سفر صموئيل الأول

سفر صموئيل الأول

كان رجل من الرامتائيم ، صوفي من جبل أفرائيم، يقال له ألقانة بن يروحام بن أليهو ابن توحو بن صوف الأفرائيمي.

وكانت له امرأتان، اسم إحداهما حنة، واسم الأخرى فننة. فرزقت فننة بنين، وحنة لم يكن لها بنون.

وكان ذلك الرجل يصعد من مدينته من سنة إلى سنة ليسجد ويذبح لرب القوات في شيلو . وكان هناك ابنا عالي، حفني وفنحاس، كاهنين للرب.

فلما حان اليوم وذبح ألقانة، أعطى فتة زوجته وجميع بنيها وبناتها حصصا.

وأما حنة فأعطاها حصة اثنين، لأنه كان يحب حنة، ولكن الرب كان قد حبس رحمها.

وكانت ضرتها تغضبها لتثير ثائرها، لأن الرب حبس رحمها تماما.

وهكذا كان يحدث سنة بعد سنة عند صعودها إلى بيت الرب . فكانت تغضبها، فتبكي ولا تأكل.

فقال لها ألقانة زوجها: “يا حنة، ما لك باكية وما لك لا تأكلين، ولماذا يكتئب قلبك؟ ألست أنا خيرا من عشرة بنين؟ “.

وقامت حنة، من بعدما أكلوا في شيلو وشربوا، وكان عالي الكاهن جالسا على الكرسي إلى دعامة هيكل الرب،

فصلت إلى الرب في مرارة نفسها وبكت بكاء

ونذرت نذرا وقالت: “يا رب القوات، إن أنت نظرت إلى بؤس أمتك وذكرتني ولم تنس أمتك وأعطيت أمتك مولودا ذكرا، أعطه للرب لكل أيام حياته، ولا يعلو رأسه موسى”

فلما أكثرت من صلاتها أمام الرب، وكان عالي يراقب فمها،

وحنة تتكلم في قلبها، وشفتاها فقط تتحركان، ولكن لا يسمع صوتها، ظنها عالي سكرى .

فقال لها عالي: “إلى متى أنت سكرى؟ أفيقي من خمرك “.

فأجابت حنة وقالت: “كلا يا سيدي، ولكني امرأة مكروبة النفس، ولم أشرب خمرا ولا مسكرا، ولكني أسكب نفسي أمام الرب.

فلا تنزل أمتك منزلة ابنة لا خير فيها، لأني إنما تكلمت إلى الآن من شدة ما بي من القلق والغيظ “.

فأجابها عالي قائلا: “إمضي بسلام، وإله إسرائيل يعطيك بغيتك التي التمستها من لدنه “.

فقالت: “لتنل أمتك حظوة في عينيك “. ومضت المرأة في سبيلها وأكلت، ولم يعد وجهها كما كان.

وبكروا في الصباح، وسجدوا أمام الرب، ورجعوا ذاهبين إلى منزلهم بالرامة. وعرف ألقانة حنة زوجته، وذكرها الرب.

فكان في انقضاء الأيام أن حنة حملت وولدت ابنا، فدعته صموئيل، لأنها قالت: “من الرب التمسته ” .

وصعد زوجها ألقانة كل بيته، ليقدم للرب الذبيحة السنوية ويفي بنذر،

وأما حنة، فلم تصعد، لأنها قالت لزوجها: ” متى فطم الصبي ، أذهب به ليمثل أمام الرب ولقيم هناك للأبد”.

فقال لها ألقانة زوجها: “إفعلي ما يحسن في عينيك، وامكثي حتى تفطميه، وحسبنا أن الرب يحقق كلامه “. فمكثت المرأة ترضع ابنها حتى فطمته.

فلما فطمته، صعدت به، ومعها ثور ابن ثلاث سنوات ، وإيفة من دقيق، وزق خمر، وجاءت به إلى الرب في شيلو، وكان الصبي لا يزال طفلا.

فذبحوا الثور وقدموا الصبي إلى عالي.

وقالت: “يا سيدي، حية نفسك! أنا المرأة التي وقفت لديك ههنا تصلي إلى الرب.

إني لأجل هذا الصبي صليت، فأعطاني الرب بغيتي التي سألتها من لدنه.

ولأجل ذلك وهبته للرب، فيكون عارية كل أيام حياته “. وسجدوا هناك للرب.

وصلت حنة فقالت: إبتهج قلبي بالرب وارتفع رأسي بالرب واتسع فمي على أعدائي لأني قد فرحت بخلاصك.

لا قدوس مثل الرب لأنه ليس أحد سواك وليس صخرة كإلهنا.

لا تكثروا من كلام التشامخ ولا تخرج وقاحة من أفواهكم لأن الرب إله عليم وازن الأعمال.

كسرت قسي المقتدرين وتسربل المتعثرون بالقوة.

الشباعى آجروا أنفسهم بالخبز والجياع كفوا عن العمل حتى إن العاقر ولدت سبعة والكثيرة البنين ذبلت.

الرب يميت ويحيي يحدر إلى مثوى الأموات ويصعد منه.

الرب يفقر ويغنى يضع ويرفع.

ينهض المسكين عن التراب يقيم الفقير من المزبلة ليجلسه مع العظماء ويورثه عرش المجد لأن للرب أعمدة الأرض وقد وضع عليها الدنيا.

يحفظ أقدام أصفيائه والأشرار في الظلام يزولون لأنه لا يغلب إنسان بقوته.

مخاصمو الرب ينكسرون وعلى كل منهما يرعد من السماء. الرب يدين أقاصي الأرض يهب عزة لملكه ويرفع رأس مسيحه “.

ثم مضى ألقانة إلى الرامة، إلى منزله. وأما الصبي فكان يخدم الرب أمام عالي الكاهن. ابنا عالي

وكان بنو عالي أبناء لا خير فيهم. لا يعرفون الرب،

ولا حق الكهنة من الشعب ، وإنما كانوا، كلما ذبح رجل ذبيحة، يجيء خادم الكاهن عند طبخ اللحم، وبيده شوكة ذات ثلاث أسنان.

فيشكها قي القدر أو المرجل أو البرنية أو الوعاء، فما خرج بالشوكة يأخذه الكاهن لنفسه. كذلك كانوا يصنعون مع كل إسرائيل القادم إلى شيلو.

وكذلك قبل إحراق الشحم، كان يجيء خادم الكاهن إلى صاحب الذبيحة، ويقول له: “هات لحما يشوى للكاهن، فإنه لا يقبل منك لحما مسلوقا، بل نيئا “.

فإن أجابه الرجل: ” دع الشحم يحترق أولا، ثم تأخذ ما ترغب فيه نفسك “، قال له: “كلا، بل الآن تعطيني، وإلا أخذت منك بالقوة”.

وعظمت خطيئة الشبان أمام الرب جدا، لأن الناس استهانوا بتقدمة الرب.

وكان صموئيل يخدم أمام الرب، وهو صبي. وكان متمنطقا بأفود من كتان .

وكانت أمه تصنع له جبة صغيرة وتأتيه بها من سنة إلى سنة عند صعودها مع زوجها ليذبح الذبيحة السنوية.

فيبارك عالي ألقانة وزوجته قائلا: “يرزقك الرب نسلا من هذه المرأة بدل ما وهبت للرب ” . ثم يذهبان إلى بيتهما.

وافتقد الرب حنة، فحملت وولدت ثلاثة بنين وابنتين. وشب صموئيل الصبي أمام الرب.

وأما عالي فكان قد شاخ جدا، وبلغه كل ما يصنع بنوه بكل إسرائيل ومجامعتهم النساء الخادمات على باب خيمة الموعد.

فقال لهم: “لماذا تصنعون هذا الصنيع، وما هذا الخبر القبيح الذي أسمعه عنكم من كل هذا الشعب؟

لا، يا بني، إن السمعة التي أسمعها عنكم ليست بحسنة، فإنكم تحملون شعب الرب على المعصية.

إذا خطى إنسان إلى إنسان، فالله يحكم. وأما إذا خطى إنسان إلى الرب، فمن يتوسط له؟ ” فلم يسمعوا لكلام أبيهم، لأن الرب شاء أن يميتهم .

أما صموئيل الصبي، فكان يتسامى في القامة والحظوة عند الله والناس.

وجاء رجل الله إلى عالي وقال له: “هكذا يقول الرب: ألم أتجل لبيت أبيك وهو بمصر في بيت فرعون،

وقد اخترته من جميع أسباط إسرائيل كاهنا لي ليصعد إلى مذبحي ويحرق البخور، ويحمل الأفود أمامي، وأعطيت بيت أبيك جميع الذبائح بالنار التي يقدمها بنو إسرائيل؟

فلماذا تدوسون ذبائحي وتقادمي التي أمرت بها على الدوام، فأكرمت بنيك علي، لكي تسمنوا أنفسكم بأفضل كل تقادم إسرائيل شعبي؟

لذلك يقول الرب، إله إسرائيل: إني كنت قد قلت: إن بيتك وبيت أبيك يسيرون أمامي للأبد . فأما الآن، فيقول الرب: حاش لي، لأن الذين يكرمؤنني أكرمهم والذين يستهينون بي يهانون.

إنها تأتي أيام أقطع فيها ذراعك وذراع بيت أبيك، ولا يكون في بيتك شيخ كبير.

وترى الشدة على الدوام، مع كل الخير الذي يحسن به إلى إسرائيل، ولا يكون في بيتك شيخ كبير جميع الأيام.

غير أني لا أقطع لك رجلا من أمام مذبحي، إكلالا لعينك وإذابة لنفسك، كل من يولد في بيتك يموت بحد السيف .

وما يأتي على ابنيك حفني وفنحاس يكون لك علامة: إنهما في يوم واحد يموتان كلاهما.

وأنا أقيم لي كاهنا أمينا يعمل بحسب ما في قلبي ونفسي، وأبني له بيتا ثابتا، فيسير أمام مسيحي كل الأيام.

وكل من يبقى من بيتك يأتيه ويسجد له للحصول على قطعة فضة ورغيف خبز، ويقول: ضمني إلى إحدى خدم الكهنوت، لآكل كسرة خبز”.

وأما صموئيل الصبي فكان يخدم الرب بين يدي عالي. وكانت كلمة الرب نادرة في تلك الأيام، ولم تكن الرؤى متواترة.

وكان في تلك الأيام أن عالي كان راقدا في غرفته، وكانت عيناه قد ابتدأتا تكلان، فلم يكن يستطيع أن يبصر.

وكان مصباح الله لم ينطفئ بعد، وصموئيل راقد في هيكل الرب حيث تابوت الله .

فدعا الرب صموئيل، فقال: ” هاءنذا “.

وركض إلى عالي وقال: “هاءنذا، إنك دعوتني “. فقال له: ” لم أدعك، إرجع فنم “. فرجع ونام.

فعاد الرب ودعا صموئيل أيضا. فقام صموئيل وذهب إلى عالي وقال: “هاءنذا، إنك دعوتني “. فقال له: “لم أدعك، يا بني، إرجع فنم “.

ولم يكن صموئيل يعرف الرب بعد، ولم يكن بعد قد أعلن له كلام الرب.

فعاد الرب ودعا صموئيل ثالثة. فقام وذهب إلى عالي

وقال: ” هاءنذا، إنك دعوتني “. فأدرك عالي أن الرب هو الذي يدعو الصبي. فقال عالي لصموئيل: “إذهب فنم، وإن دعاك أيضا، فقل: تكلم، يا رب، فإن عبدك يسمع “. فذهب صموئيل ونام في مكانه.

فجاء الرب ووقف ودعا كالمرات الأولى: ” صموئيل، صموئيل ” فقال صموئيل: “تكلم، فإن عبدك يسمع “.

فقال الرب لصموئيل: “إني صانع في إسرائيل أمرا كل من سمع به تطن أذناه.

في ذلك اليوم أتم على عالي كل ما تكلمت به على بيته من البداية وحتى النهاية .

فقد أنبأته بأني أحكم على بيته للأبد، بسبب الإثم الذي يعلم أن بنيه لعنوا به الله، فلم يردعهم.

ولذلك أقسمت علما بيت عالي أنه لا يكفر إثم بيت عالي بذبيحة أو تقدمة للأبد”.

وبقي صموئيل راقدا إلى الصباح. ثم فتح أبواب بيت الرب، وخاف صموئيل أن يقص الرؤيا على عالي.

فدعا عالي صموئيل وقال: “يا صموئيل ابني “. فقال صموئيل: “هاءنذا”.

فقال: “ما الكلام الذي كلمك به؟ لا تكتمني. كذا يصنع الله بك وكذا يزيد، إن كتمتني كلمة من كل ما كلمك به .

فأخبره صموئيل بكل الكلام، ولم يكتمه شيئا. فقال عالي: “هو الرب، فما حسن في عينيه فليفعل “.

كبر صموئيل، وكان الرب معه، ولم يدع شيئا من كل كلامه يسقط على الأرض.

وعلم كل إسرائيل، من دان إلى بئر شبع، أن صموئيل قد ائتمنه الرب نبيا.

وعاد الرب يتراءى في شيلو، لأنه في شيلو تجلى الرب لصموئيل بكلمة الرب.

وكان كلام صموئيل إلى كل إسرائيل. وخرج إسرائيل على الفلسطينيين للحرب. فعسكروا عند أبان هاعيزر، وعسكر الفلسطينيون في أفيق .

واصطف الفلسطينيون بإزاء إسرائيل، واتسع القتال، فانكسر إسرائيل أمام الفلسطينيين، فقتلوا من الصف وفي البرية نحو أربعة آلاف رجل.

فرجع الشعب إلى المعسكر. فقالت شيوخ إسرائيل: “لماذا هزمنا اليوم الرب أمام الفلسطينيين؟ فلنأخذ لنا من شيلو تابوت عهد الرب، فيكون في وسطنا ليخلصنا من يد أعدائنا ” .

فأرسل الشعب إلى شيلو وحملوا من هناك تابوت عهد رب القوات الجالس على الكروبين . وكان هناك ابنا عالي، حفني وفنحاس، مع تابوت عهد الله.

فلما وصل تابوت عهد الرب إلى المعسكر، هتف كل إسرائيل هتافا شديدا حتى ارتجت الأرض.

وسمع الفلسطينيون صوت الهتاف، فقالوا: “ما هذا الصوت، هذا الهتاف العظيم في معسكر العبرانيين؟ ” فعلموا أن تابوت الرب وصل إلى المعسكر.

فخاف الفلسطينيون وقالوا: “إن الله قد وصل إلى المعسكر”، وقالوا: “الويل لنا! إنه لم يكن مثل هذا الأمر من أمس فما قبل.

الويل لنا! من ينقذنا من يد أولئك الآلهة القادرين؟ إنهم هم الآلهة الذين ضربوا مصر كل ضربة في البرية.

تشددوا يا أهل فلسطين، وكونوا رجالا كيلا تستعبدوا للعبرانيين، كما استعبدوا هم لكم، فكونوا رجالا وقاتلوا “.

وقاتل الفلسطينيون، فانكسر إسرائيل وهرب كل واحد إلى خيمته. وكانت ضربة شديدة جدا، فسقط من إسرائيل ثلاثون ألفا من الرجالة.

وأخذ تابوت الله، وقتل ابنا عالي، حفني وفنحاس.

فركض رجل من بنيامين من جبهة القتال، وأتى شيلو في ذلك اليوم، وثيابه ممزقة، والتراب على رأسه.

ولما وصل، إذا بعالي جالس على الكرسي بجانب الطريق، وهو يراقب ، لأن قلبه كان قلقا على تابوت الله. فأتى الرجل وأخبر في المدينة. فصرخت المدينة بأسرها.

وسمع عالي ضجيج الصراخ فقال: ” ما هذه الضجة ؟)) فأسرع الرجل وجاء وأخبر عالي.

وكان عالي ابن ثمان وتسعين سنة، وكانت عيناه قد جمدتا، ولم يكن يقدر أن يبصر.

فقال الرجل لعالي: “أنا قادم من جبهة القتال ومن جبهة القتال هربت اليوم”. فقال: “ما الخبر يا بني؟ “

فأجاب المخبر قائلا: “هرب إسرائيل أمام الفلسطينيين. وكانت أيضا ضربة عظيمة في الشعب، وقتل ابناك أيضا، حفني وفنحاس، وأخذ تابوت الله “.

فلما ذكر تابوت الله، سقط عالي عن الكرسي إلى خلفه على جانب الباب، فاندق عنقه ومات، لأن الرجل كان قد شاخ وثقل. وكان قد تولى قضاء إسرائيل أربعين سنة .

وكانت كنته، امرأة فنحاس، حاملا، وكانت قد دنت أيام ولادتها. فلما سمعت أن تابوت عهد الله قد أخذ وأن حماها وبعلها قد ماتا، سقطت وولدت. لأن المخاض أخذها.

