|
"والكلمة صار بشرا وسكن بيننا".
ايها الشباب الاعزاء،
سلّمتكم قبل خمسة عشر عاما صليب خشب كبيراً، وطلبت منكم أن
تحملوه الى مختلف بلاد العالم، علامة على محبة المسيح المخلص.
وقد مّر هذا الصليب منذ ذلك الوقت في أكثر من بلد، وكان ذلك
علامة على ان الصليب يسير مع الشباب وأن الشباب يسيرون هم أيضا
مع الصليب. وحول نفس الصليب يجتمع الشباب في ايام مخصصة بهم،
تشكل وقفات تفكير في مسيرتهم ودعوة الى تأسيس حياتهم الروحية
على الصخر الذي هو السيد المسيح. كيف لا نشكر الله ونباركه على
النعم الغزيرة التي سبغها على الكثير منكم بواسطة هذه الايام
العالمية للشباب في سيرنا الحثيث نحو الالفية الثالثة؟
وها هو الصليب يعود الى روما بعد أن طاف العالم، علامة على
محبة الله لبني البشر. لذا أدعوكم ايها الشباب الاعزاء الى هذا
اللقاء في المدينة الخالدة. اعبروا من باب اليوبيل واعتبروا
مروركم هذا علامة تأكيد لإيمانكم بالمسيح فتعيشوا الحياة
الجديدة التي وهبكم اياها.
اخترت شعارا ليوم الشباب الخامس عشر هذا جملة انجيل القديس
يوحنا: "والكلمة صار بشرا وسكن بيننا". فما يميّز الايمان
المسيحي عن باقي الديانات هو الايمان أن يسوع الناصري هو
المسيح ابن الله والاقنوم الثاني من الثالوث الاقدس والذي اتخذ
جسدا وعاش بيننا. هذا هو السر الذي احتفلت به الكنيسة دوما
ودعته " سر التقوى العظيم". فقد ظهر الله في الجسد. ابن الله
الذي لا يرى موجود في يسوع ابن مريم والدة الاله. يسوع الناصري
هو الله معنا (عمانوئيل) من عرفه عرف الاب ومن رآه رأى الاب
ومن تبعه تبع الاب ومن اتحد به اتحد بالآب. ففي يسوع المولود
في بيت بيت لحم اتحد الله بالإنسان وقطع معه عهداً.
ادعوكم ونحن على عتبة الالف الثالث ان تفتحوا ابوابكم واسعة
للمسيح. "اما الذين قبلوه فقد اولاهم سلطانا ان يكونوا أبناء
الله" (يوحنا 1، 12). قبول يسوع المسيح يعنى قبول القريب
والتضامن مع القريب دون أي تمييز. كما يعني الايمان ان الكلمة
الاخيرة في تاريخ البشر للخير للمحبة بالرغم مما يعترض مسيرتهم
من شرور وآلآم، لأن الله أتى وسكن فيما بيننا كي نتسطيع نحن أن
نسكن فيه.
افتقر السيد المسيح بتجسده لنغتني نحن بفقره. ثم منحنا نعمة
الفداء بدمه المسفوك على الصليب من أجلنا. فقد حمل آثامنا على
الجلجلة وطُعن من أجل معاصينا (اشعيا 53، 4 - 5). وما ذبيحة
الصليب الا الشهادة الكبرى على محبة الله اللامتناهية لنا. وقد
كتب القديس يوحنا في هذا الصدد: " هكذا أحب الله العالم حتى
أنه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له
الحياة الابدية" (يوحنا 3، 16). فقد أرسله ليشارك البشر
طبيعتهم في كل شئ ما عادا الخطيئة، أعطاه للبشر بالرغم من
رفضهم المتكرر والقاتل (انظر متى 21، 33 – 39)، كي يحصل لهم
بموته على نعمة المصالحة. وهكذا يظهر الاله الخالق الاله
الفادي والامين في حبة للبشر وللعالم، تماما كما كان قد أظهر
نفسه يوم الخلق. كم هي كبيرة قيمة الانسان في نظر الله بحيث
انه أرسل اليه هذا المخلص الكبير! (فادي الانسان 9، 10).
تقدم يسوع المسيح من سر الموت دون ان يرفض أي نتيجة لصفته الله
معنا. ووضع نفسه على الصليب وافتدانا بموته من الشر ومن
الخطيئة. وكما قال قائد المئة عندما رأي يسوع يموت: "بالحقيقة
كان هذا الرجل ابن الله"، ادعوكم الى أن تتأمّلوا انتم أيضا في
هذا الفادي وأن تتحقّقوا كم هي عظيمة محبة الله لكم التي
أظهرها في الابن. فألم المسيح على الصليب يعنى كثافة المحبة
التي غمرت قلبه والتي قادته الى التضحية بحياته في سبيل من
أحبهم ليظهر لهم حجم قلب الآب. فالصليب لا يرتفع عن الارض بقدر
ما ينزل من السماء ليعانق الكون. ذلك أن الصليب هو محور تاريخ
البشرية وغايته (انجيل الحياة 50).
