|
رسالة البابا يوحنا بولس الثاني
صوم 2002
ايها الاخوة والاخوات،
1.
ها نحن نستعد من جديد للسير في درب الصيام الذي سيقودنا الى
الاحتفال بسر موت المسيح وقيامته. وهو في نفس الوقت زمن تعرضه
علينا الكنيسة لنتأمل في عمل الخلاص الذي أتمّه يسوع المسيح.
وهو عمل تم من خلال تقدمة الابن نفسه عن طواعية: "لا أحد يأخذ
حياتي، بل أنا أبذلها". لذا، يضيف يسوع قائلا : "ما من حب أعظم
من حب من يبذل ذاته في سبيل احبائه".
2.
نريد في زمن الصوم هذا ان نتأمل في سر المحبة هذا العظيم. وهذا
أمر يعيدنا الى التأمل في أسس ايماننا لأن الخلاص الذي تم ما
هو النهاية الاّ مبادرة محبة من قبل الله. لهذا السبب اخترت
عنوانا لرسالة الصوم هذه جملة المسيح التي يقول فيها :"مجانا
أخذتم فمجانا أعطوا".
3.
أعطانا الأب ابنه عن طواعية. من يستحق هذا الشرف؟ يقول مار
بولس : "جميع الناس قد خطئوا فحرموا مجد الله، ولكنهم نالوا
البرّ مجانا بنعمته" (روما 3، 22-23). وقد أحبنا الله دون أن
ينظر الى وضع الخطيئة الذي كثيرا ما وضعنا أنفسنا فيه. فقد
حنّ على ضعفنا، وجعل من ضعفنا سببا ليفيض علينا المزيد من
المحبة. وهذا ما فتئت الكنيسة تقوله، وهو أن الله لا يديننا بل
يريد ان يُدخلنا في شركة معه في حياته.
4.
"مجانا أخذتم فمجانا أعطوا". تدوّي هذه الكلمات في قلب الجماعة
المسيحية في مسيرتها نحو القيامة. وما زمن الصوم الا وقتا
ليفكّر فيه كل مسيحي مؤمن في عظمة هذه الهبة. نعم، نحن أخذنا
مجانا! اليست حياتنا كلها هبة مجانية من الله؟ بدء الحياة
واكتمالها هبة مجانية من الله. ولأنها هبة من الله لا يمكن
اعتبارها شيئا نملكه ونستطيع التحكم فيه، ولو أننا نملك طاقات
كبيرة لتحسين نوع الحياة. من هنا الخطر أن يعتبر الانسان أمام
تقدم العلم انه هو خالق الحياة وأن يتلاعب في شجرة الحياة. (
تكوين 3،24). فما هو ممكن علميا ليس حتما جائزا أدبيا. وفيما
نقدّر كلّ ما يقوم به العلم لتحسين ظروف الحياة، يجب ان نذكر
دوما ان الحياة هبة وأنها تبقى قيمة مطلقة، حنى عندما تكون
محاطة بالألم والمرض. هبة يجب قبولها دوما ومحبتها دوما.
هبة أخذناها مجانا ويجب ان نضعها مجانا في خدمة الآخرين.
5.
وفيما يعرض علينا زمن الصيام صورة المسيح الذي يقدّم حياته
فداء عنا، يذكّرنا بشكل غير مباشر أن حياتنا مفتداه. وفي الروح
القدس يدخلنا في حياة الثالوث نفسه ويسمح لنا بأن نتذوّق عذوبة
حياة المحبة من نبعها. نحن هنا أمام هبة عظيمة يجب ان نعلنها
بفرح. يقول مار يوحنا :"الحياة الأبدية هي أن يعرفوك ومن أرسلت
يسوع المسيح". وهذه الحياة الالهية التي نلنها بذرتها في
المعمودية، علينا ان نغذيها باستمرار بجواب ايمان شخصي وجماعي،
وبالصلاة والاحتفال بالأسرار وبالشهادة للإنجيل.
6.
وبما أننا نلنا الحياة مجانا، علينا ان نبذلها مجانا في سبيل
الاخوة. وهذا هو ما يطلبه المسيح من تلاميذه عندما يرسلهم
ليكونوا له شهودا في العالم: "مجّانا أخذتكم مجانا أعطوا".
