التقدم السريع لوسائل الإعلام

في 24/01/2005

1.                لا شك أن التقدّم السريع في تكنولوجيا وسائل الإعلام من علامات التقدّم في المجتمع المعاصر. وفيما ننظر إلى هذا التطوّر المستمر، نرى أن نصّ المجمع الفاتيكاني الثاني الذي صدر على زمن البابا بولس السادس لا يزال يحتفظ بكل معناه: "من بين الاكتشافات التقنية الرائعة التي استلّتها عبقرية الإنسان، بعون الله، من صلب الكون، ولا سيما في أيامنا هذه، ترحّب الكنيسة بما كان منها متعلّقًا، قبل كلّ شئ، بالعقل الإنساني، وما شقّ طرقًا جديدة لنقل الأخبار والأفكار والتعليم من كل نوع" (قرار في وسائل الإعلام الاجتماعي، رقم 1).

 

مسيرة خصبة في خط النص المجمعي

2.                بعد مرور أربعين سنة على النص المجمعي، من المناسب أن نفكّر بالتحدّيات التي تشكّلها وسائل الإعلام الحديثة للكنيسة التي، كما قال البابا بولس السادس، "تشعر بالذنب إن هي لم تستثمر هذه الوسائل القديرة". فالكنيسة مدعوّة أوّلاً إلى استعمال هذه الوسائل لنشر البشرى السارّة، لكنّها مدعوة بالخصوص إلى إدخال رسالة الخلاص في "الثقافة الجديدة" التي تُوجِدها هذه الوسائل وتنميها.

                   تعتقد الكنيسة أن استعمال الوسائل الحديثة للإتصالات هو أحدى واجباتها في الألفية الثالثة. وقد كانت الجماعة المسيحية واعية لهذا الأمر، لذا استعانت بهذه الوسائل في الإعلام الديني والتبشير والتربية الدينية، ولتكوين العاملين في الحقل الرعوي، وخصوصًا لتوعيتهم عى الاستعمال المسؤول لمرسِلي ومستقبِلي مختلف وسائل الاتصال.

3.                تحديات التبشير الجديد كبيرة في عالم كعالمنا، غنيّ بوسائل الإعلام. وقد قلتُ مشيرًا إلى ذلك في رسالتي "رسالة المخلص" أن مكان التبشير في عالم اليوم هو عالم وسائل الإعلام الذي وحّد العالم وجعل منه "قرية كونية". وقد بلغت أهمية وسائل الإعلام حدًّا أصبحت فيه، بالنسبة للكثيرين، الوسيلة الأساسية التي تُلهمهم في تصرفاتهم الشخصية والعائلية والاجتماعية. وهذا أمر معقّد لأن ثقافة جديدة وُلدت بفضل وجود وسائل اتصال تستخدم تقنيات ولغة لم تكن معروفة. عالمنا هو عالم الاتصال الكوني، عالم تمرّ فيه الكثير من لحظات حياتنا عبر وسائل الإعلام، أو على الأقل تواجه هذه الوسائل. أذكّر على سبيل المثال بموضوع تربية الشخصية وتربية الضمير، وعالم العلاقات العاطفية، ومراحل التربية المتعاقبة وصياغة وتطوّر الحضارات ونموّ الحياة الاجتماعية والسياسية والإقتصادية. ومن خلال رؤية متماسكة وسليمة لنموّ الشخص البشري، تستطيع وسائل الإعلام، لا بل ينبغي عليها، أن تعمل من أجل العدل والتضامن، وذلك من خلال نقل الإخبار بطريقة واضحة وصادقة، ومن خلال تحليل المواقف والمعضلات بانتباه، ومن خلال إفساح مجال الكلام لمختلف الآراء.

إن مقاييس العدل والحق هي الأفق الذي يجب أن يدور فيه استعمال وسائل الإعلام، من خلال استعمالٍ ناضج للحرية والمسؤولية.

