عرض لرسالة البابا يوحنا بولس الثاني

عن الافخارستيا (17/4/2003)

الكنيسة من الافخارستيا

مقدمة

  1. الكنيسة من الافخارستيا. تختصر هذه العبارة سرّ الكنيسة بأكمله. وهي تتميم، يحصُل في الفرح، لوعد المسيح: "وها أنا معكم طوال الأيام حتى انقضاء الدهر" (متى 28، 20). تعيش الكنيسة هذا الوعد في سر الأفخارستيا بشكل فريد. فمنذ أن بدأت الكنيسة مسيرتها الأرضية يوم العنصرة، ترافقها الأفخارستيا كلّ يوم وكل لحظة. وقد قال المجمع بحق ان الافخارستيا هي "أساس الحياة المسيحية وقمّتها". فسرّ الأفخارستيا يحوي كنـز الكنيسة الروحي بأكمله، أعني يسوع المسيح نفسه، فصحَنا والخبز الحيّ الذي يمنح الحياة للعالم من خلال جسده الذي يُحييه الروح القدس. لذا تنظر الكنيسة باستمرار الى يسوع المسيح المتواجد في القربان حيث يُظهر ملء محبته.
  2. منحني الله النعمة لأن احتفل بالأفخارستيا، أثناء سنة اليوبيل الكبير، في عليّة صهيون في القدس، في نفس المكان الذي يقول التقليد ان السيد المسيح أسّس فيه سر القربان. هناك، أخذ المسيح خبزا في يديه وباركه وكسره وأعطاه تلاميذه قائلا: "خذوا كلوا هذا هو جسدي الذي يُبذل من أجلكم. ثم أخذ الكأس وقال لهم: "خذوا واشربوا منها كلّكم، هذه هي كأس دمي، دم العهد الجديد الأبدي، الذي يراق عنكم وعن الكثيرين لمغفرة الخطايا". أشكر الله الذي منحنى النعمة أن أقول، في نفس المكان، نفس الكلمات التي قالها هو، طاعة لأمره: "أصنعوا هذا لذكري".

        هل فهم الرسل الكلمات التي نطق بها السيد المسيح؟ ربما لم يفهموها. فمعنى هذه الكلمات لم يتّضح الاّ في الثلاثيّة الفصحية، أي من يوم الخميس الى يوم القيامة. في هذه الأيام نجد "السر الفصحي"، وفيها أيضا نجد "السر الأفخارستي".

  1. الكنيسة تلد من السر الفصحي. لذا تأخذ الأفخارستيا مكانها في قلب حياة الكنسية. وهذا ما نقرأه في أعمال الرسل عن الجماعة المسيحية الأولى: "وكانوا مواظبين على تعليم الرسل والحياة المشتركة وكسر الخبز والصلاة".  كسر الخبز يعني الاحتفال بالأفخارستيا. وما زلنا، بعد ألفي سنة، نحتفل بالسر ذاته. وفينا نحتفل بهذا السر، تتأمّل عيون نفسنا في الثلاثية الفصحيّة، وبالخصوص في خميس الأسرار وبعده. ذلك ان ما حصل يوم الخميس استباقا لما سيحدث في اليوم التالي، ابتداءً من النزاع في بستان الجسمانية. نرى يسوع يخرج من العليّة ويتّجه الى بستان الزيتون، والذي ما زالت فيه بعض الأشجار التي قد يعود عمرها الى ذلك الزمان، الزمان الذي أصبح فيه عرق يسوع "كقطرات دم تتساقط على الأرض" (لوقا 22، 44). وهكذا بدأ دمه يراق، ذاك الدم الذي أعطاه قبل قليل تلاميذَه ليشربوه. وسفك الدم يجد تمامه على الجلجلة، حيث " يسوع، كاهن الخيرات المستقبلة، دخل الهيكل مرة واحدة، لا بدم التيوس والثيران، بل بدمه، فكسب لنا فداءً أبديا" (عبر. 9، 11-12).