مات شخص واحد من أجلنا " (2 كور. 5، 14). فقد مات المسيح من
أجلنا "ذبيحة طيبة الرائحة" (أفسس 5،2). ومن خلال موت المسيح
نرى مخطط محبة تدعوه الكنيسة "سر الفداء". فقد تحررت البشرية
أي انها تخلصت من عبودية الخطيئة ودخلت في ملكوت الله. المسيح
هو رب السموات والأرض. ومن سمعه وآمن بكلامه وآمن بالآب الذي
ارسله، له الحياة الأبدية (أنظر يوحنا 5، 24). هو "حمل الله
الذي يرفع خطايا العالم" (يوحنا 1، 29. 36)، هو الكاهن الاعظم
الذي امتٌحن مثلنا في كل شئ ويستطيع ان يرثي لضعفنا" (انظر
عبرانيين 4، 14
…)
والذي أصبح كاملا من خلال تجربة الصليب المؤلمة كما أصبح "سبب
خلاص أبدي للذين يطيعونه" (عبرانيين 5،9).
ايها الشباب الاعزاء، تعلموا كيف ترتفعوا أمام هذه الحقائق الى
مستوى التأمل في سر الله. توقفوا مليا للتأمل في هذا الطفل
الذي ولدته مريم العذراء ولفّته وأضجعته في مذود. هو الله نفسه
بيننا. انظروا الى يسوع الناصري الذي قبله البعض ورفضه البعض
الآخر: هو مخلص الجميع. اسجدوا ليسوع المسيح مخلصنا الذي فدانا
وأعتقنا من الخطيئة ومن الموت. فهو الاله الحي، ينبوع الحياة.
تأملوا وفكروا. فقد خلقنا الله لنعيش حياته. وهو يدعونا الى ان
نكون ابناءه، اعضاء حيّة في جسد المسيح السري وهياكل يسكن فيها
روحه القدوس. يدعونا الى نكون "خاصّته". يريد ان نكون بأجمعنا
قديسين. ايها الشباب الاعزاء، توقوا الى أن تصبحوا قديسين كما
أنه هو قدوس. وقد تتساءلون: هل يمكن ان يكون الانسان قديسا
اليوم؟ لو كان الامر يتعلق بالمكانيات البشرية، لكان ألأمر
بالفعل مستحيلا. وأنتم تعلمون عدد نجاحاتكم وفشلكم، وتعلمون ما
هي الاحمال التي تثقل كاهلكم والمخاطر التي تحدق بكم ونتائج
الخطيئة التي تلاحقكم. من هنا قد تشعرون بالاحباط لانكم لا
تستطيعون ان تغيروا شيئا في أنفسكم او في العالم.
وان كان الطريق صعبا، فنحن نستطيع كل شئ في من هو مخلصنا. لذا
لا تتوجهوا الى غير يسوع يسوع المسيح. لا تبحثوا الا عنه. فهو
الذي "لا يوجد خلاص الا باسمه". ومع الرب يسوع يصبح مشروع
القداسة الموجه الى كافة المعمّدين ممكن التحقيق. اتكلوا عليه.
أمنوا بقوة الانجيل وأسسوا ايمانكم على ثقتكم. فيسوع يسير معكم
ويجدد قلبكم ويقويكم بقوّة الانجيل.
ايها الشباب من القارات الخمسة، لا تخافوا من أن تكونوا قديسي
الالف الجديد. أحبوا الصلاة ومارسوها، عيشوا ايمانكم وكونوا
اسخياء في خدمة اخوانكم، كونوا في الكنيسة أعضاء حية وفاعلي
سلام. وكي تحققوا مشروع الله عليكم هذا كونوا سامعين لكمة
الله، انهلوا النعمة من ألأسرار المقدسة، خصوصا سر المصالحة
والمناولة. يريدكم الله رسلا شجعان يحملون البشرى ومشاركين في
بناء حضارة جديدة. كيف يمكنكم اعلان ايمانكم بالله الذي اصبح
انسانا دون ان تأخذوا موقفا واضحا وقويا من كل ما يهين او يذلّ
الانسان والعائلة؟ ان كنتم تؤمنون أن ابن الله أتى ليكشف حب
الله الآب للخليقة، لا يمكنكم ان توفّروا جهدا في بناء عالم
جديد مؤسس على قوة المحبة والتسامح، على محاربة كل انواع الظلم
وكل تعاسة مادية وأدبية وروحية، علىالالتزام في عالم السياسة
والاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا لوضعها في خدمة الانسان وفي
خدمة نموّة المتكامل.