فلما أشرفت على الموت ” قالت لها اللواتي كن يساعدنها: “لا تخافي، لأن الذي ولدته صبي “. فلم تجبهم ولم تكترث.

وسمت الصبي ايكابود (18) قائلة: “قد جلي المجد عن إسرائيل “، بسبب تابوت الله الذي أخذ وبسبب حميها وبعلها.

قالت: “قد جلي المجد عن إسرائيل، لأن تابوت الله قد أخذ”.

فأما الفلسطينيون، فأخذوا تابوت الله ومضوا به من أبان هاعيزر إلى أشدود .

ثم أخذ الفلسطينيون تابوت الله، وأدخلوه بيت داجون، وأقاموه بقرب داجون .

وبكر الأشدوديون من الغد، فإذا بداجون ملقى على وجهه على الأرض أمام تابوت الرب. فأخذوا داجون وردوه إلى مكانه.

ثم بكروا في صباح الغد، فإذا بداجون ملقى على وجهه على الأرض أمام تابوت الرب، ورأس داجون وكفاه مقطوعة عند عتبة الباب. وبقي جذعه وحده في مكانه.

لذلك لا يدوس كهنة داجون وجميع الداخلين بيت داجون عتبة باب داجون في أشدود إلى هذا اليوم .

وثقلت يد الرب على الأشدوديين، فدمرهم وضربهم بالبواسير في أشدود وأرضها.

فلما رأى أهل أشدود ذلك، قالوا: ” لا يلبث تابوت إله إسرائيل عندنا، لأن يده قاسية علينا وعلى داجون إلهنا “.

فأرسلوا وجمعوا إليهم كل أقطاب الفلسطينيين وقالوا: “ماذا نصنع بتابوت إله إسرائيل !؟ ” فقالوا: ” لينقل تابوت إله إسرائيل إلى جت “. فنقلوا تابوت إله إسرائيل.

وكان من بعد ما نقلوه أن يد الرب كانت على المدينة باضطراب فمديد جدا، وضرب أهل المدينة من الصغير إلى الكبير، وانبعثت فيهم البواسير.

ئم أرسلوا تابوت الله إلى عقرون. فكان عند وصول تابوت الله إلى عقرون أن صرخ أهل عقرون وقالوا: “قد أتوني بتابوت إله إسرائيل ليقتلني أنا وشعبي “.

وأرسلوا وجمعوا كل أقطاب الفلسطينيين وقالوا: “أرسلوا تابوت إله إسرائيل، وردوه إلى مكانه، لئلا يقتلني أنا وشعبي، لأن اضطراب الموت حل في المدينة كلها”. وكانت يد الله هناك ثقيلة جدا.

والذين لم يموتوا منهم أصابتهم البواسير، وارتفع صراخ نجدة المدينة إلى السماء.

وكان تابوت الرب في بلاد فلسطين سبعة أشهر.

فدعا الفلسطينيون الكهنة والعرافين وقالوا: “ماذا نصنع بتابوت الرب؟ أخبرونا كيف نرسله إلى مكانه “

وقالوا: “إن أرسلتم تابوت إله إسرائيل، فلا ترسلوه فارغا، بل أدوا له ذبيحة إثم، فتبرأون وتعلمون لماذا لم تكف يده عنكم “.

فقالوا: “ما ذبيحة الإثم التي نؤديها له؟ ” قالوا: “على عدد أقطاب الفلسطينيين، خمسة بواسير من ذهب وخمس فئران من ذهب، لأن ضربة واحدة نالتكم جميعا، أنتم وأقطابكم.

فتصوغون أمثلة بواسيركم وأمثلة فئرانكم المتلفة لأرضكم، وتؤدون لإله إسرائيل مجدا ، لعله يخفف يده عنكم وعن آلهتكم وأرضكم.

لماذا تقسون قلوبكم بهما قسى المصريون وفرعون قلوبهم؟ أليس أنه، بعد أن قسا الله عليهم، أخلوا سبيلهم فمضوا؟

والآن فاصنعوا مركبة جديدة، وخذوا بقرتين مرضعين لم يعلهما نير ، وشدوا البقرتين إلى المركبة، وردوا عجليهما من ورائهما إلى البيت .

وخذوا تابوت الرب واجعلوه على المركبة. وأدوات الذهب التي تؤدونها له ذبيحة إثم، اجعلوها في صندوق بجانبه، وأطلقوه فيذهب.

وانظروا، فإن صعد في طريق أرضه جهة بيت شمس، يكون هو الذي أنزل بنا هذه الكارثة الشديدة، وإلا علمنا أن ليست يده هي التي ضربتنا، وإنما كان ذلك اتفاقا” .

ففعل القوم كذلك، وأخذوا بقرتين مرضعين، وشدوهما إلى المركبة، وحبسوا عجليهما في البيت،

ووضعوا تابوت الرب على المركبة مع الصندوق والفئران الذهبية وأمثلة بواسيرهم.

فتوجهت البقرتان رأسا على طريق بيت شمس، وكانتا تسيران على الطريق نفسه، وهما تخوران في مسيرهما، ولم تحيدا يمنة ولا يسرة، وأقطاب الفلسطينيين يسيرون وراءهما إلى حدود بيت شمس.

وكان أهل بيت شمس يحصدون حصاد الحنطة في السهل، فرفعوا عيونهم وأبصروا التابوت، ففرحوا لرؤيته.

وأتت المركبة حقل يشوع الذي من بيت شمس، ووقفت هناك. وكان هناك حجر كبير فشققوا خشب المركبة، وأصعدوا البقرتين محرقة للرب.

وكان اللاويون قد أنزلوا تابوت الرب والصندوق الذي معه والذي فيه الأدوات الذهبية، ووضعوه على الحجر الكبير. فأصعد أهل بيت شمس محرقات وذبحوا في ذلك اليوم ذبائح للرب.

وأما أقطاب الفلسطينيين الخمسة، فرأوا ورجعوا من يومهم إلى عقرون.

وهذه البواسير الذهبية التي أداها الفلسطينيون ذبيحة إثم للرب: واحد منها عن أشدود، وواحد عن غزة، وواحد عن أشقلون، وواحد عن عقرون.

وفئران الذهب على عدد جميع مدن فلسطين، التي للأقطاب الخمسة، من المدينة المحصنة، إلى قرية الريف، إلى الحجر الكبير الذي وضعوا عليه تابوت الرب، والذي لم يزل إلى اليوم في حقل يشوع الذي من بيت شمس.

وضرب الرب أهل بيت شمس، لأنهم نظروا إلى ما في تابوت الرب، وقتل من الشعب سبعين رجلا، وكانوا خمسين ألف رجل. فحزن الشعب، لأن الرب ضرب الشعب هذه الضربة الشديدة .

وقال أهل بيت شمس: “من الذي يقدر أن يقف أمام الرب الإله القدوس هذا وإلى من يصعد بعيدا عنا؟”

وأرسلوا رسلا إلى سكان قرية يعاريم وقالوا: “قد رد الفلسطينيون تابوت الرب، فانزلوا وأصعدوه إليكم “.

فأتى أهل قرية يعاريم، وأصعدوا تابوت الرب وأدخلوه بيت أبيناداب في الأكمة، وقدسوا ألعازار ابنه لأجل حراسة تابوت الرب.

وكان، مذ يوم أقام تابوت الرب في قرية يعاريم، أن طالت الأيام ومضت عشرون سنة، وتاق كل بيت إسرائيل إلى الرب.

فكلم صموئيل بيت إسرائيل كله وقال لهم: “إن كنتم راجعين إلى الرب من كل قلوبكم، فأبعدوا الآلهة الغريبة والعشتاروت من بييكم، وثبتوا قلوبكم في الرب، واعبدوه وحده فينقذكم من يد الفلسطينيين “.

فأبعد بنو إسرائيل عنهم البعل والعشتاروت، وعبدوا الرب وحده.

فقال صموئيل: ” احشدوا كل إسرائيل إلى المصفاة ، فأصلي لأجلكم إلى الرب “.

فاجتمعوا في المصفاة، واستقوا ماء وصبوه أمام الرب، وصاموا في ذلك اليوم وقالوا هناك: ” قد خطئنا إلى الرب”. وقضى صموئيل لبني إسرائيل في المصفاة.

وسمع الفلسطينيون أن بني إسرائيل قد اجتمعوا في المصفاة. فصعد أقطاب الفلسطينيين على إسرائيل. فلما سمع بنو إسرائيل، خافوا من الفلسطينيين.

وقال بنو إسرائيل لصموئيل: “لا تكف عن الصراخ لأجلنا إلى الرب إلهنا ليخلصنا من يد الفلسطينيين “.

فأخذ صموئيل حملا رضيعا وأصعده محرقة كاملة للرب، وصرخ صموئيل إلى الرب لأجل إسرائيل، فاستجاب له الرب.

وكان أنه، بينما صموئيل يصعد المحرقة، تقدم الفلسطينيون لمحاربة إسرائيل، فأرعد الرب بصوت عظيم في ذلك اليوم على الفلسطينيين وهزمهم فانكسروا أمام إسرائيل.

فخرج رجال إسرائيل من المصفاة، وطاردوا الفلسطينيين وضربوهم إلى ما تحت بيت كار .

فأخذ صموئيل حجرا ونصبه بين المصفاة والسن، وسماه أبان هاعيزر وقال: “إلى ههنا نصرنا الرب “.

فذل الفلسطينيون ولم يعودوا يدخلون أرض إسرائيل. وكانت يد الرب على الفلسطينيين كل أيام صموئيل.

وردت إلى إسرائيل المدن التي أخذها منهم الفلسطينيون، من عقرون إلى جت، وأنقذ إسرائيل أرضها من يد الفلسطينيين. وكان بين إسرائيل والأموريين سلم.

وتولى صموئيل قضاء إسرائيل كل إلام حياته.

وكان يذهب في كل سنة ويطوف في بيت إيل والجلجال والمصفاة، ويقضي لإسرائيل في جميع تلك الأماكن،

ثم يرجع إلى الرامة، لأن بيته كان هناك، وكان يقضي فيها لإسرائيل. وبنى هناك مذبحا للرب.

ولما شاخ صموئيل، أقام ابنيه قاضيين لإسرائيل.

وكان اسم ابنه البكر يوئيل، واسم الثاني أبيا، وكانا قاضيين في بئر سبع.

ولم يسر أبناه في سبله، ولكنهما مالا إلى الكسب وقبلا الرشوة وحرفا الحق،

فاجتمع شيوخ إسرائيل كلهم وأتوا صموئيل في الرامة،

وقالوا له: “إنك قد شخت، وابناك لا يسيران في سبلك. فأقم الآن علينا ملكا يقضي بيننا كسائر الأمم ” ،

فساء هذا الكلام في عيني صموئيل، إذ قالوا: “أقم علينا ملكا بيننا “. فصلى صموئيل إلى الرب،

فقال الرب لصموئيل: “اسمع لكلام الشعب في كل ما يقولون لك، فإنهم لم ينبذوك أنت، بل نبذوني أنا من ملكي عليهم.

إنهم بحسب جميع أعمالهم التي عملوها منذ يوم أصعدتهم من مصر إلى هذا اليوم، وتركهم لي وعبادتهم لآلهة أخرى، هكذا يصنعون معك أنت أيضا.

فاسمع الآن لقولهم، ولكن أشهد عليهم وأخبرهم بأحكام الملك الذي يملك عليهم “.

فنقل صموئيل جميع كلمات الرب إلى الشعب الذي طلب منه ملكا،

وقال: “هذه أحكام الملك الذي يملك عليكم : يأخذ بنيكم ويخصهم بنفسه لمركبته وخيله، فيركضون أمام مركبته.

ويخصهم بنفسه كرؤساء ألف ورؤساء خمسين لحرثه وحصاده وصنع أدوات حربه وأدوات مركبته،

ويتخذ بناتكم عطارات وطباخات وخبازات،

ويأخذ أفضل حقولكم وكرومكم وزيتونكم ويعطيها لعبيده.

ويأخذ عشورا من زرعكم وكرومكم ويعطيها لخصيانه وعبيده.

ويأخذ أفضل خدامكم وخادماتكم وشبانكم، ويأخذ حميركم، ويستخدمهم في أعماله.

ويعشر غنمكم وأنتم تكونون له عبيدا.

فتصرخون في ذلك اليوم بسبب الذي اخترتموه لأنفسكم، فلا يجيبكم الرب في ذلك اليوم “.

فأبى الشعب أن يسمع لكلام صموئيل وقال: “كلا، بل يملك علينا ملك،

ونكون نحن كسائر الأمم، فيقضي لنا ملكنا، ويخرج أمامنا ويحارب حروبنا”.

فسمع صموئيل كلام الشعب كله، وردده على مسامع الرب.

فقال الرب لصموئيل: ” اسمع لكلامهم وول عليهم ملكا “. فقال صموئيل لرجال إسرائيل: “إذهبوا كل واحد إلى مدينته “. شاول وأتن أبيه

وكان رجل من بنيامين اسمه قيس بن أبيئيل بن صرور بن بكورت بن أفيح بن رجل من بنيامين ثري جدا.

وكان له ابن اسمه شاول ، شاب جميل، لم يكن في بني إسرائيل رجل أجمل منه. وكان يزيد طولا على كل الشعب من كتفه فما فوق.

فضلت أتن قيس، أبي شاول، فقال قيس لشاول ابنه: “خذ معك واحدا من الخدم، وقم فسر في طلب الأتن “.

فجاز جبل أفرائيم، وعبر إلى أرض شليشة، فلم يجداها. فعبرا في أرض شعليم، فلم تكن هناك، فجاز إلى أرض بنيامين، فلم يجداها.

فلما أتيا أرض صوف، قال شاول لخادمه الذي معه: “تعال نرجع، لعل أبي قد أهمل الأتن وقلق في أمرنا “.

فقال له خادمه: ” هوذا الآن رجل الله في هذه المدينة ، وهو رجل مكرم، كل ما يقوله يتم. فلنذهب الآن إليه لعله يدلنا على طريقنا الذي نسلكه “.

فقال شاول لخادمه: “إذا ذهبنا إليه، فماذا نقدم للرجل، وقد نفد الخبز من أوعيتنا، وليس من هدية نقدمها لرجل الله؟ فماذا معنا؟ “

فعاد الخادم وأجاب شاول وقال: “إن معي ربع مثقال فضة أقدمه لرجل الله ، فيدلنا على طريقنا”.

وكان فيما سبق إذا أراد الرجل في إسرائيل أن يذهب ليسأل الله، يقول: ” هلم نذهب إلى الرائي “، لأن الذي يقال له اليوم النبي كان يقال له من قبل راء.

فقال شاول لخادمه: “حسن ما قلت، هلم إليه “. وذهبا إلى المدينة التي فيها رجل الله.

وبينما هما صاعدان في مرتقى المدينة، صادفا فتيات خارجات ليستقين ماء. فقالا لهن: ” أههنا الرائي؟ “

فأجبن وقلن: ” نعم، هاهوذا قد سبقك، فأسرع الآن، فإنه اليوم قد أتى المدينة، لأن للشعب ذبيحة في المشرف .

فحالما تدخلان المدينة، تجدانه قبل أن يصعد إلى المشرف ليأكل، فإن الشعب لا يأكل حتى يجيء هو، لأنه هو الذي يبارك الذبيحة، ثم يأكل المدعوون . فاصعدا الآن فإنكما تجدانه اليوم “.

فصعدا إلى المدينة، وفيما هما داخلان في وسط المدينة، إذا صموئيل قد صادفهما، وهو خارج ليصعد إلى المشرف.

وكان الرب قد أوحى إلى صموئيل قبل أن يأتيه شاول بيوم وقال له:

“غدا في مثل هذه الساعة أرسل إليك رجلا من أرض بنيامين، فامسحه قائدا على شعبي إسرائيل، فيخلص شعبي من يد الفلسطينيين، لأني نظرت إلى شعبي، وقد انتهى صراخهم إلي “.

فلما رأى صموئيل شاول قال له الرب: “هوذا الرجل الذي كلمتك عنه. هذا يحكم شعبي “.

فدنا شاول من صموئيل وهو في وسط الباب وقال: “أخبرني، أين بيت الرائي؟ “

فأجاب صموئيل وقال لشاول: “أنا هو الرائي، فأصعد أمامي إلى المشرف، وكلا اليوم معي وفي الغد أصرفك وأنبئك بكل ما في قلبك.

فأما الأتن التي ضلت لك منذ ثلاثة أيام، فلا تجعل بالك عليها، لأنها قد وجدت. ولمن كل نفيس في إسرائيل؟ أليس لك ولكل بيت أبيك؟ “

فأجاب شاول وقال: “ألست أنا بنيامينيا من أصغر أسباط إسرائيل، وعشيرتي أصغر جميع عشائر سبط بنيامين؟ فلماذا تقول لي مثل هذا الكلام؟ “

فأخذ صموئيل شاول وخادمه ودخل بهما القاعة، وأجلسهما في صدر المدعوين وهم نحو ثلاثين رجلا.