 

تمييز إنجيلي ومجهود رسالي

4.                يحتاج عالم وسائل الإعلام إلى خلاص المسيح. وكي نحلّل بعيون الإيمان مسيرة وسائل الإعلام وقيمتها، لا بد من الرجوع إلى نظرة متعمّقة للكتاب المقدس، لأنه يشكّل "الشيفرة" في إيصال رسالة أساسية بسبب مضمونها الخلاصي، لا رسالة سطحية وعابرة. فتاريخ الخلاص يسرد كيف اتّصل الله بالبشر، اتصالاً استعمل في سبيله جميع الطرق المناسبة. وقد خُلق الإنسان على صورة الله ومثاله كي يستقبل الوحي الإلهي ويباشر مع الله حوار محبة.

تشوّهت، بسبب الخطيئة، قدرة الإنسان على الحوار على المستوى الشخصي والاجتماعي، ومنذئذ اختبر الإنسان، وما زال، خبرة العجز عن فهم الله والابتعاد عنه. بيد أن الله لم يترك الإنسان، بل أرسل إليه ابنه الوحيد (را مرقس 12، 1-11). وفي الكلمة الذي أصبح بشرًا، يأخذ "الحدث الاتصالي" بُعدَه الخلاصي. وهكذا يُعطى الإنسان، في الروح القدس، القدرة على قبول الخلاص وإعلانه والشهادة له.

5.                وصل الاتصال بين الله والبشر كماله إذًا في الكلمة المتجسّدة. ففعل المحبة الذي يكشف اللهُ ذاته من خلاله، إضافةً إلى جواب الإيمان من قِبل البشريّة، يلدُ حوارًا خصبًا. لذا، نكرّر طلب الرسل من المسيح: "علّمنا أن نصلّي" (لوقا 11، 1)، ونطلب من الله أن يعلّمنا كيف نتّصل به وبباقي البشر من خلال وسائل الإعلام البديعة. وإذا وُضعت وسائل الإعلام في أفق هذا الاتصال الأخير والحاسم، فإنها تصبح مناسبة سماويّة للوصول إلى جميع البشر، تتخطّى حواجز الزمان والمكان واللغة، فتصقل مضمون الإيمان في مختلف القوالب، وتقدّم لمن يبحث عن النور مراجع أكيدة تسمح له بالدخول في حوار مع سر الله الذي كُشف لنا في يسوع المسيح. ترك لنا المسيح مثالاً في كيفية الاتصال بالله وبالآخرين. وقد فعل ذلك مستعملاً الصمت والصلاة تارة، والتبشير والعمل الظاهر تارة أخرى. فسّر الكتب، واستعمل الامثال والتشابيه والحوار داخل البيوت وتكلّم في الأماكن العامة وفي الطرقات وعلى شاطئ البحيرة وعلى قمم الجبال. والالتقاء به لم يكن أمرًا عاديًا، لأنه كان دومًا يحمل السامع على الاقتداء به في الاتصال بالآخرين: "ما أقوله لكم في الظلمة قولوه في النور وما تسمعونه في الأذن نادوا به على الأسطح" (متى 10، 227). والقمة هي عندما يتحوّل الاتصال إلى شركة: هذا هو اللقاء الإفخارستيّ. فعندما يعرف المؤمنون المسيحَ "عند كسر الخبز" (لوقا24، 30 – 31) يشعرون بدافع داخلي يحملهم على الشهادة لموته وقيامته بشجاعة وفرح (را لوقا 24، 35).

6.                بفضل الفداء، عادت قدرة الإنسان على الاتصال كما كانت قبلا. فالإلتقاء بالمسيح يجعل المؤمن خليقة جديدة وعضوًا في شعب جديد اقتناه المسيح بدمه وبموته على الصليب، ومشاركًا في حياة الله الحميمة التي هي علاقة محبة دائمة ودائرية بين الآب والابن والروح القدس.

