رعاة القطيع

16 تشرين أول عام 2003

1.                صفة الر اعي هي أول صفة للأسقف. وقد ظهر ذلك منذ القرون الأولى. "أنا الراعي الصالح".

2.                الرسالة الحالية تستلهم أفكارها من النصّين المجمعين "نور الأمم" و"مهمة الأساقفة الراعوية"، للمجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.

3.                من أول مهام الأسقف الدعوة الى الرجاء. من هنا عنوان الرسالة. الرجاء في الظروف التي لا رجاء فيها. الظروف التي فيها يضعف الايمان وتتفتّت المحبة.

4.                العالم ملئ بأحداث لا رجاء فيها على المستوى البشري (11 أيلول، حروب، عنف). رجاء يقول ان الله سيكشف لنا طرقا جديدة للخلاص وللحرية.

5.                يأخذ البابا توصيات الأساقفة كما وردت في التقرير العام الذي تلا حلقات النقاش. الدعوة موجّهة إلى جميع الأساقفة أن "سِر في العمق" في مهمة التبشير والتقديس والرعاية. الأساقفة هم خدمة الانجيل في سبيل رجاء العالم.

 

الفصل الأول

سرّ الأسقف وخدمتُه

6.                اختار يسوع اثني عشر رسولا بعد ليلة أمضاها في الصلاة. وأوصاهم بحمل البشرى الى أقاصي الأرض. فنالوا الروح القدس ومنحوه لخلفائهم. هذه هي الخلافة الرسولية التي تؤمّن حضور المسيح مع الكنيسة. ذلك أن الراعي الصالح لا يترك رعيته.

7.                سر المسيح هو سر ثالوثي لأن المسيح هو ابن الآب الذي مسحه الروح. والفكرة القائلة أن الأسقف على مثال الآب تعود الى القديس اغناطيوس الأنطاكي (القرن 2). تتكلم الروحانية الشرقية عن رسالة الأسقف كمشاركة في رسالة الله الآب. الأسقف هو إيقونة الآب. ثم ان مسحة الزيت باسم الروح القدس تجعل من الأسقف امتدادًا لسر الكنيسة وعملها.

8.                اختار المسيح اثني عشر. أي جماعة, وهذا أمر أساسي في الخدمة الأسقفية. الشركة بين الأساقفة مؤسسة على الرسامة الأسقفية وعلى الشركة في السلطة ومع السلطة. وبهذه الروح يتم القيام بالخدمة النبوية والتقديسية والراعوية. وهذا يقتضي أيضا محبة واهتماما بجميع الكنائس. ويتم التعبير عن هذه الشركة بأكثر من طريقة، منها على سبيل المثال "سينوديس الأساقفة". والتعبير الأكمل عن ذلك هو المجمع المسكوني. والعلامة المرئية لهذه الوحدة في الشركة هو الحبر الروماني. وبين الكنيسة الجامعة والكنائس المحلية هنالك علاقة داخلية متبادلة. وكما أن الكنيسة واحدة وغير مجزئة، هكذا هيئة الأساقفة واحدة وغير مجزئة. والأسقف، بالاتحاد مع هيئة الأساقفة، يمثّل المسيح الرأس والراعي في أبرشيته.

9.                يقول الانجيل ان المسيح دعا التلاميذ ليرسلهم. "أذهبوا وتلمذوا كل الأمم". والأسقف يستلم، يوم سيامته الأسقفية، المهمة المثلّثة (خدمة الكلمة والأسرار والرعاية).

10.           "ودعا الذين أرادهم". الأسقف هو هبة من الروح للكنيسة، وهو قبل كل شئ إنسان معمّد ومؤمن داخل الكنيسة، وأخ لكلّ مؤمن يعيش معه بقوّة نعمة الله. لكنه أيضا "أمام" الكنيسة (أغسطينوس) يعمل بسلطة وبقوة المسيح المعلّم. وهذان البُعدان متحدان ومتشابكان. فالأسقف يصبح "أبًا" لأنه "ابن" للكنيسة. وهنا أيضا نفهم العلاقة القائمة بين كهنوت المؤمنين العام وكهنوت المكرّسين الخدمي. وإن كان الأسقف "أمام" الكنيسة والمؤمنين، فهو أيضا "من أجل" و"في خدمة" الكنيسة والمؤمنين.

