رسالة
قداسة
البابا الى الكهنة
في
خميس الاسرار 1999
1.
نحن في السنة الأخيرة من سنوات التحضير لليوبيل الكبير. وقد
حددنا لها ثلاثة مواضيع هي بالترتيب الابن والروح القدس والآب.
وكأنها حركة صاعدة. بيد ان هذه الحركة الصاعدة تلتقي لاهوتيا
مع حركة أخرى "نازلة" عبّر عنها بولس الرسول في غلاطية : "لما
تم الزمان ارسل الله ابنه مولادا لامرأة، مولودلا في حكم
الشريعة ليفتدي الذي هم في حكم الشريعة فننال التبني" ( 4،
4-5). الله الآب يرسل الابن ليجعل منا ابناء له، ويحقق المسيح
خطة الاب الخلاصية إذ يرسل الروح القدس الذي به نهتف "ابا"
ايها الآب. الروح القدس يؤهلنا ان نقول "ابا" كما كان يقول
المسيح اثناء حياته الارضية.
2.
اكتب لكم ايها الكهنة الاعزاء هذه الرسالة وأنا اتخيلكم حول
اسقفكم في قداس تكريس الزيوت. واود ان تكونوا على اتحاد في
فكركم بكل الكنيسة في ذلك اليوم. وأدعوكم الى التفكير وانا
افكر معكم في نهاية هذا القرن بجميع الكهنة الذين خارت قواهم
وضعفوا وسقطوا وكانوا سبب شك لغيرهم، وأدعوكم الى الصلاة من
أجلهم. لكني ادعوكم ايضا الى التفكير بالعدد الكبير من الكهنة
الذي – حتى في هذا القرن – كانوا شهودا ابطالا للأنجيل والذين
دفعوا حياتهم ثمنا لاخلاصهم ولبناء حضارة المحبة بين البشر.
هذا هو معنى الزمن. فنحن لا نسير دون هدف كما لو كان الزمن
مجرد ابتعاد عن نقطة البداية، دون نهاية محددة. نحن نؤمن
بالمسيح الذي هو الالف والياء، البداية والنهاية. فهو خرج من
الآب وعاد الى الاب ونحن كذلك نسير في نفس الطريق. حياتنا كلها
مسيرة ( حج) الى الآب. هذا هو معنى الثلاثية الفصحية. فمرور
المسيح من الموت الى الحياة أمر لا يقتصر عليه وحده. نحن
مدعوون الى نفس المسيرة. فصحه هو فصحنا.
هذا هو معنى حياتنا كلها. نحن نعيش مع المسيح كل لحظات حياتنا،
ونصلي كل مساء قائلين : " في يديك يا رب استودع روحي". وما ذلك
الا تحضير يومي للمرور الكبير الذي سنجد انفسنا فيه بين يدي
الاب السماوي.
3.
" احمدك با أبت رب السموات والارض فقد حجبت هذه الامور عن
الحكماء والعقلاء وكشفتها للصغار. نعم يا أبت تلك مشيئتك، ولا
أحد يعرف الابن الا الآب ولا أحد يعرف الآب الا الابن ومن أراد
الابن ان يشكف له" (متى 11، 25-27) . الابن هو الذي كشف لنا عن
وجه الاب وجعل الآب قريبا منا. وقد أجاب فليبس : "من رآني رأى
الاب". هذه هو سر المسيح مع أبيه.
وما الانجيل الا كشف تدريجي عن سر الآب. فقد كشف المسيح عندما
كان ابن 12 سنة عن سر علاقته الفريده مع الاب عندما أجاب
والديه " الم تعرفا انه ينبغى أن أكون عند أبي؟ " ( لوقا 2،
49). وقد وصلت هذه العلاقة اوجها في الآلام عندما توجه المسيح
الى ابيه متضرعا : " يا أبت ان كان مستطاعا فلتعبر هذه الكأس
ولكن لا مشيئتي بل مشئيتك" ( متى 26، 39. 42) . وكان مشيئة
الاب ان قبل تضحية ابنه، لان هكذا أحب العالم حتى انه ارسل
ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة
الابدية" (يوحنا 3،16) .
4.
فبالمسيح ومع المسيح وفي المسيح، نرفع اليك ايها الاب القدير
في وحدة الروح القدس كل اكرام ومجد"…. نرفع الشكر لله ونحن
مجتمعون في الكنيسة الكاتدرائية، من أجل نعمة الكهنوت ومن أجل
نعمة الافخارستيا التي نحتفل بها ككهنة. وهذه الخاتمة مهمة في
الصلاة الافخارستيا لانها تتويج لعمل التكريس الذي تم على
الهيكل ولتقديس الروح القدس لتقادم الخبز والخمر. بهذه الصلاة
الختامية تتوجه الكنيسة الى الله مسبحة وحامدة . من هنا
أتى
لقب القداس "ذبيحة الحمد"
Sacrificium laudis.
