تقديم الرسالة الرسولية لقداسة البابا

يوحنا بولس الثانــــــي

عن "يوم الرب"

 

1.     عرف يوم الرب وكُرّم منذ البدء. "هذه هو اليوم الذي صنعه الرب".

2.     اصل يوم الرب هو قيامة المسيح التي هي محور التاريخ. يوم السيّد هو سّيد الايام.

3.     تأتي هذه الرسالة في إطار الاحتفالات باليوبيل الكبير (2000) على مستوى الكنائس المحلية والكنيسة الجامعة.

4.     كان الاحتفال بيوم الاحد سهلا في الماضي حين كان يوم الاحد يوم الراحة العام للجميع، حتى في الحياة المدنية. أما اليوم، فقد سادت حضارة "نهاية الاسبوع Week end، مع أن التزام المؤمن بيوم الاحد يبقى على ما هو.

5.     لذا، نرى واقع يوم الاحد يختلف من مكان الى آخر.

6.     نريد بهذه الرسالة ان نقوم بعملية تفكير في الاسس العميقة ليوم الرب.

7.     وكما قلت لكم في الماضي: "لا تخافوا ان تفتحوا ابوابكم للمسيح"، اقول لكم   اليوم: "لا تخافوا ان تعطوا وقتكم للمسيح". فالوقت المعطى للمسيح ليس وقتا ضائعا.

 

الفصل الاول

يوم الرب

الاحتفال بعمل الخالق

 

8.     اول مرجع ليوم الرب هو الراحة بعد عمل الخلق، والراحة التى قدمها الله للشعب بعد الخروج.

9.     عمل الخلق حسن ما دام مرتبطا بالخالق، ويعود حسنا بعد الخطيئة بمقياس إعادته الى الخالق.

10.   ما صنعه الله جيد وحسن، والانسان مدعو الى ان يسكن العالم و يكمّل عمل الله فيه.

11.   وأذا كان عمل الله مثالا للإنسان، فكذلك راحته. معنى الراحة هنا هو تمتع الانسان بجمال ما صنع.

12.   هنالك علاقة خفية بين يوم الراحة (الخلق) والفداء. فالله الذي ارتاح يوم السبت هو الذي أراح الشعب بعد الخروج، وهو أيضا صورة العريس الذي يقف أمام عروسه.

13.   المحافظة على يوم الراحة أمر أساسي في العلاقة مع الله. من هنا دخل يوم الراحة في الوصايا.

14.   أساس هذه الاهمية ليوم الرب لاهوتي: فالله بارك يوم السبت وقدّسه.

15.   يسمح السبت بإقامة علاقة صلاة خاصة ومتميّزة بين الانسان والله، ويذكّر ان كل شئ من الله والى الله.

16.   اذكر السبت لتقدّسه. التقديس هو سبب الذكرى. لذا فالراحة المطلوبة ليست قفط كما ارتاح الله، بل راحة في الله، بمعنى إرجاع الخليقة الى الله.

17.   تتضمن الراحة اذاً عنصرين: الانقطاع عن العمل والاحتفال بعظائم الله.

18.   بيد أن مرور السبت الى الاحد مردّه قيامة المسيح التي بدأت خلقا جديدا. من هنا يصبح يوم الرب يوم المسيح.

 

الفصل الثاني

يوم المسيح

يوم قيامة الرب وإفاضة الروح

 

 

19.   شهدت القرون الاولى عادة الاحتفال بالفصح الاسبوعي في الشرق والغرب. مع الايمان ان قيامة المسيح اعطت المعنى الاخير لراحة السبت.

20.   تشهد الاناجيل ان قيامة المسيح تّمت في اليوم الاول بعد السبت، وكذلك حلول الروح.

21.   والمسيحيون الاوائل اجتمعوا غداة السبت (اعمال ورؤيا) لكسر الخبز (بولس)

22.   وبما ان يوم الاحد لم يكن بعد يوم عطلة مدنية، اعتاد المسيحيون على الاجتماع للصلاة في الصباح مبكّرا.

23.   ومع الوقت، بدأ الاحد " المسيحي" ينفصل تدريجيا عن السبت " اليهودي".

24.   وهكذا اصبح الاحد في الفكر المسيحي اول يوم في الاسبوع واول يوم في الكون (الخلق الجديد). وأصبح المسيح "بكرُ القائمين"، "بكَر الخليقة".

25.   كما اصبح الاحد ذكرى الفداء بسبب السر العظيم الذي تم فيه.