 

الفصل الثاني

حياة الأسقف الروحية

11.           دعا المسيح الاثني عشر ليمكثوا معه. والاشتراك في حياة المسيح يأتي أيضا من الاشتراك في رسالته. وهذه القداسة الموضوعية يجب ان ترافقها قداسة "شخصية" من الأسقف نفسه، وهي قداسة من خلال ممارسة مهمة الأسقفية نفسها. وأولا علامات هذه القداسة هي المحبة الراعوية. ثم ان تشبهه بالمسيح هو أيضا تشبّه باتّضاع المسيح الذي أفرغ ذاته (بولس)، والاّ فقد الأسقف مصداقيّته أمام المؤمنين.

12.           موسى النبي صورة ملائمة عن الأسقف. فهو صورة عن الراعي الذي اختاره الله ليقود شعبه في الصحراء. وكما أن موسى أتى الى الشعب بعد أن خاطب الله، هكذا الأسقف لا يمكنه ان يسير نحو الشعب لخدمته ما لم ينهل أوّلا النعمة والقوة من اتحاده الحميم بالله. وقد ركّز الآباء السينوديون على ضرورة حياة الأسقف الروحية، كما ركّزت أنا عليها شخصيّا في أكثر من مناسبة. والكلام عن ذلك يعود بنا الى دور الروح القدس وعمله في الكنيسة في تاريخ الخلاص. ومن المفيد أن نذكّر أن الأسقف ينال يوم رسامته ملء الروح القدس. وقد قال القديس غريغوريوس النازيانزي: "يجب ان نتنقّى نحن ثم نُنقّي الآخرين، أن نتعلم ثم نُعلّم، أن نصبح نورًا ثم نضئ، أن نقترب من الله ثمّ نقود الآخرين اليه، أن نتقدّس ثم نُقدّس".

13.           يصبح الأسقف خادما للشركة عندما يسير في حضرة الله. إذ لا يمكن أن يكون خادما للناس ما لم يكن قبلا خادمًا لله. وكي يكون خادم الله يجب أن يكون أوّلا "رجل الله". وهذه ما تقوله كلمات الرسامة الأسقفية: "يا إله الحق، اجعل من عبدك أسقفا حيًّا، أسقفا قديسا في خلافة الرسل القديسين". وبما أن الرسامة الأسقفية لا تعني بالضرورة الوصول الى كمال الفضائل، فطريق القداسة تبقى سالكة مدى الحياة. وهذا ما يقوله أيضا الحق القانوني من أن الأسقف مُلزمٌ بإعطاء شهادة حياة قداسة تتّسم بالتواضع وبساطة الحياة. والدعوة الى القداسة هذه مؤسّسة على سر المعمودية كباقي المؤمنين. "أنا مسيحي معكم وأسقف لكم". وحياة القداسة عند الأسقف لها بُعد جماعي لأنه يعيشها مع باقي المؤمنين المعمّدين بقوة كلمة الله وسر الإفخارستيّا. وبما أنه بشر كباقي الناس، فعليه أن يقترب دوما من سرّ المصالحة. أخيرا، على الأسقف أن يعيش حياته الروحية في شركة مع باقي الكهنة، لا سيما كهنته الأبرشيّين. وهكذا تتفق روح القداسة التي يعيشها الأسقف مع المحبة الراعوية المطلوبة منه بحكم وظيفته.

14.           وللأسقف تعبد خاص لمريم العذراء أن الكنيسة. فمريم أول تلميذة سمعت كلمة المسيح. وهذا التعبد يتمّ التعبير عنه خصوصا في الطقوس الليتورجية. وهذا لا يغني عن القيام بالتعبّدات المريمية الفردية، ومنها تلاوة السبحة الوردية.