5.
وبعد ما ييجب الشعب " آمين" على التسبحة، يبدأ الكاهن صلاة "
ابانا" . نحن نعلم ان المسيح لفظ رسميا صلاة ابانا للمرة
الاولى عندما طلب منه الرسل ان يعلمهم الصلاة، لانهم رأوه يصلي
بشكل يختلف عن صلاتهم. ونحن عندما نتلو هذه الصلاة الاولى
والاساسية نعترف اننا نعيد ما قاله هو لنا حرفيا وما طبّقه من
ثم حرفيا في حياته عندما مات على الصليب. ولصلاة ابانا في
القداس معنى خاص اذ تكتسب كل طلبة من طلبات ابانا نورا جديدا.
فاسم الاب يتقدس على الصليب وملكوته يأتي بشكل فريد في كلمة
المسيح : " قد تمّ" . كما أن طلبة واغفر لنا خطايانا كما نحن
نغفر لمن أخطأ الينا تتم بشكل حرفي وجديد فيما قاله المسيح : "
يا أبت اغفر لهم لانهم لا يدرون ما يفعلون" . وطلبة خبزنا كفاف
يومنا تأخذ بعدا جديدا وروحيا في خبر الحياة الذي نكسره ونقتات
به. وطلبة ولا تدخلنا في التجارب لكن نجنا من الشرير تأخذ
معناها النهائي عندما تقدّم الكنيسة لله الآب ذبيحة الفداء
الذي كسرت شوكة الموت والخطيئة.
6.
في الافخارستيا يقترب الكاهن شخصيا من سر المسيح ومن صلاته الى
الآب. وهي مناسبة تسمح له بالاقتراب يوميا من هذا السر عندما
يحتفل بالقداس الالهي، حتى لو كان دون اشتراك الشعب، لان
الذبيحة تقدم دائما من أجل الشعب ومن أجل خلاص العالم أجمع.
وبسبب هذه القرب اليومي من المسيح يصبح الكاهن معلما للصلاة،
ويحق للمؤمنين أن يقتربوا منه قائلين "علّمنا أن نصلي" .
فالليتورجيا الافخارستية مدرسة صلاة من الطراز الاول. ومن
القداس ينبع أكثر من طريق يقود الى الحياة نحسب الروح. منها
السجود للقربان الاقدس وهي خبرة تسمح "بالبقاء باستمرار" في
محبة المسيح، وفي اكتشاف عمق علاقته بالآب.
لذا ادعو كل الكهنة الى أن يكونوا معلمي مؤمنيهم في حياة
الصلاة المسيحية الحقيقية. هذه مهمة لا يجوز للكاهن ان يتنازل
عنها، حتى لو كانت عقلية المجتمع العلماني لا تسير في نفسي
الخط وتجعله أمرا صعب التطبيق. فالنعمة الكبيرة التي منحها
الله الكنيسة في هذه القرن هي المجمع المسكوني الذي دعا الجميع
– والكهنة اولا – الى الارتداد الى الله. ارتد انت اولا كي ترد
الاخرين فيما بعد. بمعنى آخر عش انت بعمق خبرة العلاقة البنوية
مع الآب كي تساعد كل مؤمن معمّد ان يختبر فرح الانتماء الى
الآب.
7.
سنجدّد ايها الكهنة الاعزاء، يوم خميس الاسرار، مواعيدنا
الكهنوتية. ونريد بهذا العمل ان يقودنا المسيح بشكل حميم داخل
كهنوته هو، في نزاعه في البستان وفي تضحيته وموته على الجلجلة
وفي قيامته المجيدة. فكل ذبيحة قداس هي في النهاية طلب من
المسيح كطلب فيلبوس " ارنا الآب". وكل مرة يجيبنا المسيح في "
هذا سر الايمان" وكأنه يقول :" انا معك كل هذا الوقت ولا
تعرفني، الا تؤمن اني في الاب وان الاب فيّ؟
ادعوكم ايها الكهنة الاعزاء في خميس الاسرار هذا ان تذكروا
الزيت المقدس الذي به تكرّستم وأن تنشدوا معي بشعور من عرفان
الجميل:
" فبالمسيح ومع المسيح وفي المسيح نرفع اليك ايها الاب القدير
في وحدة الروح القدس كل اكرام ومجد الى دهر الداهرين . آمين
أعطي
في الفاتيكان في 14/3/1999.
البابا يوحنا بولس الثاني.
|