخلاص العالم" ( الحياة المكرسة 76) . وكيف لا نؤكد ان الاهتمام بالدعوات للكهنوت الخدمي وللحياة المكرسة يجب ان يصبح واجبا ملقى على عاتق الكنيسة كلها وعلى كل مؤمن؟ هذا ما أمر به الرب : "أطلبوا من رب الحصاد ان يرسل عمله الى حصاده" ( لوقا 9،38) .

لذا، نتجه الى الاب السماوي، موزّع النعم، بهذه الصلاة:

ايها الآب الصالح

انك تكشف لنا عن حبك

بابنك يسوع المسيح

انت تعانقنا كابناء لك

وتؤهلنا لان نكتشف  في ارادتك ملامح وجهنا الحقيقية.

 

ايها الآب القدوس

انك تدعونا إلى أن نكون قديسين

كما أنك أنت قدوس

نطلب منك ان لا تكف أبدا

عن تزويد كنيستك بكهنة قديسين

يفتحون أمام البشر باب اللقاء بك

بقوة كلمتك ونعمة أسرارك

 

ايها الآب الرحيم

اعط البشرية الضائعة

رجالا ونساء يسيرون بفرح

بشهادة حياتهم التي بدّلها المسيح

وبرفقة جميع اخوانه وأخواتهم

نحو الوطن السماوي

 

أبانا

ندعوك بحرارة

بصوت روحك القدوس

واثقين بشفاعة مريم الوالدية

ارسل كهنة الى كنيستك

يكونون شهودا شجعان لصلاحك اللامتناهي

آمين.

صدر عن الفاتيكان في 1/10/1998، عيد القديس تريزيا الطفل يسوع معلمة الكنيسة.