26.   وأصبح أيضا رمزَ الزمن الآتي الذي لا يغيب. البُعد الاسكاتولوجي.

27.   أصل الاحتفال التاريخي بيوم الاحد وثني (يوم الشمس) Sunday. (يوستينوس). وقد أعطت الكنيسة لهذا العيد معنى مسيحيا (المسيح هو الشمس).

 28.  ومع نور المسيح نار الروح القدس (العنصرة). "خذوا الروح القدس" (مساء   أحد القيامة)، وحلول الروح القدس (يوم أحد العنصرة.)

29.   نور ونار وإيمان. الاحتفال الليتورجي المحتفى به يوم الاحد يعبّر عن ايمان الجماعة المسيحية، على غرار إيمان توما الرسول.

30.   لهذه الاسباب اصبح الاحتفال بيوم الاحد أمرا اساسيا لا يمكن التنازل عنه، بالرغم من صعوبة ممارسته في بعض الظروف او البلدان.

 

الفصل الثالث

يوم الكنيسة

الاحتفال الافخارستي

قلب يوم الاحد

 

31.   يوم الاحد هو الاحتفال بالمسيح القائم والموجود دوما بيننا. وللتبشير بهذا    الوجود، لا تكفي الصلاة الفردية، بل الصلاة ضمن الجماعة المفتداه.

32.   وهذا الاحتفال الجماعي، اصله وتتويجه الاحتفال بالافخارستيا.

33.   اجتماع الرسل مساء أحد القيامة هو المثال الاول لاجتماع شعب الله.

34.   الاحتفال بكل قداس أمر مهم، لكن احتفال الاحد بالذات -كونه يوم قيامة المسيح - هو المثال الاعلى.

35.   هكذا يصبح "يومُ الرب"، "يومَ الكنيسة". من هنا نفضّل أن تكون جميع الاحتفالات الليتورجية الخاصة يوم الاحد في كنيسة الجماعة المسيحية.

36.   لذا احتفال يوم الاحد تعبير عن " سرّ الوحدة" الذي يميّز الكنيسة عندما تصلي مجتمعة، ووحدة الاسرة عندما تصلي مجتمعة، ووحدة الحركات الرسولية التي تندمج داخل صلاة الجماعة في الرعية.

37.   يظهر هكذا ايضا بُعدٌ آخر من أبعاد الكنيسة، وهو كونها شعب يسير نحو الملكوت، نحو الاحد الابدي الذي تحتفل به اورشليم السماوية.

38.   لذا يوم الاحد هو أيضا يوم الرجاء، بسبب الأمل والتوجه نحو الآخرة السعيدة.

39.   يتم اللقاء بالرب في الاحتفال بالافخارستيا من خلال المشاركة في مائدتين:   مائدة كلام الله ومائدة القربان، والمائدتان مترابطتان.

40.   من هنا علينا ان نتفحّص دور اهمية كلمة الله في الاحتفال الليتورجي من ناحية التحضير والأعلان والتفسير والفهم.

41.   أعلان الكلمة هو وقت يُقيم الله فيه حوارا مع شعبه ويدعوه باستمرار الى الارتداد وتجديد العهد.

42.   والاحتفال بالقربان هو اجمل وقت تؤدي فيه الكنيسة المديح للآب وتمجده "بالمسيح ومع المسيح وفي المسيح في وحدة الروح القدس".

43.   فرح الاحتفال يوم الاحد يجد تمامه في فرح القيامه وفي ذكر صنائع الله لشعبه.

44.   والقربان وليمة يدعى اليهاالمؤمنون. لذا يحبّذ ان يقترب من يشارك في الذبيحة في تناول جسد الرب ودمه على أن يكون ذلك باستحقاق. بيد ان الاقتراب من مائدة الرب لا فائدة منه ان لم يكن تعبيرا عن المحبة الاخوية التي يجب ان تسود بين المشاركين (قبلة السلام، المصالحة....)

45.   الهدف من تناول خبز الحياة هو الرسالة والشهادة على مثال تلميذي عماوس.

46.   تأصلت عادة وصية المشاركة في قداس يوم الرب الى القرون الاولى. وقد عاشها الكثيرون مرارا بروح التضحية والبطولة.

47.   حثت الكنيسة ابناءها دوما على المشاركة في قداس يوم الرب، وقد أخذ ذلك شكلا قانونيا في بعض فترات تاريخ الكنيسة. وما زال كذلك حتى اليوم.

48.   والصعوبات التي يواجهها بعض المؤمنين اليوم في المشاركة في وصية الاحد لا تقل عن فترات الماضي. لذا يتوجب على المسئولين أن يحثوا المؤمنين على ذلك دون       تواني.