15.           تكلم الأساقفة عن أكثر من وسيلة للتقدم في الحياة الروحية، ومنها وأوّلها التأمّل والتغذّي من كلمة الله. فعلى الأسقف، قبل أن يبشّر بكلمة الله، أن يكون هو سامعًا لها. يجب أن يكون "داخل الكلمة" كي يتغذّى منها كما يتغذّى الجنين في رحم والدته. فلا قداسة ممكنة ما لم تتغذّى بكلمة الله، ذلك أن "الجهل بالكتاب المقدس يعني الجهل بيسوع المسيح". وهذا يفترض أمورًا عملية منها القراءة المتواصلة للكتاب المقدّس. يقول اوريجينوس: "على الأسقف واجبان: أن يتعلّم على يد الله من خلال قراءة الكتاب المقدس وأن يعلّم الشعب. لكنه يجب أن يعلّم الشعب ما تعلّمه هو من الله".

16.           كما أن السر الفصحي يقع في وسط حياة ورسالة الراعي الصالح، هكذا الأفخارستيا تقع في وسط حياة الأسقف ورسالته. فعندما يحتفل الأسقف بالإفخارستيا في كاتدرائيّته أو مع كهنته في رعايا الأبرشية، فهو في عيون الجميع الكاهن والحبر الذي يعمل باسم المسيح. وحب الأسقف للإفخارستيا يظهر من خلال تعبده اليومي لهذا السر.

17.           صلاة أخرى ركّز عليها الآباء السينويون هي تلاوة فرض الساعات. فالأسقف هو خليفة الرسل الذين اختارهم الرب "ليمكثوا معه"، والذين أرادوا أن يكرسوا أنفسهم "للصلاة وخدمة الكلمة". هكذا فقط يمكن أن يصبح الأسقف معلّمًا للصلاة. ولصلاة الأسقف بعدٌ راعوي رسولي. فهو يتضرّع من أجل الشعب، "شعبه". وصلاة الساعات هي صلاة التضرّع المستمرّة. لذا على الأسقف أن يصلي "مع" شعبة و"من أجل شعبه".

18.           يعرض الرب على من يريدون اتباعه بشكل مباشر طريق المشورات الانجيلية التي هي في حياة المؤمن انعكاس لحياة الثالوث. حياة الأسقف يجب ان تصبح انعكاسا لحياة المسيح، لمحبّة المسيح الذي أطاع حتى الموت والذي أحب الكنيسة حبا عفيفا وعاش حياة فقر وتقشف كامل على الأرض. ويمكن للأسقف إن عاش المشورات الانجيلية أن يقود كهنته والعلمانيين في نفس الدرب.

19.           على الأسقف ان يعيش في مشاعر الخضوع التام لإلهامات الروح القدس كي يساهم في بنيان الكنيسة من خلال روحانية الشركة. ومثاله في ذلك هو يسوع المسيح نفسه الذي لم يأت ليعمل مشيئته بل مشيئة الآب الذي أرسله. كما ينبغي أن يكون الأسقف مطيعا لتقليد الكنيسة من خلال علاقته بخليفة القديس بطرس وجماعة الأساقفة. فالرسامة الأسقفية تضع الأسقف في علاقة متميزة مع خليفة الحبر الروماني ومع جماعة الأساقفة ومع كنيسته المحلية. وهذه العلاقة تسمح لنور المسيح أن يشعّ من خلال الكنيسة. والبحث عن إرادة الله والطاعة لها يتمّ أيضا من خلال التحاور والتشاور مع الكهنة والعلمانيين في الكنيسة المحلية للبحث عن أفضل الطرق لخدمة شعب الله الموكول إليه.

20.           أكّد الآباء السينوديون على أن تطويبة الفقر الانجيلية شرط أساسي لرسالة أسقفية خصبة. على الأسقف أن يكون "رجلا فقيرًا" على مثال المسيح، وأن يخص الفقراء بعناية خاصة، على مثال المسيح أيضا. يجب أن تكون الكنسية "بيت الفقراء". وروح الفقر هذا يجعل الأسقف يعيش في جوّ من الحرية الداخلية يسمح له بالحركة والعمل. وهذا يعني أيضا ثقة لامتناهية بالعناية الإلهية وتقاسم الخيرات المادية ونمط حياة زاهد. هكذا يمكنه أن يشعر مع عامة الشعب. وروح الفقر هذا يتماشى مع روحانية المحبة والتقاسم على غرار الكنيسة الأولى (وكان كل شئ مشتركا بينهم).