وقال صموئيل للطباخ: “أعط الحصة التي أعطيتك إياها وقلت لك: ضعها عندك “.

فأخذ الطباخ الفخذ بما عليها، ووضعها أمام شاول. فقال: ” هذا الذي بقي، فضعه أمامك وكل، لأنه حفظ لك، عندما دعوت الشعب إلى هذه المناسبة “. فأكل شاول مع صموئيل في ذلك اليوم .

ثم نزلوا من المشرف إلى المدينة، وتكلم صموئيل مع شاول على السطح.

وبكروا عند طلوع الفجر، فدعا صموئيل شاول الذي كان على السطح وقال له: “قم فأصرفك “. فقام شاول وخرج هو وصموئيل معا إلى الخارج.

فبينما هما نازلان عند طرف المدينة، قال صموئيل لشاول: “مر الخادم أن يتقدم “، ففعل، ” وقف أنت الآن فأسمعك كلام الله”.

فأخذ صموئيل قارورة الزيت وصب على رأسه وقبله وقال: “أما أن الرب قد مسحك قائدا على ميراثه؟

فإذا فارقتني اليوم، تصادف رجلين عند قبر راحيل في حدود بنيامين، في صلصح ، فيقولان لك: قد وجدت الأتن التي خرجت في طلبها، وقد ترك أبوك أمر الأتن وقلق في أمركما وقال: ماذا أصنع في أمر ابني؟

وإذا تقدمت أيضا ووصلت إلى بلوطة تابور، يصادفك هناك ثلاثة رجال صاعدين إلى الله، إلى بيت إيل، ومع أحدهم ثلاثة جداء، ومع الآخر ثلاثة أرغفة من الخبز، ومع الآخر زق خمر.

فيسلمون عليك ويعطونك رغيفين، فتأخذهما من أيديهم.

ثم تصل إلى جبع الله ، حيث مركز أمامي للفلسطينيين، فيكون، عند دخولك المدينة من هناك، أنك تلقى مجموعة من الأنبياء نازلين من المشرف، وقدامهم عيدان ودفوف ومزامير وكنارات، وهم يتنبأون .

فينقض عليك روح الرب، وتتنبأ أنت معهم وتصير رجلا آخر.

فإذا وردت عليك هذه الآيات، فاصنع ما تجده يدك، لأن الله معك.

وانزل أمامي إلى الجلجال ، فإني سأنزل إليك لأصعد محرقات وأذبح ذبائح سلامية. وأنت فالبث سبعة أيام حتى آتيك وأعلمك ما تصنع”.

فكان، عندما أدار منكبه لينصرف من عند صموئيل، أن الله حول قلبه. وتمت تلك الآيات كلها في ذلك اليوم.

ووصلوا إلى جبع، فإذا المجموعة من الأنبياء قد استقبلوه، فانقض عليه روح الله فتنبأ في وسطهم.

فلما رآه كل من كان يعرفه من أمس فما قبل، وهو يتنبأ مع الأنبياء، قال القوم بعضهم لبعض: “ماذا جرى لابن قيس؟ أشاول أيضا من الأنبياء؟ “

فأجابهم رجل من هناك وقال: “من أبوهم؟ ” فلذلك يقال في المثل: “أشاول أيضا من الأنبياء؟ “.

ولما انتهى من التنبؤ، جاء إلى المشرف.

فقال عم شاول له ولخادمه: “أين ذهبتما؟ ” فقالا: “في طلب الأتن، فلما لم نجدها، أتينا صموئيل “.

فقال عم شاول: “أخبرني ما قال لكما صموئيل “.

فقال شاول لعمه: “أخبرنا أن الأتن قد وجدت “، ولكنه لم يخبره بما قال له صموئيل في شأن الملك.

ثم إن صموئيل استدعى الشعب إلى الرب في المصفاة،

وقال لبني إسرائيل: ” هكذا قال الرب، إله إسرائيل: أنا الذي أصعد إسرائيل من مصر وأنقذكم من يد المصريين ومن يد جميع الممالك التي ضايقتكم.

وأنتم اليوم قد نبذتم إلهكم الذي هو مخلصكم من جميع بلاياكم وشدائدكم، وقلتم له: أقم علينا ملكا. فقفوا الآن أيام الرب على حسب أسباطكم وعشائركم “.

ثم قدم صموئيل جميع أسباط إسرائيل، فاختير بالقرعة سبط بنيامين.

ثم قدم سبط بنيامين بعشائره، فاختيرت عشيرة مطري. واختير شاول بن قيس. فطلبوه فلم يوجد.

فسألوا الرب أيضا: “هل أتى أيضا رجل إلى هنا؟ ” فقال الرب: “هوذا قد اختبأ بين الأمتعة “.

فأسرعوا وأخذوه من هناك. فوقف في وسط الشعب، فإذا هو يزيد طولا على الشعب كافة من كتفه فما فوق.

فقال صموئيل لكل الشعب: “أرأيتم أن الذي اختاره الرب لا نظير له في كل الشعب؟ ” فهتف الشعب كله وقال: “يعيش الملك “.

فعرض صموئيل على الشعب أحكام الملك وكتبها في سفر ووضعه أمام الرب، وصرف صموئيل كل الشعب، كل امرئ إلى منزله.

وانصرف شاول أيضا إلى بيته في جبع، وانصرف معه البواسل الذين مس الله قلوبهم.

وأما الذين لا خير فيهم فقالوا: “كيف يخلصنا هذا؟ ” واحتقروه ولم يهدوا إليه هدايا. فتصام عنهم.

وصعد ناحاش العموني وعسكر على يابيش جلعاد، فقال جميع أهل يابيش لناحاش: “إقطع لنا عهدا فنخدمك “.

فقال لهم ناحاش العموني: “أقطع لكم عهدا على أن أقلع كل عين يمنى لكم، فأجعل ذلك عارا على كل إسرائيل “.

فقال له شيوخ يابيش: “أمهلنا سبعة أيام حتى نرسل رسلا إلى أراضي إسرائيل كلها. فإن لم يكن لنا مخلص، خرجنا إليك “.

ووصل رسلهم إلى جبع شاول، ونقلوا هذا الكلام إلى مسامع الشعب. فرفع كل الشعب صوته بالبكاء.

فإذا بشاول مقبل وراء البقر من الحقل. فقال شاول: “ما لي أرى الشعب يبكي؟ ” فأخبروه بكلام أهل يابيش.

وانقض روح الله على شاول عند سماعه هذا الكلام. فغضب غضبا شديدا.

وأخذ زوجي ثيران فقطعهما وأرسل القطع إلى أراضي إسرائيل كلها بأيدي رسل يقولون: “كل من لا يخرج وراء شاول ووراء صموئيل، هكذا يصنع ببقره “. فوقع رعب الرب على الشعب، فخرجوا كرجل واحد.

فاستعرضهم في بازاق، فكان بنو إسرائيل ثلاث مئة ألف رجل، ورجال يهوذا ثلاثين ألفا .

فقالوا للرسل الذين أتوهم: ” هكذا تقولون لأهل يابيش جلعاد: غدا يكون لكم نصر، عندما تحمى الشمس”. فرجع الرسل وأخبروا أهل يابيش، ففرحوا.

فقال أهل يابيش للعمونيين: “غدا نخرج إليكم ، فتصنعون بنا ما يحسن في عيونكم “.

فلما كان الغد، رتب شاول الشعب ثلاث فرق، فدخلوا في وسط المعسكر عند هجيع الصبح وضربوا بني عمون حتى حمي النهار. فتشتت من بقي منهم، ولم يبق اثنان منهم معا.

فقال الشعب لصموئيل: “من الذي يقول: أشاول يملك علينا؟ أسلموا القوم لنقتلهم “.

فقال شاول: “لا يقتل أحد في هذا اليوم، لأن الرب قد أجرى اليوم نصرا في إسرائيل “.

وقال صموئيل للشعب: ” هلموا بنا إلى الجلجال لنجدد هناك الملك “.

ففي الشعب كله إلى الجلجال، وملكوا هناك شاول أمام الرب في الجلجال، وذبحوا هناك ذبائح سلامية أمام الرب. وفرح شاول ورجال إسرائيل كلهم فرحا عظيما.

ثم قال صموئيل لكل إسرائيل: “ها قد سمعت لكلامكم في كل ما قلتم لي وأقمت عليكم ملكا.

فهذا الآن ملككم يسير أمامكم. فأما أنا فقد شخت وشبت، وهؤلاء بني معكم، وأنا قد سرت أمامكم منذ صباي إلى اليوم.

هاءنذا فأشهدوا علي أمام الرب وأمام مسيحه. ثور من أخذت أو حمار من أخذت، أو من ظلمت أو من ضايقت، أو من يد من ارتشيت، لأغضي عيني عنه، فأرد لكم؟ “

فقالوا له: “ما ظلمتنا ولا ضايقتنا ولا أخذت من يد أحد شيئا”.

فقال لهم: “يشهد الرب عليكم ويشهد مسيحه اليوم أنكم لم تجدوا في يدي شيئا”. فقالوا: “يشهد”.

فقال صموئيل للشعب : ” الرب الذي أقام موسى وهارون وأصعد آباءكم من أرض مصر يشهد.

قوموا الآن أحاكمكم أمام الرب بجميع مبرات الرب التي صنعها إليكم وإلى آبائكم،

حين دخل يعقوب مصر، وصرخ آباؤكم إلى الرب، فأرسل الرب موسى وهارون، فأخرجا آباءكم من مصر وأقاماهم في هذا المكان.

فنسوا الرب إلههم، فباعهم إلى يد سيسرا، قائد جيش حاصور، وإلى يد الفلسطينيين وإلى يد ملك موآب، فحاربوهم.

فصرخوا إلى الرب وقالوا: قد خطئنا لأننا تركنا الرب وعبدنا البعل والعشتاروت، فأنقذنا الآن من يد أعدائنا فنعبدك.

فأرسل الرب يربعل وبدان ويفتاح وصموئيل ، وأنقذكم من يد أعدائكم الذين حولكم وسكنتم آمنين.

ثم رأيتم أن ناحاش، ملك بني عمون، زاحف عليكم، فقلتم لي: كلا، بل ليملك علينا ملك، ولا ملك لكم إلا الرب إلهكم.

فهذا الآن ملككم الذي اخترتموه وطلبتموه قد أقامه الرب عليكم ملكا.

فإن أنتم اتقيتم الرب وعبدتموه وسمعتم لقولي ولم تعصوا أمره واتبعتم الرب إلهكم، أنتم وملككم الذي يملك عليكم.

وإلا فإنكم إن لم تسمعوا قول الرب إلهكم وعصيتم أمره، تكون يد الرب عليكم وعلى آبائكم.

والآن فامثلوا وانظروا هذا الأمر العظيم الذي الرب صانعه أمام عيونكم.

أليس اليوم حصاد الحنطة؟ فأنا أدعو الرب فيحدث رعودا ومطرا، فتعلمون وترون ما أعظم شركم الذي صنعتموه في عيني الرب بطلبكم لكم ملكا “.

ثم دعا صموئيل إلى الرب، فأحدث الرب رعودا ومطرا في ذلك اليوم. فخاف الشعب كله من الرب ومن صموئيل خوفا شديدا.

وقال كل الشعب لصموئيل: “صل لأجل عبيدك إلى الرب إلهك لئلا نموت، لأننا قد زدنا على جميع خطايانا شرا بطلبنا لنا ملكا”.

فقال صموئيل للشعب: “لا تخافوا،لقد فعلتم هذا الشر كله، ولكن لا تحيدوا عن اتباع الرب، بل اعبدوا الرب من كل قلوبكم.

ولا تميلوا إلى الأباطيل التي لا تنفع ولا تنقذ، لأنها باطلة.

فإن الرب لا يترك شعبه، من أجل اسمه العظيم، لأن الرب أحب أن يجعلكم له شعبا.

وأما أنا فحاش لي أن أخطأ إلى الرب وأترك الصلاة من أجلكم، ولكني أعلمكم الطريق الصالح المستقيم.

وأنتم فاتقوا الرب واعبدوه حقا من كل قلوبكم، لأنكم ترون الأمر العظيم الذي صنعه عندكم.

وإن صنعتم الشر، فإنكم تهلكون أنتم وملككم جميعا”.

وكان شاول ابن… حين صار ملكا، وملك… سنة على إسرائيل .

واختار لنفسه ثلاثة آلاف من إسرائيل. فكان معه ألفان في مكماش وجبل بيت إيل، وكان مع يوناتان ألف في جبع بنيامين. وصرف شاول بقية الشعب، كل واحد إلى خيمته.

فضرب يوناتان عميد الفلسطينيين في جبع، وسمع أهل فلسطين ذلك. ونفخ شاول في البوق في الأرض كلها وقال: “ليسمع العبرانيون”.

فسمع كل إسرائيل، وقيل له إن شاول قد ضرب عميد الفلسطينيين وإن الفلسطينيين أخذوا يمقتون إسرائيل. فاستدعي الشعب وراء شاول في الجلجال.

واجتمع الفلسطينيون لمحاربة إسرائيل، وكان هناك ثلاثون ألف مركبة وستة آلاف من الفرسان وشعب مثل الرمل الذي على ساحل البحر كثرة، وصعدوا وعسكروا في مكماش، شرقي بيت آون.

فلما رأى رجال إسرائيل أنهم في ضيق، لأن الشعب كان مضغوطا عليه، اختبأ الشعب في المغاور والحفر والصخور والسراديب والآبار.

وعبر قوم من العبرانيين الأردن إلى أرض جاد وجلعاد.

فمكث سبعة أيام بحسب ميعاد صموئيل، فلم يأت صموئيل إلى الجلجال، وتفرق الشعب عن شاول.

فقال شاول: “قدموا لي المحرقة والذبائح السلامية “، وأصعد المحرقة.

فلما انتهى من إصعاد المحرقة، إذا صموئيل قد أقبل. فخرج شاول للقائه والتسليم عليه.

فقال صموئيل: “ماذا فعلت؟ ” فقال شاول: “رأيت الشعب يتفرق عني، وأنت لم تأت في أيام الميعاد، والفلسطينيون مجتمعون في مكماش،

فقلت في نفسي: الآن ينزل الفلسطينيون علي إلى الجلجال، ولم أسترض وجه الرب، كرهت نفسي وأصعدت المحرقة”.

فقال صموئيل لشاول: “إنك بحماقة فعلت، لأنك لم تحفظ وصية الرب إلهك التي أوصاك بها، ولولا ذلك لكان الرب قد أقر ملكك على إسرائيل للأبد .

وأما الآن، فلا يثبت ملكك، لأن الرب قد اختار له رجلا على حسب قلبه، وأقامه قائدا على شعبه ، لأنك لم تحفظ ما أوصاك الرب به “.

وقام صموئيل وصعد من الجلجال ليمضي في سبيله. وصعد بقية الشعب وراء شاول لملاقاة الشعب المحارب، وذهب من الجلجال إلى جبع بنيامين. واستعرض شاول الشعب الذي معه، فكان نحو ست مئة رجل .

وكان شاول ويوناتان ابنه ومن معهما من الشعب مقيمين بجبع بنيامين، والفلسطينيون معسكرين في مكماش.

فخرج المخربون من معسكر الفلسطينيين ثلاث فرق ، فاتجهت فرقة منها نحو عفرة في أرض شوعال،

واتجهت فرقة أخرى نحو بيت حورون، واتجهت فرقة أخرى نحو القمة المشرفة على وادي صبوعين، ناحية البرية.

ولم يكن يوجد في كل أرض إسرائيل حداد، لأن الفلسطينيين قالوا: “يجب ألا يعمل العبرانيون سيفا أو رمحا”.

فكان كل إسرائيل ينزل إلى الفلسطينيين، كل امرئ منهم ليسن سكته ومعوله وفأسه ومنجله.

وكان السن بثلثي مثقال للسكك والمعاول والمثلثات الأسنان والفؤوس، ولتدبيب المناخس .

فلما حان وقت الحرب، لم يوجد سيف ولا رمح في يد كل الشعب الذي مع شاول ويوناتان، ما عدا شاول ويوناتان ابنه.

وخرجت مفرزة من الفلسطينيين إلى معبر مكماش.

وفي ذات يوم قال يوناتان بن شاول للخادم الحامل سلاحه: ” هلم نعبر إلى مفرزة الفلسطينيين التي في الجانب الآخر”، ولم يكن قد أعلم أباه.

وكان شاول جالسا في طرف جبع، تحت شجرة رمان في مجرون. وكان معه نحو من ست مئة رجل.

وكان أحيا بن أحيطوب، أخي إيكابود بن فنحاس بن عالي، كاهن الرب في شيلو، حاملا الأفود. ولم يكن الشعب يعلم أن يوناتان قد ذهب.