إن الاتصال عنصر جوهري في الكنيسة المدعوّة الى التبشير برسالة الخلاص. لذا تعتبر الكنيسة أن وسائل الاتصال الحديثة نعمةٌ من الله في أيامنا لتعميق الشركة وجعل البشارة أكثر فعالية. فوسائل الإعلام تسمح بإظهار البُعد الشامل لشعب الله، وتسمح بالاتصال المباشر والكثيف بين مختلف الكنائس المحلية، كما أنها تُغذّي المعرفة المتبادلة. لنشكر الله أذن على هذه الوسائل القوية التي، متى استعملها المؤمنون في نور الإيمان والطاعة لهداية الروح القدس، استطاعت أن تساهم مساهمة كبيرة في نشر الإنجيل، وأن توحّد الكنائس فيما بينها بشكل فعّال.

 

تغيير العقليات والتجدد الرعوي

          7. توجد في وسائل الاتصال الحديثة امكانية كبيرة جدًّا لنشر الانجيل والقيم المسيحية وللحوار والتعاون المسكوني بين مختلف الكنائس، ولبناء مجتمع سليم يحترم كرامة الشخص البشري وينتبه إلى الخير العام. وتستعمل الكنيسة هذه الوسائل بطيبة خاطر لتنشر معلومات عن نفسها ولتوسيع وسائل التبشير والتربية الدينية، لا بل تعتبر أن استعمالها لهذه لوسائل هو طاعة لأمر يسوع المسيح: "أذهبوا في الأرض كلها وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين" (متى 16، 5).

الأمر ليس سهلاً في عالم اليوم الذي غالبًا ما يعتبر أن وقت الحقائق الثابتة ولّى. فالإنسان اليوم ينبغي أن يتعلّم كيف يعيش في آفاق تتميز بانعدام المعنى، وبطابع النسبية والتغيّر الدائم. من هنا يمكن أن يكون استعمال هذه الوسائل بهدف نشر الانجيل أو إسكاته في قلوب البشر. وهذا أمر يشكّل تحدّيًا كبيرًا للمؤمنين، وبالخصوص للوالدين والعائلات والمسؤولين عن تربية الأطفال والشباب. لذا يجب تشجيع جميع من يشعر بميل الى العمل في مجال وسائل الاتصال الحديثة أن يتخصّص فيه، ليصبح قادرًا على الحوار والتعامل مع هذا العالم الواسع.

8. إعطاء الأهمية لوسائل الإعلام أمرٌ مطلوب ليس فقط من المتخصّصين بل من الجماعة الكنسية بأسرها. فإذا كان موضوع وسائل الإعلام يهمّ أكثر من مجال من مجالات العمل الكنسي، فينبغي على المسيحيين أن يكونوا واعين لثقافة وسائل الإعلام التي يعيشون في وسطها، ابتداءًا بالليتورجيا التي هي قمة الحياة المسيحية، مرورًا بالتعليم الديني.

          وتطور وسائل الاتصال الذي نتكلم عنه يحمل الكنيسة على مراجعة نفسها مراجعة رعوية وثقافية لتواجه هذه الواقع الجديد. وعلى الرعاة أن يكونوا أوّل من يقوم بهذه المراجعة. فمن الضروري أن نعطي لتبشيرنا بالمسيح طابعًا فعّالاً يسمح بسماع البشارة وقبولها. وهنا تقع المسؤولية بنوع خاص على الجمعيات الرهبانية التي تأسّست لهذا الغرض والتي تحمل هذه الروح. يجب أن يتهيّأ أعضاء هذه الجمعيات، روحيا وتقنيًّا، كي يتعاونوا فيما يختص بالعمل الرعوي، وليحدّوا من الضّرر الحاصل من جراء الاستعمال الخاطئ لوسائل الإعلام، وليسهرا على جودة الإرسال من الناحية الفنية، مع الانتباه على أن يكون المضمون مطابقًا للقوانين الأدبية وللقيم الإنسانية والمسيحية.