21.           يسمع الأسقف يوم رسامته هذه الكلمات عندما يلبس الخاتم: "اقبل الخاتم، رمز الأمانة، وحافظ على الكنيسة المقدسة، عروس المسيح، من خلال نقاوة ايمانك وطهارة حياتك". الأسقف شاهد ومبشّر بحياة المحبة بين جميع الموكولين الى رعايته. وبينما يدعو المؤمنين الى تقديم أجسادهم لله كذبيحة حيّة، عليه أن يتذكر هو أيضا أنه "هكذا يمرّ مجد العالم"، وأن ينتظر "في رجاء سعيد مجئ مخلصنا يسوع المسيح"، وأن يخص بهذا الحب جميع الأشخاص الذين يكرّسون ذواتهم في حياة الكهنوت او الرهبنة. وحياة العفة هذه تمثل شهادة حية تعاكس روح العالم الذي جعل من الجنس "صنما يُعبد". من هنا ينبغي على الأسقف أن يكون قريبا من كهنته، لا سيما الذين اولئك الذين يمرّون بصعوبات محدّدة. كما عليه أن يتدخل بمحبة وحزم وعدل إن حصلت مخالفات خطيرة من قِبَل الكهنة في هذا المجال. وهكذا يقدّم الأسقف لله، كما فعل المسيح، عروسًا (الكنيسة) طاهرة مقدّسة بلا عيب.

22.           الكنيسة مدرسة شركة. ويجب على الأسقف أن يتحلّي بهذه الروحانية التي وحدها "تُشكّل" الانسان المسيحي، من خلال المجالس والرعايا والأخويات والحركات الرسولية. وخصوصا في المعاهد الاكليريكية. ويحصل هذا من خلال زيارات متواصلة ودورات ولقاءات شخصية وجماعية. وتظهر روحانية الشركة أيضا من خلال شركة الأسقف مع الحبر الروماني ومع باقي اخوته الأساقفة لا سيّما في المجالس الأسقفية والوطنية. ومما لا شك فيه أن روحانية الشركة تأخذ قوّتها من حياة الثالوث الأقدس. كما أن لها بُعدا إرساليا، لأن الشركة بين المؤمنين تحمل غير المؤمنين على الإيمان.

23.           عمليا، يعيش الأسقف كل ما قيل من خلال ظروف حياته اليومية المختلفة. وهذا ما قاله البابا غريغوريوس: "منذ أن قبلت حمل الأسقفية، لم أعد أستطع أن اختلي بنفسي كما أرغب، لأن قلبي موزّع بين أمور كثيرة..." من هنا، يجب أن يحافظ الأسقف على اتّزان روحي ونفسي وعاطفي داخلي ثابت. ومحافظة الأسقف على صحته الجسدية هي في النهاية عمل محبة يقوم بها تجاه من يقوم على خدمتهم. يجب أن يتمكّن الأسقف من وضع برنامج متناسق يجمع بين الاحتفال بالأسرار المقدّسة والصلاة الشخصية والدراسة والتخطيط الراعوي والاختلاء والراحة. هكذا يمكنه أن يحافظة على سلامه الداخلي.

24.           تكلم الآباء السنوديون عن تربية مستمرّة للأسقف. وهي عمليّة ضرورية أيضا للمؤمنين المعمَّدين والكهنة والرهبان والراهبات. ومن خلال هذه التنشئة الدائمة، يستطيع الأسقف أن يميّز صوت الله من خلال نداءات جديدة ومتجدّدة دومًا. وقول المسيح لبطرس بعد القيامة "اتبعني" يعني الاستمرار في السير وراء المسيح في كافة الظروف المتغيّرة. من هنا ضرورة الاستماع للآخرين وتبادل الخبرات الراعوية والاطلاع على آخر ما ينشر في العلوم اللاهوتية، وضرورة دورات سنوية يخطّط لها مجمع الأساقفة أو المجالس الأسقفية المحلية.