  2. ساعة فدائنا. مع ان يسوع شعر بالاضطّراب، الاّ أنه لم يهرب حين زفّت ساعته: " ماذا أقول؟ يا أبت نجّني من هذه الساعة؟ وما أتيت الاّ لتلك الساعة (يوحنا 12، 27). يرغب يسوع ان يبقى التلاميذ في صحبته، ومع ذلك يرى أن عليه ان يختبر محنة الوحدة والعزلة: "أهكذا لم تستطيعوا ان تسهروا معي ساعة واحدة؟ إسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة" (متى 26، 40 –41). فقط يوحنا بقي واقفا تحت الصليب، مع مريم وبعض النسوة. كان النزاع في بستان الزيتون مقدمة للنزاع على الصليب. وعندما نحتفل بالأفخارستيا في كنيسة القيامة، نعود بشكل عفوي الى "ساعة" يسوع، ساعة الخلاص والمجد. كل كاهن يحتفل بالأفخارستيا، يعود، هو والشعب الذي يشترك معه في الصلاة، الى تلك "الساعة". "وصُلب ومات وقبر وقام في اليوم الثالث". تُقابل هذه الكلمات من قانون الايمان، ما نقوله في تكريم الصليب: "هوذا عود الصليب الذي عليه عُلّق خلاص العالم، هلمّوا نسجد له". تلك هي دعوة الكنيسة الى جميع المؤمنين مساء الجمعة العظيمة. وتكتمل هذه العبارة بما تنشده الكنيسة بعدئذ في الزمن الفصحي: " قام الرب من القبر، قام من عُلّق من أجلنا على الخشبة، هللويا".
  3. هذا سر الايمان. يقول الكاهن هذه الكلمات فيجيب الشعب: "اننا نخبر بموتك ونعترف بقيامتك وننتظر مجيئك في المجد". تشير الكنيسة في هذه الكلمات الى سرّ آلام المسيح، كما تشير الى سرّها هي. فالكنيسة من الافخارستيا. فإن كانت الكنيسة رأت النور بقوة الروح القدس يوم العنصرة وبدأت مسيرتها في تاريخ البشر، فلا شك أن وضع سرّ الأفخارستيا في علية صهيون هو لحظة تأسيسها الحاسمة. فأساسها وقمّتها هي الثلاثية المقدّسة، والتي نجدها بشكل مسبّق ومكثّف الى الأبد في هبة الأفخارستيا. وفي هذه الهبه يعهد المسيح الى الكنيسة بتأوين سرّه الفصحي في الزمان والمكان. في هذه الهبة، جعل المسيح "تزامُنا" سريّا بين الثلاثية الفصحية وسير الدهور. التفكير في هذه الأمور يملأنا اندهاشا ومشاعرَ شكر. ففي الحدث الفصحي وفي الافخارستيا التي تأوِّنه عبر القرون، هناك مضمون ضخم، يحتوى التاريخ من حيث أنّه هدف النعمة والخلاص. وهذه المشاعر يجب ان تملأ الكنيسة التي تحتفل بالأفخالرستيا، وأن تملأ بنوع خاص خادم الأفخارستيا، فهو الذي يقيم سر الأفخارستيا، بقوّة النعمة التي حصل عليها برسامته الكهنوتية. وهو الذي يلفظ كلمات التقديس، بقوّة المسيح في العليّة: "هذا هو جسدي... هذا هو دمي المهراق من أجلكم..." يلفظ الكاهن هذه الكلمات، أو بالأحرى يضع فمه وصوته تحت تصرّف المسيح الذي قال هذه الكلمات في علّية صهيون، والذي أراد ان تُعاد هذه الكلمات الى أبد الدهور من خلال الذين يُشركِهم في كهنوته.
  4. أريد بهذه الرسالة أن أجدّد مشاعر الإعجاب الإفخارستيّ، في خط الوصية التي أعطيتُها الكنيسةَ في نهاية الاحتفالات باليوبيل الكبير، وفي الرسالة عن المسبحة الوردية. التأمل في وجه المسيح، والتأمل به مع مريم، هذا هو البرنامج الذي وضعتُه للكنيسة في فجر الألفية الثالثة، داعيا اياها الى التقدم في عالم البشر بشجاعة وحماس التبشير الجديد. والتأمل في وجه المسيح يعني التعرّف عليه في جميع مظاهره، وخصوصا في سر جسده ودمه. فالكنيسة تعيش من المسيح الأفخارستيّ، ومنه تتغذّى وبه تهتدي. الأفخارستيا سرّ ايمان، وسرّ نور. وفي كل مرة تحتفل فيها الكنيسة بسر القربان، يختبر المؤمنون ما اختبره تلميذا عماوس: "فانفتحت أعينهما وعرفاه" (لوقا 24، 31).