9. منذ خمسة عشر عامًا، اقترحتُ الاّ يُترك موضوع التعامل مع وسائل الإعلام بين يدي أفراد مستقلّين، بل طلبتُ أن يصبح جزءًا من التخطيط الرعوي. فالوسائل الحديثة مناسبة لتقديم العمل الرعوي المتعدّد الأشكال على أنه خدمة. يكفي أن نفكّر كيف يسمح "الانترنيت" بتبادل المعلومات، وبسرعة الاتصال. وقد دخل الكثير من المؤمنين هذا المجال وأخذوا يستعملونه في التبشير والتعليم والإدارة. ومع الانترنيت يجب المحافطة أيضًا على وسائل الاتصال الأخرى مثل الجرائد والمجلات والنشر والتلفزيون والراديو... كلها وسائل إيجابية وفعالة.

          لا شك أن مضمون وسائل الإعلام يجب أن يكون متطابقًا مع احتياجات مختلف الجماعات، كما لا شك أن الهدف النهائي يجب أن يكون جعل الأشخاص واعين للبُعد الأدبي والخُلُقي للمعلومات. وفي نفس الوقت يجب ضمان تربية مهنية ورعوية للعاملين في هذا المجال. فكثيرًا ما يجد العاملون أنفسهم أمام خيارات أدبية معقّدة في مجال عملهم، ومعظمهم يريد أن يعلم كيف عليه أن يتصرف بشكل يرضى الله وضميره والمبادئ الخلقية السليمة. لذا ينتظرون من الكنيسة توجيهًا وهداية في هذا المجال.

 

وسائل الإعلام، تجمّع المعضلات الاجتماعية الكبرى

10. الكنيسة قوية برسالة الخلاص التي تسلّمتها من المعلّم الإلهي، وهي خبيرة في البشرية. وتشعر أن واجبها يدعوها إلى الدلو بدلوها في عالم المسؤوليات بخصوص تطوّر وسائل الإعلام الحديثة. ولأن هذه الوسائل تؤثّر في تربية ضمير الأشخاص، وتخلق عقلية معيّنة ونظرة معيّنة إلى الأمور، ينبغي التشديد على أن وسائل الإعلام مجال يجب الدفاع عنه وتنميته. لا بدّ أن تدخل وسائل الإعلام في إطار واضح المعالم من ناحية التربية الأخلاقية والكفاءة المؤسّساتية.

          إن تطوّر وسائل الإعلام الإيجابي هو مسؤولية الجميع ومسؤولية كل واحد. وبسبب العلاقة القوية بين وسائل الإعلام والاقتصاد والسياسة والثقافة، لا بد من وضع أُطر تعامل تضمن احترام كرامة الشخص البشري وأولوية العائلة والعلاقات السليمة بين الأفراد.

1.                هنالك خيارات تفرض نفسها بنفسها، ونستطيع أن نلخّصها في ثلاثة: التنشئة والمشاركة والحوار.

أوّلاً التنشئة. هنالك جهد كبير في موضوع التنشئة كي تصبح وسائل الأعلام أمرًا منتشرًا وكي يتم استعمالها بشكل واع ومناسب. فلهذه الوسائل لغة جديدة تغيّر الكثير من المفاهيم وفي نوعية العلاقة بين الأفراد. من هنا، إن لم تكن هنالك تنشئة مناسبة، يمكن أن تصبح وسائل الإعلام وسائل تستغلّ الإنسان وتتحكّم فيه بدل من أن تخدمه. وهذا أمرٌ ينطبق بشكل خاص على الشباب الذين يتمتّعون بميل طبيعي لاستعمال هذه الوسائل، ولذالك فهم يحتاجون أكثر من غيرهم تنشئةً مناسبة.