25.           وفي خضم هذا العمل الراعوي، تشكّل صورة الأساقفة القديسين منارة وهداية. ومن هؤلاء الأساقفة القديسين مَن هم مؤسسون لكنائس محلية جديدة ومنهم معترفون بالأيمان ومنهم شهداء ومنهم من عاش حياة بطولية في خدمة الفقراء والمهمشين. لذا فلتهتمّ كلّ كنيسة محلية بإكرام أساقفتها القديسين، فهم يقومون على حراستها من أعالي السماء، وليعلموا على أن يعرف الشعب المؤمن حياة هؤلاء الأساقفة القديسين، وليعمل الجميع على رفعهم الى الهياكل.

 

الفصل الثالث

معلم الايمان ورسول الكلمة

26.           اوكل السيد المسيح رسُلَهُ مهمة البشارة. وهي الآن مهمة الكنيسة، جماعة رسل المسيح. لا يمكن أن نتخيّل كنيسة لا تكون مرسَلة: "الويل لي إن لم ابشّر". وإن كانت هذه رسالة كل مؤمن معمّد، فهي بالأولى رسالة الأسقف الذي يستلم يوم تكريسه مهمة البشير بالإنجيل " ودعوة الناس الى الايمان بقوّة الروح القدس والى القوةّ في الايمان". وهذه الرسالية هي علامة "أبوّة" ( لكم أب واحد، لأني ولدتكم بالإنجيل). لذا يقول الآباء السينوديون أن الأسقف هو أول مبشّر من خلال كلامه كما من خلال شهادة حياته.

27.           ركّز الآباء السينوديون على أهمية البشارة بالإنجيل، بشارة تتمحور على سرّ المسيح المصلوب والقائم من أجل خلاص البشر. ومن سر المسيح هذا تنطلق معالم البشرى لتحمل الرجاء الى الجميع. وهكذا يحمل الأسقف شعبه المؤمن الى قلب الإيمان المسيحي. إيمان يتعدى حدود الزمان والمكان ليصل الى العهد الأبدي الخالد في يسوع المسيح.

28.           أول معالم هذه المهمة هي المحافظة على الايمان بقداسة السيرة والتبشير به بشجاعة. هذا هو معنى وضع الكتاب المقدس مفتوحا على رأس الأسقف أثناء التكريس: فمن جهة تحفظ كلمةُ الله الأسقف الجديد في حياته وفي رسالته، ومن جهة أخرى تصبح حياة الأسقف خاضعة لكلمة الله في كل كبيرة وصغيرة. لقد اودع المسيح سر الايمان في الكنيسة، وهو مرآة تنظر الكنيسة اليها باستمرار حتى تصل الى "مشاهدة وجهه البهيّ الى الأبد". وهذا ما حصل في الزمان، وهذا هو معنى التقليد الحيّ؛ حيّ لأنه محمي بقوة الروح القدس. واتفاق ايمان الشعب مع ايمان الأساقفة هو ما ندعوة "الحس الايماني". وهو حس لا يخطئ. من هنا، الحباة في  الكنيسة وحياة الكنيسة شرط أساسي لممارسة الأسقف لمهمته التبشيرية. عندما يقف الأسقف في كاتدرائيته ليعظ شعبه، قليقل كما قال أغسطينوس: "إن اعتبرنا المكان الذي نحتلّه، فنحن معلموكم، ولكن ان اعتبرنا المعلم الأول والأوحد، فنحن وإياكم تلاميذ متساوون له". والروح يعلّم الأساقفة والشعب من خلال القلب ومن خلال احتياجات الأشخاص والجماعات ومن خلال تنوع المواهب والخدمات. من هنا ضرورة اتصال الأسقف المباشر والشخصي مع المؤمنين بنوع عام ومع الاكليروس بنوع خاص.

29.          كل أسقف هو معلم الايمان والاخلاق في كنيسته. وهي مهمة يستلمها مع رسامته الأسقفية. لذا يجب الاستماع اليهم وطاعتهم. وهكذا يعيد الأسقف الى رعيته ما يكون قد استلهمه من "حسّهم الايماني" فتكتمل الحلقة. كلمة الأسقف تثبّت ايمان الشعب وتقوّيه. لذا نقول ان الأسقف هو أول أيضا أول مسئول عن التربية الدينية في أبرشيته. ومن واجبه أيضا أن يهتمّ بمن يقومون بهذه المهمة على أرض الواقع (كهنة ورهبان وراهبات وعلمانيون). كما من واجبه أن يقيم علاقة حوار مع اللاهوتيين لسبر غور سر المسيح بشكل أفضل. أخيرا، ركّز الآباء السينوديون على واجب الأسقف في المجال الأخلاقي، لاسيما في الدفاع عن الحياة البشرية وحرية الأشخاص والأمم والعدالة الاجتماعية.