وكان بين المعابر التي أراد يوناتان أن يعبرها إلى مفرزة الفلسطينيين سن صخرة من هذه الجهة وسن صخرة من تلك الجهة، اسم الواحدة بوصيص واسم الأخرى سانة.

والسن الأولى قائمة من جهة الشمال، مقابل مكماش، والأخرى من الجنوب، مقابل جبع.

فقال يوناتان للخادم الحامل سلاحه: ” هلم نعبر إلى مفرزة أولئك القلف، لعل الرب يعمل لأجلنا، لأنه لا يعسر على الرب أن يخلص بالعدد الكثير أو القليل “.

فقال له حامل سلاحه: “اصنع كل ما في قلبك وتقدم، وهاءنذا معك كما تحب “.

فقال يوناتان: “نعبر إلى هؤلاء القوم ونظهر لهم أنفسنا.

فإن قالوا لنا: قفا حتى نصل إليكما، نقف في مكاننا ولا نصعد إليهم.

وإن قالوا لنا: اصعدا إلينا، نصعد، لأن الرب إلهنا يكون قد أسلمهم إلى أيدينا، وهذا يكون علامة لنا” .

فأظهرا أنفسهما لمفرزة الفلسطينيين. فقال الفلسطينيون: “هوذا العبرانيون خارجون من الحفر التي اختبأوا فيها”.

وقال رجال المفرزة ليوناتان ولحامل سلاحه: ” تعاليا إلينا، نعلمكما أمرا”. فقال يوناتان لحامل سلاحه: ” اصعد في إثري، لأن الرب قد أسلمهم إلى يد إسرائيل “.

وصعد يوناتان على يديه ورجليه، وحامل سلاحه وراءه. فسقط الفلسطينيون أمام يوناتان، وكان حامل سلاحه يقتل وراءه.

وكانت الضربة الأولى التي ضربها يوناتان وحامل سلاحه تعد نحو عشرين رجلا في نحو نصف تلم فدان الحقل.

فحل الرعب في المعسكر في الحقل وفي كل الشعب، وارتعشت المفرزة والمخربون أيضا، وارتعدت الأرض، وكان رعب من لدن الله.

ورأى مراقبو شاول الذين في جبع بنيامين أن الجمهور يتبدد ويتفرق.

فقال شاول للشعب الذي معه: “استعرضوا وانظروا من غاب من عندنا “. فتفقدوا، فإذا يوناتان وحامل سلاحه ليسا هناك.

فقال شاول لأحيا: ” هلم بتابوت الله “، لأن تابوت الله كان مع بني إسرائيل في ذلك اليوم.

ولم ينته شاول من كلامه مع الكاهن، حتى أخذ يتزايد الضجيج الذي في معسكر الفلسطينيين فقال شاول للكاهن: “كف يدك ” .

واجتمع شاول كل الشعب الذي معه وجاؤوا إلى المعركة، فإذا بسيف كل واحد على صاحبه، وكان بلبال عظيم جدا.

وانضم أيضا إلى من كان مع شاول ويوناتان من إسرائيل العبرانيون الذين كانوا مع الفلسطينيين من أمس فما قبل، ممن صعدوا معهم إلى المعسكر وحوله.

وسمع جميع رجال إسرائيل الذين اختبأوا في جبل أفرائيم بهزيمة الفلسطينيين، فتعقبوهم هم أيضا للقتال.

وخلص الرب إسرائيل في ذلك اليوم.

وتضايق رجال إسرائيل في ذلك اليوم، فأعلن شاول على الشعب يمين اللعنة هذه فقال: “ملعون الرجل الذي يذوق طعاما إلى المساء، حتى أنتقم من أعدائي “. فلم يذق الشعب كله طعاما .

وجاء كل الشعب إلى الغاب، وكان على وجه الحقل عسل.

ودخل الشعب في الغاب، فإذا العسل يسيل، فلم يمد أحد يده إلى فمه، لأن الشعب خاف من القسم.

وأما يوناتان، فلم يكن سامعا حين أعلن أبوه على الشعب يمين اللعنة. فمد طرف العصا التي بيده وغمسها في شهد العسل، ورد يده إلى فمه، فاستنارت عيناه.

فكلمه رجل من الشعب وقال له: “إن أباك أعلن على الشعب يمين اللعنة فقال: ملعون الرجل الذي يذوق اليوم طعاما، مع أن الشعب قد أعيا”.

فقال يوناتان: “قد عكر أبي صفو الأرض. انظروا كيف استنارت عيناي، لأني ذقت قليلا من هذا العسل.

فكيف بالأحرى لو أكل الشعب اليوم من غنيمة أعدائه التي أصابها؟ أفما كانت الآن ضربة أعظم على الفلسطينيين؟ “.

وضرب الفلسطينيين في ذلك اليوم من مكماش إلى أيالون ، وأعيا الشعب جدا.

وتهافت الشعب على الغنيمة، وأخذ غنما وبقرا وعجولا، وذبح علما الأرض، وأكل الشعب بالدم.

فأخبر شاول وقيل له: “قد خطى الشعب إلى الرب، لأنه أكل بالدم “. فقال شاول: ” قد تعديتم، فدحرجوا إلي اليوم صخرة عظيمة” .

وقال شاول: “تفرقوا في الشعب وقولوا له: ليقدم إلي كل واحد بقره وغنمه، واذبحوا ههنا وكلوا، ولا تخطأوا إلى الرب وتأكلوا بالدم”. فقدم الشعب كل رجل منهم ثوره بيده في تلك الليلة وذبح هناك.

وبنى شاول مذبحا للرب، وكان أول مذبح بناه للرب.

وقال شاول: ” لننزل في إثر الفلسطينيين ليلا، ونسلبهم إلى ضوء الصباح، ولا نبق منهم رجلا” فقالوا: “إفعل ما يحسن في عينيك”. فقال الكاهن: ” لنتقدم إلى هناك إلى الله ” .

فسأل شاول الله: “هل أنزل في إثر الفلسطينيين؟ هل تسلمهم إلى يد إسرائيل؟ ” فلم يجبه في ذلك اليوم.

فقال شاول: “تقدموا إلى هنا، يا جميع أركان الشعب، واعلموا وانظروا إذا كانت الخطيئة في هذا اليوم.

فإنه حي الرب مخلص إسرائيل! ولو كانت في يوناتان ابني، ليموتن موتا”. فلم يكن من يجيبه من كل الشعب.

فقال لكل إسرائيل: “كونوا أنتم في ناحية، وأنا وابني يوناتان في ناحية”. فقال الشعب: “ما حسن في عينيك فأصنعه “.

فقال شاول: ” أيها الرب، إله إسرائيل، لماذا لم تجب عبدك في هذا اليوم؟ إن كانت هذه الخطيئة في أو في يوناتان ابني، أيها الرب، إله إسرائيل، أعط اوريم، وإن كانت هذه الخطيئة في شعبك إسرائيل، أعط توميم ” . فاخذ يوناتان وشاول ونجا الشعب.

فقال شاول: “ألقوا القرعة بيني وبين يوناتان ابني “. فأخذ يوناتان.

فقال شاول ليوناتان: “أخبرني مما صنعت “. فأخبره يوناتان وقال: ” ذقت ذوقا برأس العصا التي بيدي قليل عسل، فهاءنذا أموت”.

فقال شاول: “كذا يصنع الله بي وكذا يزيد، إن لم تمت موتا يا يوناتان “.

فقال الشعب لشاول: “أيموت يوناتان الذي أجرى هذا النصر العظيم في إسرائيل؟ حاش! حي الرب، إنه لا تسقط شعرة من رأسه على الأرض، لأنه عمل مع الله في هذا اليوم “. وأفتدى الشعب يوناتان ولم يقتل.

فكف شاول عن مطاردة الفلسطينيين وانصرف الفلسطينيون إلى مكانهم.

وتولى شاول الملك على إسرائيل، وحارب كل من كان حوله من الأعداء، من الموآبيين وبني عمون والأدوميين وملوك صوبة والفلسطينيين، وكان حيثما اتجه ظافرا .

وقاتل ببأس وضرب عماليق، وأنقذ إسرائيل من يد ناهبيهم.

وكان بنو شاول يوناتان ويشوي وملكيشوع. واسم ابنتيه: اسم البكر ميراب، واسم الصغرى ميكال.

واسم زوجة شاول أحينوعم، بنت أحيماعص، واسم قائد جيشه أبنير بن نير، عم شاول.

وكان قيس أبو شاول ونير أبو أبنير أبني أبيئيل.

وكانت حرب شديدة على الفلسطينيين كل أيام شاول. وكان شاول، كلما رأى رجلا باسلا أو ذا بأس ، ضمه إليه .

وقال صموئيل لشاول: “أنا الذي أرسلني الرب لأمسحك ملكا على شعبه، على إسرائيل. فأسمع الآن قول الرب.

هكذا يقول رب القوات: سأفتقد عماليق لما صنع بإسرائيل، حين وقف له في الطريق، عند صعوده من مصر.

فهلم الآن واضرب عماليق، وحرم كل ما لهم، ولا تبق عليه، بل أمت الرجال والنساء والأولاد وحتى الرضع والبقر والغنم والإبل والحمير”.

فنادى شاول الشعب واستعرضهم في طلائيم، فكانوا مئتي ألف راجل وعشرة آلاف رجل من يهوذا.

فزحف شاول على مدينة عماليق، وكمن في الوادي.

وقال شاول للقينيين: “اذهبوا انصرفوا وانزلوا من بين العمالقة، لئلا أزيلكم معهم، لأنكم قد صنعتم رحمة إلى بني إسرائيل كلهم عند صعودهم من مصر”. فانصرف القينيون من بين عماليق.

وضرب شاول عماليق، من حويلة إلى شور التي شرقي مصر.

وأخذ أجاج، ملك عماليق، حيا، وحرم شعبه أجمع بحد السيف.

وأبقى شاول والشعب على أجاج وعلى خيار الغنم والبقر كل سمين والحملان كل ما كان جيدا، وأبوا أن يحرموها، ولكن كل ما كان حقيرا هزيلا حرموه .

فكان كلام الرب إلى صموئيل قائلا:

“إني قد ندمت على إقامتي شاول ملكا، لأنه ارتد عن اتباعي ولم يعمل بأمري “. فغضب صموئيل وصرخ إلى الرب كل ليله.

ثم بكر صموئيل في الصباح للقاء شاول. فأخبر صموئيل وقيل له: “إن شاول قد ذهب إلى الكرمل ، وهوذا قد نصب لنفسه نصبا، وانثنى وعبر نازلا إلى الجلجال “.

فلما وصل صموئيل إلى شاول، قال له شاول: ” عليك بركة الرب. إني قد عملت بأمر الرب “.

قال صموئيل: “فما هذا الصوت صوت الغنم الذي في أذني، وصوت البقر الذي أنا سامعه؟ “

قال شاول: “قد أتوا بها من العمالقة، لأن الشعب قد أبقوا على خيار الغنم والبقر، ليذبحوا للرب إلهك، والباقي حرمناه”.

فقال صموئيل لشاول: “قف حتى أخبرك بما كلمني به الرب في هذا الليل “. فقال له شاول: ” تكلم “.

فقال صموئيل لشاول: “ألم تصر رئيسا لأسباط إسرائيل، مع أنك كنت حقيرا في عيني نفسك، ومسحك الرب ملكا على إسرائيل،

وقد أرسلك الرب في حملة وقال لك: اذهب فحرم العمالقة الخاطئين وقاتلهم حتى يفنوا؟

فلم لم تسمع لكلام الرب، وتهافت على الغنيمة وعملت الشر في عيني الرب؟ “

فقال شاول لصموئيل: “لقد سمعت لكلام الرب، وذهبت إلى الحملة التي أرسلني الرب إليها، وجئت بأجاج، ملك عماليق، والعمالقة حرمتهم.

فأخذ الشعب من الغنيمة غنما وبقرا، خيار المحرم، ليذبح للرب إلهك في الجلجال “.

فقال صموئيل : “أترى الرب يهوى المحرقات والذبائح، كما يهوى الطاعة لكلام الرب. إن الطاعة خير من الذبيحة، والانقياد أفضل من شحم الكباش،

لأن العصيان كخطيئة العرافة والتمرد كإثم الترافيم. وبما أنك نبذت كلام الرب، فقد نبذك الرب كملك “.

فقال شاول لصموئيل: “قد خطئت متعديا أمر الرب وكلامك، لأني خفت من الشعب، وسمعت لكلامه.

فأغفر الآن خطيئتي وارجع معي فأسجد للرب “.

فقال صموئيل لشاول: “لا أرجع معك، لأنك نبذت كلام الرب، وقد نبذك الرب كملك على إسرائيل “.

وتحول صموئيل لينصرف، فأمسك شاول بطرف ردائه فانتزع.

فقال له صموئيل: ” اليوم انتزع الرب مملكة إسرائيل عنك وسلمها إلى قريبك الذي هو خير منك،

(فإن بهاء إسرائيل لا يكذب ولا يندم، لأنه ليس إنسانا فيندم ).

فقال شاول: “قد خطئت، فأكرمني الآن أمام شيوخ شعبي وأمام إسرائيل، وارجع معي لأسجد للرب إلهك ” .

فرجع صموئيل وراء شاول، وسجد شاول للرب.

وقال صموئيل: ” هلم إلي بأجاج، ملك عماليق “. فتقدم إليه أجاج مرتاح البال، لأن أجاج قال في نفسه: ” لا شك أن مرارة الموت قد ابتعدت “.

فقال صموئيل: “كما أثكل سيفك النساء، تثكل أمك بين النساء”. وقطع صموئيل أجاج أمام الرب في الجلجال.

ثم انصرف صموئيل إلى الرامة، وصعد شاول إلى بيته، إلى جبع شاول.

ولم يعد صموئيل يرى شاول إلى يوم وفاته ، لأن صموئيل حزن على شاول. وندم الرب على أنه ملك شاول على إسرائيل.

وقال الرب لصموئيل: “إلى متى تحزن على شاول، وأنا قد نبذته كملك على إسرائيل؟ فاملأ قرنك زيتا وتعال أرسلك إلى يسى من بيت لحم، لأني قد اخترت لي من بنيه ملكا”.

فقال صموئيل: “كيف أذهب؟ فإن سمع شاول، يقتلني “. فقال الرب: “خذ معك عجلة من البقر وقل: إني جئت لأذبح ذبيحة للرب.

وادع يسى إلى الذبيحة، وأنا أعلمك ماذا تصنع، وامسح لي الذي اسميه لك “.

ففعل صموئيل كما أمره الرب، وأتى بيت لحم. فارتعش شيوخ المدينة عند لقائه وقالوا: “ألسلام قدومك؟ “

فقال: ” لسلام قدمت، لأذبح للرب. فقدسوا أنفسكم وتعالوا معي إلى الذبيحة”. وقدس يسى وبنيه ودعاهم إلى الذبيحة.

فلما أتوه، رأى أليآب، فقال في نفسه: “لا شك أن أمام الرب مسيحه “.

فقال الرب لصموئيل: “لا تراع منظره وطول قامته، فإني قد نبذته، لأن الرب لا ينظر كما ينظر الإنسان، فإن الإنسان إنما ينظر إلى الظواهر، وأما الرب فإنه ينظر إلى القلب “.

ثم دعا يسى أبيناداب، وأجازه أمام صموئيل. فقال: “وهذا أيضا لم يختره الرب “.

ثم أجاز يسى شمة، فقال: ” وهذا أيضا لم يختره الرب “.

فأجاز يسى سبعة بنيه أمام صموئيل، فقال صموئيل ليسى: “لم يختر الرب من هؤلاء”.

ثم قال صموئيل ليسى: “أهولاء جميع الفتيان؟ ” فقال له: “قد بقي الصغير، وهو يرعى الغنم “. فقال صموئيل ليسى: “أرسل فجئنا به، لأننا لا نجلس إلى الطعام حتى يأتي إلى ههنا”.

فأرسل وأتى به، وكان أصهب جميل العينين وسيم المنظر. فقال الرب: “قم فامسحه، لأن هذا هو”.

فأخذ صموئيل قرن الزيت، ومسحه في وسط إخوته، فانقض روح الرب على داود من ذلك اليوم فصاعدا، وقام صموئيل وانصرف إلى الرامة.

وفارق روح الرب شاول، وروعه روح شرير من لدن الرب.

فقال لشاول حاشيته: “هوذا روح شرير من لدن الله يروعك.

فليأمر سيدنا حاشيته الذين أمامه أن يبحثوا عن رجل يحسن العزف على الكنارة، حتى إذا اعتراك الروح الشرير من لدن الله، يعزف بيده فتتحسن حالتك ” .

فقال شاول لحاشيته: “انظروا لي رجلا يحسن العزف وأتوني به “.

فأجاب واحد من الحاشية وقال: ” رأيت ابنا ليسى من بيت لحم يحسن العزف، وهو ذو بأس ومحارب باسل، فصيح الكلام حسن المنظر، والرب معه “.