49.   من جهة أخرى على الاساقفة أن يسهروا على تأمين القداس للمؤمنين يوم الاحد وأن يعطوا الاذونات والتسهيلات اللازمة لذلك (أكثر من قداس، مساء السبت...)

50.   يجب ان يصطبغ قداس الاحد بصبغة الاحتفال والفرح من خلال التحضير والترتيل.

51.   يعود فقط للكاهن ان يقيم الذبيحة، لكن يجب العمل على أن يشارك أكبر عدد ممكن من العلمانيين (شباب وبالغين) في تحضير قداس الاحد، كل حسب مواهبه.

52.   يجب ان يشع روح المسيح المنبعث من الاحتفال الليتورجي على باقي فترات يوم الاحد (الحياة العائلية، العلاقات الاجتماعية، الراحة...)، كما يمكن القيام بنشاطات دينية أخرى غير القداس (زياح، تربية مسيحية...)

53.   هنالك مشكلة الجماعات المسيحية التي لا تجد كاهنا يقيم الذبيحة. وقد حددت الكنيسة نظاما خاصا لذلك يسهر الاساقفة على السير بموجبه.

54.   ومن كان لا يستطيع المشاركة شخصيا في ذبيحة القداس بسبب مرض او شيخوخة، يمكنه مطالعة نصوص القداس او متابعتة في وسائل الاعلام حين يكون الامر ممكنا.

 

الفصل الرابع

يوم الانسان

يوم الاحد، يوم الفرح

والراحة والتضامن

 

55.   تركّز جميع الليتورجيات على الفرح الذي يجب ان يميّز يوم الرب.

56.   وهذا الفرح لا معنى له إن لم يكن متأصلا في فرح بشرى القيامة.

57.   وهذا الفرح يمتد على كل مراحل حياة المؤمن، وهو فرح يختلف عن الافراح العابرة.

58.   ومع ذلك فالفرح الفصحي لا يتعارض مع الافراح البشرية السليمة، لا بل يضفي عليها بُعدا جديدا روحيا.

59.   وهكذا نعود الى معنى السبت الاصلي الذي هو الاحتفال بالخليقة الجديدة (التي تحققت بالقيامة). نرى هنا مجددا البعد الكريستولوجي ليوم الرب.

60.   هكذا يسمح يوم الرب للمؤمن أن يتحد بالله من حيث أنه يتفح قلبه وحياته للخالق بشكل متميز.

61.   العلاقة قوية ومتميزة بين يوم ارتاح الرب ويوم خلق الانسان بالذات. فالنص الكتابي لا يذكر ان الله ارتاح الاّ بعد أن خلق الانسان. لذا عندما يرتاح الانسان يحقق ذاته ويحقق ما أراده الله له (أن يكون على صورته ومثاله).

62.   وما يقال عن السبت يقال عن الاحد الذي سار بالسبت الى الاكتمال بالمسيح.

63.   اراد المسيح ان يجدد الخلاص (الخروج) بشفائه الاسقام (يوم السبت). وفتح بذلك الباب لتفسير روحي لا حرفي لشريعة الراحة الاسبوعية.

64.   اصبح يوم الاحد عيدا رسميا في الامبراطورية الرومانية ابتداء من القرن الرابع. لكنه يبقى كذلك بالنسبة للكنيسة حتى في البلاد التي ليس الاحد فيها كذلك (بالرغم من الصعوبات). ذلك أن معناه اولا روحي لا مدني.

65.   معنى العلاقة بين يوم الراحة ويوم الرب في المجتمع المدني اوسع من المعنى المسيحي، لانه مطبوع في طبيعة الانسان ليرتاح ويتمتع بجمال الخليقة والخالق.

66.   وعندما تتكلم الكنيسة عن يوم راحة الانسان، تفكر في ظروف العمل الصعبة والمرهقة للكثيرمن بني البشر. والراحة حق بشري يشعر الجميع فيه انهم متساوون.

67.   كما تسمح الراحة باكتشاف الاشخاص والوجوه والاشياء وحتى الطبيعة بشكلها الحقيقي، الذي قد ينساه الانسان في غمرة العمل. وهذا أمر يتطابق مع الايمان المسيحي، على الاّ يقتصر عليه فقط.

68.   وهكذا يصبح يوم الراحة يوم حرية ومشاركة أخوية وتسلية سليمة. وهو بذلك يساهم في تنمية كرامة الانسان، لذا يحق ان ندعوه " يوم الانسان".