  5. منذ أن بدأت خدمتي كخليفة بطرس، أردت أن أبعث برسالة خاصة الى جميع كهنة العالم يوم خميس الأسرار. وأريد في هذه السنة الخامسة والعشرين من خدمتي أن أدعو الكنيسة كلها الى التفكير في الأفخارستيا، وأشكر الرب على نعمة الكهنوت والقربان الذي هو "هبة وسر". وإن تعمّدت أن أضع هذه السنة الخامسة والعشرين من خدمتى تحت حماية مريم العذراء سيدة الوردية، للتأمل في وجه المسيح على غرارها، لا يمكن ان يمرّ خميس الأسرار هذه السنة دون أن نتأمل في "وجه المسيح الأفخارستي"، للتأكيد على مكانة الأفخارستيا المركزية في حياة الكنيسة. فالكنيسة تتغذّى بهذا "الخبز الحي". كيف لا ندعو العالم كلّه الى تجديد خبرته باستمرار بالخبز النازل من السماء؟
  6. عندما أفكّر بالأفخارستيا، ككاهن وكأسقف وكخليفة بطرس، أعود بذاكرتي الى جميع الأماكن التي احتفلت بها بهذا السر. أولا الكنيسة الراعوية حيث خدمت في أبرشية كراكوفيا ثم في كاتدرائية فافل Wawel ثم في كاتدراية القديس بطرس وفي الكثير من الكاتدرائيات والكنائس في مختلف بقاع العالم. احتفلت بالأفخارستيا في معابد صغيرة في الجبال، وعلى شواطئ البحار والبحيرات، كما احتفلت بالإفخارستيا في ساحات واسعة في مختلف المدن... وتنوّع الأماكن هذا يحملني على التفكير بالبُعد الكوني لهذا السرّ. أقول البُعد الكوني لأننا عندما نحتفل بالأفخارستيا في كنيسة صغيرة في قرية نائية، فنحن نحتفل بها على مذبح العالم. الإفخارستيا رباط يجمع بين الأرض والسماء، وهي تتغلغل في الخليقة بأكملها، ذلك ابن الله تجسّد ومات ليُعيد الخليقة بأكملها الى أبيه السماوي في نشيد تسبيح. وهو الذي يدخل المعبد الأبدي بذبيحة جسده ودمه، ويعيد الخليقة المفتداه الى الآب الخالق. ويقوم بذلك بقوة كهنوت الكنيسة الخِدَمي ولمجد الثالوث الأقدس. نحن هنا أمام سر الايمان الذي يتحقق في سرّ الأفخارستيا. فالعالم الذي خرج من يد الآب يعود اليه بعد ان افتداه يسوع المسيح.
  7. الإفخارستيا هي حضور المسيح الخلاصي وسط الجماعة المسيحية وغذاؤها الروحي، وهي في نفس الوقت أثمن ما تملكه الكنيسة في ميرتها التاريخية الطويلة. من هنا نفهم الاهتمام الخاص جدا الذي توليه الكنيسة لهذا السر، ويظهر هذا الاهتمام في تعليم البابوات. كيف لا نقدّر ما قاله المجمع التريدنتيني عن الأفخارستيا؟ فما قاله هذا المجمع أنار تعليم الكنيسة لعدّة قرون. وفي العصور الحديثة نذكر رسالة البابا ليون الثالث عشر Mirae caritatis 1902 ورسالة البابا بيوس الثاني عشر Mediator Dei 1947، ورسالة البابا بولس السادس Mysterium Fidei 1965. ومع أن المجمع الفاتيكاني الثاني لم يخصص وثيقة لسر الإفخارستيا، الاّ أنه تناول موضوع الأفخارستيا أكثر من مرة، لا سيما في الوثيقة "نور الأمم"، و" الليتورجيا المقدّسة". كما تناولت أنا أيضا بعض جوانب السر الإفخارستيّ في رسالة Dominicae cenae 1980  تكلّمت عما يعنيه سر الأفخارستيا، لا سيما بالنسبة لخادم السر. وأعود اليوم لمعالجة نفس الموضوع، بينما تتردّد في داخلي كلمات صاحب المزامير: "ماذا اردّ الى الرب عن جميع ما كافأني به. آخذ كأس الخلاص وأدعو اسم الرب" ( مزمور 115، 11-12).