فأرسل شاول رسلا إلى يسى وقال له: ” أرسل إلي داود ابنك الذي مع الغنم “.

فأخذ يسى حمارا وحمل عليه خبزا وزق خمر وجديا من المعز، وأرسل ذلك بيد داود ابنه إلى شاول.

فأتى داود إلى شاول، ومثل أمامه، فأحبه حبا شديدا، وكان له حامل سلاح.

وأرسل شاول إلى يسى وقال: ” ليبق داود لدي، لأنه قد نال حظوة في عيني “.

وكان، إذا اعترى شاول الروح من لدن الله، يأخذ داود الكنارة ويعزف بيده، فيستريح شاول وتتحسن حالته، ويفارقه الروح الشرير.

وجمع الفلسطينيون قواتهم للحرب، واجتمعوا في سوكو التي ليهوذا، وعسكروا بين سوكو وعزيقة في أفيس دميم.

واجتمع شاول ورجال إسرائيل، وعسكروا عند وادي المطمة واصطفوا لمحاربة الفلسطينيين.

ووقف الفلسطينيون على جبل من ههنا، ووقف إسرائيل على جبل من هناك، وبينهم الوادي.

فخرج رجل مبارز من صفوف الفلسطينيين اسمه جليات من جت. وكان طوله ست أذرع وشبرا،

وعلى رأسه خوذة من نحاس. وكان لابسا درعا حرشفية، ووزن الدرع خمسة آلاف مثقال نحاس،

وعلى رجليه ساقان من نحاس، وبين كتفيه مزراق من نحاس،

وقناة رمحه كمطوى النساج، ووزن سنان رمحه ست مئة مثقال حديد. وكان يتقدمه رجل يحمل ترسه.

فوقف ونادى صفوف إسرائيل وقال لهم: ” لماذا تخرجون للاصطفاف في الحرب؟ آلست أنا الفلسطيني وأنتم عبيد شاول؟ فاختاروا لكم رجلا ينازلني.

فإن استطاع أن يحاربني وقتلني، صرنا لكم عبيدا. وإن ظفرت أنا به وقتلته، تصيرون أنتم لنا عبيدا وتخدموننا”.

وأضاف الفلسطيني: “إني أعير اليوم صفوف إسرائيل! هاتوا لي رجلا لنتقاتل معا “.

فسمع شاول كل إسرائيل كلام الفلسطيني هذا، ففزعوا وخافوا خوفا شديدا.

وكان داود ابن ذلك الرجل الأفراتي من بيت لحم يهوذا الذي اسمه يسى، وكان له ثمانية بنين، وكان الرجل على عهد شاول قد شاخ وتقدم في السن بين الناس.

وإن ثلاثة من بنيه الكبار مضوا وتبعوا شاول إلى الحرب. وأسماء بنيه الثلاثة الذين ذهبوا إلى الحرب ألياب وهو البكر، وأبيناداب ثانيه، وشمة الثالث.

وكان داود الأصغر. فمضى الثلاثة الكبار في إثر شاول.

(وأما داود، فكان يذهب ويرجع من عند شاول ليرعى غنم أبيه في بيت لحم .

وكان الفلسطيني يبرز ويقف صباحا ومساء أربعين يوما).

فقال يسى لداود ابنه: “خذ لإخوتك إيفة من هذا الفريك وهذه الأرغفة العشرة، وهلم إلى إخوتك في المعسكر.

وخذ قطع الجبن العشر هذه لقائد الألف، وافتقد إخوتك هل هم بخير، وخذ منهم عربونا،

وهم وشاول وجميع رجال إسرائيل في وادي البطمة يقاتلون الفلسطينيين “.

فبكر داود في الصباح، ووكل الغنم إلى من يسهر عليها، وحمل ومضى، كما أمره يسى، ووصل إلى المعسكر، وكان الجيش يخرج للاصطفاف ويهتف للحرب.

واصطف إسرائيل والفلسطينيون صفا بإزاء صف.

فترك داود الأمتعة التي معه في يد حافظ الأمتعة، وعدا إلى الصف، وأتى وسأل عن سلامة إخوته.

وبينما هو يكلمهم، إذا الرجل المبارز المسمى جليات الفلسطيني من جت قد صعد من صف الفلسطينيين، وتكلم بذلك الكلام نفسه. فسمعه داود.

فلما رأى جميع رجال إسرائيل ذلك الرجل، هربوا من وجهه وخافوا خوفا شديدا.

وقال رجال إسرائيل: “أرأيتم هذا الرجل الصاعد؟ إنما هو صاعد ليعير إسرائيل. من قتله يغنيه الملك غنى عظيما ويزوجه ابنته ويعني بيت أبيه من كل جزية في إسرائيل “.

فقال داود للذين كانوا واقفين معه: “ماذا يصفع إلى من يقتل هذا الفلسطيني ولصرف العار عن إسرائيل؟ ومن عسى أن يكون هذا الفلسطيني الأقلف حتى يعير صفوف الله الحي؟ “

فكلمه القوم بمثل هذا الكلام، وقالوا: “كذا يصنع إلى من يقتله “.

فسمع أليآب، أخوه الأكبر، ما تكلم به مع الرجال، فغضب أليآب علما داود، وقال له: “لماذا نزلت إلى وعند من تركت تلك الغنيمات القلائل في البرية؟ إني أعرف اعتدادك بنفسك ومكر قلبك. إنك إنما نزلت لترى القتال “.

فقال داود: “ماذا صنعت الآن؟ أليس ذلك مجرد كلام؟ “

وانصرف من عنده إلى رجل آخر. وقال مثل قوله الأول، فأجابه القوم بجوابهم الأول.

فسمع الكلام الذي تكلم به داود وتحدثوا به أمام شاول، فاستحضره.

فقال داود لشاول: “لا تخر عزيمة أحد بسببه ، فإن عبدك يمضي فيحارب هذا الفلسطيني “.

فقال شاول لداود: ” لا تقدر على ملاقاة هذا الفلسطيني ومقاتلته، لأنك أنت ولد وهو رجل حرب منذ صباه “.

فقال داود لشاول: “كان عبدك يرعى غنم أبيه، فكان يأتي أسد وتارة دب ويخطف شاة من القطيع.

فكنت أخرج وراءه وأضربه وأنقذها من فمه. واذا وثب علي، أخذت بذقنه وضربته فقتلته.

فقد قتل عبدك أسدا ودبا، وسيكون هذا الفلسطيني الأقلف مثل واحد منهما، لأنه عير صفوف الله الحي “.

وأضاف داود: “إن الرب الذي أنقذني من يد الأسد والدب هو ينقذني من يد هذا الفلسطيني “. فقال شاول لداود: “إمض وليكن الرب معك “.

وألبس شاول داود ثيابه، وجعل على رأسه خوذة من نحاس وألبسه درعا.

وتقلد داود سيفه فوق ثيابه وحاول أن يمشي، لأنه لم يكن قد جرب. فقال داود لشاول: “لا أستطيع أن أمشي بهذه، لأني لم أكن قد جربتها”. ونزعها داود عنه .

ثم أخذ عصاه بيده وانتقى خمسة حجارة ملس من الوادي ووضعها في جيب كيس الراعي الذي له، ومقلاعه بيده، وتقدم من الفلسطيني.

فجاء الفلسطيني واقترب من داود، يتقدمه الرجل الحامل ترسه.

وتطلع الفلسطيني ورأى داود، فاحتقره، لأنه كان ولدا (أصهب جميل المنظر).

فقال الفلسطيني لداود: “أكلب أنا حتى تأتيني بالعصي؟” ولعن الفلسطيني داود بآلهته.

ثم قال الفلسطيني لداود: “هلم فأجعل لحمك لطيور السماء وبهائم الحقود”.

فقال داود للفلسطيني: “أنت تأتيني بالسيف والرمح والمزراق، وأنا آتيك باسم رب القوات، إله صفوف إسرائيل الذي أنت عيرته.

في هذا اليوم يسلمك الرب إلى يدي فأقتلك وأفصل رأسك عنك، وأجعل اليوم جثث جيش الفلسطينيين لطيور السماء ووحوش الأرض، حتى تعلم الأرض كلها أن لإسرائيل إلها،

وتعلم هذه الجماعة كلها أن ليس بالسيف والرمح يخلص الرب، لأن للرب القتال، وهو يسلمكم إلى أيدينا”.

وكان، لما نهض الفلسطيني وذهب وتقدم لملاقاة داود، أن داود أسرع وركض نحو صف القتال لملاقاة الفلسطيني.

ومد داود يده إلى الكيس، وأخذ منه حجرا وقذف بالمقلاع، فضرب الفلسطيني في جبهته، وانغرز الحجر في جبهته، فسقط على وجهه على الأرض

. وانتصر داود على الفلسطيني بالمقلاع والحجر، وضرب الفلسطيني وقتله، ولم يكن في يد داود سيف.

فركض داود ووقف على الفلسطيني، وأخذ سيفه واستله من غمده وقتله، وقطع به رأسه. فلما رأى الفلسطينيون أن بطلهم قد قتل، هربوا.

وقام رجال إسرائيل ويهوذا وهتفوا وطاردوا الفلسطينيين، حتى انتهوا إلى الوادي وإلى أبواب عقرون، وسقط قتلى الفلسطينيين في طريق شعرئيم إلى جت وإلى عقرون.

ثم رجع بنو إسرائيل عن مطاردة الفلسطينيين، ونهبوا معسكرهم.

وأخذ داود رأس الفلسطيني وجاء به إلى أورشليم، ووضع سلاحه في خيمته .

ورأى شاول داود حين خرج للقاء الفلسطيني، فقال لأبنير، قائد الجيش: “ابن من هذا الفتى، يا أبنير”؟ فقال أبنير:” حية نفسك أيها الملك، إني لا أعرفه “.

فقال الملك: “سل ابن من هذا الفتى”.

فلما رجع داود من قتله الفلسطيني، أخذه أبنير وأدخله على شاول، ورأس الفلسطيني بيده.

فقال له شاول: “ابن من أنت يا فتى؟ ” فقال له داود: “أنا ابن عبدك يسى من بيت لحم “.

ولما انتهى داود من كلامه مع شاول، تعلقت نفس يوناتان بنفس داود، وأحبه يوناتان حبه لنفسه.

وأمسكه شاول في ذلك اليوم، ولم يدعه يرجع إلى بيت أبيه.

وقطع يوناتان مع داود عهدا، لأنه أحبه حبه لنفسه.

وخلع يوناتان الرداء الذي عليه ووهبه لداود مع سائر ثيابه، حتى سيفه وقوسه وحمالته .

وكان داود يخرج حيثما أرسله شاول ويتصرف بحكمة. فأقامه شاول على رجال الحرب، وحظي في عيون الشعب كله وعيون ضباط شاول أيضا.

وكان، عند وصولهم حين رجع داود من قتل الفلسطيني، أن خرجت النساء من جميع مدن إسرائيل، وهن يغنين ويرقصن بدفوف وهتافات ابتهاج ومثلثات في استقبال شاول الملك.

فأنشدت النساء الراقصات وقلن “قتل شاول ألوفه وداود ربواته “.

فغضب شاول غضبا شديدا وساء ذلك الكلام في عينيه وقال: “جعل لداود ربوات، وأما لي فجعل ألوف، فلم يبق له إلا المملكة “.

وأخذ شاول ينظر إلى داود بعين الشر من ذلك اليوم فصاعدا.

وكان في الغد أن اعترى شاول الروح الشرير من لدن الله، فأخذ يتنبأ في داخل بيته، وكان داود يعزف بيده، كما كان يفعل كل يوم. وكان في يد شاول رمح.

فرمى شاول بالرمح قائلا في نفسه: “أسمر داود في الحائط “. فتنحى داود من أمامه مرتين .

فخاف شاول من داود، لأن الرب كان معه وقد أعرض عن شاول.

فأبعده شاول من عنده وأقامه رئيس ألف. فكان يخرج ويدخل أمام الشعب.

وكان داود يتصرف بحكمة في كل ما يقوم به، وكان الرب معه.

ورأى شاول أنه حكيم جدا، فخاف منه.

وأحب كل إسرائيل ويهوذا داود، لأنه كان يخرج ويدخل أمامهم.

فقال شاول لداود: ” هذه ابنتي الكبرى ميراب، أعطيك إياها زوجة، ولكن كن لي ذا بأس، وحارب حروب الرب “، لأن شاول كان يقول: “لا تكن يدي عليه، وإنما تكون عليه يد الفلسطينيين “.

فقال داود لشاول: “من أنا وما عشيرتي وعشيرة أبي في إسرائيل حتى أكون صهر الملك؟ “

ولكنة في ميعاد إعطاء ميراب، ابنة شاول، لداود، أنها أعطيت زوجة لعدريئيل المحولي .

وأحبت ميكال، ابنة شاول، داود فأخبر شاول، فحسن الأمر في عينيه،

وقال شاول في نفسه: “أعطيه إياها، فتكون له فخا، وتكون يد الفلسطينيين عليه “. فقال شاول لداود مرة ثانية: “تصاهرني اليوم”.

وأمر شاول حاشيته قائلا: “تكلموا مع داود سرا وقولوا: إنك قد أعجبت الملك، كل حاشيته أحبتك، فصاهر الآن الملك “.

فلما تكلمت حاشية شاول على مسمع داود بهذا الكلام، قال داود: ” أقليل عندكم أن أصاهر الملك وأنا رجل مسكين حقير؟ “

فأخبرت شاول حاشيته وقالت: “كذا قال داود”.

فقال شاول: ” هذا ما تقولونه لداود: ليست رغبة الملك في المهر، ولكنه يريد مئة قلفة بن الفلسطينيين انتقاما من أعداء الملك “. وكان شاول قد أضمر أن يوقع داود في يد الفلسطينيين.

فأخبرت حاشية شاول داود بهذا الكلام، فحسن الأمر في عيني داود أن يصاهر الملك. فلم تتم الأيام

حتى قام داود وذهب هو ورجاله وقتل من الفلسطينيين مئتي رجل جاء داود بقلفهم، فسلمت بتمامها إلى الملك ليصاهره. فزوجه شاول ميكال ابنته.

ورأى شاول وعلم أن الرب مع داود. وكانت ميكال ابنة شاول تحب داود.

وازداد شاول خوفا من داود، وصار شاول عدوا لداود كل الأيام.

وخرج قواد الفلسطينيين إلى الحرب، وكان داود، كلما خرجوا، أحكم تصرفا من جميع ضباط شاول. فعظم اسمه كثيرا.

وكلم شاول يوناتان ابنه وكل حاشيته بقتل داود.

وكان يوناتان بن شاول يحب داود حبا شديدا. فأخبر يوناتان داود وقال: “إن شاول أبي يريد قتلك، فاحترس لنفسك منذ غد، واذهب إلى خفية وأقم فيها.

وأنا أخرج فأقف لدى أبي في الحقل الذي تكون فيه وأكلم أبي في شأنك وأرى ما يكون فأخبرك “.

وذكر يوناتان داود بخير أمام أبيه شاول، وقال: “لا يخطإ الملك إلى عبده داود، لأنه لم يخطأ إليك، وأعماله حسنة لك جدا.

فإنه خاطر بنفسه وقتل الفلسطيني فأجرى الرب نصرا عظيما لكل إسرائيل، وأنت قد شاهدت وفرحت. فلماذا تخطأ إلى دم زكي وتقتل داود بلا سبب؟ “.

فسمع شاول لكلام يوناتان، وحلف وقال: “حي الرب! إنه لا يقتل “

فدعا يوناتان داود وأخبره بهذا الكلام كله، وأدخل داود على شاول. فكان أمامه كما كان من أمس فما قبل.

وعادت الحرب، فخرج داود وحارب الفلسطينيين، وضربهم ضربة شديدة، فهربوا من وجهه.

واعترى الروح الشرير شاول من لدن الرب، وهو جالس في بيته والرمح في يده، وكان داود يعزف بيده.

فأراد شاول أن يسمو داود بالرمحفي الحائط، فتنحى داود من أمام شاول، فنثسب الرمح في الحائط، وهرب داود ونجا في تلك الليلة.

فأرسل شاول رسلا إلى بيت داود يترصدونه ليقتلوه صباحا. فأخبرت داود ميكال امرأته وقالت: “إن لم تنج بنفسك هذه الليلة، قتلت في الغد”.

ودلته ميكال من نافذة، فذهب وهرب ناجيا.

ثم أخذت ميكال أحد الترانيم وجعلته على السرير، وجعلت عند رأسه من شعر المعز وسترته برداء.

وأرسل شاول رسلا على داود، فقالت: “هو مريض”.

فأعاد شاول الرسل ليروا داود قائلا لهم: “أصعدوه إلي في السرير لأقتله “.

فجاء رسل شاول، فإذا على السرير أحد الترافيم وعند رأسه شعر المعز.