69.   وبما أنه لا فرح دون محبة، فيوم الاحد هو ايضا يوم المحبة وأعمال الرحمة تجاهالاخوة.

70.   كان التفكير بالاخوة الفقراء من اول اهتمامات المسيحيين الاوائل يوم الرب. (راجع توبيخ بولس لكورنتوس وتوبيخ مار يعقوب).

71.   وهذا أمر ردده ايضا آباء الكنيسة في القرون الاولى (امبروسيوس وفم الذهب)

72.   وهذه المشاركة مع المحتاج شعاع من المحبة المنبعثة من قداس الاحد. وإن كان الاحد اليوم الاكثرمناسبة للقيام بأعمال الرحمة، فباقي الايام أيضا دعوة لعيش المحبة    مع المحتاج.

73.   هكذا يصبح يوم الرب مدرسة محبة وعدل وسلام. فوجود الرب القائم وسط         الجماعة يشدد روابطها.

 

الفصل الخامس

يوم الايام

الاحد، يوم يكشف معنى الزمن.

 

74.   للزمن أهمية كبيرة في المسيحية. ففه تجسّد ابن الاله وفيه ستتم نهاية العالم. وفيه عاش المسيح ناسوته. من هنا تطلق الليتوجية على المسيح لقب "الالف والياء".

75.   يوم القيامة يوم تخترق الايام والشهور والسنوات ويحول مسارها نحو المسيح ويهيئها لليوم الاخير.

76.   وبما أن الزمن يستعمل أيضا لذكرى الحوادث المهمة في حياة الاشخاص والجماعات، هكذا الاحد يعيد ذكرى أهم حدثين في الدين المسيحي (القيامة والعنصرة) والكثير من الذكريات الاخرى المرتبطة بهما.

77.   هذا هو ايضا معنى السنة الطقسية التي تبدأ بالتحضير لتجسد المسيح وتنتهي بذكرى الازمنة الاخيرة.

78.   ومع ذكرى المسيح المتتابعة خلال السنة الليتورجية بأكملها، هناك مكان لذكرى والدة الاله والقديسين الذين تألموا مع المسيح وقاموا معه للحياة.

79.   وما ينطبق على الاحد ينطبق على أعياد البطالة، التي تحددها المجالس الاسقفية في البلدان المختلفة.

80.   وفي حال تزامن الاحتفال بيوم الرب مع احتفال ديني شعبي آخر، فعلى الرعاة أن يقوموا بالجهد الراعوي اللازم للمحافظة على أهمية الحدثين.

 

خاتمــــــــــــــــــــــــــــــــة

 

81.   يوم الاحد كما فهمته الكنيسة يوم ينير للمؤمن الطريق في كيف يعيش حياته المسيحية.

82.   بروح الايمان هذه على المؤمن ان يلزم الراحة يوم الاحد - مثله مثل باقي مواطنيه - دون أن يفقد المعنى الروحي الالتزام الديني بيوم الرب.

83.   هكذا يصبح يوم الاحد مدرسة لباقي الايام، ومثالا للمجتمع الذي أصبح فيغالبيته غير مؤمن.

84.   وليوم الاحد "شحنة" تبشير. فهو يدل على أن الزمن ليس وقتا مهدورا بل مناسبة لتحويل لحظات حياتنا المتتابعة الى قيم فيها بذرة الابدية. ومن أسبوع الى أسبوع يقترب زمن مجئ الرب في المجد.

85.   الروح القدس يسند الكنيسة في جهدها هذا المشدود نحو الابدية، ويجدد فيها باستمرار ذكرى الرب القائم. وإن كان الروح موجودا في الكنيسة باستمرار، فوجوده فيها له مكان خاص يوم الاحد.

86.   اضع هذه الرسالة تحت شفاعة مريم العذراء الموجودة هي ايضا في الكنيسة في كل احتفال أحد، (دون أي تعدي على مكانة المسيح المركزية). فحيث هناك يوم الرب ويوم الكنيسة، لا بد ان توجد ايضا أم الرب وأم الكنيسة.

87.   نضع هذه الرسالة في إطار الاحتفالات باليوبيل الكبير. لا بد من إقامة إحتفالات كبيرة بهذه المناسبة، والاحتفال بيوم الاحد يشكل ايقاعا متميّزا لهذه الاحتفالات.

        اطلب من الاساقفة ومن الرعاة ان يفعّلوا هذه الرسالة في جماعاتهم المؤمنة.

 

     مع البركة الرسولية

     في 31/5/1998

     يوحنا بولس الثاني.