  8. ومقابل دعوات تعليم الكنسية الرسمي، شهدت الكنيسة نمّوا روحيا داخليا. لا شك ان الإصلاح الليتورجي الذي قام به المجمع أثمر ثمارا روحية غزيرة على صعيد مشاركة الشعب المؤمن في سر الإفخارستيا. ثم ان عادة السجود للقربان الأقدس ازدادت في أكثر من مكان، وأصبحت تمثّل منبع نعم وقداسة للكثيرين. أضف الى ذلك مشاركة شعبية كبيرة للتطواف الذي يقام هنا وهناك بالقربان الأقدس. وهنالك علامات أخرى ايجابية كثيرة في هذا المجال. لكن يجب القول، مع الأسف، ان هنالك أيضا أماكن هُجرت فيها عادة التعبّد لسر الإفخارستيا، إضافة الى بعض الممارسات الخاطئة التي لا تنم الى العقيدة الصحيحة بصلة. هنالك أيضا تفسيرات ناقصة لهذا السر، وحصر معناه في مجرّد لقاء أخوي. وهنالك أيضا تهميش لدور سرّ الكهنوت الخدمي  في إقامة السر... وينتج عن ذلك بعض الاحتفالات المسكونية بسر القربان والتي – بالرغم من النية الصادقة من قبل القائمين عليها -  لا تحترم قدسية السر كما تؤمن به وتعلّمه الكنيسة. كيف يمكننا الاّ نتألم من هذه الممارسات؟ فالإفخارستيا سرّ عظيم وزلا يمكن السماح عن ممارسات لا تتقيّد بهذه القدسية. آمل ان تساعد هذه الرسالة في انقشاع ما يحوم حول سر الإفخارستيا من أخطاء، فيعود السر يشعّ بهاء وعطمة وقدسية.

 

 سرّ الايمان

  1. "في الليلة التي أُسلِم فيها" (1 كور. 11، 23) أسس يسوع المسيح سرّ جسده ودمه الأقدسين. تعيدنا كلمات القديس بولس الى الظروف المأساوية التي فيها ولدت الإفخارستيا، حوادث تتمركز حول موت المسيح وقيامته. وهذه الكلمات ليست مجرّد ذكرى، بل هي تكرّر نوعا ما، ما حصل بشكل سرّي. انه سر الصليب الذي يتجدّد أبد الدهور. وهذا ما نسمعه في جواب الشعب المؤمن في الطقس اللاتيني على كلمات التقديس: "اننا نخبر بموتك يا رب...". استلمت الكنيسة الإفخارستيا من يد الرب لا كهبة ضمن باقي الهبات، بل كهبة متميّزة، لأنها هبة ذاته، هبة نفسه في بشريّته المقدسة وهبة خلاصه. فخلاص المسيح ليس خلاصا مغلقا على ذاته، "لأن المسيح، بكلّ ما صنعه وكابده في سبيل الناس أجمعين يشترك في الأبدية الإلهية ويشرف هكذا على جميع الأزمان" ( تعليم الكنيسة الكاثوليكية رقم 1085). فعندما تحتفل الكنيسة بسر الإفخارستيا، ذكرى موت الرب وقيامته، يصبح حدث الخلاص هذا حاضرا بشكل حقيقي، وهكذا "يتم عمل خلاصنا". وعمل الخلاص هذا من الأهمية بحيث ان المسيح لم يتركنا ويعود الى أبيه الاّ بعد أن ترك لنا امكانية المشاركة فيه بشكل حقيقي، كما لو كنا حاضرين يوم خميس الأسرار. وهكذا يستطيع كلّ انسان ان يشترك في سر الفداء ويجني ثمارة الخلاصية. أريد يا اخوتي ان أكرّر أمامكم هذه الحقيقة عن سر القربان: السر العظيم، سر الرحمة. ماذا كان يمكن للمسيح ان يعطينا أكثر من هذا؟ فهو في الأفخارستيا يبرهن أنه أحبنا "الى أقصى الحدود" ( يوحنا 13، 1).