ثانيًا المشاركة في مسؤولية تسيير الوسائل الحديثة. فإن كانت وسائل الاتصال الحديثة موجهة لجميع البشر، فمن الطبيعي أن تتّسع قاعدة المشاركة في إدارتها من خلال بعض التشريعات. يجب تشجبع حضارة المشاركة.

وأخيرًا الحوار. فوسائل الإعلام تحمل معلومات متبادلة في عام التضامن والسلام. وهي مصدر إيجابي وقوي إن هي استُعملَت للتفاهم بين الشعوب، كما يمكن أن تصبحَ سلاحًا مدمّرًا إن هي استُعملت لتزكية الصراعات والمظالم. وقد نبّه البابا يوحنا الثالث والعشرون لهذا الخطر في رسالته "السلام على الأرض".

12. التفكير في دور "الرأي العام في الكنيسة" و" الكنيسة في الرأي العام" أمرٌ مثير للإهتمام. التقى سلفي البابا بيوس الثاني عشر صحفيّين فقال لهم: "لو لم يكن هناك رأي عام لنقص أمرٌ ما للكنيسة". وقد تكرّر هذا القول أكثر من مرة، والحقُّ القانوني الكنسي يعترف بحق الإنسان، في حدود معيّنة، في التعبير عن رأيه. لا شك أن حقائق الإيمان ليست معرّضة لتفسيرات شخصية، ولا شك أن وجود الآخر وحقوقه يحدّدان حرية التعبير عن الرأي الشخصي، لكن، عدا ذلك، يوجد بين المسيحيين الكاثوليك مجال واسع لتبادل الآراء من خلال حوار يحترم متطلبات العدل والحقيقة.

          إن الاتصال داخل الكنيسة أو بين الكنيسة والعالم يفترض شفافية وطريقة جديدة للتعامل مع عالم الاتصالات الحديثة. هذا الاتصال يجب ان يسير نحو حوار بنّاء يهدف إلى خلق رأي عام داخل الكنيسة يتضمّن معلومات سليمة وقدرةً على التمييز. فللكنيسة الحق، وهي بحاجة إلى أن تتكلّم عن نشاطاتها المختلفة، تماما كغيرها من المؤسسات، لكن لها أيضًا الحق في التحفّظ على بعض الأمور، دون أن يضرّ ذلك بحقها في نشر ما تقوم به بشكل كامل ونزيه. هذه نقطة تتطلب تعاونًا بين الرعاة والمؤمنين. يقول المجمع الفاتيكاني: "إن العلاقات الودّية بين العلمانيين والرعاة تجلب على الكنيسة نتائج إيجابية. فيكتسب العلمانيون معرفة أوسع لمسؤولياتهم، ويتضامنون ويتفانون مع رعاتهم في العمل الرعوي. أما الرعاة، فتساعدهم خبرة العلمانيين في الحكم بوضوح أكبر في الأمور الروحية والزمنية. وهكذا تستطيع الكنيسة، بقّوة جميع أعضائها، أن تقوم بواجبها بشكل أفضل في خدمة العالم".

 

الاتصال بقوة الروح القدس

13. التحدي الكبير الذي يواجه الانسان المؤمن وكلّ إنسان ذا إرادة صالحة هو كيفية الوصول إلى اتصال صحيح وحرّ، يساهم في التقدّم المتكامل للعالم. على الجميع أن يعرفوا كيف يميّزون الأمور بانتباه وأن يكونوا على حذر دائم، مع التدريب على النظر نظرةَ نقد إلى قوّة وسائل الإعلام وقدرتها على الإقناع.