30.          عملية المثاقفة بين الايمان والثقافات البشرية من واجبات الأسقف أيضا ومن ضرورات عملية التبشير الجديد. فالإيمان الذي لا يصبح ثقافة لا يمكن عيشُه. وعملية المثاقفة متجذّرة في سر التجسد نفسه. من واجب الأسقف إذًا أن يسهر على أن يكون التعبير عن الايمان كاملا غير منقوص في ثقافة بلده ولغتها وعقليتها. وهنا تدخل ضرورة استعمال جميع وسائل الاتصال الحديثة للتبشير بالإنجيل، وهذا أمر يبدأ في المعاهد الاكليريكية.

31.          قلنا ان تبشير الأسقف بالإنجيل لا يكتمل الاّ بشهادة حياته. التفكير والحياة عند الأسقف أمرٌ واحد لا أمران. وشهادة الحياة تعطِي للأسقف سلطة أدبية تعادل السلطة التي تمنحه أياها الدرجة الأسقفية. هذا ما يقوله بولس الرسول لطيتس: "واجعل من نفسك قدوة لهم في حسن السيرة: من سلامة في العقيدة وفضل وتعليم صحيح لا يناله لوم، فيخزى الخصم إذ لا لا يستطيع أن يقول سوءا فينا" (2، 7-8).

 

الفصل الرابع

خادم نعمة الكهنوت الكامل

32.           يذهب تفكيري وأنا أتكلم عن مهمة الأسقف التقديسية الى ما كتبه القديس بولس الى كنيسة كورنتس: "الى الذين قُدّسوا في المسيح ودُعوا ليكونوا قديسين مع جميه الذين يدعون في كل مكان باسم ربنا يسوع المسيح (أ كو. 1، 2). قداسة المؤمنين تبدأ بالمعموية وتستمر من خلال الأسرار، لا سيما سرّي المصالحة والأفخارستيا. والأسقف خادم نعمة القداسة هذه، وبشكل خاص من خلال الليتورجيا. هذا عمل مركزي في حياة الأسقف وفي عمله. من هنا أهمية الليتورجيا في حياة الكنيسة المحلية حيث يمارس الأسقف مهمة التقديس معلنًا كلمة الله ومترأسًا الصلاة من أجل الشعب ومع  الشعب. يقول الطقس البيزنطي في رتبة التكريس أن الأسقف هو موزع نعمة الكهنوت الكامل، لا سيما في سر الإفخارستيا. هنالك تكامل كبير بين مهمات الأسقف الثلاثة ( التبشير والتقديس والإدارة). فالأسقف الذي يقدّس، يطبّق ما وعظ به ويحصل على النعمة اللازمة لخدمة أبرشيته.

33.           يمارس الأسقف مهمة التقديس من خلال الاحتفال بالإفخارستيا وباقي الأسرار وصلاة الساعات وترأس الحفلات الدينية. ومن أهم ما ذُكر الاحتفالات التي تُبرز المهمة الأسقفية بشكل خاص، أعني سر التثبيت والرسامات المقدسة  والاحتفالات الافخارستية التي يكون فيها الأسقف محاطُا بالإكليروس وتكريس الكنائس الجديدة وتكريس العذارى. هنا يظهر الأسقف على أنه "الكاهن الأعظم" في الأبرشية. ومن هذه المناسبات تنبع نعمة الله التي تغمر حياة المؤمنين وتقودها الى ملء الحياة المسيحية.