  2. وبُعد المحبة الافخارستيا هذا مؤَسَّسٌ على كلمات المخلص. فلم يكتف المسيح بأن يقول: "هذا هو جسدي"، "هذا هو دمي"، بل أضاف " الذي يبذل من أجلكم"، و" من أجل الكثيرين".لم يكتف بأن يقول للرسل انه يعطيهم جسده ودمه مأكلا ومشربا، بل أشار أيضا الى بُعد "الذبيحة" في هذه الهبة، مشيرًا بذلك الى ما سيحدث بعدئذ ببضع ساعات. "ذبيحة القداس هي في آن واحد، التذكار القرباني الذي تستمر به ذبيحة الصليب، والوليمة المقدسة التي بها نشترك في جسد الرب ودمه" ( تعليم الكنيسة، ثقم 1382). فالكنيسة تعيش باستمرار من قوة خلاص المسيح، وتتحد به لا من خلال مجرّد ذكرى تقيمها، بل حقيقيةً، لأن سر الإفخارستيا يتجدد فعلا في كل جماعة مؤمنة تقدّم الذبيحة عن يد الكاهن المكرّس. وهكذا توصِِل الإفخارستيا الى جميع البشر المصالحة التي استحقّها يسوع المسيح مرة واحدة. وبالفعل، "فذبيحة المسيح وذبيحة الإفخارستيا ذبيحة واحدة" ( نفس المرجع رقم 1367). وهذا ما قاله أيضا يوحنا الدمشقي: "نقدّم دوما نفس الحَمَل، لا حملا اليوم وحملا آخر غدا، بل نفس الحمل. لهذا السبب، هنالك ذبيحة واحدة... فنحن اليوم نقدّم الذبيحة التي قُدِّمت في الماضي والتي لم تنته أبدا". القداس لا يُضاف ولا يضيف شيئا الى ذبيحة الصليب، بل يؤوِّنها. ما يتكرر هو "اظهار ذكرى" الذبيحة، الذي من خلالها يصبح ما قدّمه المسيح حاضرا في الزمان. لذا لا يمكن ان نعتبر سر الإفخارستيا وكأنه أمر قائم بحد ذاته، دون علاقة بذبيحة الصليب.
  3. وبقوة علاقتها بذبيحة الصليب، نقول ان الإفخارستيا ذبيحةٌ بالمعنى الحصري  وليس فقط بالمعنى الرمزي العام، كما لو كان المسيح يقدّم ذاته غذاء روحيا للمؤمنين. فتقدمة محبته "الى أقصى الحدود" هي في النهاية تقدمة الى أبيه السماوي. وهي تقدمة لصالحنا ولصالح البشرية بأكملها. لكنها قبل كل شئ تقدمة الى الآب: "تقدمةٌ قبلها الآب، وبادَلها بهبة الحياة الجديدة من خلال القيامة". وفي تقدمة ذاته للكنيسة، قبل المسيح أيضا التقدمة التي تقوم بها الكنيسة لتّتحد بتقدمته هو. هذا هو تعليم المجمع الفاتيكاني الثاني فيما يختص بالمؤمنين: "باشتراكهم في ذبيحة الإفخارستيا، منبع الحياة المسيحية كلها وقمتها، يقرِّبون لله الذبيحة الإلهية، ويقرّبون معها أنفسهم أيضا" (الكنيسة، رقم 11).