          يعلم المؤمنون أنهم يستطيعون في هذا المجال، الاعتماد على قوّة الروح القدس. ويصبح هذا العون ضروريًّا بشكل خاص إذا نظرنا إلى الصعوبات الكبيرة التي تشكّلها وسائل الاتصال الحديث الموضوعة في خدمة أيديولوجيات معيّنة، أو مصالح مادية او حب التسلّط، او نزاعات بين أشخاص او مجموعات، أو حتى بسبب الضعف البشري والشر الاجتماعي. وتساعد التكنولوجيا الحديثة بشكل رهيب في عملية تسريع نقل المعلومات وكميتها، لكنها لا تساعد التبادلَ بين فكر وفكر، بين قلب وقلب، وهو أمر يميّز أي اتصال في خدمة التضامن والمحبة.

          قدّم المسيح لنا نفسه في تاريخ الخلاص على أنه الشخص الذي "يكشف عن الآب". "فقد تكلّم الله في هذه الأيام بواسطة ابنه" (عبرانيين 1، 2)، الكلمة الأزلي الذي صار بشرًا. وهو يكشف ما عنده لكنه يحترم من يسمعونه، ويعلّم احترام ظروفهم واحتياجاتهم ويشعر معهم في آلامهم. يقول لهم ما يحتاجون سماعه دون أن يفرضه عليهم، ودون أن يتنازل عن متطلباته. يعلم يسوع المسيح أن الاتصال عملٌ أدبي. "الرجل الصالح يخرج من كنـزه أمورًا صالحة، والرجل الشرير يخرج من كنـزة أمورًا شريرة. أقول لكم إن كل كلمة بطّالة يتكلم  بها الناس يعطون عنها جوابًا في يوم الدين (متى 12، 35-37).

1.       يرسل مار بولس رسالة واضحة إلى العاملين في مجال وسائل الاتصال: السياسيون والمتخصّصون في علم الاتصال والمشاهدون: "فلذلك انبذوا عنكم الكذب وليصدُق كلّ منكم قريبه في الكلام لأننا أعضاء بعضنا لبعض. إغضبوا ولا تخطأوا. لا تغرب الشمس على غضبكم ولا تجعلوا لإبليس موضعًا. من كان سارقًا فلا يسرق فيما بعد بل فليكدّ ويعمل بيديه ما هو صالح لكي يكون له ما يُشرك المحتاج فيه. لا تخرج من أفواهكم كلمة فاسدة بل ما يصلح منها ويفيد البنيان ليزيد السامعين نعمة" (أفسس 4، 25 – 29).

أوجه إلى العاملين في مجال الاتصال، خصوصًا المؤمنين منهم، ما قلتُه في بداية خدمتى كخليفة لبطرس : "لا تخافوا". لا تخافوا من التقنيات الحديثة. فهي من البدائع التي وضعها الله تحت تصرّفنا لنكتشف الحقيقة ونستعملها ونعلنها، بما في ذلك الحقيقة حول كرامتنا كأبناء لله مدعويين لمشاركته في الحياة الأبدية. لا تخافوا من مقاومة العالم لكم. قال المسيح: "غلبتُ العالم" (يو 16، 31). لا تخافوا حتى من ضعفكم ومن عجزكم، فقد قال المعلم الإلهي: "أنا معكم طول الأيام إلى منتهى الدهر" (متى 28، 20). أنشروا رسالة الرجاء والنعمة ومحبة المسيح. حافظوا على حيوية الدهر الآتي في هذا العالم الزائل، حيوية لا يمكن لأية تقنية بشرية أن تصلها... : " ما تره عين ولا سمعت به أذن ولم يخطر على بال أحد، هو ما أعدّه لله لمن يحبونه" (1 كو 2، 9).

          أعهد بمسيرة الكنيسة في عالم اليوم إلى مريم العذراء، هي التي أعطت كلمة الحياة وتأمّلت كلماته العذبة في قلبها. لتساعدنا مريم العذراء في في نشر جمال الحياة في المسيح وفرحها، بجميع الوسائل.

 

مع بركتي للجميع

عن الفاتيكان في 24/1/2005، تذكار القديس فرنسيس السالزي، شفيع الصحفيين.

يوحنا بولس الثاني.