34.           وإن كان الأسقف يقوم بمهمّته في مختلف كنائس الأبرشية، فلكاتدرائيته مكانة خاصة. فهي المكان الذي حيث يوجد "منبر" الأسقف والذي منه يعظ بكلمة الله ومنه يسير بالشعب نحو القداسة في "مكان الله الآب".  لذا الأسقف وحده يمكنه أن يجلس على كرسي الأسقفية في الكاتدرائية. وهذا ما قاله المجمع الفاتيكاني من أن أفضل تعبير عن الكنيسة المحلية هو احتفال الأسقف بالإفخارستيا، في كنيسته الكاتدرائية، محاطا بإكليروسه. لذا، كاتدرائية الأسقف هي المكان المميز التي فيه يمارس الأسقف مهمة التقديس. ومن أهم الاحتفالات الخاصة بالكاتدرائية تكريس الزيوت المقدسة، والرسامات الكهنوتية وعيد شفيع الكنيسة الكاتدرائية وشفعاء الأبرشية.

35.           ولمهمة الأسقف التقديسية من خلال الليتورجيا ميزة تربوية. وهذا يفترض أن تصبح الاحتفالاات الليتورجية ظهورا لسر الرب، من خلال تحضير مناسب واشتراك فعّال فيها. وهذا ما اعتدت أن أقوم به خلال زياراتي الراعوية. فالاحتفالات الجملية والمُتقنة تحمل على تقديس اسم الله. ذلك أن حقيقة الايمان لا يتم التعبير عنها فقط بالكلام والوعظ، بل بالعمل أيضا من خلال كل عمل ليتورجي نقوم به. وهذا يفترض دخولا في سر الايمان الذي تعبّر عنه الأفعال الليتورجية. من هنا واجب الأسقف في تنمية الحس الليتورجي عند الشعب، والاهتمام بتطبيق القوانين المرعية في الاحتفالات الدينية.

36.           يجب ان تكون حياة الأسقف وخدمته ممتلئة من سر المسيح. وفي وسط هذا السر هنالك يوم الرب ومركزه الذي هو الاحتفال بسر الإفخارستيا. من هنا واجب الأسقف في ترأس الليتورجيا يوم الأحد في كاتدرائيته أو في أحدى كنائس الأبرشية. ومن المناسب أن يمتد وجود الأسقف في مختلف كنائس أبرشيته على السنة الطقسية، بأزمنتها المختلفة.

37.           قلنا أن الإفخارستيا تقع في قلب مهمة الأسقف التقديسية. فالإفخارستيا هي المبدأ الأساسي لحياة المؤمنين كأفراد وكجماعة، كما أنها مبدأ عملية التبشير الجديد ورسالة الكنيسة. من واجب الأسقف إذن السهر على تأمين الاحتفال الإفخارستي لجماعات المؤمنين المختلفة يوم الرب. ويعود للأسقف الحُكم في الحالات التي لا يمكن تأمين قداس الأحد في بعض الرعايا بسبب نقص عدد الكهنة واتخاذ الحلول العملية والراعوية المناسبة.

38.           تعود الكنيسة اليوم الى الاهتمام بالتنشئة الدينية للبالغين. وهذا يشمل المؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء. وقد نشرت الدوائر المختصة وثائق رسمية في هذا المجال. وهذه المسيرة تصل الى قمتها عند غير المؤمنين بقبول أسرار التنشئة المسيحية، على غرار ما كان يُعمل في الكنيسة الأولى. كما من واجب الأسقف أن يسهر على برامج التنشئة المسيحية للأطفال وللشباب. وليسهر قدر المستطاع على أن يعطي هو سر التثبيت، لأن لوجوده في الجماعة المسيحية معنى كبيرا ومهما.

39.           ركّز الآباء السينوديون على ضرورة وضع برنامج راعوي خاص بسر المصالحة. واجب الأسقف هو أن يدعو اولا الى المصالحة والتوبة والى اظهار دور الشر في المجتمع وفي نفس الوقت إظهار رحمة الله التي وهبها لنا من خلال قيامة ابنه من بين الأموات. ومن واجب الأسقف المثابرة على سر المصالحة وتشجيع كهنته على ذلك، قبولا ومَنْحًا. كما من واجبه السهر على ألاّ تعطى الحلّة الجماعية خارج الظروف المحدّدة لها في القانون الكنسي. كما يجب التذكير بالعلاقة المتينة والمتأصّلة في التقليد المسيحي، بين سرّي المصالحة والإفخارستيا. أخيرا، يعود للأسقف تحديد مهمة ووجبات المعزّمين في الأبرشيات الخاصة.

40.           تكلّم الآباء &#