  4. وفصح المسيح يشمل القيامة، مع الآلام والموت. وهذا ما نقوله في جوابنا: "ونحتفل بقيامتك". القيامة التي هي نوعا ما تتويج سر الخلاص بأكلمه. فالمسيح الحي الموجود في القربان هو المسيح الحيّ، "خبز الحياة" (يوحنا 6، 35)، "الخبز الحيّ" (يوحنا 6، 51). كان القديس امبروزيوس يقول ذلك للمعمّدين حديثا، مطبقا على حياتهم بعد العماد، حدثَ القيامة: "ان كان المسيح لك اليوم، فهو سيقوم من الموت من أجلك كل يوم". كما كان كيرلّس الاسكندري يقول ان المشاركة في الأسرار المقدسة "اعتراف حقيقيّ ان الرب مات وقام من أجلنا".
  5. وفي ذبيحة القداس، تكتسي قيامة المسيح وجودا مميزا في تجديد ما حدث على الجلجلة. يقول بولس السادس: "نقول انه وجود حقيقي، لا لأنّ باقي الظواهر ليست حقيقية، بل لأن وجوده حقيقي بمعني أنه جوهريّ، ,اي انه يجعل المسيح حاضرا في طبيعته البشرية والإلهية". وما هذا الاّ اعادة لما قاله المجمع التريدنتيني عن حضور المسيح: "بصلاة تكريس الخبز والخمر، يستحيل جوهر الخبز الى جوهر المسيح ويستحيل جوهر الخمر الى جوهر المسيح. هذا ما تدعوه الكنيسة (الاستحالة). هذا هو سر الايمان الذي لا يمكن للعقل ان يحتويه، والذي لا يمكن قبوله الاّ بالايمان، كما كان آباء الكنيسة يقولون. يقول كيرلس الأورشليمي: "لا تتوقّف عند عنصر الخبز والخمر الطبيعي، فهي جسد المسيح ودمه. لا شك ان الحواس توحي لك انها خبز وخمر، لكن الايمان يؤكّد لك انها جسد المسيح ودمه". من هنا ننشد مع القديس توما الأكويني : "لك أجثو خاشعا يا الها"... أمام هذا السر، تختبر الطبيعة البشرية كم هي محدودة. ومن هنا نفهم كم من الجهود قام بها العقل البشري عبر التاريخ ليحاول الوقوف على كنه هذا السر. لا شك انها جهود حميدة قام بها اللاهوتيون والكنيسة، وتصل الى شكل من أشكال الفهم ليس أقّلها الفهم الداخلي ( الروحي) الذي تمتع به القديسون والمتصوّفون. بيد ان هنالك حدٌّ لمحاولة الفهم هذه، أوضحه البابا بولس السادس: "كل محاولة بشرية لفهم سر الإفحارستيا يجب ان يأخذ بعين الاعتبار أن أعراض الخبز والخمر لم تعد تشير الى خبز او الى خمر، بل انها تحوّلت جوهريا وبشكل حقيقي الى جسد المسيح ودمه".
  6. يتحقق ثمر الخلاص في الذبيحة الإفخارستيا عندما نتناول جسد المسيح ودمه. فالذبيحة تهدف الى ادخالنا في علاقة حميمة مع يسوع المسيح، من خلال المناولة. فنحن نقبله هو، هو الذي قرّب ذاته في سبيلنا. نقبل جسده الذي بُذل في سبيلنا ودمه الذي أهرِق من أجلنا. لنتذكر هذه الكلمات: "فكما أن الآب الحيّ أرسلني، وأنّي أحيا بالآب، هكذا يحيا بي من يأكلني" (يوحنا 6، 57). ويسوع نفسه يؤكّد لنا أن هذا الاتحاد يحدُث بشكل حقيقي. فالأفخارستيا وليمة حقيقية، يقدّم فيه المسيح نفسه مأكلاً. وعندما تلفّظ المسيح بهذه الكلمات للمرة الأولى شعر سامعوه بالذهول، بحيث أنه كرّر مرة أخرى: "الحق الحق أقول لكم،  ان لم تأكلوا جسد ابن الانسان وتشربوا دمه، فلا حياة لكم في أنفسكم" (يوحنا 6، 53). لا يتعلّق الأمر بغذاء رمزيّ، ف"جسدي طعام حقا ودمي شراب حقا" (يوحنا 6، 55).