فقال شاول لميكال: “لماذا خدعتني وأطلقت عدوي حتى نجا؟ ” فقالت ميكال لشاول: ” هو قال لي: أطلقيني وإلا قتلتك “.

وهرب داود ونجا وأتى إلى صموئيل في الرامة، وأخبره بكل ما صنع به شاول، ومضى هو وصموئيل وأقاما بنايوت.

فأخبر شاول وقيل له: “هوذا داود في بنايوت الرامة”.

فأرسل شاول رسلا يقبضون على داود. فرأى رسله جماعة الأنبياء وهم يتنبأون و وصموئيل واقف رئيسا عليهم. فحل روح الرب على رسل شاول فتنبأوا هم أيضا.

فأخبر شاول فأرسل رسلا آخرين، فتنبأوا هم أيضا. وعاد شاول فأرسل رسلا مرة ثالثة، فتنبأوا أيضا.

فذهب هو بنفسه إلى الرامة، وانتهى إلى البئر الكبيرة التي عند سيكو، وسأل قائلا: “أين صموئيل وداود؟ ” فقالوا له: ” في نايودت في الرامة “.

فذهب شاول إلى هناك إلى نايوت في الرامة، فحل عليه أيضا روح الله، فجعل يسير ويتنبأ حتى انتهى إلى نايوت في الرامة،

ونزع هو أيضا ثيابه وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل، وانطرح عريانا نهاره ذلك وليله كله. لذلك يقولون: “أشاول أيضا من الأنبياء؟ “

فهرب داود من نايوت في الرامة، وأتى وقال ليوناتان وجها لوجه: “ماذا وما هو إثمي وما هي خطيئتي إلى أبيك حتى يطلب نفسي؟ “

فقال يوناتان: “حاش! إنك لا تموت، فهوذا أبي لا يصنع أمرا كبيرا ولا صغيرا ما لم يكاشفني به. فكيف يكتمني أبي هذا الأمر؟ ليمس هناك شي من هذا”.

فعاد داود وحلف فقال: “إن أباك قد علم أني قد نلت حظوة في عينيك، فقال في نفسه: لا يعلم يوناتان بهذا لئلا يحزن. ولكن حي الرب وحية نفسك! إنه ما كان بيني وبين الموت إلا خطوة”.

فقال يوناتان لداود: “ما تطلبه نفسك فإني صانعه لك “.

فقال داود ليوناتان: ” غدا رأس الشهر ، وهو أوان جلوسي مع الملك إلى الطعام، فاصرفني لأختبئ في الحقل إلى المساء.

فإن افتقدني أبوك، فقل له: إن داود استأذنني في الإسراع إلى بيت لحم مدينته، لأن لعشيرته كلها هناك الذبيحة السنوية.

فإن قال: حسن، كان لعبدك سلام، ولكن إن غضب فاعلم أن الشر قد تم بن قبله.

فاصنع إلى عبدك هذه الرحمة، لأنك قد عاهدت عبدك عهد الرب، وإن كان علي إثم فاقتلني أنت، ولماذا تدخلني على أبيك؟ “

فقال يوناتان: “حاش لك! إني، إذا علمت أن الشر قد تم عليك من قبل أبي، أفلا أخبرك؟ “

فقال داود ليوناتان: “من يخبرني إن أجابك أبوك بجواب جاف؟ ” .

فقال يوناتان لداود: “هلم نخرج إلى الحقل “، وخرجا كلاهما إلى الحقل،

وقال يوناتان لداود: “والرب إله إسرائيل، سأستكشف أبي بعد غد في مثل هذه الساعة، فإن كان لداود خير ولم أرسل حينئذ وأكاشفك،

فليصنع الرب كذا بيوناتان وكذا يزيد. وإن حسن لأبي أن يسيء إليك، فإني أكاشفك وأطلقك، فتنصرف بسلام، وليكن الرب معك كما كان مع أبي.

وإن بقيت حيا، أفلا تصنع إلي رحمة الرب لكي لا أموت!

فلا تقطع رحمتك عن بيتي أبدا، حتى إذا أباد الرب كل واحد من أعداء داود عن وجه الأرض “.

وهكذا عاهد يوناتان بيت داود وقال: “يطالب الرب أعداء داود” .

وطلب يوناتان من داود أن يحلف له ثانية بسبب حبه له، لأنه أحبه حبه لنفسه.

ثم قال يوناتان: “غدا رأس الشهر، فستفتقد فيه،

لأن مكانك يكون خاليا، وفي اليوم الثالث، تنزل سريعا وتأتي إلى المكان الذي اختبأت فيه يوم العمل ، وتبقى بجانب صخرة الانصراف.

وأنا أرمي بثلاثة أسهم إلى جانبها، كأني أرمي هدفا.

وحينئذ أرسل خادمي قائلا له: إذهب فالتقط الأسهم. فإن قلت للخادم: الأسهم خلفك، فخذها وأت أنت إلي لأن لك سلاما وليس عليك شيء، حي الرب!

وإن قلت للخادم: الأسهم أمامك، فانصرف فإن الرب قد أطلقك.

وأما الكلام الذي تكلمنا به أنا وأنت فهوذا الرب بيني وبينك للأبد”.

فاختبأ داود في الحقل. فلما كان رأس الشهر، جلس الملك إلى الطعام.

فجلس الملك إلى مكانه حسب كل مرة ، إلى مكان عند الحائط. وجلس يوناتان إزاءه ، وجلس أبنير إلى جانب شاول، وكان مكان داود خاليا.

ولم يقل شاول في ذلك اليوم شيئا لأنه قال في نفسه: “لعله عرض له عارض، لعله غير طاهر، لا شك أنه ليس بطاهر” .

فلما كان اليوم الثاني من الشهر، خلا مكان داود، فقال شاول ليوناتان ابنه: ” لماذا لم يأت ابن يسى، لا أمس ولا اليوم، للطعام ؟ “

فأجاب يوناتان شاول: ” إن داود قد استأذنني إلى بيت لحم،

وقال: أطلقني، لأن لعشيرتنا كلها ذبيحة في المدينة، وإن أخي قد أمرني بذلك، والآن إن نلت حظوة في عينيك، دعني أذهب فأرى إخوتي. ولذلك لم يحضر مائدة الملك “.

فغضب شاول غضبا شديدا على يوناتان وقال له: ” يا ابن الفاسدة المتمردة، ألم أعلم أنك قد تحزبت لابن يسى لخزيك وخزي عورة أمك؟

لأنه ما دام ابن يسى حيا على الأرض، فلا تثبت أنت ولا مملكتك. وأرسل الآن فأتني به، لأنه يستوجب الموت “.

فأجاب يوناتان شاول أباه وقال له: “لماذا يقتل؟ ما الذي صنعه؟ “

فرفع شاول الرمح إليه ليطعنه به. فعرف يوناتان أن أباه قد عزم على قتل داود.

فقام يوناتان عن المائدة غاضبا غضبا شديدا ولم يأكل طعاما في اليوم الثاني من الشهر، من حزنه على داود، لأن أباه قد أخزاه.

وفي صباح الغد، خرج يوناتان إلى الحقل في وقت ميعاد داود، ومعه خادم صغير،

وقال للخادم: “اركض فالتقط السهام التي أرمي بها”. فركض الخادم ورمى يوناتان بسهم حتى جاوزه.

فبلغ الخادم مكان السهم الذي رمى به يوناتان. فنادى يوناتان الخادم وقال: ” أليس السهم أمامك؟ “

ونادى يوناتان الخادم وقال: “أسرع على عجل ولا تقف “. فالتقط خادم يوناتان السهم وعاد إلى سيده.

ولم يعلم الخادم شيئا، وكان يوناتان وداود فقط يعلمان الأمر.

ثم سلم يوناتان سلاحه إلى خادمه وقال له: “إمض فخذه إلى المدينة “.

وانصرف الخادم فقام داود من عند الأكمة وارتمى كلما وجهه إلى الأرض وسجد ثلاث مرات، وقبل كل منهما صاحبه، وبكى كل منهما إلى صاحبه، وكان بكاء داود أشد.

وقال يوناتان لداود: “إذهب بسلام! إننا قد حلفنا كلانا باسم الرب وقلنا: ليكن الرب بيني وبينك، وبين ذريتي وذريتك للأبد”. فقام داود وذهب، وأما يوناتان فعاد إلى المدينة.

ووصل داود إلى نوب ، إلى أحيملك الكاهن . فارتعش أحيملك عند لقاء داود وقال له: “لماذا أنت وحدك وليس معك أحد؟ “

فقال داود لأحيملك الكاهن: “إن الملك قد أمرني بحاجة وقال لي: لا يعلم أحد بشيء مما أرسلتك فيه وأمرتك به. وأما الرجال فقد واعدتهم إلى مكان كذا.

والآن فما الذي تحت يدك؟ أعطني خمسة أرغفة أو ما تيسر”.

فأجاب الكاهن وقال لداود: ” ليس تحت يدي خبز عادي. وليس عندي إلا خبز مقدس ، على أن يكون الرجال قد صانوا أنفسهم من المرأة”.

فأجاب داود وقال للكاهن: “إن المرأة قد منعت عنا منذ أمس فما قبل، حين أخرج إلى الحرب، وأعضاء الرجال مقدسة، مع أن الحملة عادية. فما أحرى الأعضاء بأن تكون اليوم مقدسة ” .

فسلم إليه الكاهن من الخبز المقدس، لأنه لم يكن هنالك خبز ، ما عدا الخبز المقدس المرفوع من أمام الرب ليوضع خبز سخن في يوم رفعه.

وكان هناك يومئذ رجل من خدام شاول محتبسا أمام الرب، يقال له دوئيج الأدومي، وهو كبير رعاة شاول .

وقال داود لأحيملك: “آليس عندك ههنا رمح أو سيف؟ فإني لم آخذ معي سيفي ولا سلاحي، لأن أمر الملك كان معجلا”.

فقال الكاهن: “إن ههنا سيف جليات الفلسطيني الذي قتلته في وادي البطمة، وهو ملفوف برداء خلف الأفود . إن شئت فخذه لأنه ليس ههنا غيره ” فقال داود: “ولا مثيل له، فعلي به “.

وقام داود وهرب في ذلك اليوم من وجه شاول. فأتى آكيش، ملك جت.

فقالت لآكيش حاشيته: “أليس هذا داود، ملك الأرض؟ أليس لهذا كن يغنين في الرقص ويقلن: قتل شاول ألوفه وداود ربواته؟ “

فجعل داود هذا الكلام في قلبه وخاف خوفا شديدا من وجه آكيش، ملك جت.

وغير عقله أمامهم وتظاهر بالجنون أمامهم، وجعل يخط على مصاريع الباب، وهو يسيل لعابه على لحيته.

فقال آكيش لحاشيته: “ترون الرجل مجنونا، فلم أتيتموني به؟

أمن قلة المجانين عندي أتيتموني بهذا ليتصرف بجنون أمامي؟ أهذا يدخل بيتي؟ “

وانصرف داود من هناك ولجأ إلى مغارة عدلام . فلما سمع إخوته كل بيت أبيه، نزلوا إليه إلى هناك.

واجتمع إليه كل صاحب ضيق وكل من كان عليه دين وكل من كان في مرارة نفس، فكان عليهم رئيسا وصار معه نحو أربع مئة رجل.

ومضى داود من هناك إلى مصفاة موآب، وقال لملك موآب: “ليقم أبي وأمي عندكم حتى أعلم ما يصنع الله لي)).

وأخذهما إلى ملك موآب، فأقاما عنده كل أيام إقامة داود في الملجأ.

فقال جاد النبي لداود : “لا تبق في الملجأ، بل امض وأدخل أرض يهوذا”. فمضى داود من هناك ودخل غابة حارت.

وسمع شاول أن داود قد وجد هو والرجال الذين معه، وكان شاول في جبع جالسا تحت الطرفاء التي في المشرف، ورمحه بيده وجميع ضباطه واقفون حوله.

فقال شاول لضباطه الواقفين حوله: “اسمعوا يا آل بنيامين، ألعل ابن يسى يعطيكم جميعا هو أيضا حقولا كروما، أو لعله يجعلكم أجمعين رؤساء ألوف ورؤساء مئات،

حتى تآمرتم علي كلكم، ومن لم يكن فيكم من كاشفني، عندما قطع ابني عهدا مع ابن يسى، ولا فيكم من أشفق علي وكاشفني بأن ابني قد أثار علي عبدي حتى كمن لي كما ترون في هذا اليوم؟ “

فأجاب دوئيج الأدومي الذي كان واقفا مع ضباط شاول وقال: “رأيت ابن يسى قد أتى إلى نوب، إلى أحيملك بن أحيطوب.

فسأل له الرب وأعطاه زادا، وسيف جليات الفلسطيني قد سلمه إليه “.

فأرسل الملك فدعا أحيملك ابن أحيطوب الكاهن وكل بيت أبيه الكهنة الذين في نوب، فأتوا كلهم إلى الملك.

فقال شاول: ” اسمع يا ابن أحيطوب “. فقال: “هاءنذا يا سيدي “.

فقال له شاول: “لماذا تآمرتما علي، أنت وابن يسى، فأعطيته خبزا وسيفا وسألت له الله، ليقوم علي ويكمن لي، كما ترى في هذا اليوم؟ “

فأجاب أحيملك وقال للملك: “من من جميع عبيدك أمين مثل داود، صهر الملك، رئيس حرسك ومكرم في بيتك؟

ألعلى من هذا اليوم بدأت أسأل له الله؟ حاش لي! لا ينسب الملك شيئا إلى عبده ولا إلى كل بيت أبي، لأن عبدك لا يعلم بقليل ولا كثير من هذا الأمر كله “.

فقال الملك: “إنك تموت موتا يا أحيملك، أنت وكل بيت أبيك “.

ثم قال الملك للسعاة الواقفين أمامه: اعطفوا واقتلوا كهنة الرب، لأن أيديهم أيضا مع داود، وقد علموا أنه هارب، ولم يكاشفوني بالأمر”. فأبى خدام الملك أن يمدوا أيديهم ليوقعوا بكهنة الرب.

فقال الملك لدوئيج: “اعطف أنت وأوقع بالكهنة”. فعطف دوئيج الأدومي وأوقع بالكهنة، وقتل في ذلك اليوم خمسة وثمانين رجلا لابسي أفود كتان.

ثم ضرب شاول نوب، مدينة الكهنة، بحد السيف، من الرجل إلى المرأة ومن الطفل إلى الرضيع، والبقر والحمير والغنم، بحد السيف.

فنجا ابن لأحيملك بن أحيطوب، اسمه أبياتار، وهرب إلى داود.

وأخبر أبياتار داود أن شاول قتل كهنة الرب.

فقال داود لأبياتار: “قد عرفت في ذلك اليوم، حين كان دوئيج الأدوي هناك، أنه سيخبر شاول. فأنا المسؤول عن كل نفس من أنفس بيت أبيك.

فأقم عندي ولا تخف، لأن الذي يطلب نفسي هو الذي يطلب نفسك. فأنت عندي في أمان ” . داود في ليلة

وأخبر داود وقيل له: “هوذا الفلسطينيون يحاربون قعيلة وينهبون البيادر”.

فسأل داود الرب قائلا: “أأسير وأضرب أولئك الفلسطينيين؟ ” فقال الرب لداود: ” سر فإنك ستضرب الفلسطينيين وتخلص قعيلة”.

فقال لداود رجاله: “إننا ونحن هنا في يهوذا خائفون، فكم بالأحرى إذا ذهبنا إلى قعيلة لمحاربة صفوف الفلسطينيين! “

فعاد داود وسأل الرب أيضا، فأجابه الرب وقال: ” قم فانزل إلى قعيلة، فإني أسلم الفلسطينيين إلى يدك “.

فمضى داود ورجاله إلى قعيلة، وحارب الفلسطينيين وساق مواشيهم وضربهم ضربة شديدة، وخلص داود أهل قعيلة.

وكان، لما هرب أبياتار بن أحيملك إلى داود، أنه نزل إلى قعيلة وفي يده أفود .

وأخبر شاول بأن داود قد دخل إلى قعيلة. فقال شاول: ” قد أسلمه الله إلى يدي، لأنه احتبس في مدينة ذات أبواب ومزاليج “.

واستدعى شاول كل الشعب إلى القتال، وإلى النزول إلى قعيلة ومحاصرة داود ورجاله.

وعرف داود أن شاول قد أضمر له السوء. فقال لأبياتار الكاهن: ” هلم بالأفود “.

وقال داود: ” أيها الرب، إله إسرائيل، قد بلغ عبدك أن شاول يريد أن يدخل إلى قعيلة، ليخرب المدينة بسبي.

فهل يسلمني أعيان قعيلة إلى يده؟ وهل ينزل شاول كما سمع عبدك؟ أيها الرب، إله إسرائيل، أخبر عبدك “. فقال الرب: ” ينزل “.