وأول جواب مجاني يجب اعطاؤه هو حياة مقدّسة تكون شهادة لمحبة
الله المجانية. ليت زمن الصوم يكون مناسبة تذكّرنا بدون انقطاع
بواجبنا في تعميق هذه الشهادة الخاصة! فعلينا نحن المؤمنين ان
نكون منفتحين على حياة تتميّز بالمجانية الدائمة، وذلك بتكريس
ذواتنا لخدمة الله ولخدمة الإخوة.
7.
يتساءل مار بولس : "أي شئ لك لم تستلمه؟" ومن هذه القناعة
ينطلق الوعي بواجب محبة القريب وخدمته. وكلما ازدادت حاجة
الإخوة، كلما ازداد واجب المؤمن في خدمتهم. قد يكون الله يسمح
بأن يمرّ البعض بواقع الفقر والعوز،كي يكون ذلك حافزاً للمؤمن
لأن يتحرّر من أنانيّته ويعيش حياة انجيلية حقيقية. وصية
المسيح لا غموض فيها :"ان احببتم من يحبكم فأي فضل لكم؟ أليس
العشارون يفعلون كذلك؟". تقوم العلاقات بين البشر حسب نظرة
العالم على المصلحة والفائدة التي نجنيها من أي عمل نعمله
للآخر. وهذه النظرة انانية لا تسمح للفقير أن يأخذ مكانه في
المجتمع وفي عالم العلاقات. بينما المفروض ان يُحترم كل انسان
وأن يجد مكانه بسبب كرامته الانسانية، بعضّ النظر عن صفاته او
نقائصه. لا بل كلما كان الشخص في ضائقة أو عوز كلّما كانت له
حصة أوفر من محبتنا. هذا ما تحاول الكنيسة ان تشهد له من خلال
مؤسساتها الخيرية الكثيرة لخدمة المهمشين والفقراء
والمستغَلّين. هكذا يصبح المؤمنون رسل الرجاء وبناة لحضارة
المحبة.
8.
ليس مصادفة ان يقول المسيح لرسله: "مجانا أخذتم فمجانا أعطوا"
في نفس اللحظة التي يرسلهم فيها يحملون بشرى الانجيل الى
العالم. يريد المسيح ان ينتشر ملكوته الذي حان وقته من خلال
عمل الرسل المجاني. وهذا ما فعله الرسل في بدء كرازتهم بحيث
رأى المستمعون اليهم انهم يحملون رسالة أكبر منهم. وكذلك الأمر
اليوم: يجب ان يصبح عمل المؤمن حافزا يحمل غير المؤمنين على
الايمان. وعلى مثال السامري الرحيم، يعلم المسيحي ان مساعدته
لأخيه لا تقتصر على البُعد المادي. فهي دوما تحمل بُعدا
تبشيريا بالملكوت الذي يعطي ملء الحياة من خلال الايمان
والرجاء والمحبة.
9.
ايها الاخوة والاخوات الاحباء، هذا هو الروح الذي فيه يجب ان
نستعد للدخول في زمن الصوم. الكرم الفعلي تجاه أفقر الفقراء.
فنحن عندما نفتح لهم قلوبنا، نعي ان هبتنا لهم هي جواب متواضع
على الهبات الكثيرة التي يمنحنا اياها الله. فقد أخذنا مجانا،
لنعط اذا مجانا. وهل هنالك وقت مناسب أكثر من زمن الصوم لنعطي
للعالم شهادة المجانية التي يحتاج اليها؟ فبينما يدعونا الله،
نحن بدورنا مدعوون لإداء شهادة مجانية أمام الآخرين. ولا يسعني
الا ان أشكر جميع الكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين الذين
يعطون شهادة المجانية هذه في جميع انحاء المعمورة. فليكن هذا
التزم جميع المسيحيين اينما كانوا.
10.
ومريم العذراء، التي هي أم المحبة والرجاء، فلتكن مرشدتنا
وسندنا في طريق الصيام هذا. وبينما أأكد للجميع محبتي وصلاتي،
أمنح الجميع، وخصوصا من يعملون في طرق المحبة المختلفة، بركتي
الرسولية.
أعطي في الفاتيكان في 4/10/2001
عيد القديس فرنسيس الاسيزي.
|