  7. ومن خلال تناول جسده ودمه، يعطينا المسيح أيضا روحه القدوس. يقول القديس افرام: "يدعو (المسيح) الخبزَ جسدَه ويملأه من روحه... ومن يأكل بايمان، يأكل النار والروح... خذوا كلوا منه كلكم، وكلوا معه الروح القدس. فهذا بالفعل جسدي ومن يأكله يحي الى الأبد". وفي صلاة استدعاء الروح القدس، تطلب الكنيسة هذه الهبة بشكل خاص. نقرأ في ليتورجية القديس يوحنا الذهبي الفم: "ندعوك ونطلب ونتضرع اليك، ارسل روحك القدوس علينا وعلى هذه الهبات... كي يحصل من يشترك فيها على تنقية النفس وغفران الخطايا وهبة الروح القدس". وفي الليتورجية اللاتينية يقول الكاهن: " ان نتغذى من جسد ودمه، فنمتلئ من الروح القدس فنكون جسدا واحدا ونفسا واحدة في المسيح". وهكذا، يُنمي فينا المسيح هبة روحه القدس من خلال تناولنا جسده ودمه الأقدسين، ذاك الروح الذي نلناه في المعمودية وخُتمنا به في سر التثبيت.
  8. ينتهي هتاف الشعب بعد كلمات التقديس بجمله تشير الى البُعد الأُخرَوي لسرّ الإفخارستيا: "وننتظر مجيئك في المجد".  تتوق الافخارستيا الى الآخرة، الى ملء الفرح الذي وعد به المسيح. وهي فينا "عربون المجد الآتي". كل شئ في الأفخارستيا يحمل هذا المعنى: "نحن المنتظرين في رجاء سعيد مجئ مخلصنا يسوع المسيح". فمن يتغذّى من جسد الرب لا ينبغي ان ينتظر الحياة الآخرة لينعم بالأبدية، فهو حاصل عليها منذ الآن، كعربون يكتمل في الآخرة. ونحن نقبل أيضا في الأفخاستيا الوعد بالقيامة المجيدة لأجسادنا: "من يأكل جسدي ويشرب دمه، فله الحياة الأبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير" ( يوحنا 6، 54). وهذا التأكيد أساسه أن جسد المسيح المُعطى لنا غذاءً وهو جسد المسيح الممجّد والقائم من الموت. والأفخارستيا تساعدنا على استيعاب "سرّ" القيامة. لذا يعرّف القديس أغناطيوس الأنطاكي الخبز الأفخارستي على أنه "دواء الخلود، وتأكيد على عدم الموت".
  9. وهذا البعد الأُخروي يؤكِّد أيضا على العلاقة القائمة مع كنيسة السماء. وليس من باب الصدفة ان الليتورجيات الشرقية والليتروجيا اللاتينية تذكر أيضا "أولا سيدتنا مريم العذراء الدائمة البتولية، والدة ربنا والهنا يسوع المسيح، والملائكة والرسل والشهداء وجميع القديسين. هذا جانبٌ من الأفخارستيا ينبغي التركيز عليه. فنحن في احتفالنا بذبيحة الحمل نشترك في ليتورجيا السماء، ونتّحد بالجموع التي تهتف: "الخلاص لإلهنا الجالس على العرش وللحمل" ( رؤيا 7، 10). الافخارستيا هي بالفعل زاوية من السماء تطلّ على الأرض. هي شعاعٌ من اوشليم السماوية يخترق غيوم التاريخ وينير طريقنا.
  10. ونتيجة أخرى لهذا الجانب الأُخروي في الأفخارستيا هي انها تعطي دفعة في مسيرتنا في التاريخ، وتضع بذرة الرجاء الأبدي في كلّ عمل نقوم به. فإن كان المسيحيّ يعيش على أمل "سماوات جديدة وأرض جديدة"، الاّ انه لا يمكنه التنازل عن واجبه في تتميم مسئولياته الأرضية. أريد ان اكرّر بقوة في بداية الألفية الثالثة واجبَ المؤمنين في القيام بواجباتهم الزمنية. عليهم، بقوة الانجيل ونوره، ان يساهموا في خلق عالم جديد يؤهّل الانسان لأن يتجاوب بشكل تام مع مخطّط الله عليه ولأجله. وما أكثر المشاكل التي تُرهق تاريخنا. العملُ على استتباب السلام، ووضع أسس العدل والمشاركة في العلاقات بين الشعوب والدول، والدفاع عن الحياة البشرية منذ الحبل بها الى لحظة انتهائها الطبيعية، وإعادة الأمل الى الضعفاء والصغار والفقراء في مجتمع مُتَعَوْلِم. يجب ان يشعّ الأمل المسيحي في هذا العالم لا في غيره. ولهذا السبب أراد الرب أن يبقى فيما بيننا في سر القربان، كي يضع في الانسان وفي العالم وعدًا ببشرية يجدّدها حبُّه. لهذا السبب، بينما تذكر الأناجيل الإزائية نص تأسيس سر القربان، يذكر انجيل القديس يوحنا غسل الأرجل، حيث يظهر المسيح سيدًا في الشركة والخدمة. من ناحية أخرى يُعلن القديس بولس ان الجماعة التي تقترب من سر القربان بمشاعر تخلو من الوحدة وتتميز بالتفرقة واحتقار الفقراء، انّما تقترب من القربان بشكل غير مستحق. الاعلان عن "موت المسيح الى أن يأتي"، يطلب مِن جانب مَن يشاركون في الأفخارستيا، التزامًا بتغيير الحياة بحيث تصبح، نوعا ما، افخارستيّة. وتغيير الحياة والالتزام بتغيير العالم حسب الانجيل يُظهران بوضوح المنحى الأُخروي للإحتفال بسر الأفخارستيا: "تعال أيها الرب يسوع".

 

الإفخارستيا تبني الكنيسة

21.  ذكّر المجمع الفاتيكاني ان سرّ الأفخارستيا يقع في مركز عملية نموّ الكنيسة. فبعد ان قال المجمع ان "الكنيسة هي ملكوت المسيح الحاضر حضورا سرًّيا، تنمو بقدرة الله في العالم" (سر الكنيسة 3)، كما لو كان يريد ان يجيب على السؤال: "كيف تنمو الكنيسة؟"، يضيف: "كلّ مرة تُقام على المذبح ذبيحة الصليب التي ذُبح فيها المسيحُ فصحُنا، يتمّ عمل افتدائنا، وكذاك تتمثّل في سر الخبز الإفخارستيّ، وحدةُ المؤمنين الذين يؤلّفون في المسيح جسدا واحدا" (نفس المرجع). منذ بدء الكنيسة، كان تأثير الأفخارستيا واضحا. يقول الإنجيليون ان الأثني عشر رسولا كانوا مجتمعين حول يسوع في العشاء الأخير. ومن المهم ان نلاحظ ان الإثني عشركانوا في نفس الوقت بذرة شعب الله الجديد وفي نفس الوقت أصل السلطة الكنيسة (راجع الوثيقة عن نشاط الكنيسة الإرسالي، رقم 5). وعندما أعطاهم المسيح جسده ودمه مأكلا ومشربا، وحّدهم المسيح بشكل سرّي بذبيحته التي ستتمّ فيما على الصليب. وفي وجه تشابه مع العهد الذي تم في سيناء من خلال رشّ الدم (خروج 24، 8)، وضعت كلمات وحركات يسوع في العشاء الأخير الأساسَ لجماعة مسيحانية جديدة، ولشعب العهد الجديد. وعندما قبل الرسل كلمات يسوع: "خذوا كلوا... خذوا اشربوا كلّكم..."، دخلوا في شركة حميمة وسرّية معه. ومنذ ذلك الحين وحتى انتهاء الأزمنة، تُبنى الكنيسة من خلال الشركة السريّة مع ابن الله المذبوح من أجلنا: "إصنعوا هذا لذكري... كلما شربتم من هذه الكأس، اصنعوا هذا لذكري".

22.  ان التوشّح (لبس) المسيح الذي يتم في المعمودية يتجدّد ويتقوّى باستمرار في المشاركة بالذبيحة الإفخارستية، وخصوصا بتناول جسد الرب ودمه. فنحن نستطيع ان نقول ليس فقط ان كلَّ واحد منا يقبل المسيح، بل أن المسيحَ يقبلُ كلّ واحد منا، يقو&