فقال داود: ” وهل يسلمني أعيان قعيلة، أنا ورجالي، إلى يد شاول؟ ” فقال الرب: “يسلمون ” .

فقام داود ورجاله، وكانوا نحو ست مئة رجل، وخرجوا من قعيلة وهاموا على وجوههم. فأخبر شاول أن داود قد هرب من قعيلة. فعدل عن الخروج إلى الحرب.

وأقام داود في البرية، في الملاجئ، ثم أقام في الجبل، في برية زيف . وكان شاول يطلبه كل يوم، ولكن الله لم يسلمه إلى يده.

ورأى داود أن شاول قد خرج يطلب نفسه، وكان داود في حرشة، في برية زيف.

فقام يوناتان بن شاول وأتى إلى داود في حرشة، وشدد عزيمته باسم الله، وقال له:

“لا تخف، لأن يد شاول أبي لن تصيبك، وأنت ستملك على إسرائيل، وأنا أكون لك ثانيا، وشاول أبي أيضا يعلم ذلك “

وقطعا كلاهما عهدا أمام الرب. ولبث داود في حرشة، وانصرف يوناتان إلى بيته.

وصعد الزيفيون إلى شاول في جبع وقالوا: “إن داود مختبئ عندنا في الملاجئ التي في حرشة، في أكمة الحكيلة، جنوبي القفر.

فحين أحبت نفسك، أيها الملك، أن تنزل، فأنزل، وعلينا أن نسلمه إلى يد الملك “.

فقال شاول: ” مباركون أنتم لدى الرب، لأنكم رحمتموني.

فانصرفوا وتحققوا أيضا واعلموا وانظروا في أي مكان قدمه ومن الذي أبصره هناك، فقد قيل لي إنه كثير الاحتيال.

فانظروا واعلموا بجميع المخابئ التي يختبئ فيها، وعودوا إلي باليقين، فأسير معكم. وإن كان في تلك الأرض، فإني أبحث عنه في جميع ألوف يهوذا”.

فقاموا وذهبوا إلى زيف قدام شاول، وكان داود ورجاله في برية معون، في العربة، جنوبي القفر.

ومضى شاول ورجاله في الطلب. فأخبر داود فنزل إلى الصخرة، وأقام في برية معون . فلما سمع شاول، تعقب داود إلى برية معون.

وكان شاول يسير في جانب الجبل من ههنا، وداود ورجاله في الجانب الآخر من هناك. وكان داود مسرعا في هربه من شاول، وشاول ورجاله يحيطون بداود ورجاله ليأخذوهم.

فأتى شاول رسول وقال له: “أسرع واذهب، لأن الفلسطينيين قد أغاروا على الأرض “.

فكف شاول عن ملاحقة داود، ومضى للقاء الفلسطينيين. ولذلك دعي ذلك المكان صخرة الافتراق.

وصعد داود من هناك وأقام في ملاجئ عين جدي .

فلما رجع شاول من مطاردة الفلسطينيين، أخبر وقيل له: “هوذا داود في برية عين جدي “.

فأخذ شاول ثلاثة آلاف رجل منتخبين من جميع إسرائيل، وسار في طلب داود ورجاله عند صخور الوعول.

ووصل إلى حظائر الغنم التي في الطريق. وكانت هناك مغارة، فدخل شاول المغارة لحاجة له. وكان داود ورجاله جالسين في باطن المغارة.

فقال لداود رجاله: ” هذا هو اليوم الذي قال لك الرب فيه: هاءنذا أسلم عدوك إلى يدك، فتصنع به ما حسن في عينيك “. فقام داود وقطع طرف رداء شاول خفية.

وبعد ذلك، خفق قلب داود لقطعه طرف رداء شاول .

وقال لرجاله: ” حاش لي بالرب أن أصنع هذا الأمر بسيدي مسيح الرب، وردع عليه يدي، لأنه مسيح الرب “.

وردع رجاله بهذا الكلام، ولم يدعهم يهجمون على شاول. ثم قام لشاول وخرج من المغارة وسار في سبيله.

فقام داود بعد ذلك وخرج من المغارة ونادى شاول وقال: “يا سيدي الملك “. فالتفت شاول إلى خلفه. فارتمى داود على وجهه إلى الأرض ساجدا.

وقال داود لشاول: ” لماذا تسمع كلام الناس القائلين إن داود يطلب أذاك؟

قد رأت عيناك اليوم أن الرب قد أسلمك اليوم إلى يدي في المغارة، وقد أشير علي بأن أقتلك. لكن عيني أشفقت عليك، وقلت: لا أرفع يدي على سيدي لأنه مسيح الرب.

فانظر يا أبي، انظر طرف ردائك في يدي. فمن كوفي قطعت طرف ردائك ولم أقتلك، اعلم وانظر أن ليس في يدي شر ولا معصية ولم أخطأ إليك، وأنت تتصيد نفسي لتأخذها.

فليحكم الرب بيني وبينك، والرب ينتقم لي منك. وأما يدي فلا تكون عليك.

(كما يقول مثل الأقدمين: من الأشرار يخرج الشر. فيدي لا تكون عليك) .

وراء من خرج ملك إسرائيل ووراء من أنت مطارد؟ وراء كلب ميت وبرغوث واحد؟

فليكن الرب ديانا وليحكم بيني وبينك، ولينظر ويدافع عن قضيتي وينصفني من يدك “.

فلما انتهى داود من كلامه هذا لشاول، قال شاول: “أهذا صوتك يا ابني داود؟ ” ورفع شاول صوته وبكى.

ثم قال لداود: “أنت أبر مني، لأنك جزيتني خيرا وأنا جزيتك شرا.

ولقد أظهرت اليوم أنك صنعت إلي خيرا، لأن الرب قد أسلمني إلى يدك ولم تقتلني.

وإذا تمكن المرء من عدوه، فهل يطلق سبيله بخير؟ فجزاك الرب خيرا لما صنعت اليوم معي.

ولقد علمت الآن أنك ستصير ملكا ويثبت في يدك ملك إسرائيل.

فاحلف لي الآن بالرب أنك لا تقرض ذريتي من بعدي ولا تبيد اسمي من بيت أبي “.

فحلف داود لشاول ، وانصرف شاول إلى بيته، وصعد داود ورجاله إلى الملاجئ.

وتوفي صموئيل، فاجتمع كل إسرائيل وناحوا عليه ودفنوه في بيته في الرامة. وقام داود ونزل إلى برية فاران.

وكان رجل في معون وكانت له أملاك في الكرمل. وكان الرجل غنيا جدا، له ثلاثة آلاف من الغنم وألف من المعز. وكان الرجل يجز غنمه في الكرمل.

واسم الرحل نابال واسم امرأته أبيجائيل. وكانت امراته ذكية الفهم جميلة المنظر، وكان نابال رجلا قاسيا سيى الأعمال، وهو كالبي.

فبلغ داود قي البرية أن نابال يجز غنمه.

فأرسل داود إليه عشرة خدام، وقال داود للخدام : ” إصعدوا إلى الكرمل واذهبوا إلى نابال وأقرئوه السلام باسمي،

وقولوا له: كل سنة وأنت سالم، وبيتك كل ما لك سالم.

سمعت الآن أن عندك جزازين. والحال أن رعاتك قد كانوا معنا فلم نؤذهم ولم يذهب لهم شيء جميع الأيام التي كانوا فيها في الكرمل.

سل خدامك يخبروك. فلينل الخدام حظوة في عينيك، لأننا آتيناك في يوم خير. فأعط ما تيسر لعبيدك ولابنك داود”.

فوصل الخدام وكلموا نابال بكل هذا الكلام باسم داود، ثم انتظروا.

لكن نابال أجاب خدام داود وقال: “من هو داود ومن هو ابن يسى؟ لقد كثر اليوم الخدام الذين فروا من عند سادتهم.

أآخذ خبزي ومائي وذبيحتي التي ذبحتها لجزازي وأعطيها لقوم لا أعرف من أين هم؟ “

ورجع خدام داود أدراجهم وعادوا ووصلوا وأخبروا داود بكل هذا الكلام.

فقال داود لرجاله: “تقلدوا كل منكم سيفه “. فتقلد كل واحد سيفه وتقلد داود سيفه أيضا. وصعد مع داود نحو أربع مئة رجل، وبقي مئتا رجل عند الأمتعة.

فأخبر واحد من الخدام أبيجائيل، امرأة نابال، وقال: “إن داود أرسل رسلا من البرية ليسلموا على سيدنا، فثار عليهم.

والرجال محسنون إلينا جدا ولم يؤذونا ولا فقد لنا شيء كل أيام سيرنا معهم ونحن في الحقول.

وكانوا سورا لنا ليلا ونهارا، كل أيام وجودنا معهم في رعي الغنم.

فتبصري الآن وانظري ماذا تعملين، لأن الشر مقضي على سيدنا وعلى كل بيته، وهو رجل لا خير فيه لا يستطيع أحد أن يكلمه “.

فبادرت أبيجائيل وأخذت مئتي رغيف وزقي خمر وخمسة خراف معدة وخمسة مكاييل من الفريك ومئة عنقود من الزبيب ومئتي قرص من التين، وجعلت ذلك على حمير.

وقالت لخدامها: ” مروا أمامي، فإني أتبعكم ” ولم تخبر زوجها نابال.

وفيما هي راكبة على الحمار ونازلة في سترة الجبل، إذا بداود ورجاله نازلون تجاهها، فالتقتهم.

وكان داود قد قال في نفسه: “باطلا حفظت كل ما لهذا الرجل في البرية، فلم يفقد شيء من كل ما هو له، فكافآني شرا بدل خير.

كذا يصنع الله بداود وكذا يزيد، إن أبقيت من كل ما له إلى ضوء الصباح بائلا بحائط ” .

فلما رأت أبيجائيل داود، نزلت في الحال عن حمارها وارتمت على وجهها أمام داود وسجدت إلى الأرض.

وسقطت على رجليه وقالت: “علي أنا يا سيدي هذا الذنب. فلتتكلم أمتك على مسمعك وأصغ لكلام أمتك.

لا يبال سيدي بهذا الرجل الذي لا خير فيه، بنابال، لأنه طبق اسمه، فإن نابال اسمه والحماقة عنده. فأما أنا أمتك، فلم أر خدام سيدي الذين أرسلتهم.

والآن يا سيدي، حي الرب وحية نفسك، فبما أن الرب قد منعك من سفك الدم وانتقام يدك لنفسك، فليكن أعداؤك مثل نابال ، وكذلك كل من يطلب الشر لسيدي.

والآن فأما هذه الهبة التي أتت بها أمتك سيدي، فلتعط للخدام السائرين في خطى سيدي.

واغفر معصية أمتك، فإن الرب سيقيم لسيدي بيتا ثابتا، لأن سيدي حارب حروب الرب، ولم يوجد فيك سوء كل أيامك.

وإذا قام رجل ليطاردك ويطلب نفسك، كانت نفس سيدي محزومة في حزمة الحياة لدى الرب إلهك. وأما أنفس أعدائك، فيقذف بها في كفة المقلاع.

وإذا صنع الرب لسيدي بحسب كل ما تكلم به من الخير في حقد وأقامك رئيسا على إسرائيل،

فلا يكن سفكك للدم بلا سبب أو انتقام سيدي لنفسه صدمة ومعثرة قلب لسيدي. وإذا أنعم الرب على سيدي، فاذكر أمتك “.

فقال داود لأبيجائيل: “مبارك الرب، إله إسرائيل، الذي أرسلك اليوم للقائي!

مباركة حكمتك، ومباركة أنت لأنك صرفتني اليوم عن سفك الدماء وعن انتقام يدي لنفسي.

ولكن حي الرب إله إسرائيل الذي منعني عن الإساءة إليك، فلو لم تسرعي وتأتي للقائي لما أبقي لنابال إلى ضوء الصباح بائل بحائط “.

وأخذ داود من يدها ما أتته به وقال لها: ” اصعدي إلى بيتك بسلام. انظري! إني قد سمعت لكلامك وأكرمت وجهك “.

فعادت أبيجائيل إلى نابال، فإذا في بيته مأدبة كمأدبة الملوك، وكان نابال قد طابت نفسه وسكر جدا، فلم تخبره بشيء صغير أو كبير إلى ضوء الصباح.

فلما أصبح وأفاق من سكره، أخبرته امراته بما حدث. فمات قلبه في جوفه وصار كالحجر.

وبعد نحو عشرة أيام، ضرب الرب نابال فات.

فلما سمع داود بموت نابال، قال: “تبارك الرب الذي دافع عن قضيتي مما عيرني به نابال وصرف عبده عن الشر ورد شر نابال على رأسه “. وأرسل داود إلى أبيجائيل وكلمها في أن يتخذها زوجة له.

فأتى خدام داود إلى أبيجائيل في الكرمل، وكلموها قائلين: “أرسلنا داود إليك لكي يأخذك له زوجة”.

فقامت وسجدت على وجهها على الأرض وقالت: “هاءنذا أمتك خادمة لك لتغسل أرجل خدام سيدي “.

وأسرعت أبيجائيل وقامت وركبت حمارا وأخذت خمسا من خادماتها يمشين وراءها، وذهبت وراء رسل داود، وصارت زوجة له.

وكان داود قد تزوج أيضا بأحينوعم من يزرعيل، فأصبحتا له كلتاهما زوجتين.

وكان شاول قد أعطى ميكال ابنته امرأة داود زوجة لفلطي بن لائيش الذي من جليم. داود يبقي على شاول

وأتى الزيفيون إلى شاول في جبع وقالوا: “أليس داود مختبئا في أكمة الحكيلة تجاه القفر؟ “

فقام شاول ونزل إلى برية زيف ومعه ثلاثة آلاف رجل من المختارين في إسرائيل، ليطلب داود في برية زيف.

وعسكر شاول في أكمة الحكيلة تجاه القفر في الطريق، وكان داود مقيما في البرية. فلما رأى أن شاول قد تبعه إلى البرية،

أرسل داود جواسيس وتيقن أن شاول قد أتى.

فقام داود وأتى إلى المكان الذي عسكر فيه شاول، ورأى المكان الذي كان نائما فيه شاول وأبنير بن نير، قائد جيشه. وكان شاول نائما في وسط المعسكر، والشعب معسكر حوله.

فكلم داود أحيملك الحثي وأبيشاي ابن صروية، أخا يوآب، وقال: ” من ينزل معي إلى شاول في المعسكر؟ ” فقال أبيشاي: “أنا أنزل معك “.

فأتى داود وأبيشاي إلى الشعب ليلا، فإذا بشاول مضطجع في وسط المعسكر وهو نائم ورمحه مغروز في الأرض عند رأسه، وأبنير والشعب راقدون حوله.

فقال أبيشاي لداود: ” قد أسلم الله اليوم عدوك إلى يدك، فدعني أطعنه بهذا الرمح إلى الأرض طعنة واحدة ولا أثني عليه “.

فقال داود لأبيشاي: ” لا تقتله، فمن الذي يمد يده إلى مسيح الرب ويكون بريئا؟ “

وأضاف داود: “حي الرب! إن الرب هو الذي يضربه، إما بأن يأتي يومه فيموت، أو بأن ينزل إلى حرب فيهلك.

حاش لي بالرب أن أمد يدي إلى مسيح الرب! والآن فخذ الرمح الذي عند رأسه وجرة الماء، ولننصرف “.

وأخذ داود الرمح وجرة الماء من عند رأس شاول وانصرفا، ولم يكن من ناظر ولا عارف ولا مستيقظ، لأنهم كانوا جميعهم نائمين، إذ إن سبات الرب العميق وقع عليهم.

واجتاز داود إلى الحبر ووقف على قمة الجبل من بعد ، والمسافة بينهم بعيدة.

وصاح داود بالشعب وبأبنير بن نير قائلا: “هلا تجيب يا أبنير؟ ” فأجاب أبنير وقال: “ومن أنت يا من يصيح بالملك؟ “

فقال داود لأبنير: ” أما أنت رجل ومن مثلك في إسرائيل؟ فماذا لم تحرس سيدك الملك؟ فقد جاء واحد من الشعب ليهلك سيدك الملك.

إنك لم تحسن فيما صنعت. حي الرب! فإنكم قد استوجبتم الموت، لأنكم لم تحرسوا سيدكم مسيح الرب. فانظر الآن أين رمح الملك وجرة الماء اللذان كانا عند رأس الملك “.

فعرف شاول صوت داود، فقال: “أصوتك هذا، يا ابني داود؟ ” فقال داود: “هو صوتي يا سيدي الملك “.

ثم أضاف داود: ” ما بالك، يا سيدي، تطارد عبدك؟ ما الذي صنعت وما الذي في يدي من السوء؟

فليسمع الآن سيدي الملك كلام عبده: إن كان الرب هو الذي حرضك علي، فليتنسم رائحة تقدمة، وإن كان بنو البشر، فهم ملعونون أمام الرب، لأنهم نفوني اليوم من الاشتراك في ميراث الرب قائلين: اذهب فاعبد آلهة أخرى .