اتمنى من كل قلبي ان يكون اليوبيل الذي نحن على ابواب الاحتفال
به، مناسبة لنهضة روحية عارمة تحتفل بمحبة الله للبشر التي
تجلّ عن الوصف. فلترتفع من كل كنائس العالم اناشيد التسبيح
والشكر لله الآب الذي منحنا ان نكون في الابن "مواطنين
للقديسين، وأعضاء في عائلة الله" (انظر أفسس 2،19). وما يقوله
بولس الرسول يعزينا ويدعمنا: فإن لم يضنّ الله بابنه بل أسلمه
من أجل كل واحد منا، كيف يستطيع أن لا يعطينا معه كل شئ؟ ومن
يفصلنا عن محبة المسيح؟ ففي كل ظروف الحياة، بما فيها الموت،
يمكننا أن ننال الغلبة، بقوة ذاك الذي أحبنا حتى الموت" (انظر
روما 8، 31 – 37).
يمثل سر تجسد ابن الله وسر خلاصه لجميع البشر مركز ايماننا.
هذا ما اعلنته الكنيسة دونما توقف عبر الاجيال، "عبر صعوبات
العالم واضطهاداته، وعبر تعزيات الله" (اغسطينوس)، وهي تُودِع
جميع ابنائها هذه الكنز ليحفظوه وليحافظوا عليه. وانتم أيضا
ايها الشباب الاعزاء، معنيّون بهذا التراث الثمين: "هذا هو
ايماننا، هذا هو ايمان الكنيسة، هذا هو الايمان الذي نعلنه
بافتخار، بيسوع المسيح ربنا" (رتبة سر التثبيت). وسنعلن هذا
الايمان معا في يوم الشباب العالمي الذي آمل ان تشاركوا فيه
بأعداد كثيرة. فروما هي المدينة المقدسة التي تحمل ذكرى حياة
الرسولين بطرس وبولس وقوافل الشهداء، وتذكّر الحجاج الوافدين
اليها بالدعوة الخاصة بكل مؤمن معمّد. سنعلن في شهر آب من
السنة القادمة أمام العالم كله ايمان بطرس: "الى من نذهب يا رب
وكلام الحياة الابدية عندك" (يوحنا 6، 68). ف"أنت المسيح ابن
الله الحي" (متى 16،16).
اليكم ايها الشباب ويا رجال ونساء الالف الثالث سيوكل البابا
كتاب الحياة الذي سيحمله عندما سيعبر الباب المقدس حاملا
الكتاب المقدس يديه، رمزا ومنهلا للأمل في بداية الالف الثالث.
ليكن كتاب انجيل كنزكم الاغلى. فأنتم ستجون في قراءة الكتاب
المقدس والتأمل فيه غذاء وقوّة لحياتكم اليومية، ودفعا للسير
قدما في التزامكم المتجدّد في بناء حضارة المحبة.
ولننظر الآن الى سيدتنا مريم العذراء والدة الاله. فمدينة روما
تحتفظ بأحد أقدم المزارات المريمية التي شيّدها العشب المسيحي
أكراما للسيدة العذراء: بازيليكة القديسة مريم. فسر تجسد ابن
الاله وسر فداء البشرية مرتبطان بشكل قوي ببشارة العذارء،
عندما كشف الله لمريم مشئيته القدوسة ووجد فيها، وكانت وقتئذ
شابة مثلكم، قلباً مستعدا لعمل الله ومحبته. وتذكر الكنيسة منذ
قرون في صلاة "ملاك الرب" حدث دخول الله هذا في عالم البشر.
اتلوا هذه الصلاة ايها الشباب وتأملوها يوميا.
مريم هي الفجر الذي يسبق بزوغ شمس البر، يسوع المسيح. فكلمة
"نعم" التي قالتها مريم للمرك فتحت البابا أمام تحقيق سر
التجسد العظيم. هي التي قبلت سر التجسد اولا، وهي التي رافقت
المسيح بصمت واختفاء في حياته ورسالته حتى الجلجلة، وهي التي
شجّعت بحضورها جماعة الرسل في انتظارهم قيامة المسيح وحلول
الروح القدس المحييى. وما زالت في الكنيسة تحضّر دوما لمجئ
المسيح. فاليها، هي أم الكنيسة وأم كل واحد منا، أعهد بثقة
بنوية مهمة تحضير يومكم العالمي الخامس عشر.
ايها الشباب الاعزاء، لتعلّمكم مريم العذراء ان تميّزوا إرادة
الله في حياتكم. لتعطكم النعمة ان تتكلموا مع الله وعن الله،
ولتشجعكم على أن تكونوا، على مثالها، مبشرين بالأمل والمحبة
والسلام في الالفية الثالثة.
وفي انتظار أن أرى الكثيرين منكم السنة القادمة في روما
"أستودعكم الله وكلمة نعمته، هو القادر أن يشيد البنيان ويجعل
لكم الميراث مع جميع المقدسين" (اعمال 20، 32)، وأمنحكم بقلب
مفعم بالمحبة، انتم وعائلاتكم وكل من تحبون، بركتي الابوية
والرسولية.
عن الفاتيكان، في 29/6/1999، في عيد القديسين بطرس وبولس.
|