والآن لا يسقط دمي على الأرض بعيدا عن وجه الرب ، فإن ملك إسرائيل قد خرج ليطلب برغوثا واحدا، كما يطارد الحجل في الجبال “.

فقال شاول: “قد خطئت، فارجع يا ابني داود، فإني لا أعود أوذيك، لأن نفسي كانت كريمة في عينيك اليوم، وأنا قد فعلت بحماقة وضللت ضلالا بعيدا جدا”.

فأجاب داود قائلا: “هذا رمح الملك، فليعبر أحد الخدام ويأخذه.

سيكافئ الرب كل واحد بحسب بره وأمانته، فقد أسلمك الرب اليوم إلى يدي، ولم أشأ أن أمد يدي إلى مسيح الرب.

فكما عظمت نفسك اليوم في عيني، فلتعظم نفسي في عيني الرب وينقذني من كل ضيق “.

فقال شاول لداود: ” مبارك أنت، يا ابني داود، فإنك تسعى سعيا وتنتصر انتصارا “. ثم انصرف داود في سبيله، ورجع شاول إلى مكانه.

وقال داود في قلبه: “إني سأهلك يوما بيد شاول، فلا شيء خير لي من أن أفر فرارا إلى أرض فلسطين ، فيكف عني ولا يعود يطلبني في أرض إسرائيل كلها وأنجو بنفسي من يده “.

فقام داود وعبر هو والست مئة رجل الذين معه إلى آكيش بن ماعوك، ملك جت.

وأقام داود عند آكيش بجت، هو ورجاله، كل واحد مع بيته، وداود مع امرأتيه أحينوعم اليزرعيلية وأبيجائيل أرملة نابال الكرملية.

وأخبر شاول أن داود قد هرب إلى جت، فلم يعد يطلبه.

وقال داود لآكيش: “إن كنت قد نلت حظوة في عينيك، فليعط لي مكان في إحدى مدن الريف، فأسكن هناك. فلماذا يسكن عبدك في مدينة المملكة معك؟ “

فأعطاه آكيش في ذلك اليوم صقلاج . فلذلك صارت صقلاج لملوك يهوذا إلى هذا اليوم .

وكان عدد الأيام التي سكن فيها داود في ريف الفلسطينيين سنة وأربعة أشهر.

وكان داود يصعد هو ورجاله ويغزون الجشوريين والجرزيين والعمالقة، لأن أولئك كانوا سكان الأرض من طالم جهة شور إلى أرض مصر.

وكان داود يضرب البلاد، فلا يبقي على رجل ولا امرأة، ويأخذ الغنم والبقر والحمير والجمال والثياب، ويرجع إلى آكيش.

فيقول آكيش: “أين غزوتم اليوم؟ ” فيقول داود: “في نقب يهوذا ونقب اليرحمئيليين ونقب القينيين ” .

ولم يكن داود يبقي رجل أو امرأة لئلا يأتي بهم إلى جت، قائلا في نفسه: ” يخشى أن يخبروا علينا ويقولوا: إن داود فعل كذا”. وكان ذلك دأبه كل أيام إقامته في ريف الفلسطينيين.

وكان آكيش يثق بداود ويقول: “جعل نفسه ممقوتا مقتا لدى شعبه إسرائيل، فصار لي عبدا للأبد”.

وكان في تلك الأيام أن الفلسطينيين جمعوا جيوش معسكراتهم ليحاربوا إسرائيل. فقال آكيش لداود: “إعلم جيدا أنك لا بد أن تخرج معي في الجيش أنت ورجالك “.

فقال داود لآكيش: “وإنك ستعلم ما يصنع عبدك ” . فقال آكيش لداود: “إني إذن أقيمك حارسا لرأسي كل الأيام “.

وكان صموئيل قد مات وناح عليه كل إسرائيل، ودفنوه في الرامة مدينته. وكان شاول قد نفى مستحضري الأرواح والعرافين من الأرض.

فاجتمع الفلسطينيون وأتوا وعسكروا في شونم ، وجمع شاول كل إسرائيل وعسكروا في جلبوع.

فلما رأى شاول معسكر الفلسطينيين، خاف وارتعش قلبه جدا.

فسأل شاول الرب فلم يجبه الرب، لا بالأحلام ولا بالأوريم ولا بالأنبياء.

فقال شاول لخدامه: “إبحثوا لي عن امرأة تستحضر الأرواح، فأذهب إليها وأسأل على لسانها”. فقال له خدامه: ” إن في عين دور امرأة تستحضر الأرواح “.

فتنكر شاول ولبس ثيابا أخرى وذهب هو ورجلان معه ووصلوا عند المرأة ليلا. فقال لها: ” تكهني لي باستحضار الأرواح، وأصعدي لي من أسميه لك “.

فقالت له المرأة: “قد علمت ما صنع شاول من قرض مستحضري الأرواح والعرافين من الأرض. فلماذا تنصب لي فخا لتميتني؟ “

فحلف لها شاول بالرب قائلا: “حي الرب! إنه لا يلحقك عقاب في هذا الأمر”.

فقالت المرأة: “من أصعد لك؟ ” قال: “أصعدي لي صموئيل “.

فلما رأت المرأة صموئيل، صرخت بصوت عظيم وكلمت المرأة شاول قائلة: “لماذا خدعتني وأنت شاول؟”

فقال لها الملك: “لا تخافي، ما الذي رأيت؟ ” فقالت المرأة لشاول: “رأيت شبحا يصعد من الأرض ” .

فقال لها: “ما هيئته؟ ” قالت: “رجل شيخ صاعد مرتديا برداء”. فعرف شاول أنه صموئيل. فارتمى على وجهه إلى الأرض وسجد.

فقال صموئيل لشاول: “لماذا أزعجتني وأصعدتني؟ ” فقال شاول: ” قد ضاق بي الأمر ضيقا شديدا، لأن الفلسطينيين يحاربونني، والله قد فارقني ولم يعد يجيبني لا بالأنبياء ولا بالأحلام، فدعوتك لكي تعلمني ماذا أصنع “.

فقال صموئيل: “لماذا تسألني، والرب قد فارقك وصار عدوك؟

وقد صنع الرب لداود، كما تكلم على لساني، وانتزع الرب المملكة من يدك وسلمها إلى قريبك داود،

لأنك لم تسمع لكلام الرب ولم ترو احتدام غضبه في عماليق. لذلك صنع الرب هذا بك اليوم.

وسيسلم الرب إسرائيل أيضا معك إلى أيدي الفلسطينيين، وغدا تكونون معي أنت وبنوك، وسيسلم الرب أيضا معسكر إسرائيل إلى أيدي الفلسطينيين “.

فسقط شاول في الحال بطوله على الأرض، وخاف خوفا شديدا من كلام صموئيل، ولم تعد به قوة ، لأنه لم يأكل كل يومه وليلته.

فتقدمت المرأة إلى شاول ورأت أنه قد ذعر ذعرا شديدا. فقالت له: “إن أمتك قد سمعت لكلامك، وقد خاطرت بنفسي وسمعت لكلامك الذي كلمتني به.

فاسمع أنت الآن لكلام أمتك، فأقدم لك كسرة خبز وتأكل، فيكون فيك قوة فتسير في الطريق “.

فأبى وقال: ” لا آكل “. فألح عليه خدامه والمرأة أيضا، فسمع لكلامهم وقام عن الأرض وجلس على السرير.

وكان للمرأة في البيت عجل مسمن، فبادرت وذبحته، وأخذت دقيقا وعجنته وخبزته فطيرا،

وقدمت إلى شاول وخدامه، فأكلوا. ثم قاموا وانصرفوا في تلك الليلة.

وجمع الفلسطينيون جميع معسكراتهم في أفيق، وكان إسرائيل معسكرا عند العين التي في يزرعيل.

فعبر أقطاب الفلسطينيين مئة مئة وألفا ألفا، وعبر داود ورجاله في الآخر مع آكيش.

فقال رؤساء الفلسطينيين: “ما هؤلاء العبرانيون؟ ” فقال آكيش لرؤساء الفلسطينيين: “أليس هذا هو داود، عبد شاول، ملك إسرائيل، الذي كان معي منذ سنة أو سنتين ، ولم أثبت عليه شيئا منذ يوم هاجر إلينا إلى هذا اليوم؟ “

فغضب عليه رؤساء الفلسطينيين وقالوا له: ” رد الرجل، وليرجع إلى المكان الذي عينته له، ولا ينزل معنا إلى الحرب، فلا يكن لنا خصما في القتال. فبماذا يرضي هذا سيده إلا برؤوس هؤلاء الرجال؟

أليس هذا هو داود الذي كن يغنين له في الرقص ويقلن: ضرب شاول ألوفه وداود ربواته؟ “

فدعا آكيش داود وقال له: ” حي الرب! إنك أنت مستقيم صالح في عيني في دخولك وخروجك معي في المعسكر، وإني لم أجد فيك سوءا منذ يوم أتيتني إلى اليوم. فأما في عيون الأقطاب فلست بصالح.

فارجع الآن واذهب بسلام ولا تفعل ما يسوء في عيون أقطاب الفلسطينيين “

فقال داود لآكيش : “ما الذي صنعت وما الذي وجدت في عبدك منذ يوم صرت بين يديك إلى هذا اليوم، حتى لا أسير وأحارب أعداء سيدي الملك؟ “

فأجاب آكيش وقال لداود: “قد عرفت أنك صالح في عيني كملاك الله. إلا أن رؤساء الفلسطينيين قالوا: لا يصعد معنا إلى القتال.

والآن فبكر صباحا أنت وخدام سيدك الذين جاؤوا معك واذهبوا إلى المكان الذي عينته لكم، ولا تحفظ في قلبك أي خبث ، لأنك صالح في عيني . وإذا بكرتم صباحا ومكنكم الضياء، فانصرفوا “.

فبكر داود هو ورجاله لكي يذهبوا صباحا ويرجعوا إلى أرض الفلسطينيين. وأما الفلسطينيون فصعدوا إلى يزرعيل.

فلما أتى داود ورجاله صقلاج في اليوم الثالث، كان العمالقة قد غزوا النقب وصقلاج، وضربوا صقلاج وأحرقوها بالنار.

وسبوا من فيها من النساء، ولم يقتلوا أحدا، لا صغيرا ولا كبيرا، بل ساقوهم وذهبوا في طريقهم.

فوصل داود ورجاله إلى المدينة، فإذا هي قد أحرقت بالنار، وقد سبيت نساؤهم وبنوهم وبناتهم.

فرفع داود والشعب الذي معه أصواتهم بالبكاء، حتى لم يبق لهم قوة للبكاء.

وسبيت امرأتا داود أيضا، أحينوعم اليزرعيلية وأبيجائيل أرملة نابال الكرملية.

وتضايق داود كثيرا، لأن الشعب تكلم برجمه، إذ كان كل الشعب في مرارة نفس على بنيه وبناته. فتقوى داود بالرب إلهه.

وقال داود لأبياتار الكاهن ابن أحيملك: ” هلم إلي بالأفود “. فجاء أبياتار بالأفود إلى داود

فسأل داود الرب قائلا: “أ اطارد هذه العصابة وهل ادركها؟ ” فقال الرب: ” طارد، فإنك متدرك وتنقذ”

فسار داود ورجاله الست مئة وأتوا وادي البسور. فتخلف قوم م!ثم ولبثوا هناك.

وواصل داود المطاردة بأرج مئة رجل ولبث هناك مئتا رجل، لأنهم أ عيوا دون عبور وادي البسور.

فصادفوا رجلا مصريا في الحقل، فأخذوه إلى داود وأعطوه خبزا فأكل وسقوه ماء.

اوأعطوه قرصا من التين وعنقودين !ن الزبيب. فأكل وعادت إليه روحه، لأنه أ يكن أكل خبزا ولا شرب مماء ثلاثة إلام بلياليها.

فقال له داود: “لمن أنت وسن أين؟ ” فقال: “فتى مصري. وأنا عبد لرجل عماليتي، تركني سيدي لأني مرضت منذ ثلاثة إسام.

وقد غزونا نقب الكريييين وما ليهوذا ونقب كالب، وأحرقنا صقلاج بالنار”.

افقال لى داود: ” هل ت!زل بي إلى تلك العصابة؟ ” فقال له: “إحلف لي بالته أنك لا تقتلني ولا تسلمني إلى يد مميدي، وأنا أنزل بلث إلى تلك العصابة “.

فنزل به ” فإذا بهم سنتشرون عاى وجه تلك الأرض كلهاط يأكلون ويشربون ويعيدون لما نالوه هـسن لغنيمة الوافرة التي أخذوها لسن أرض فلسطين ومن أرض يلأوذا

فضربهم داود من الفجر إلى لسماء الغدط ولم ينج س!ثم إلا أربم مئة من الفتيان ركبوا على الجمال وهربوا.

وأنقذ داود كل ما أخذه العمالقة وأنقذ كلتا امرأتيه.

ولم يفقد لهم شيء ، لا صغير ولا كبير، ولا بنون ولا بنات، ولا غنيمة ولا شي به من كل ما أخذوا لهم، فاسترد داود كل ذلك.

وأخذ داود جميع الغنم والبقر وساقوا المواشي أمامه قائلين: “هذه غنيمة داود”.

ووصل داود إلى مئتي الرجل الذين أعيوا عن لحاق داود وتركوا في وادي البسور. فخرجوا للقاء داود والشعب الذي معه. فتقدم داود إلى القوم وسلم عليهم.

فقال كل شرير ممن لا خير فيهم من الرجال الذين مضوا مع داود: “بما أنهم لم يمضوا معنا، فلا نعطيهم من الغنيمة التي أنقذناها إلا زوجة كل واحد وبنيه. فليذهبوا بهم وينصرفوا”.

فقال داود: “لا تفعلوا هكذا يا إخوتي فيما أعطانا الرب، فإنه حفظنا وأسلم العصابة التي غزتنا إلى أيدينا.

من الذي يسمع لكم في هذا الأمر؟ لأنه كنصيب النازل إلى الحرب يكون نصيب القائم على الأمتعة: على السواء يقتسمون “.

فجعل ذلك من ذلك اليوم فصاعدا سنة وحكما في إسرائيل إلى هذا اليوم.

ووصل داود إلى صقلاج، وبعث من الغنيمة إلى شيوخ يهوذا ولكل من أصدقائه قائلا: “هذه لكم بركة من غنيمة أعداء الرب،

وإلى الذين في بنوئيل والذين في راموت النقب وفي يتير

وفي عرعرة وفي سفموت وفي أشتموع

وفي راكال وفي مدن اليرحمئيليين وفي مدن القينيين

وفي حرمة وفي بورعاشان وفي عتاك

وفي حبرون، وإلى جميع الأماكن التي سار فيها داود ورجاله . معركة الجلبوع وموت شاول

وكان الفلسطينيون يقاتلون إسرائيل. فانهزم رجال إسرائيل من وجه الفلسطينيين وسقطوا قتلى في جبل الجلبوع.

فضيق الفلسطينيون على شاول وبنيه، وقتل الفلسطينيون يوناتان وأبيناداب وملكيشوع، بني شاول.

واشتد القتال على شاول، فأدركه الرماة بالقسي وأثخنوه بالجراح.

فقال شاول لحامل سلاحه: “استل سيفك واطعني به لئلا يأتي هؤلاء القلف ويطعنوني ويشنعوا في “. فأبى حامل سلاحه، لأنه خاف خوفا شديدا. فأخذ شاول سيفه وسقط عليه.

ولما رأى حامل سلاحه أن قد مات شاول، سقط هو أيضا على سيفه ومات معه.

فمات شاول وثلاثة بنيه وحامل سلاحه وجميع رجاله معا في ذلك اليوم.

ورأى رجال إسرائيل الذين في عبر الوادي والذين في عبر الأردن أن قد انهزم رجال إسرائيل ومات شاول وبنوه، فتركوا المدن وهربوا، وأتى الفلسطينيون وأقاموا فيها.

وفي الغد أتى الفلسطينيون ليسلبوا القتلى، فوجدوا شاول وثلاثة بنيه صرعى في جبل الجلبوع.

فقطعوا رأسه ونزعوا سلاحه وأرسلوا يبشرون في أرض الفلسطينيين في كل جهة ، في بيوت أصنامهم وفي الشعب.

ووضعوا سلاحه في بيت عشتاروت، وعلقوا جثته على سور بيت شان.

وسمع أهل يابيش جلعاد بما صنع الفلسطينيون بشاول.

فنهض كل ذي بأس وساروا الليل كله، وأخذوا جثة شاول وجثث بنيه عن سور بيت شان، وأتوا بها إلى يابيش، وأحرقوها هناك .

وأخذوا عظامهم ودفنوها تحت الطرفاء التي في يابيش، وصاموا سبعة أيام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *