سفر القضاة

سفر القضاة

وكان بعد وفاة يشوع أن بني إسرائيل سألوا الرب قائلين: ((من منا يصعد أولا لمحاربة الكنعانيين؟ ))

فقال الرب: ((يهوذا يصعد، لأني إلى يده أسلمت الأرض )).

فقال يهوذا لشمعون أخيه : ((اصعد معي إلى نصيبي لنحارب الكنعانيين، وأنا أصعد معك أيضا إلى نصيبك )). فانطلق شمعون معه.

فصعد يهوذا، فأسلم الرب الكنعانيين والفرزيين إلى أيديهم، فضربوا منهم في بازق عشرة آلاف رجل.

وصادفوا في بازق أدوني بازق فحاربوه وضربوا الكنعانيين والفرزيين.

فهرب أدوني بازق، فطاردوه وقبضوا عليه وقطعوا أباهيم يديه ورجليه.

فقال أدوني بازق: ((إن سبعين ملكا مقطوعة أباهيم أيديهم وأرجلهم كانوا يلتقطون تحت مائدتي. فكما صنعت كافآني الله )). فأتوا به إلى أورشليم فات هناك.

وحارب بنو يهوذا أورشليم، فاستولوا عليها وضربوها بحد السيف وأحرقوا المدينة بالنار).

ومن بعد ذلك نزل بنو يهوذا ليحاربوا الكنعانيين المقيمين بالجبل والنقب والسهل .

وخرج يهوذا على الكنعانيين المقيمين بحبرون، وكان اسم حبرون قبلا قرية أربع، وضربوا شيشاي وأحيمان وتلماي.

وزحفوا من هناك على سكان دبير، وكان اسم دبير قبلا قرية سفر.

فقال كالب: ((من ضرب قرية سفر وأخذها أعطيه عكسة ابنتي زوجة ))

فأخذها عتنيئيل بن قناز، أخو كالب الأصغر، فأعطاه عكسة ابنته زوجة.

فاتفق بينما كانت آتية معه أنها أغرته بطلب حقل من أبيها، فقفزت من على الحمار. فقال لها كالب: ((ما لك؟ ))

فقالت: ((هب لي نعمة، بما أنك أعطيتني أرضا في النقب فأعطني أحواض ماء)). فأعطاها كالب أحواض ماء علوية وأحواض ماء سفلية.

وصعد بنو القيني، حمي موسى، من مدينة النخل مع بني يهوذا إلى برية يهوذا التي في نقب عراد ومضوا وسكنوا مع الشعب.

وانطلق يهوذا مع شمعون أخيه، فضربوا الكنعانيين المقيمين بصفاة، وحرموها وسموا المدينة حرمة.

واستولى يهوذا على غزة وأرضها وأشقلون وأرضها وعقرون وأرضها .

وكان الرب مع يهوذا، فورث الجبل. أما سكان السهل فلم يطردوهم، لأنهم كانت لهم مركبات من حديد.

وأعطوا كالب حبرون، كما أوصى موسى، فطرد من هناك بني عناقة الثلاثة.

فأما اليبوسيون المقيمون بأورشليم، فلم يطردهم بنو بنيامين. فأقام اليبوسيون جئني بنيامين بأورشليم إلى هذا اليوم .

وصعد آل يوسف أيضا إلى بيت إيل، وكان الرب معهم.

وتجسس آل يوسف بيت إيل (وكان اسم المدينة قبلا لوز).

فرأى الجواسيس رجلا خارجا من المدينة. فقالوا له: ((دلنا على مدخل المدينة، فنصنع إليك رحمة)).

فدلهم على مدخل المدينة، فضربوا المدينة بحد السيف. وأما الرجل، فأطلقوه هو كل عشيرته.

فانطلق ذلك الرجل إلى أرض الحثيين، وبنى مدينة وسماها لوز، وهو اسمها إلى اليوم.

ولم يطرد منسى أهل بيت شان وتوابعها وتعناك وتوابعها وسكان دور وتوابعها ويبلاعام وتوابعها ومجدو وتوابعها. فأصر الكنعانيون على الإقامة في تلك الأرض.

ولما قوي بنو إسرائيل، أخضعوا الكنعانيين للسخرة ولم يطردوهم .

ولم يطرد أفرائيم الكنعانيين المقيمين بجازر، فبقي الكنعانيون في وسطهم بجازر .

ولم يطرد زبولون سكان قطرون ونهلول، فبقي الكنعانيون في وسطهم خاضعين للسخرة.

ولم يطرد أشير أهل عكاء وصيدون وأحلب وأكزيب وحلبة وأفيق ورحوب.

فأقام الأشيريون في وسط الكنعانيين، سكان الأرض، لأنهم لم يطردوهم.

ولم يطرد نفتالي سكان بيت شمس وبيت عنات، ولكن أقاموا في وسط الكنعانيين، سكان الأرض. وكان سكان بيت شمس وبيت عنات يؤدون إليهم السخرة.

وضيق الأموريون على بني دان في الجبل، ولم يدعوهم ينزلون إلى السهل.

وأصر الأموريون على الإقامة في جبل حارس، في أيالون وفي شعلبيم. وثقلت يد آل يوسف عليهم، فخضعوا للسخرة.

وكانت حدود الأموريين من عقبة العقارب، من الصخرة، إلى ما فوق).

وصعد ملاك الرب من الجلجال إلى باكيم وقال: ((إني أصعدتكم من مصر وأدخلتكم الأرض التي أقسمت عليها لآبائكم وقلت إني لا أنقض عهدي معكم للأبد.

وأنتم لا تقطعوا عهدا مع أهل هذه الأرض، ودمروا مذابحهم، فلم تسمعوا لقولي. فإذا فعلتم؟

فلذلك قلت أيضا إني لا أطردهم من أمامكم، بل يكونون على جنوبكم، وتكون آلهتهم لكم فخا)).

فلما قال ملاك الرب لجميع بني إسرائيل هذا الكلام، رفع الشعب أصواتهم بالبكاء،

ودعوا ذلك المكان باكيم ، وذبحوا هناك للرب.

وصرف يشوع الشعب، فانطلق بنو إسرائيل، كل رجل إلى ميراثه، ليرثوا الأرض.

وعبد الشعب الرب كل أيام يشوع كل أيام الشيوخ الذين امتدت أيامهم إلى ما بعد يشوع، ورأوا كل أعمال الرب العظيمة التي صنعها إلى إسرائيل.

وتوفي يشوع بن نون، عبد الرب، وهو ابن مئة وعشر سنين.

ودفن في أرض ميراثه في تمنة حارس، في جبل أفرائيم، إلى شمال جبل جاعش.

وانضم ذلك الجيل كله إلى آبائه، ونشأ من بعده جيل آخر لا يعرف الرب ولا ما صنع إلى إسرائيل .

ففعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعل.

وتركوا الرب، إله آبائهم، الذي أخرجهم من أرض مصر، وتبعوا آلهة أخرى من آلهة الشعوب التي حولهم وسجدوا لها فأسخطوا الرب.

وتركوا الرب وعبدوا البعل والعشتاروت .

وغضب الرب على إسرائيل فأسلمهم إلى أيدي السالبين فسلبوهم، وباعهم إلى أيدي أعدائهم الذين حولهم، ولم يقدروا بعد ذلك أن يثبتوا أمام أعدائهم.

فكانوا حيثما خرجوا تكون يد الرب عليهم للشر، كما قال لهم الرب، وكما أقسم الرب لهم، فضاق بهم الأمر جدا.

فأقام الرب عليهم قضاة ، فخلصوهم من أيدي السالبين.

ولكن لقضاتهم أيضا لم يسمعوا، بل زنوا باتباعهم آلهة أخرى وسجدوا لها، وسرعان ما حادوا عن الطريق التي سلكها آباؤهم طائعين وصايا الرب؟ ولم يصنعوا مثلهم.

فلما أقام الرب عليهم قضاة، كان الرب مع القاضي. فكان يخلصهم من أيدي أعدائهم كل أيام القاضي، لأن الرب رئف بأنينهم من ظالميهم ومضايقيهم.

وإذا مات القاضي، كانوا يرجعون إلى الفساد أكثر من آبائهم باتباعهم آلهة أخرى ليعبدوها وسجدوا لها، ولم يكفوا عن ممارساتهم وقساوة طريقهم.

فغضب الرب على إسرائيل وقال: (( بما أن هذه الأمة قد تعدت عهدي الذي أوصيت به آباءها ولم تسمع لصوتي،

فلا أعود أنا أيضا أطرد أحدا من أمامها، من الأمم التي تركها يشوع عند وفاته،

لأمتحن بها إسرائيل فأعلم هل يحفظون طريق الرب ويسلكونها كما حفظها آباؤهم، أم لا)).

فترك الرب تلك الأمم ولم يطردها سريعا، ولم يسلمها إلى يد يشوع.

وتلك هي الأمم التي تركها الرب ليمتحن بها إسرائيل، جميع الذين لم يعرفوا حروب كنعان

(لتعليم أجيال بني إسرائيل فقط، لتعليم الحرب للذين لم يعرفوها قبلا فقط):

خمسة أقطاب الفلسطينيين وجميع الكنعانيين والصيدونيين والحويين المقيمين بجبل لبنان، من جبل بعل حرمون إلى مدخل حماة.

ولم يكونوا إلا لامتحان إسرائيل بهم، هل يسمعون لوصايا الرب التي أوصى بها آباءهم على لسان موسى.

فأقام بنو إسرائيل بين الكنعانيين والحثين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين.

واتخذوا بناتهم زوجات لهم وأعطوا بناتهم لبنيهم، وعبدوا آلهتهم.

وصنع بنو إسرائيل الشر في عيني الرب، ونسوا الرب إلههم، وعبدوا البعل والعشتاروت.

فغضب الرب على إسرائيل، وباعهم إلى يد كوشان رشعتائيم، ملك أدوم ، واستعبد بنو إسرائيل لكوشان رشعتائيم ثماني سنين.

فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب، فأقام الرب لبني إسرائيل مخلصا فخلصهم، وهو عتنيئيل بن قناز، أخو كالب الأصغر.

وكان روح الرب عليه، فتولى القضاء لإسرائيل، وخرج للحرب، فأسلم الرب إلى يده كوشان رشعتائيم، ملك أدوم، واشتدت يده على كوشان رشعتائيم.

وهدأت الأرض أربعين سنة. وتوفي عتنيئيل بن قناز.

فعاد بنو إسرائيل إلى عمل الشر في عيني الرب، فقوى الرب عجلون، ملك موآب، على إسرائيل، لأنهم صنعوا الشر في عيني الرب.

فضم إليه بني عمون وعماليق، ومضى وضرب إسرائيل، وأخذ مدينة النخل.

واستعبد بنو إسرائيل لعجلون، ملك موآب، ثماني عشرة سنة.

فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب، فأقام الرب لهم مخلصا، أهود بن جيرا البنياميني، وكان رجلا أيسر. فأرسل بنو إسرائيل عن يده جزية إلى عجلون، ملك موآب

فعمل أهود لنفسه سيفا ذا حدين، طوله ذراع، وتقلده تحت ثوبه على فخذه اليمنى.

وقدم الجزية إلى عجلون، ملك موآب، وكان عجلون رجلا سمينا جدا.

فلما انتهى من تقديم الجزية، صرف القوم حاملي الجزية.

ثم رجع من عند الأوثان التي عند الجلجال وقال: (( لي إليك كلام سر أيها الملك )). فقال: ((صه ! )). فخرج من عند الملك جميع الواقفين لديه.

فتقدم إليه أهود، وكان جالسا في غرفة السطح التي كانت له وحده. وقال أهود: ((لي إليك كلام من عند الله )). فنهض عجلون عن سريره.

فمد أهود يده اليسرى، وأخذ السيف عن فخذه اليمنى، وضربه في بطنه )).

فغاص لمقبض أيضا وراء النصل، وأطبق الشحم وراء النصل، لأنه لم ينزع السيف من بطنه، وخرج من النافذة

بعد أن أغلق أبواب الغرفة وراءه وأقفلها.

فلما خرج أهود، دخل خدم الملك ونظروا، فإذا أبواب الغرفة مقفلة. فقالوا: ((لعله يقضي حاجة في مخدع غرفة السطح )).

فانتظروا حتى احتاروا في أمره، ورأوا أنه لم يفتح أبواب الغرفة، فأخذوا المفتاح وفتحوا، فإذا سيدهم صريع على الأرض ميتا.

وفيما هم كانوا ينتظرون، أفلت أهود ومر على الأوثان ونجا إلى سعيرة.

وعند وصوله، نفخ في البوق في جبل أفرائيم. فنزل بنو إسرائيل معه من الجبل، وهو أمامهم.

فقال لهم: (( اتبعوني، فإن الرب قد أسلم إلى أيديكم أعداءكم الموآبيين )). فنزلوا وراءه واستولوا على معابر الأردن إلى موآب، ولم يدعوا أحدا يعبر.

فضربوا من الموآبيين في ذلك الوقت نحو عشرة آلاف رجل، كل شجاع كل رجل بأس، ولم ينج منهم أحد.

فذل الموآبيون تحت يد إسرائيل في ذلك اليوم، وهدأت الأرض ثمانين سنة.

وقام من بعده شمجر بن عنات، فضرب من أهل فلسطين ست مئة رجل بمنخس البقر، وخلص هو أيضا إسرائيل.

وعاد بنو إسرائيل فصنعوا الشر في عيني الرب بعد موت أهود.

فباعهم الرب إلى يد يابين، ملك كنعان، الذي كان ملكا بحاصور. وكان قائد جيشه سيسرا، وهومقيم بحروشت الأمم.

فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب، لأنه كانت له تسع مئة مركبة من حديد، وقد ضيق على بني إسرائيل بشدة عشرين سنة.

وكانت دبورة، وهي نبية وزوجة لفيدوت، متولية قضاء بني إسرائيل في ذلك الرمان.

وكانت تجلس تحت نخلة دبورة، بين الرامة وبيت إيل، في جبل أفرائيم، وكان بنو إسرائيل يصعدون إليها لتقضي لهم.

فأرسلت ودعت باراق بن أبينوعم، من قادش نفتالي، وقالت له: ((أليس أن الرب إله إسرائيل قد أمر أن: امض وجند في جبل تابور وخذ معك عشرة آلاف رجل من بني نفتالي ومن بني زبولون؟

وأنا أستدرج إليك سيسرا، قائد جيش يابين ومركباته وجنده إلى نهر قيشون، وأسلمه إلى يدك))

فقال لها باراق: ((إن أنت انطلقت معي انطلقت، وإن لم تنطلقي فلا أنطلق )).

فقالت له: ((أنطلق معك، غير أنه لا يكون لك فخر في الطريق الذي أنت سالكه، فإن الرب إلى يد امرأة يسلم سيسرا)). وقامت دبورة فانطلقت مع باراق إلى قادش.

ودعا باراق زبولون ونفتالي إلى قادش وصعد ووراءه عشر آلاف رجل، وصعدت دبورة معه.

وكان حابر القيني قد انفصل عن القينيين وعن بني حوباب، حمي موسى، ونصب خيمته إلى جانب شجرة بلوط في صعتنيم التي عند قادش.

فأخبر سيسرا أن باراق بن أبينوعم صعد إلى جبل تابور.

فاستدعى سيسرا جميع مركباته، وهي تسع مئة مركبة من حديد، وكل الشعب الذي عنده من حروشت الأمم إلى نهر قيشون.

فقالت دبورة لباراق: ((قم، فإن! الرب يسلم اليوم سيسرا إلى يديك، وهوذا الرب يخرج أمامك )). فنزل باراق من جبل شابور، ووراءه عشرة آلاف رجل.

وألقى الرب رعبا على سيسرا وجميع مركباته، وقتل جميع جيشه بحد السيف أمام باراق. فترجل سيسرا عن مركبته وهرب راجلا.

فطارد باراق مركباته وجيشه إلى حروشت الأمم، وسقط كل من كان في جيشه بحد السيف، ولم يبق منهم باق .

وهرب سيسرا راجلا نحو خيمة ياعيل، امرأة حابر القيني، لأنه كانت مسالمة بين يابين، ملك حاصور، وآل حابر القيني.

فخرجت ياعيل لاستقبال سيسرا وقالت له: ((مل يا سيدي، مل إلي ولا تخف ((. فمال إليها ودخل خيمتها)) فغطته بغطاء.

فقال لها: ((اسقيني قليلا من الماء، فإني عطشان )). ففتحت زق اللبن وسقته، ثم غطته.

فقال لها: ((قني على باب الخيمة، فإن أتاك أحد وسألك: أههنا أحد؟، فقولي: لا ((.

لكن ياعيل، امرأة حابر، أخذت وتدا من أوتاد الخيمة، وأخذت المطرقة بيدها وسارت إليه بهدوء وضربت الوتد في صدغه حتى انغرز في الأرض، وكان نائما منهكا فمات.

وإذا بباراق يطارد سيسرا، فخرجت ياعيل لاستقباله وقالت له: ((تعال، أرك الرجل الذي أنت طالبه )). فدخل فإذا بسيسرا ساقط ميتا والوتد في صدغه.

وأذل الله في ذلك اليوم يابين، ملك كنعان، أمام بني إسرائيل .

وأخذت يد بني إسرائيل تقسو على يابين، ملك كنعان، حتى قضوا عليه.

فأنشدت دبورة وباراق بن أبينوعم في ذلك اليوم وقالا:

إذا ما استرسل الشعر في إسرائيل وتطوع الشعب، باركوا الرب

إستمعوا أيها الملوك وأصغوا أيها العظماء. إني للرب أنشد وللرب إله إسرائيل أعزف.

حين خرجت يا رب من سعير وزحفت من حقول أدوم رجفت الأرض وقطرت السماء قطرت الغمائم ماء

تزعزعت الجبال من وجه الرب، رب سيناء أمام الرب إله إسرائيل.

في أيام شمجر بن عنات وفي أيام ياعيل غابت القوافل وسلك عابرو الطريق دروبا متلوية.

إنقطعت حياة الريف في إسرائيل انقطعت حتى قمت، يا دبورة قمت أما في إسرائيل.

إختاروا لأنفسهم آلهة جديدة فكانت الحرب على الأبواب. ما كنت تبصر ترسا ولا رمحا في أربعين ألفا من إسرائيل.

قلبي إلى قادة إسرائيل إلى المتطوعين في الشعب! باركوا الرب!

أيها الراكبون أتنا بيضاء والجالسون على طنافس وأنتم أيها السائرون في الطريق أنشدوا

بصوت أعلى من أصوات موزعي الماء عند الموارد هناك يشيدون بمبرات الرب بمبرات قوته في إسرائيل. (حينئذ نزل شعب الرب إلى الأبواب) .

إستيقظي استيقظي يا دبورة استيقظي استيقظي واهتفي بنشيد. إنهض يا باراق واسب سبيك يا ابن أبينوعم.

حينئذ نزل الناجي إلى الأشراف نزل شعب الرب إلي كالمحاردين البواسل.

من أفرائيم نزل المتأصلون في عماليق وراءك بنيامين بين قومك. ومن ماكير نزل رؤساء ومن زبولون حاملو صولجان القيادة.

رؤساء يساكر مع دبورة وكيساكر اندفع باراق على رجليه إلى الوادي في عشائر رأوبين نيات القلب عظيمة.

ما بالك جالسا في الحظائر تسمع صفير الرعاة؟ في عشائر رأوبين نيات القلب عظمية.

جلعاد سكن قي عبر الأردن ودان فلماذا رقيم على سفن؟ أشير على سواحل البحار لبث وفي موانيه سكن.

زبولون شعب خاطر بنفسه للموت وكذا نفتالي على مشارف الحقول

أتى الملوك وقاتلوا قاتلوا ملوك كنعان في تعناك عند مياه مجدو وغنيمة فضة لم يغنموا.

من السماء قاتلت الكواكب ومن مدارها قاتلت سيسرا.

نهر قيشون جرفهم نهر القدم نهر قيشون. سيري ببأس يا نفسي.

حينئذ حوافر خيلهم تضرب الأرض بعدو جيادهم، بعدو جيادهم.

إلعنوا ميروز ، يقول ملاك الرب إلعنوا سكانها لعنة لأنهم أ يأتوا لنصرة الرب لنصرة الرب بين الأبطال.

ولتبارك بين النساء ياعيل (امرأة حابر القيني) لتبارك بين جميع الساكنات في الخيام!

طلب ماء فأعطته لبنا حليبا في كوب الأشراف قدمت زبدة.

مدت يدها إلى وتد ويمينها إلى مطرقة الصناع وضربت سيسرا وكسرت رأسه وحطمت وخرقت صدغه

بين قدميها انهار وسقط وانطرح وعند قدميها انهار وسقط وحيث انهار سقط صريعا.

من الكوة أشرفت أم سيسرا ومن وراء الشباك راقبت . لماذا بطئت مركبته عن المجيء؟ لماذا تأخر سير عجلاته؟

فأجابتها أحكم سيداتها بل هي أجابت نفسها:

أليس أنهم يقتسمون غنيمة أصابوها: فتاة ، فتاتان لكل محارب لسيسرا غنيمة أقمشة مزخرفة غنيمة أقمشة مزخرفة مطرزة، مطرزتان لأعناقهن .

هكذا فليبد جميع أعدائك يا رب وليكن محبوك كالشمس المشرقة في قوتها. وهدأت الأرض أربعين سنة.

وصنع بنو إسرائيل الشر في عيني الرب، فأسلمهم الرب إلى أيدي مدين سبع سنين.

وقويت أيدي مدين على إسرائيل، فاتخذ بنو إسرائيل لأنفسهم الشقوق التي في الجبال والكهوف والملاجئ بسبب مدين.

وكان، إذا زرع إسرائيل، يصعد المدينيون والعمالقة وبنو المشرق ، ويخرجون عليهم،

ويعسكرون عليهم، ويتلفون غلة الأرض، إلى مدخل غزة، ولا يبقون ميرة في إسرائيل، ولا غنما ولا بقرا ولا حميرا،

لأنهم كانوا يصعدون بماشيتهم وخيامهم، ويأتون في عدد الجراد كثرة، لا يحصون هم ولا جمالهم، ويأتون الأرض ويتلفونها.

فافتقر إسرائيل جدا بسبب مدين، وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب.

وكان، لما صرخ بنو إسرائيل إلى الرب بسبب المدينيين،

أن الرب أرسل إلى بني إسرائيل رجلا نبيا، فقال لهم: ((هكذا يقول الرب، إله إسرائيل: إني قد أصعدتكم من مصر، وأخرجتكم من دار العبودية،

وأنقذتكم من يد المصريين ومن يد جميع ظالميكم، وطردتهم من أمامكم وأعطيتكم أرضهم،

وقلت لكم: إني أنا الرب إلهكم، فلا تخافوا آلهة الأموريين الذين أنتم مقيمون بأرضهم، فلم تسمعوا لصوتي )).

وجاء ملاك الرب وجلس البطمة التي في عفرة التي ليوآش الأبيعزري، وكان جدعون ابنه يدوس الحنطة في المعصرة، لتهريبها من أمام المدينيين.

فتراءى له ملاك الرب وقال له: ((الرب معك، أيها المحارب الباسل )).

فقال له جدعون: (( ناشدتك، يا سيدي، إن كان الرب معنا، فلماذا أصابنا هذا كله؟ وأين جميع معجزاته التي حدثنا بها آباؤنا، قائلين لنا: إن الرب أصعدنا من أرض مصر؟ والآن قد تركنا الرب وجعلنا في قبضة مدين )).

فالتفت إليه الرب وقال: ((انطلق بقوتك هذه وخلص إسرائيل من قبضة مدين، أفلم أرسلك؟ ((

فقال له جدعون: (( ناشدتك يا سيدي. بماذا أخلص إسرائيل؟ هذه عشيرتي أضعف عشيرة في منسى، وأنا الأصغر في بيت أبي )).

فقال له الرب: ((أنا أكون معك، وستضرب مدين كأنه رجل واحد)).

فقال له: ((إن كنت قد نلت حظوة في عينيك، فأعطني علامة على أنك أنت الذي كلمني.

لا تبتعد من ههنا، حتى آتيك وأخرج تقدمتي وأضعها أمامك )). فقال له: ((إني مقيم حتى تعود)).

فدخل جدعون وأعد جديا من المعز وإيفة دقيق فطيرا، وجعل اللحم في سلة، ووضع مرق اللحم في قدر ، وخرج بذلك إليه تحت البطمة وقدمه.

فقال له ملاك الله: ((خذ اللحم والفطير، وضعهما على هذه الصخرة، وصب المرق )). ففعل هكذا.

فمد ملاك الرب طرف العصا التي بيده ومس اللحم والفطير، فصعدت نار من الصخرة وأكلت اللحم والفطير، وغاب ملاك الرب عن عينيه .

فعلم جدعون أنه ملاك الرب. فقال جدعون: ((آه أيها السيد الرب، إني رأيت ملاك الرب وجها لوجه )).

فقال له الرب: (( السلام عليك، لا تخف فإنك لا تموت )).

فبنى جدعون هناك مذبحا للرب، ودعاه (( الرب سلام ))، وهو إلى هذا اليوم لا يزال في عفرة الأبيعزريين.

وكان في تلك الليلة عينها أن الرب قال له: ((خذ ثور أبيك، الثور الذي أتت عليه سبع سنين، وقوض مذبح البعل الذي لأبيك، وقطع الوتد المقدس الذي بقربه،

وابن مذبحا للرب إلهك على رأس هذه القلعة على النظام المألوف، وخذ الثور الثاني وأصعده محرقة على حطب الوتد المقدس الذي تقطعه )).

فأخذ جدعون عشرة رجال من خدمه، وفعل كما أمره الرب، وخاف من بيت أبيه ومن رجال المدينة أن يعمل ذلك نهارا، فعمله ليلا.

وبكر رجال المدينة صباحا، فإذا مذبح البعل قد هدم، والوتد المقدس الذي كان بقربه قد قطع، وقد أصعد الثور الثاني على المذبح المبني.

فقال بعضهم لبعض: ((من فعل هذا الأمر؟ (( وبحثوا واستخبروا فقالوا: ((إن جدعون بن يوآش هو الذي فعل هذا الأمر)).

فقال أهل المدينة ليوآش: ((أخرج ابنك ليقتل، لأنه هدم مذبح البعل وقطع الوتد المقدس الذي بقربه ((.

فقال يوآش لجميع الواقفين بالقرب منه: ((أعليكم أنتم أن تدافعوا عن البعل؟ أعليكم أنتم أن تخلصوه؟ (من أراد أن يدافع عنه فإنه إلى الصباح مقتول). إن كان هو إلها، فليدافع عن نفسه ممن هدم مذبحه )).

ودعي جدعون في ذلك اليوم يربعل ، وقيل: ((لينتقم منه البعل، لأنه هدم مذبحه )).

وانضم جميع مدين وعماليق وبني المشرق معا، وعبروا الأردن، وعسكروا في سهل يزرعيل.

وحل روح الرب على جدعون، فنفخ في البوق، فخرج أهل أبيعزر وتبعوه.

وأرسل رسلا إلى جميع منسى واستدعاهم ليتبعوه. وأرسل رسلا إلى أشير وإلى زبولون وإلى نفتالي، فصعدوا لملاقاته.

وقال جدعون لله: ((إن كنت مخلص بني إسرائيل عن يدي، كما قلت،

فهاءنذا واضع جزاز صوف في البيدر. فإذا سقط الندى على الجزاز وحده، وعلى سائر الأرض جفاف، علمت أنك تخلص إسرائيل عن يدي، كما قلت )).

فكان كذلك. وبكر في الغد، فعصر الجزاز، فخرج منه من الندى ملء كوب ماء.

فقال جدعون لله: ((لا تغضب علي، فأتكلم ثانية أيضا وأجرب مرة أخرى فقط بالجزاز: ليكن على الجزاز وحده جفاف وعلى سائر الأرض ندى)).

فصنع الرب كذلك في تلك الليلة، فكان على الجزاز وحده جفاف وعلى سائر الأرض ندى.

فبكر يربعل، وهو جدعون، وجميع القوم الذين معه، وعسكروا في عين حرود ، وكان معسكر مدين إلى الشمال، نحو تل المورة في السهل.

فقال الرب لجدعون: ((إن القوم الذين معك هم أكثر من أن أسلم مدين إلى أيديهم، فيفتخر علي إسرائيل ويقول: يدي خلصتني.

فالآن ناد على مسامع الشعب وقل: من كان خائفا مرتعشا، فليرجع وينصرف من جبل جلعاد)). فرجع من الشعب اثنان وعشرون ألفا، وبقي معه عشرة آلاف.

فقال الرب لجدعون: ((إن الشعب لا يزال كثيرا، فأنزلهم إلى الماء وأنا أمحصهم هناك من أجلك. فالذي أقول لك: هذا ينطلق معك، فذلك ينطلق معك، وكل من قلت لك: هذا لا ينطلق معك، فهولا ينطلق)).

فأنزل الشعب إلى الماء. فقال الرب لجدعون: ((كل من ولغ في الماء بلسانه كما يلغ الكلب، فأقمه جانبا، وكذا كل من جثا على ركبتيه ليشرب )).

فكان عدد من ولغ في الماء من راحته إلى فمه ثلاث مئة رجل، وسائر الشعب أجمع جثوا على ركبهم ليشربوا.

فقال الرب لجدعون: ((بهؤلاء الثلاث مئة رجل ، الذين ولغوا، أخلصكم وأسلم مدين إلى يدك. وأما سائر القوم، فليرجع كل واحد إلى مكانه )).

فأخذ القوم زادا في أيديهم وأخذوا أبواقهم. وأما سائر بني إسرائيل، فصرفهم كل واحد إلى خيمته، وأخذ الثلاث مئة رجل. وكان معسكر مدين دونهم في السهل.

فكان في تلك الليلة أن الرب قال لجدعون: (( قم فأنزل إلى المعسكر، لأني قد أسلمته إلى يدك.

وإن كنت تخاف أن تنزل وحدك، فانزل أنت وفورة خادمك إلى المعسكر،

واسمع ما يقولون. وبعد ذلك تشتد يدك، وتنزل على المعسكر)). فنزل هو وفورة خادمه إلى آخر المراكز الأمامية التي في المعسكر.

وكان المدينيون والعمالقة وجميع بني المشرق منتشرين في السهل، وكانوا كالجراد كثرة، ولم يكن لجمالهم عدد، لأنها كانت كالرمل على شاطئ البحر كثرة.

فلما وصل جدعون، إذا برجل يقص على صاحبه حلما قائلا: ((حلمت حلما كأني برغيف خبز من شعير يتقلب في معسكر مدين، حتى صار إلى الخيمة وصدمها فأسقطها وقلبها رأسا على عقب )).

فأجاب صاحبه وقال: ((إنما هذا سيف جدعون بن يوآش، الرجل الإسرائيلي الذي أسلم الله إلى يده مدين كل المعسكر)).

فلما سمع جدعون قصة الحلم وتفسيره، سجد ورجع إلى معسكر إسرائيل وقال: (( قوموا لأن الرب قد أسلم معسكر مدين إلى أيديكم )).

وقسم الثلاث مئة رجل إلى ثلاث فرق، وجعل أبواقا في أيديهم كلهم وجرارا فارغة في داخلها مشاعل،

وقال لهم: ((كما ترونني أصنع، فاصنعوا أنتم أيضا. وهاءنذا واصل إلى طرف المعسكر، فيكون أنكم تصنعون كما أصنع.

ومتى نفخت في البوق أنا وكل من معي، فانفخوا في الأبواق أنتم أيضا حول المعسكر كله وقولوا: للرب ولجدعون )).

ووصل جدعون والرجال المئة الذين معه إلى طرف المعسكر في أول الهجيع الأوسط، وكانوا إذ ذاك قد بدلوا الحراس، فنفخوا في الأبواق وحطموا الجرار التي في أيديهم.

ونفخت الفرق الثلاث في الأبواق، وضربوا الجرار وأخذوا المشاعل بأيديهم اليسرى والأبواق بأيديهم اليمنى لينفخوا فيها وهتفوا: ((السيف للرب ولجدعون)).

ووقف كل رجل في مكانه حول المعسكر. وركض عسكر مدين كله وصرخوا وهربوا.

ونفخ الثلاث مئة في الأبواق، فجعل الرب كل واحد يوجه سيفه إلى صاحبه في المعسكر كله. فهرب العسكر إلى بيت شطة، إلى صريرة حتى انتهوا إلى جانب آبل محولة التي عند طبات.

واستدعي رجال إسرائيل من نفتالي وأشير ومن كل منسى، وطاردوا المدينيين.

وأرسل جدعون رسلا إلى كل جبل أفرائيم وقال: (( انزلوا لملاقاة مدين، واستولوا قبلهم على عيون المياه إلى بيت بارة والأردن). فاستدعي رجال أفرائيم كلهم واستولوا على المياه إلى بيت بارة والأردن.

وقبضوا على قائدي مدين، وهما عوريب وزيب، وقتلوا عوريب على صخرة عوريب، وقتلوا زيبا على معصرة زيب، وطاردوا المدينيين، وأتوا برأس عوريب و زيب إلى جدعون في عبر الأردن.

فقال له رجال أفرائيم: (( لماذا صنعت بنا هكذا، ولم تدعنا حين ذهبت لقتالي المدينيين؟ )) وخاصموه خصاما شديدا.

فقال لهم: ((ماذا فعلت أنا الآن بالنظر إلى ما فعلتم أنتم؟ أليس أن خصاصة أفرائيم أفضل من قطاف أبيعزر؟

فإنما إلى أيديكم أسلم الله قائدي المدينيين، عوريب وزيبا. فماذا كان يمكنني أن أفعل بالنظر إلى ما فعلتم؟ (( فسكن غضبهم عنه، حين قال لهم هذا الكلام.

ووصل جدعون إلى الأردن، وعبر هو والثلاث مئة رجل الذين معه، وهم قد أعيوا من المطاردة.

فقال لأهل سكوت: ((أعطوا القوم الذين يتبعونني أرغفة خبز ، لأنهم قد أعيوا، وأنا جاد في طلب زاباح وصلمناع ، ملكي مدين )).

فقال له رؤساء سكوت: ((ألعل أكف زاباح وصلمناع في يدك حتى نعطي عسكرك خبزا؟ ((

فقال جدعون: ((لذلك، فإذا جعل الرب في يدي زاباح وصلمناع، لأدوس أجسادكم بأشواك البرية والنوارج )).

وصعد من هناك إلى فنوئيل وقال لهم مثل ذلك. فأجابه أهل فنوئيل كما أجابه أهل سكوت.

فقال لأهل فنوئيل أيضا: ((إذا ما رجعت ظافرا لأدمرن هذا البرج )).

وكان زاباح وصلمناع في القرقر، ومعهما جيشهما نحو خمسة عشر ألف رجل، وهم كل من بقي من جيش بني المشرق كله. وكان الذين سقطوا مئة ألف وعشرين ألف رجل مستل سيف.

فصعد جدعون في طريق ساكني الخيام شرقي نوبح ويجبهة، وضرب الجيش وكان الجيش مطمئنا.

فهرب زاباح وصلمناع، فطاردوهما، فقبض على ملكي مدين، زاباح وصلمناع، وضرب كل الجيش.

ورجع جدعون بن يوآش من القتال، مارا بعقبة حارس.

وقبض على فتى من أهل سكوت واستجوبه، فكتب له أسماء رؤساء سكوت وشيوخها، سبعة وسبعين رجلا.

ثم عاد إلى أهل سكوت وقال: ((هوذا زاباح وصلمناع اللذان عيرتموني بهما وقلتم: ألعل أكف زاباح وصلمناع في يدك، حتى نعطي رجالك المعيين خبزا؟ ))

وقبض على شيوخ المدينة، وأخذ أشواكا من البرية والنوارج ومزق . بها أهل سكوت.

ودمر برج فنوئيل، وقتل رجال المدينة.

وقال لزاباح وصلمناع: ((كيف كان الرجال الذين قتلتماهم بتابور؟ )) فقالا له: ((كانوا مثلك، وهيئة كل واحد منهم هيئة ابن ملك )).

فقال: ((هم إخوتي وأبناء أمي. حي الرب! لوأبقيتما عليهم، لما كنت أقتلكما)).

ثم قال لياثر بكره: ((قم فاقتلهما))، فلم يستل الصبي سيفه خوفا، لأنه ما زال صبيا.

فقال زاباح وصلمناع: (( قم أنت واضربنا، لأن الرجل ببأسه )). فقام جدعون وقتل زاباح وصلمناع، وأخذ أهلة الفضة التي كانت في أعناق جمالهما.

وقال رجال إسرائيل لجدعون: (( تسلط علينا، أنت وابنك وابن ابنك، لأنك خلصتنا من أيدي مدين )).

فقال لهم جدعون: ((لا أنا أتسلط عليكم ولا ابني يتسلط عليكم، بل الرب هو يتسلط عليكم )) .

ثم قال لهم جدعون: ((إني أطلب منكم طلبا: يعطيني كل واحد منكم خاتما من غنيمته ((، فقد كان لهم خاتمان من ذهب، لأنهم إسماعيليون.

فقالوا: (( لك ذلك )). وبسطوا رداء، فألقى عليه كل منهم خاتما من غنيمته.

وكان وزن الخواتم الذهب التي طلبها ألفا وسبع مئة مثقال ذهب، ما عدا الأهلة والأشناف والثياب الأرجوانية التي كانت على ملوك مدين، وما عدا القلائد التي كانت في أعناق جمالهم.

فصاغ جدعون ذلك أفودا ، وجعله في مدينته عفرة. فزنى كل إسرائيل باتباعه الأفود، فكان ذلك فخا لجدعون وبيته.

وذل مدين أمام بني إسرائيل، ولم يعودوا يرفعون رؤوسهم، وهدأت الأرض أربعين سنة أيام جدعون.

وانصرف يربعل بن يوآش، وأقام في بيته.

وصار لجدعون سبعون ابنا خرجوا من صلبه، لأنه تزوج نساء كثيرات.

وولدت له أيضا سريته التي في شكيم ابنا وسماه أبيملك.

ومات جدعون بن يوآش بشيبة سعيدة، ودفن في قبر يوآش أبيه في عفرة أبيعزر .

وكان بعد موت جدعون أن بني إسرائيل عادوا إلى الزنى باتباعهم البعل واتخذوا لأنفسهم بعل بريت إلها .

ولم يذكر بنو إسرائيل الرب إلههم الذي أنقذهم من أيدي جميع أعدائهم المحيطين بهم.

ولم يصنعوا رحمة إلى بيت يربعل جدعون، مقابل الخير الذي صنعه إلى إسرائيل.

فانطلق أبيملك بن يربعل إلى شكيم إلى أخواله وكلمهم وكل عشيرة بيت أبي أمه، قائلا:

((تكلموا على مسامع جميع أعيان شكيم أن: أي الأمرين خير لكم: أن يتسلط عليكم سبعون رجلا، أي جميع بني يربعل، أم يتسلط عليكم رجل واحد؟ واذكروا أني أنا عظمكم ولحمكم ((.

فتكلم أخواله عنه على مسامع كل أعيان شكيم بكل هذا الكلام، فالت قلوبهم نحو أبيملك، لأنهم قالوا: ((إنه أخونا((.

وأعطوه سبعين من الفضة، من بيت حل بريت، فاستأجر بها أبيملك رجالا لا خير فيهم مغامرين، فتبعوه.

فجاء بيت أبيه في عفرة، وقتل إخوته بني يربعل، سبعين رجلا، على صخرة واحدة. وبقي يوتام، صغر بني يربعل، لأنه اختبأ.

واجتمع كل عيان شكيم وكل بيت ملو، ومضوا فأقاموا أبيملك عليهم ملكا عند بلوطة النصب التي في شكيم .

فأخبر يوتام بذلك، فانطلق ووقف على قمة جبل جرزيم، ورفع صوته ونادى وقال لهم: (( إسمعوا لي يا أعيان شكيم فيسمع الله لكم.

ذهبت الأشجار ذهابا ليمسحن عليهن ملكة. فقلن لشجرة الزيتون: كوني علينا ملكة

فقالت لهن الزيتونة: أأتخلى عن زيتي الذي بواسطتي يكرم به الآلهة والناس فأذهب لأترنح فوق الأشجار؟

فقالت الأشجار للتينة: تعالي أنت فكوني علينا ملكة.

فقالت لهن التينة: أأتخلى عن حلاوتي وثمرتي الطيبة فأذهب لأترنح فوق الأشجار؟

فقالت الأشجار للكرمة: تعالي أنت فكوفي علينا ملكة.

فقالت لهن الكرمة: أأتخلى عن نبيذي الذي يفرح الآلهة والبشر فأذهب لأترنح فوق الأشجار؟

فقالت الأشجار كلها للعوسجة: تعالي أنت فكوفي علينا ملكة.

فقالت العوسجة للأشجار: إن كنتن حقا تمسحنني ملكة عليكن فتعالين استظللن بظلي وإلا فلتخرج نار من العوسجة وتأكل أرز لبنان.

والآن إن كنتم أنتم فعلتم بالحق والاستقامة، فملكتم أبيملك، وأحسنتم إلى يربعل وبيته، وكافأتموه على ما صنعت يداه-

مع أن أبي قاتل عنكم وخاطر بنفسه في المقدمة، وأنقذكم من يد مدين،

فقمتم اليوم على بيت أبي، وذبحتم بنيه سبعين رجلا على صخرة واحدة، وملكتم أبيملك، ابن أمته، على أعيان شكيم لأنه أخوكم-

فإن كنتم قد عملتم بالحق والاستقامة مع يربعل ومع بيته في هذا اليوم، فافرحوا أنتم بأبيملك، وليفرح هو أيضا بكم.

وإلا فلتخرج نار من أبيملك وتأكل أعيان شكيم وبيت ملو، ولتخرج نار من أعيان شكيم ومن بيت ملو وتأكل أبيملك )).

وهرب يوتام ونجا وانطلق إلى بئر فأقام هناك، بعيدا عن وجه أبيملك أخيه.

وملك أبيملك على إسرائيل ثلاث سنوات .

وبعث الله روح شر بين أبيملك وأعيان شكيم، فغدر أعيان شكيم بأبيملك،

ليردوا عليه العنف الذي عامل به بني يربعل السبعين، ويجلبوا دمهم على أبيملك أخيهم الذي قتلهم وعلى أعيان شكيم الذين أخذوا صيده في قتل إخوته.

فأقام له أعيان شكيم كمينا على رؤوس الجبال، فكانوا ينهبون كل من عبر بهم في الطريق، فأخبر أبيملك بذلك.

وجاء جاعل بن عابد مع إخوته، فمروا بشكيم، فتوكل عليه أعيان شكيم.

وخرجوا إلى الحقول وقطفوا كرومهم وعصروا وأقاموا فرحا ودخلوا بيوت آلهتهم وأكلوا وشربوا ولعنوا أبيملك.

فقال جاعل بن عابد: ((من هو أبيملك ومن هو شكيم حتى نخدمه؟ أليس أنه ابن يربعل ووكيله زبول؟ اخدموا رجال حمور أبي شكيم. وأما ذاك فلماذا نخدمه؟

من الذي يجعل هذا الشعب في يدي فأعزل أبيملك؟ (( وقال موجها كلامه إلى أبيملك: ((كثر جندك واخرج)).

وسمع زبول، والي المدينة، بكلام جاعل بن عابد، فغضب.

وأنفذ رسلا إلى أبيملك بطريق الاحتيال وقال له: ((إن جاعل ابن عابد وإخوته قد أتوا شكيم، وهم يثيرون عليك المدينة .

فقم أنت والقوم الذين معك ليلا واكمنوا في الحقول.

وبكر صباحا نحو طلوع الشمس، وأهجم على المدينة، فإنه يخرج هو وأصحابه إليك، فاصنع بهم ما تستطيعه يدك )).

فقام أبيملك وجميع القوم الذين معه ليلا وكمنوا عند شكيم أربع فرق.

فخرج جاعل بن عابد وأقام عند مدخل باب المدينة، فقام أبيملك والقوم الذين معه من المكمن.

ورأى جاعل القوم فقال لزبول: ((إني أرى شعبا ينزل من رؤوس الجبال )). فقال له زبول: ((إنما ترى ظل الجبال فتحسبه رجالا)).

فعاد جاعل وتكلم وقال: (( هوذا شعب نازل من عند سنام الأرض ، وفرقة واحدة آتية من طريق بلوطة المنجمين )) .

فقال له زبول: ((أين الآن فمك الذي كنت تقول به: من هو أبيملك حتى نخدمه؟ أليس هذا هو الشعب الذي ازدريته، فاخرج الآن إليه وقاتله )).

فخرج جاعل أمام أعيان شكيم وحارب أبيملك.

فطارده أبيملك فهرب جاعل من وجهه. وسقط جرحى كثيرون حتى مدخل الباب.

وأقام أبيملك في أرومة، وطرد زبول جاعل وإخوته ومنعهم من الإقامة في شكيم.

وكان في الغد أن الشعب خرج إلى الحقول، فأخبر أبيملك بذلك.

فأخذ قومه وقسمهم إلى ثلاث فرق، وكمن في الحقول. ونظر فإذا الشعب خارج من المدينة، فقام عليهم وضربهم.

واندفع أبيملك والفرقة التي معه ووقفوا عند مدخل باب المدينة. وأما الفرقتان فهجمتا على كل الذين في الحقول وضربتاهم.

وحارب أبيملك المدينة ذلك اليوم كله، واستولى على المدينة وقتل الشعب الذي فيها، ودمر المدينة وزرعها ملحا .

فسمع جميع أعيان مجدال شكيم، فذهبوا إلى سرداب بيت إيل بريت.

وأخبر أبيملك أن أعيان مجدال شكيم قد اجتمعوا.

فصعد أبيملك إلى جبل صلمون، هو وجميع القوم الذين معه، وأخذ أبيملك فأسا بيده وقطع غصنا من الشجر وحمله على عاتقه وقال للقوم الذين معه: ((ما رأيتموني أفعل فافعلوه أنتم سريعا)).

فقطع جميع القوم الذين معه كل واحد غصنا، وتبعوا أبيملك ووضعوها على السرداب، وأحرقوا عليهم السرداب بالنار. فات أيضا جميع أهل مجدال شكيم، نحو ألف نسمة من رجل وامرأة.

ثم زحف أبيملك علما تاباص ، وعسكر واستولى عليها.

وكان في وسط المدينة برج منيع، فهرب إليه جميع الرجال والنساء وجميع أعيان المدينة، وأغلقوا وراءهم وصعدوا إلى سطح البرج.

فوصل أبيملك إلى البرج فهاجمه، وتقدم إلى باب البرج ليحرقه بالنار.

فألقت امرأة رحى طاحون على رأس أبيملك، فحطمت جمجمته.

فدعا لساعته بالفتى حامل سلاحه وقال له: ((استل سيفك واقتلني، لئلا يقال عني: إن امرأة قتلته )). فطعنه الفتى فمات.

فلما رأى رجال إسرائيل أن أبيملك قد مات، انصرف كل واحد إلى بيته.

ورد الله على أبيملك الشر الذي صنعه بأبيه من قتل إخوته السبعين.

وكل شر أهل شكيم رده الله على رؤوسهم، وأتت عليهم لعنة يوتام بن يربعل.

وقام بعد أبيملك لخلاص إسرائيل تود بن فوأة بن دودو، رجل من يساكر، وكان مقيما بشامير في جبل أفرائيم.

فتولى قضاء إسرائيل ثلاثا وعشرين سنة، شامير.

وقام بعده يائير الجلعادي، فتولى القضاء في إسرائيل اثنتين وعشرين سنة.

وكان له ثلاثون ابنا يركبون ثلاثين جحشا، وكان لهم ثلاثون مدينة تسمى مزارع يائير إلى هذا اليوم، وهي في أرض جلعاد.

ومات يائير ودفن في قامون.

وعاد بنو إسرائيل فصنعوا الشر في عيني الرب، وعبدواالبعل والعشتاروت وآلهة أرام وآلهة صيدون وآلهة موآب وآلهة بني عمون آلهة الفلسطينيين، وتركوا الرب ولم يعبدوه.

فغضب الرب على إسرائيل فباعهم إلى أيدي الفلسطينيين وإلى أيدي بني عمون.

فحطموا بني إسرائيل وعاملوهم بقسوة منذ تلك السنة إلى ثماني عشرة سنة، جميع بني إسرائيل الذين كانوا في عبر الأردن، في أرض الأموريين الذين في جلعاد.

وعبر بنو عمون الأردن ليحاربوا أيضا يهوذا وبنيامين وبيت أفرائيم، وكان ضيق عظيم على إسرائيل.

فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب وقالوا: (( قد خطئنا إليك وتركنا إلهنا وعبدنا البعل )).

فقال الرب لبني إسرائيل: ((ألم يكن أني خلصتكم من المصريين والأموريين وبني عمو والفلسطينيين،

وقد ضايقكم الصيدونيون والعمالقة والمعوزيون، فصرختم إلي فخلصتكم من يدهم.

فتركتموني أنتم وعبدتم آلهة أخرى؟ فلذلك لا أعود أخلصكم.

اذهبوا فاستغيثوا بالآلهة التي اخترتموها، فلتخلصكم في أوان شدتكم )).

فقال بنو إسرائيل للرب: ((قد خطئنا، فاصنع بنا كل ما يحسن في عينيك، ولكن أنقذنا في هذا اليوم )).

وأزالوا الآلهة الغريبة من وسطهم وعبدوا الرب، فضاقت نفسه أمام عناء إسرائيل.

واجتمع بنو عمون وعسكروا في جلعاد، واجتمع بنو إسرائيل وعسكروا في المصفاة.

فقال الشعب ورؤساء جلعاد بعضهم لبعض: ((أي رجل ابتدأ الحرب على بني عمون؟ فهو يكون رئيسا على سكان جلعاد كلهم )).

وكان يفتاح الجلعادي محاربا باسلا، وهو ابن امرأة زانية ولدته لجلعاد.

ثم ولدت لجلعاد زوجته بنين. فلما كبر بنو هذه المرأة، طردوا يفتاح وقالوا له: ((ليس لك ميراث في بيت أبينا، لأنك ابن امرأة أخرى )).

فهرب يفتاح من وجه إخوته وأقام بأرض طوب. فاجتمع إليه قوم لا خير فيهم، وكانوا يقومون بحملات معه .

وكان بعد أيام أن بني عمون حاربوا إسرائيل.

فلما حارب بنو عمون إسرائيل، انطلق شيوخ جلعاد ليأتوا بيفتاح من أرض طوب.

وقالوا ليفتاح: (( تعال كن لنا قائدا، فنحارب بني عمون )).

فقال يفتاح لشيوخ جلعاد: ((ألم تبغضوني أنتم وطردتموني من بيت أبي؟ فماذا أتيتموني الآن في شدتكم؟ ))

فقال شيوخ جلعاد ليفتاح: ((لهذا عدنا إليك الآن، فسر معنا وحارب بني عمون وكن رئيسا علينا وعلى جميع سكان جلعاد)).

فقال يفتاح لشيوخ جلعاد: ((إذا أرجعتموني لمحاربة بني عمون، فأسلمهم الرب إلي، أكون رئيسا عليكم )) .

فقال شيوخ جلعاد ليفتاح: ((ليكن الرب شاهدا بيننا، إن كنا لا نفعل كما تقول

. فمضى يفتاح جمع شيوخ جلعاد، فأقامه الشعب عليهم رئيسا وقائدا. فكرر يفتاح جميع أقواله أمام الرب في المصفاة .

وأنفذ يفتاح رسلا إلى ملك بني عمون قائلا: ((ماذا بيني وبينك حتى أتيتني للحرب في أرضي؟))

فقال ملك بني عمون لرسل يفتاح: ((لأن إسرائيل، حين صعد من مصر، أخذ أرضي من أرنون إلى اليبوق والأردن، فردها الآن بسلام )).

فعاد يفتاح أيضا وأنفذ رسلا إلى ملك بني عمون

وقال له: ((هكذا يقول يفتاح: إن إسرائيل لم يأخذ أرض موآب ولا أرض بني عمون،

لأنه، حين صعد من مصر، سار في البرية إلى بحر القصب، ووصل إلى قادش.

فأنفذ إسرائيل رسلا إلى ملك أدوم يقولون: دعني أمر بأرضك. فلم يسمع ملك أدوم. فأرسل إلى ملك موآب أيضا، فأبى. فأقام إسرائيل في قادش.

ثم سار في البرية، وطاف حول أرض أدوم وأرض موآب، وأتى أرض موآب من جهة الشرق، وخيم عبر أرنون، ولم يدخل أرض موآب، فإن أرنون هي حدود موآب.

ثم أرسل إسرائيل رسلا إلى سيحون، ملك الأموريين، ملك حشبون، وقال له: دعنا نمر بأرضك إلى مكاننا.

فلم يثق سيحون بإسرائيل ولم يدعه يمر بأرضه. وجمع سيحون كل شعبه وعسكروا في ياهص، وحاربوا إسرائيل.

فأسلم الرب، إله إسرائيل، سيحون كل شعبه إلى يد إسرائيل، فضربهم وورث إسرائيل كل أرض الأموريين، سكان تلك الأرض.

وورثوا جميع أراضي الأموريين، من أرنون إلى اليبوق، ومن البرية إلى الأردن.

والآن فإن الرب، إله إسرائيل، قد طرد الأموريين من أمام شعبه إسرائيل، أفأنت تطردهم؟

أليس أن ما يورثك إياه كموش إلهك، إياه ترث، كل ما أورثنا الرب إلهنا، إياه نرث؟

ألعلك حقا خير من بالاق بن صفور، ملك موآب؟ فهل خاصم بتي إسرائيل أو أثار عليهم حربا؟

وعندما أقام إسرائيل بحشبون وتوابعها وعروعير وتوابعها وجميع المدن التي عند أرنون مدة ثلاث مئة سنة، لماذا لم تسترجعوها في تلك المدة؟

إني لم أخطأ إليك، وإنما أنت تسيء إلي بمحاربتك لي. فليقض اليوم الرب الديان بين بني إسرائيل وبني عمون )).

فلم يسمع ملك بني عمون لكلام يفتاح الذي أرسل به إليه.

وكان روح الرب على يفتاح، فعبر جلعاد ومنسى ومر بمصفاة جلعاد، ومن مصفاة جلعاد عبر إلى بني عمون.

ونذر يفتاح نذرا للرب وقال: ((إن أسلمت بني عمون إلى يدي،

فكل خارج يخرج من باب بيتي وإلى لقائي، حين عودتي بسلام من عند بني عمون، يكون للرب فأصعده محرقة)).

وعبر يفتاح إلى بني عمون ليحاربهم، فأسلمهم الرب إلى يده.

فضربهم من عروعير إلى مدخل منيت (عشرين مدينة) وإلى آبل كراميم، ضربة عظيمة جدا، فذل بنو عمون أمام بني إسرائيل.

وعاد يفتاح إلى المصفاة إلى بيته، فإذا ابنته خارجة للقائه بالدفوف والرقص، وهي وحيدة له، ولم يكن له ابن أو ابنة سواها.

فلما رآها، مزق ثيابه وقال: ((آه، يا ابنتي، قد صرعتني صرعا وصرت من جملة من أشقاني، لأني فتحت فمي أمام الرب، ولا أستطيع أن أتراجع )).

فقالت له: (( يا أبت، قد فتحت فمك أمام الرب، فاصنع بي بحسب ما خرج من فمك، بعدما انتقم لك الرب من أعدائك بني عمون )).

ثم قالت لأبيها: ((ليصنع لي هذا الطلب: أمهلني شهرين فأنطلق وأتيه في الجبال وأبكي بتوليتي، أنا وصديقاتي)) .

فقال: (( اذهبي ))، وصرفها شهرين. فانطلقت هي وصديقاتها وبكت بتوليتها على الجبال.

وكان، عند نهاية الشهرين، أنها رجعت إلى أبيها، فأتم بها النذر الذي نذره، وهي لم تعرف رجلا. فجرت العادة بين بني إسرائيل

أن بنات إسرائيل يمضين من سنة إلى سنة وينحن على ابنة يفتاح الجلعادي أربعة أيام في السنة.

واجتمع رجال أفرائيم وعبروا الأردن إلى جهة صافون، وقالوا ليفتاح: لماذا عبرت لمحاربة بني عمون، ولم تدعنا لننطلق معك؟ لنحرقن عليك بيتك بالنار)).

فقال لهم يفتاح: ((كانت لي ولشعبي مخاصمة شديدة مع بني عمون، ودعوتكم فلم تخلصوني من يدهم.

ورأيت أنك لم تخلصني، فخاطرت بنفسي وعبرت إلى بني عمون، فأسلمهم الرب إلى يدي. فماذا صعدتم إلي لتحاربوني اليوم؟ ))

وجمع يفتاح جميع رجال جلعاد، فحارب أفرائيم وضرب رجال جلعاد أفرائيم، لأن بني أفرائيم قالوا: ((إنما بفضل أفرائيم نجوتم، يا رجال جلعاد الذين لجأوا بين أفرائيم ومنسى)).

واستولى الجلعاديون على معابر الأردن في اتجاه أفرائيم، فكان إذا أحد الناجين من أفرائيم قال: (( دعوني أعبر))، يقول له الجلعاديون: (( أأفرائيمي أنت ))؟ فيقول: ((لا)).

فيقولون له: ((إذن قل: ((شبولت ))، فيقول: ((سبولت )) غير قادر على لفظها لفظا صحيحا ، فيقبضون عليه ويذبحونه عند معابر الأردن. فقتل في ذلك الوقت من أفرائيم اثنان وأربعون ألفا.

وتولى يفتاح القضاء على إسرائيل ست سنين. ومات يفتاح الجلعادي، ودفن في مدينته في جلعاد.

وتولى القضاء بعده على إسرائيل إبصان من بيت لحم .

وكان له ثلاثون ابنا وثلاثون ابنة، فزوج بناته الثلاثين إلى غرباء، وأدخل ثلاثين كنة زوجات لبنيه. وكانت مدة قضائه في إسرائيل سبع سنوات.

ومات إبصان ودفن في بيت لحم.

فتولى قضاء إسرائيل بعده أيلون الزبولوني. وكانت مدة قضائه في إسرائيل عشر سنين.

ومات أيلون الزبولوني ودفن في أيالون، في أرض زبولون

فتولى القضاء في إسرائيل بعده عبدون بن هليل الفرعتوني.

وكان له أربعون ابنا وثلاثون حفيدا، وكانوا يركبون سبعين جحشا. وكانت مدة قضائه في إسرائيل ثماني سنين.

ومات عبدون بن هليل الفرعتوني، ودفن في فرعتون، في أرض أفرائيم، في جبل العمالقة .

وعاد بنو إسرائيل فصنعوا الشرفي عيني الرب. فأسلمهم الرب إلى يد الفلسطينيين أربعين سنة.

وكان رجل من صرعة، من عشيرة دان اسمه منوح، وكانت امرأته عاقرا لا تلد.

فتراءى ملاك الرب للمرأة وقال لها: ((إنك عاقر لم تلدي، ولكنك ستحملين وتلدين ابنا.

فانتبهي الآن ولا تشربي خمرا ولا مسكرا، ولا تأكلي شيئا نجسا،

لأنك ستحملين وتلدين ابنا لا يعلو رأسه موسى، لأن الصبي يكون نذيرا لله من البطن، وهو يبدأ بخلاص إسرائيل من يد الفلسطينيين )) .

فجاءت المرأة وكلمت زوجها وقالت له: ((جاءني رجل الله، ومنظره كمنظر ملاك الله، له هيبة عظيمة، وأنا لم أسأله من أين هو، وهو لم يخبرني باسمه.

وقال لي: إنك ستحملين وتلدين ابنا. فلا تشربي الآن خمرا ولا مسكرا ولا تأكلي شيئا نجسا، لأن الصبي يكون نذيرا لله من البطن إلى يوم وفاته )).

فابتهل منوح إلى الرب وقال: ((أسألك يا رب أن يعود إلينا رجل الله الذي أرسلته ويعلمنا ما نصنع بالصبي المولود)).

فسمع الله صوت منوح، فأتى ملاك الله ثانية إلى المرأة وهي في الحقل، ولم يكن منوح زوجها معها.

فأسرعت المرأة راكضة وأخبرت زوجها وقالت له: (( لقد تراءى لي الرجل الذي أتاني في ذلك اليوم )).

فقام منوح وانطلق وراء زوجته وأقبل على الرجل وقال له: ((أأنت الرجل الذي تكلم مع المرأة؟ )) قال: ((أنا هو)).

فقال منوح: (( والآن، إذا تم قولك، فكيف يكون التصرف في أمر الصبي وماذا يعمل به؟ ))

فقال ملاك الرب لمنوح: (( لتحترز المرأة من كل ما قلت لها:

من كل ما يخرج من كرمة الخمر لا تأكل، وخمرا ومسكرا لا تشرب، ولا تأكل شيئا نجسا، بل تحفظ كل ما أمرتها به )) .

فقال منوح لملاك الرب: ((دعنا نستبقيك ونعد لك جديا من المعز))

فقال ملاك الرب لمنوح: ((إن أنت استبقيتني، لم آكل من خبزك. أما إن صنعت محرقة فللرب أصعدها)) (لأن منوح لم يكن يعلم أنه ملاك الرب).

فقال منوح لملاك الرب: ((ما اسمك، حتى إذا تم قولك نكرمك؟ ))

فقال له ملاك الرب: ((لم سؤالك عن اسمي، واسمي عجيب؟ ))

فأخذ منوح جدي المعز والتقدمة، وأصعدهما على الصخرة للرب، للذي يعمل عملا عجيبا، ومنوح وزوجته ينظران.

فكان، عند ارتفاع اللهيب عن المذبح نحو السماء، أن ملاك الرب صعد في لهيب المذبح، ومنوح وزوجته ينظران، فسقطا على وجهيهما إلى الأرض.

ولم يعد ملاك الرب يتراءى لمنوح وزوجته. فعلم منوح حينئذ أنه ملاك الرب .

فقال منوح لامرأته: (( إننا موتا سنموت، لأننا عاينا الله )).

فقالت له امرأته: (( لو أن الرب أراد أن يميتنا، لما قبل من أيدينا محرقة وتقدمة، ولا كان أرانا ذلك كله، ولما أسمعنا مثل ذلك في هذا الوقت )).

وولدت المرأة ابنا وسمته شمشون. وكبر الصبي وباركه الرب.

وبدأ روح الرب يحركه في معسكر دان، بين صرعة وأشتاؤول.

ونزل شمشون إلى تمنة، فرأى في تمنة امرأة من بنات فلسطين.

فصعد وأخبر أباه وأمه وقال: ((رأيت في تمنة امرأة من بنات الفلسطينيين، فاتخذاها الآن لي زوجة ))

فقال له أبوه وأمه: ((أليس في بنات إخوتك وفي شعبي كله امرأة ، حتى تذهب وتأخذ امرأة من الفلسطينيين القلف؟ (( فقال شمشون لأبيه: ((بل إياها تأخذ لي، لأنها حسنت في عيني )).

ولم يعلم أبوه وأمه أن هذا كان من قبل الرب وأنه كان يطلب علة على الفلسطينيين، وكان الفلسطينيون في ذلك الزمان متسلطين على إسرائيل .

فنزل، شمشون وأبوه وأمه إلى تمنة. ولما بلغوا إلى كروم تمنة، إذا شبل لبؤة يزأر في وجهه.

فانقض على شمشون روح الرب، فشق الشبل كما يشق الجدي ولم يكن في يده شيء. ولم يخبر أباه وأمه بما فعل.

ثم نزل وخاطب المرأة، فحسنت في عيني شمشون.

ورجع بعد أيام ليأخذها، فال ليرى جثة الأسد، فإذا في جوف الأسد فرق من النحل وعسل.

فأخذ منه على كفيه ومضى وهو يأكل وجاء إلى أبيه وأمه وأعطاهما فأكلا، ولم يخبرهما أنه من جوف الأسد أخذ العسل.

ونزل أبوه إلى المرأة، وصنع هناك شمشون وليمة، لأنه هكذا كان يصنع الفتيان.

فلما رأوا شمشون، أخذوا له ثلاثين وصيفا، فكانوا معه.

فقال لهم شمشون: ((إني عارض عليكم لغزا. فإن حللتموه لي في سبعة أيام الوليمة وأصبتم، أعطيتكم ثلاثين قميصا وثلاثين حلة من الثياب.

وإن لم تقدروا أن تحلوه لي، أعطيتموني ثلاثين قميصا وثلاثين حلة من الثياب )). فقالوا له: ((إعرض لغزك لنسمعه )).

فقال لهم: ((خرج من الآكل أكل ومن القوي حلاوة)). فلم يستطيعوا في ثلاثة أيام أن يحلوا اللغز.

فلما كان اليوم السابع، قالوا لامرأة شمشون: ((أغري زوجك حتى يحل لنا اللغز، وإلا نحرقك مع بيت أبيك بالنار. ألتسلبونا دعوتمونا؟ ))

فبكت امرأة شمشون لديه وقالت: ((إنما أنت تبغضني ولا تحبني. قد عرضت على بني شعبي لغزا ولم تطلعني عليه )). فقال لها: ((إني لم أطلع عليه أبي وأمي، أفإياك أطلع عليه؟ ))

فبكت لديه سبعة أيام الوليمة. فلما كان اليوم السابع، أطلعها عليه، لأنها كانت قد ضايقته. فأطلعت بني شعبها على اللغز.

فني اليوم السابع، قبل غروب الشمس، قال رجال المدينة: ((أي شيء أحلى من العسل، وأي شيء أقوى من الأسد؟ )) فقال لهم: ((لولا أنكم حرثتم مع عجلتي، لم تجدوا لغزي )).

وانقض على شمشون روح الرب، فنزل إلى أشقلون، وقتل منهم ثلاثين رجلا، وأخذ أسلابهم وأعطى الحلل لكاشفي اللغز. وغضب وصعد إلى بيت أبيه.

وصارت امرأة شمشون لوصيفه الذي كان يرافقه.

وكان بعد أيام، في أوان حصاد الحنطة، أن شمشون زار امرأته وحمل إليها جديا من المعز

وقال: ((أدخل على امرأتي في حجرتها)). ولكن أباها لم يدعه يدخل. وقال أبوها: ((قلت في نفسي: إنك أبغضتها، فزوجتها من وصيفك. ولكن أليست أختها الصغرى أحسن منها؟ فلتكن لك بدلا لها)).

فقال لهم شمشون: ((أنا بريء الآن من الفلسطينيين إذا أنزلت بهم شرا)).

وانطلق شمشون وقبض على ثلاث مئة ثعلب، وأخذ مشاعل، فجعل الثعالب ذنبا إلى ذنب، وجعل بين كل ذنبين مشعلا.

وأوقد المشاعل وأرسلها في زرع الفلسطينيين، وأحرق الحزم والزرع، حتى الكروم والزيتون.

فقال أهل فلسطين: ((من صنع هذا؟ )) فقيل: ((شمشون، صهر التمني، لأن أباها أخذ زوجته وأعطاها لوصيفه )). فصعد أهل فلسطين وأحرقوا المرأة وأباها بالنار.

فقال لهم شمشون: ((بما أنكم فعلتم هذا، فإني أنتقم منكم، ثم أكف عنكم )).

وضربهم فسحقهم سحقا عظيما، ثم نزل وأقام بكهف صخرة عيطم.

فصعد الفلسطينيون وعسكروا في يهوذا وانتشروا في لحي.

فقال لهم رجال يهوذا: ((لماذا صعدتم علينا؟ )) فقالوا: ((صعدنا لنوثق شمشون ونصنع به كما صنع بنا)).

فنزل ثلاثة آلاف رجل من يهوذا وأتوا كهف صخرة عيطم وقالوا لشمشون: ((أما تعلم أن الفلسطينيين متسلطون علينا؟ فلماذا فعلت بنا ذلك؟ )) فقال لهم: ((كما صنعوا بي صنعت بهم )).

فقالوا له: ((قد نزلنا لنوثقك ونسلمك إلى يد الفلسطينيين )). فقال لهم شمشون: ((احلفوا لي أنكم أنتم لا تقتلونني )).

فقالوا له: ((لا، بل نوثقك ونسلمك إلى يدهم، ولا نميتك نحن )). فأوثقوه بحبلين جديدين، وأصعدوه من الصخرة.

ولما انتهى إلى لحي، صاح الفلسطينيون عند لقائه فانقض عليه روح الرب، فإذا الحبلان اللذان على ذراعيه كأنما هما كتان أحرق بالنار. فانحلت القيود عن يديه.

ووجد فك حمار طريئا، فمد يده وتناوله وقتل به ألف رجل.

وقال شمشون: ((أوسعتهم ضربا وبفك حمار قتلت ألف رجل )).

ولما أتم كلامه، رمى بالفك من يده ودعا ذلك المكان رامة لحي .

ثم إنه عطش جدا، فصرخ إلى الرب وقال: ((قد جعلت بيد عبدك هذا النصر العظيم، والآن فإني أهلك عطشا وأقع في يد القلف )).

فشق الله الجوف الذي في لحي، فخرجت منه مياه فشرب وعادت إليه روحه وعاش. ولذلك دعا ذلك المكان عين هاقوري ، وهي في لحي إلى هذا اليوم.

وكان قاضيا في إسرائيل في أيام الفلسطينيين عشرين سنة.

ثم انطلق شمشون إلى غزة، فرأى هناك امرأة زانية، فدخل عليها.

فقيل لأهل غزة: ((إن شمشون ههنا)). فطافوا وكمنوا له كل الليل عند باب المدينة، وصمتوا الليل كله وقالوا: ((عند ضوء الصبح نقتله )).

فرقد شمشون إلى نصف الليل، وقام عند نصف الليل فأخذ مصراعي باب المدينة بدعامتيه، وقلعها مع المزلاج، وحمل كل ذلك على منكبيه وصعد به إلى رأس الجبل الذي قبالة حبرون

وكان بعد ذلك أنه أحب امرأة في وادي سوريق اسمها دليلة.

فصعد إليها أقطاب الفلسطينيين وقالوا لها: ((أغريه وانظري أين تكمن قوته العظيمة، وكيف نتمكن منه فنوثقه ونسيطر عليه، ونحن ندفع إليك كل منا ألفا ومئة من الفضة)).

فقالت دليلة لشمشون: ((أخبرني أين تكمن قوتك العظيمة وبماذا توثق ليسيطر عليك؟ ))

فقال لها شمشون: ((إذا أوثقوني بسبعة حبال طريئة لم تجف بعد، فإني أضعف وأصير كواحد من الناس )).

فجاءها أقطاب الفلسطينيين بسبعة حبال طريئة أتجف بعد، فأوثقته بها،

والكمين رابض عندها في المخدع. ثم قالت له: ((الفلسطينيون عليك، يا شمشون )). فقطع الحبال كما يقطع خيط المشاقة إذا أحرق بالنار. ولم يعلم أين تكمن قوته.

فقالت له دليلة: ((قد خدعتني وكذبت ير، فأخبرني الآن بماذا توثق )).

فقال لها: ((إن أوثقوني بحبال جديدة لم تستعمل قط، فإني أضعف وأصير كواحد من الناس)).

فأخذت دليلة حبالا جديدة وشدته بها وقالت له: ((الفلسطينيون عليك، يا شمشون ))، والكمين رابض في المخدع. فقطع الحبال عن ذراعيه، كما يقطع الخيط.

فقالت دليلة لشمشون: ((إلى الآن خدعتني وكذبت علي، فأخبرني بماذا نوثق )). فقال لها: ((إذا ضفرت سبع خصل رأسي مع السدى، وغرستها بالوتد في الحائط، فإني أضعف وأصير كواحد من الناس )).

وبينما هو راقد، أخذت دليلة خصل رأسه السبع وضفرتها مع السدى وغرستها بوتد النول وقالت: (( الفلسطينيون عليك، يا شمشون )). فاستيقظ من نومه وقلع وتد النول والسدى .

فقالت له: ((كيف تقول: إني أحبك، وقلبك ليس معي، وهذه ثلاث مرات وأنت تخدعني ولم تخبرني أين تكمن قوتك العظيمة)).

ولما كانت تضايقه بكلامها كل يوم وتزعجه، ضاقت نفسه حتى الموت.

فأطلعها على كل ما في قلبه وقال لها: ((لم يعل رأسي موسى، لأني نذير لله من بطن أمي. فإن حلق رأسي، فارقتني قوتي وضعفت وصرت كواحد من الناس )).

ورأت دليلة أنه قد أطلعها على كل ما في قلبه، فأرسلت ودعت أقطاب الفلسطينيين وقالت: ((اصعدوا هذه المرة، فإنه قد أطلعني على كل ما في قلبه )). فصعد إليها أقطاب الفلسطينيين، والفضة بيدهم.

فنومته على ركبتيها ودعت رجلا، فحلق سبع خصل رأسه. وأخذت تسيطر عليه، وقد فارقته قوته.

وقالت له: ((الفلسطينيون عليك، يا شمشون )). فاستيقظ من نومه وقال في نفسه: ((أنجو كما كنت أصنع كل مرة وأتخلص ))، وهو لا يعلم أن الرب قد فارقه.

فقبض عليه الفلسطينيون وفقأوا عينيه ونزلوا به إلى غزة، وأوثقوه بسلسلتين من نحاس. وكان يدير الرحى في السجن.

وأخذ شعر رأسه ينبت بعد أن حلق.

وأما أقطاب الفلسطينيين، فاجتمعوا ليذبحوا ذبيحة عظيمة لداجون إلههم فرحا، وقالوا: (( قد أسلم إلهنا عدونا إلى أيدينا )).

ولما رآه الشعب، سبحوا إلههم لأنهم قالوا: (( قد أسلم إلهنا إلى أيدينا عدونا ومخرب أرضنا، الذي كثر قتلانا)).

فلما طابت نفوسهم قالوا: ((هلم بشمشون، فيسلينا)). فدعوا شمشون من السجن، فسلاهم، وأقاموه بين الأعمدة.

فقال شمشون للصبي الآخذ بيده: ((دعني ألمس الأعمدة القائم عليها البيت حتى أتكئ عليها)).

وكان البيت غاصا بالرجال والنساء، وكان هناك جميع أقطاب الفلسطينيين، وعلى السطح نحو ثلاثة آلاف من الرجال والنساء يتفرجون على شمشون وهو يسليهم.

فدعا شمشون الرب وقال: ((أيها السيد الرب، اذكرني وشددني هذه المرة أيضا، يا الله، لأنتقم لعيني من الفلسطينيين انتقاما واحدا )).

ثم تلمس شمشون العمودين اللذين في الوسط، والقائم عليهما البيت. واتكأ عليهما، آخذا أحدهما بيمينه والآخر بشماله،

وقال: ((لتمت نفسي مع الفلسطينيين )). ودفع بشدة، فسقط البيت على الأقطاب وعلى كل الشعب الذي في البيت. فكان الموتى الذين قتلهم في موته أكثر من الذين قتلهم في حياته .

فنزل إخوته وكل بيت أبيه، فحملوه وصعدوا به ودفنوه بين صرعة وأشتأؤول، في قبر منوح أبيه. وكان قد تولى القضاء في إسرائيل عشرين سنة.

وكان رجل من جبل أفرائيم اسمه ميخا.

فقال لأمه: ((إن الألف والمئة مثقال الفضة التي أخذت منك، ولعنت بسببها وتكلمت على مسمع مني هي معي ، فأنا أخذتها)). فقالت أمه: (( بركة الرب عليك يا بني )).

فأعاد إلى أمه الألف والمئة مثقال الفضة. فقالت أمه: ((قدست الفضة للرب من يدي في سبيل ابني، ليعمل منها تمثال منحوت وصورة مسبوكة. والآن أعيدها إليك ((.

غير أنه أعاد الفضة إلى أمه. فأخذت أمه مئتي مثقال من الفضة وأعطتها للصائغ، فعملها تمثالا منحوتا (وصورة مسبوكة) ، وكانا في بيت ميخا.

وكان لميخا بيت لله، فصنع أفودا وترافيما وكرس أحد بنيه، فصار له كاهنا .

وفي تلك الأيام، لم يكن لإسرائيل ملك، فكان كل واحد يعمل ما يحسن في عينيه.

وكان فتى من بيت لحم يهوذا من عشيرة يهوذا ، وهو لاوي، وكان نزيلا هناك.

فذهب الرجل من المدينة، من بيت لحم يهوذا، ليسكن حيث يجد منزلا. فانتهى إلى جبل أفرائيم، إلى بيت ميخا، وهو سائر في طريقه.

فقال له ميخا: ((من أين أقبلت؟ )) فقال له: ((أنا لاوي من بيت لحم يهوذا، ذهبت لأسكن حيث أجد منزلا)).

فقال له ميخا: ((أقم عندي كن لي أبا وكاهنا، وأنا أعطيك كل سنة عشرة من الفضة، ومجموعة من الثياب، وقوتك)). فذهب اللاوي.

ثم رضي اللاوي أن يقيم مع الرجل. فكان الفتى عنده كأحد بنيه.

فكرس ميخا ذلك اللاوى، فكان الفتى له كاهنا. وأقام في بيت ميخا.

فقال ميخا: ((علمت الآن أن الرب يحسن إلي، لأنه قد صار اللاوي لي كاهنا)). بنو دان يبحثون عن أرض

وفي تلك الأيام، لم يكن لإسرائيل ملك وكان حينئذ سبط دان يطلب ميراثا للسكنى، لأنه إلى ذلك اليوم لم يكن قد وقع له ميراث يرثه بين أسباط إسرائيل.

فأرسل بنو دان من عشيرتهم خمسة رجال من حدود أرضهم، من المحاربين البواسل، من صرعة وأشتأؤول، ليتجسسوا الأرض وليتقصوا أمرها، وقالوا لهم: ((انطلقوا وتقصوا أمر الأرض )). فأتوا إلى جبل أفرائيم، إلى بيت ميخا، وباتوا هناك.

وبينما كانوا بالقرب من بيت ميخا، عرفوا صوت الفتى اللاوي. فمالوا إلى هناك وقالوا له: ((من جاء بك إلى ههنا، وماذا تصنع ههنا، وما لك ههنا؟ ))

فقال لهم: ((صنع لي ميخا كذا وكذا واستأجرني، فصرت له كاهنا )).

فقالوا له: ((إسأل لنا الله فنعلم هل ننجح في طريقنا التي نحن سائرون فيها)).

فقال لهم الكاهن: (( سيروا بسلام، فإن الطريق التي أنتم سالكوها هي أمام الرب )).

فمضى الرجال الخمسة وجاؤوا إلى لاييش، ورأوا الشعب الساكنين فيها آمنين على عادة الصيدونيين، مطمئنين آمنين، ولا يلوم أحد في أرضهم من له السلطان. وكانوا بعيدين من الصيدونيسين، وليس لهم بينهم وبين أحد علاقة.

فرجعوا إلى إخوتهم، إلى صرعة وأشتأؤول، فقال لهم إخوتهم: ((ما وراءكم؟ ))

فقالوا لهم: ((قوموا بنا نصعد عليهم، لأننا رأينا الأرض، وهي طيبة جدا، وأنتم ساكنون، فلا تتأخروا عن المسير لتذهبوا وترثوا الأرض )).

فإنكم، عند وصولكم، تجدون شعبا آمنا، والأرض واسعة، وقد أسلمها الرب إلى يدكم، وهي مكان لا حاجة إلى شيء مما في الأرض )).

فرحل من عشيرة دان، من صرعة وأشتأؤول، ست مئة رجل، وهم مسلحون بأدوات الحرب.

وصعدوا وعسكروا عند قرية يعاريم في يهوذا. ولذلك دعي ذلك المكان معسكر دان إلى هذا اليوم، وهو غربي قرية يعاريم.

وعبروا من هناك إلى جبل أفرائيم، ووصلوا إلى بيت ميخا.

فتكلم الرجال الخمسة الذين انطلقوا ليتجسسوا أرض لاييش، وقالوا لإخوتهم: ((أتعلمون أن في هذه البيوت أفودا وترافيما وتمثالا منحوتا وصورة مسبوكة؟ فانظروا الآن ماذا تصنعون )).

فمالوا إلى هناك وجاؤوا إلى بيت الفتى اللاوي في بيت ميخا وسلموا عليه.

ووقف الست مئة رجل المسلحون بأدوات الحرب، عند مدخل الباب، وهم من بني دان

وصعد الرجال الخمسة الذين تجسسوا الأرض، ودخلوا إلى هناك وأخذوا التمثال المنحوت والأفود والترافيم والصورة المسبوكة، والكاهن واقف عند مدخل الباب مع الست مئة رجل المسلحين بأدوات الحرب.

ودخل أولئك بيت ميخا وأخذوا التمثال المنحوت والأفود والترافيم والصورة المسبوكة. فقال لهم الكاهن: (( ماذا تفعلون؟ ))

فقالوا له: ((اسكت، ضع يدك على فمك، وانطلق معنا وكن لنا أبا وكاهنا. أخير لك أن تكون كاهنا لبيت رجل واحد أم أن تكون كاهنا لسبط وعشيرة في إسرائيل؟ ))

فطابت نفس الكاهن، وأخذ الأفود والترافيم والتمثال المنحوت، ودخل بين الشعب.

ثم رجعوا أدراجهم وذهبوا وجعلوا الأطفال والماشية والأمتعة أمامهم.

فلما ابتعدوا عن بيت ميخا، تجمع الرجال الذين كانوا في البيوت بالقرب من بيت ميخا وجدوا في إثر بني دان.

وصاحوا ببني دان. فالتفتوا وقالوا لميخا: ((ما لك تصرخ؟ ))

فقال: ((آلهتي التي صنعتها أخذتموها مع الكاهن، وانطلقتم، فما الذي بقي لي؟ وتقولون لي: ما لك؟ ))

فقال له بنو دان: ((لا تسمع صوتك علينا، لئلا يهاجمكم رجال أمرار النفوس، فتهلك نفسك ونفوس أهل بيتك )).

ومضى بنو دان في سبيلهم. ورأى ميخا أنهم أشد منه، فارتد ورجع إلى بيته.

وأما هم فأخذوا ما صنع ميخا والكاهن الذي كان له، وذهبوا إلى لاييش، إلى شعب هادئ آمن، فضربوه بحد السيف، وأحرقوا المدينة بالنار.

ولم يكن لهم منقذ، لأن المدينة بعيدة من صيدون، ولم يكن بينهم وبين أحد علاقة. وكانت المدينة في الوادي الذي لبيت رحوب، فأعادوا بناء المدينة وسكنوها.

وسموا المدينة دان، باسم دان أبيهم الذي ولد لإسرائيل، وكان اسم المدينة قبل ذلك لاييش.

ونصب بنو دان التمثال المنحوت، وكان يوناثان بن جرشوم بن موسى هو وبنوه كهنة لسبط الدانيين إلى يوم الجلاء عن الأرض.

وجعلوا لهم تمثال ميخا المنحوت الذي كان قد صنعه، جميع الأيام التي كان فيها بيت الله في شيلو .

وفي تلك الأيام، لم يكن في إسرائيل ملك. وكان رجل لاوي مقيما في أقصى جبل أفرائيم، فاتخذ امرأة سرية من بيت لحم يهوذا.

فغضبت عليه سريته وخرجت من عنده إلى بيت أبيها، إلى بيت لحم يهوذا، ومكثت هناك مدة أربعة أشهر.

ثم قام زوجها وسار في طلبها ليطيب قلبها ويردها إليه. وأخذ معه خادما له وحمارين. فأدخلته بيت أبيها. فلما رآه أبو المرأة، فرح بلقائه.

وأمسكه حموه، أبو الفتاة، فمكث عنده ثلاثة أيام، وأكلوا وشربوا وباتوا هناك.

وفي اليوم الرابع، بكروا في الصباح، وقام اللاوي لينصرف. فقال أبو الفتاة لصهره: ((أسند قلبك بكسرة خبز، ثم تنصرفان )).

فجلسا وأكلا معا وشربا. فقال أبو الفتاة للرجل: ((أسألك أن تقبل وتبيت عندنا، ولتطب نفسك )).

ولما نهض الرجل لينصرف، ألح عليه حموه، فعاد وبات هناك.

وبكر في صباح اليوم الخامس لينصرف، فقال له أبو الفتاة: (( أسند قلبك، وأبطئا إلى أن يميل النهار))، فأكلا كلاهما.

ونهض الرجل لينصرف هو وسريته وخادمه. فقال له حموه، أبو الفتاة: ((إن النهار قد مال إلى الغروب، فبيتوا هنا، هوذا النهار قد مال، فبت ههنا ولتطب نفسك. وغدا تبكرون في سيركم، وتمضي إلى خيمتك )).

فلم يرض الرجل أن يبيت، بل قام وانصرف، حتى انتهى إلى مقابل يبوس التي هي أورشليم، ومعه حماران مشدودان وسريته.

وفيما هم عند يبوس، وقد مال النهار كثيرا، قال الخادم لسيده: ((هلم نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه فنبيت فيها)).

فقال له سيده: ((لا نميل إلى مدينة غريبة ليس فيها أحد من بني إسرائيل، ولكن نعبر إلى جبع )).

وقال لخادمه: ((هلم نتقدم إلى بعض هذه الأماكن ونبيت في جبع أو في الرامة )).

فعبروا وساروا فغابت الشمس أمامهم وهم عند جبع التي لبنيامين.

فمالوا إلى هناك ودخلوا ليبيتوا في جبع، فجاء اللاوي وجلس في ساحة المدينة، ولم يستقبلهم أحد في منزله ليبيتوا.

فإذا برجل شيخ قادم من عمله في الحقل مساء، وكان الرجل من جبل أفرائيم، ولكنه نزيل في جبع، وكان أهل المكان بنيامينيين.

فرفع الشيخ عينيه، فأبصر هذا المسافر في ساحة المدينة. فقال له الرجل الشيخ: ((إلى أين ذاهب ومن أين أتيت؟ ))

فقال له: ((نحن عابرو طريق من بيت لحم. يهوذا إلى أقصى جبل أفرائيم، لأني من هناك، ولكني كنت قد ذهبت إلى بيت لحم يهوذا، وأنا خادم في بيت الرب، وليس من يستقبلني في منزله.

ومعنا تبن وعلف لحميرنا، وخبز وخمر لي ولأمتك وللخادم الذي مع عبيدك، فلا حاجة لنا إلى شيء من الأشياء)).

فقال له الرجل الشيخ: ((السلام عليك، ومهما تحتاج إليه فهو علي، ولا تبت في الساحة)).

وجاء به إلى بيته، وطرح للحمير علفا، وغسلوا أقدامهم وأكلوا وشربوا.

فلما طابت أنفسهم، إذا رجال المدينة، قوم لا خير فيهم، قد أحاطوا بالبيت وأخذوا يقرعون الباب، وقالوا للشيخ صاحب البيت: ((أخر الرجل الذي دخل بيتك لنعرفه )).

فخرج إليهم الرجل صاحب البيت وقال لهم: ((أسألكم، يا إخوتي، ألا تفعلوا شرا، بعدما دخل هذا الرجل بيتي، لا تفعلوا هذه الفاحشة .

هذه ابنتي العذراء وسريته أخرجهما إليكم، فاغتصبوهما واصنعوا بهما ما حسن في أعينكم، ولا تصنعوا بهذا الرجل هذا الأمر الفاحش)).

فأبى الرجال أن يسمعوا له. فأخذ الرجل سريته وأخرجها إليهم خارجا، فعرفوها ونالوا منها الليل كله إلى الصباح، وتركوها عند طلوع الفجر.

فجاءت المرأة عند إقبال الصباح، ووقعت عند باب بيت الرجل، حيث كان سيدها، وبقيت هناك إلى طلوع النهار.

فقام سيدها في الصباح، وفتح باب البيت، وخرج ليذهب في سبيله، فإذا بالمرأة سريته واقعة على باب البيت ولداها على العتبة.

فقال لها: ((قومي بنا ننطلق ))، فلم تجبه. فحملها على حماره وقام وانطلق إلى مكانه.

وأتى إلى بيته وتناول سكينا وأخذ سريته فقطعها مع عظامها اثنتي عشرة قطعة وأرسلها إلى جميع أراضي إسرائيل .

فكل من رآها قال: (( لم يكن ولم ير مثل هذا منذ يوم صعد بنو إسرائيل من أرض مصر إلى هذا اليوم (( . وأمر الرجال الذين أرسلهم قائلا: ((قولوا هذا لكل رجل من إسرائيل: هل كان مثل هذا منذ يوم صعد بنو إسرائيل من أرض مصر إلى هذا اليوم؟ ففكروا وتشاوروا وأحكموا ))

فخرج بنو إسرائيل كلهم، واجتمعت الجماعة إلى الرب في المصفاة كرجل واحد، من دان إلى بئر سبع وأرض جلعاد.

ووقف أركان كل الشعب أسباط إسرائيل، في مجمع الله، أرج مئة ألف راجل مستل سيف .

وسمع بنو بنيامين أن بني إسرائيل قد صعدوا إلى المصفاة. وقال بنو إسرائيل: (( قصوا علينا كيف تمت هذه الإساءة)).

فأجاب الرجل اللاوي، زوج المرأة التي قتلت، وقال: ((دخلت أنا وسريتي إلى جمع التي لبنيامين لنبيت.

فقام علي أهل جبع وأحاطوا بي وأنا في البيت ليلا، وأرادوا قتلي، واغتصبوا سريتي حتى ماتت.

فأخذت سريتي وقطعتها وأرسلتها إلى كل أرض ميراث إسرائيل، لأنهم صنعوا عيبا وفاحشة في إسرائيل.

هوذا كلكم يا بني إسرائيل، فأجمعوا كلمتكم وتبادلوا المشورة ههنا)).

فنهض الشعب كرجل واحد وقالوا: ((لا ينصرف أحد إلى خيمته ولا يرجع أحد إلى بيته.

فلنفعل الآن بجبع هذا الأمر: لنلق عليهم القرعة.

نأخذ من كل مئة رجل عشرة من كل أسباط بني إسرائيل، ومن الألف مئة، ومن الربوة ألفا، ليأخذوا زادا للشعب، ويعاملوا، عند دخولهم، جبع بنيامين بحسب الفاحشة التي صنعوها في إسرائيل )).

فاجتمع رجال إسرائيل جميعهم على المدينة متحدين كرجل واحد.

وأرسل أسباط إسرائيل رجالا إلى جميع عشائر بنيامين وقالوا لهم: ((ما هذه الإساءة التي وقعت بينكم؟

فأسلموا الآن القوم الذين لا خير فيهم، الذين في جبع، فنقتلهم ونقلع الشر من إسرائيل )). فأبى بنو بنيامين أن يسمعوا لقول إخوتهم بني إسرائيل.

واجتمع بنو بنيامين من المدن إلى جبع ليخرجوا إلى محاربة بني إسرائيل.

وأحصي بنو بنيامين الذين من المدن في ذلك اليوم، فكان عددهم ستة وعشرين ألف رجل مستل سيف، ما عدا أهل جبع الذين كان عددهم سبع مئة رجل مختارين.

كان من كل هذا الشعب سبع مئة رجل مختارون، يسر الأيدي، كل من أولئك يرمي الحجر بالمقلاع على الشعرة فلا يخطى.

وأحصي رجال إسرائيل، ما عدا بنيامين، فكان عددهم أربع مئة ألف رجل مستل سيف، كلهم رجال حرب.

فقاموا وصعدوا إلى بيت إيل وسألوا الله، وقال بنو إسرائيل: ((من منا يصعد أولا لمحاربة بني بنيامين؟ )) فقال الرب: ((يهوذا أولا)).

فنهض بنو إسرائيل في الصباح، وعسكروا عند جبع.

وخرج رجال إسرائيل لمحاربة بنيامين، واصطف رجال إسرائيل عليهم للمحاربة عند جبع.

فخرج بنو بنيامين من جبع، فأسقطوا من إسرائيل في ذلك اليوم اثنين وعشرين ألف رجل.

ثم تشدد الشعب، رجال إسرائيل، وعادوا فاصطفوا للمحاربة في المكان الذي اصطفوا فيه أول يوم.

وصعد بنو إسرائيل فبكوا أمام الرب إلى المساء، وسألوا الرب قائلين: ((أنعود إلى محاربة بني بنيامين إخوتنا أيضا؟ )) فقال لهم الرب: (( اصعدوا إليهم )) .

فتقدم بنو إسرائيل في اليوم الثاني من بني بنيامين.

فخرج عليهم بنيامين من جبع في اليوم الثاني، فأسقطوا من بني إسرائيل أيضا ثمانية عشر ألف رجل، كلهم مستلو سيف.

فصعد بنو إسرائيل، الشعب كله، وأتوا بيت إيل وبكوا، وجلسوا هناك أمام الرب، وصاموا ذلك اليوم إلى المساء، وأصعدوا محرقات وذبائح سلامية أمام الرب.

وسأل بنو إسرائيل الرب، وكان تابوت عهد الله في تلك الأيام هناك.

وكان فنحاس بن ألعازار بن هارون يقف أمامه في تلك الأيام، وقالوا: ((أنعود نخرج أيضا لمحاربة بني بنيامين إخوتنا أم نكف؟ )) فقال الرب: (( إصعدوا، لأني في الغد أسلمهم إلى يدكم )) .

فأقام بنو إسرائيل كمينا على جبع من حولها.

وصعد بنو إسرائيل على بني بنيامين في اليوم الثالث، واصطفوا عند جبع كالمرتين الأوليين.

فخرج بنو بنيامين على الشعب، واستدرجوا عن المدينة، وأخذوا يقتلون من الشعب كالمرتين الأوليين في الطريقين الصاعدين أحدهما إلى بيت إيل والآخر إلى جبع ، مرورا بالحقول: فقتل من إسرائيل نحو من ثلاثين رجلا.

فقال بنو بنيامين في أنفسهم: ((إنهم منكسرون أمامنا كما سبق )). وكان بنو إسرائيل قد قالوا في أنفسهم: (( لنهرب ونستدرجهم عن المدينة إلى الطرق)).

وقام رجال إسرائيل كلهم من مواضعهم واصطفوا في بعل تامار، وقام كمين إسرائيل من مكانه من عراء جبع.

وأقبل إلى قبالة جبع عشرة آلاف رجل مختارون من كل إسرائيل، فاشتد القتال، ولم يعلم بنو بنيامين أن الكارثة نازلة بهم.

فكسر الرب بنيامين أمام إسرائيل، وأسقط بنو إسرائيل في ذلك اليوم خمسة وعشرين ألفا ومئة، كلهم مستلو سيف.

فرأى بنو بنيامين أنهم انكسروا . لكن رجال إسرائيل أفسحوا لبنيامين، لأنهم اتكلوا على الكمين الذي أقاموه على جبع.

فأسرع الكامنون واقتحموا جبع وانتشروا فرثا وضربوا كل المدينة بحد السيف.

وكانت العلامة بين رجال إسرائيل والكامنين أنهم يصعدون دخانا كثيرا من المدينة،

وحينئذ يدور رجال إسرائيل الذين في الحرب إلى الوراء. وبدأ بنيامين فقتلوا من رجال إسرائيل نحوا من ثلاثين رجلا، لأنهم قالوا في أنفسهم: ((إنهم منكسرون أمامنا، كما كان في المعركة الأولى )).

فأخذ الغمام يرتفع من المدينة كعمود دخان. فالتفت بنيامين إلى ورائهم، فإذا المدينة صاعدة بأسرها إلى السماء.

وانقلب عليهم رجال إسرائيل، فذعر رجال بنيامين، لأنهم رأوا الكارثة نازلة بهم.

وهربوا من أمام رجال إسرائيل، إلى طريق البرية. فأدركهم القتال، والذين من سائر المدن أطبقوا عليهم فأسقطوهم.

وأحاطوا ببنيامين وطاردوهم وداسوهم في مكان راحتهم، إلى مقابل جبع جهة مشرق الشمس.

فسقط من بنيامين ثمانية عشر ألف رجل، كلهم محاربون بواسل.

فولوا هاربين إلى البرية، إلى صخرة الرمون. فقتلوا منهم في الطرق خمسة آلاف رجل، وجدوا في إثرهم حتى جدعون، فقتل منهم ألفا رجل.

فكان مجموع القتلى من بنيامين في ذلك اليوم خمسة وعشرين ألفا مستلي سيف، كلهم محاربون بواسل.

وولى منهم ست مئة رجل هاربين في طريق البرية، إلى صخرة الرمون، وأقاموا في صخرة الرمون أربعة أشهر.

وارتد رجال إسرائيل على بني بنيامين وضربوهم بحد السيف، من الناس الذين في المدينة، والبهائم كل ما وجد فيها. وجميع المدن التي وجدوها أحرقوها بالنار.

وكان رجال إسرائيل قد حلفوا في المصفاة قائلين: ((لا يزوج رجل منا ابنته لبنيامين )).

وأقبل الشعب إلى بيت إيل وجلسوا هناك أمام الله إلى المساء، ورفعوا أصواتهم وبكوا بكاء شديدا،

وقالوا: ((لماذا، يا رب، إله إسرائيل، وقع هذا في إسرائيل، أن قد فقد اليوم سبط واحد من إسرائيل؟ )) .

وبكر الشعب في الغد، فبنوا هناك مذبحا، وأصعدوا محرقات وذبائح سلامية.

وقال بنو إسرائيل: ((من هو الذي لم يصعد إلى مجمعنا إلى الرب من جميع أسباط إسرائيل؟ )) وكانوا قد حلفوا يمينا عظيمة على من لا يصعد إلى الرب في المصفاة قائلين: ((ليموتن موتا)).

ورئف بنو إسرائيل ببني بنيامين إخوتهم وقالوا: (( اليوم قد قطع سبط واحد من إسرائيل.

فماذا نصنع بالذين بقوا من حيث النساء، وقد حلفنا نحن بالرب ألا نزوجهم من بناتنا؟ )).

ثم قالوا: ((من من أسباط إسرائيل لم يصعد إلى الرب في المصفاة؟ (( ولم يكن قد أتى المعسكر أحد من يابيش جلعاد إلى المجمع.

فكان الشعب قد أحصي، فإذا ا يكن هناك أحد من سكان يابيش جلعاد.

فأرسلت الجماعة إلى هناك اثني عشر ألف رجل من المحاربين البواسل، وأمروهم قائلين: (( انطلقوا واضربوا أهل يابيش جلعاد بحد السيف مع النساء والأطفال.

وهذا ما تعملونه: كل ذكر وكل امرأة عرفت مجامعة رجل فحرموهما)).

فوجد من سكان يابيش جلعاد أربع مئة فتاة عذراء لم تعرف مجامعة رجل، فجاؤوا بهن إلى المعسكر في شيلو التي في أرض كنعان.

وأرسلت الجماعة كلها وكلمت بني بنيامين الذين في صخرة رمون، واستدعتهم إلى الصلح.

فرجع بنو بنيامين في ذلك الوقت، فأعطوهم النساء اللواتي استبقوهن من نساء يابيش جلعاد، فلم يكفينهم.

ورئف الشعب ببنيامين، لأن الرب جعل ثغرة في أسباط إسرائيل.

فقال شيوخ الجماعة: ((ماذا نصنع بالذين بقوا من حيث النساء، فقد انقطعت النساء من بنيامين؟ ))

وقالوا: ((إن ميراث بنيامين يكون للناجين، فلا يمحى سبط من إسرائيل.

أما نحن فليس لنا أن نزوجهم من بناتنا (( لأن بني إسرائيل كانوا قد حلفوا قائلين: ((ملعون من يعطي بنيامين زوجة)).

ثم قالوا: ((قد حان عيد الرب السنوي في شيلو (التي إلى شمال بيت إيل، شرقي الطريق الصاعد من بيت إيل إلى شكيم، وجنويى لبونة))).

فأوصوا بني بنيامين وقالوا لهم: ((انطلقوا واكمنوا في الكروم،

وترصدوا. فإذا خرجت بنات شيلو للرقص معا، فاخرجوا من الكروم واخطفوا كل واحد امرأته من بنات شيلو، وانطلقوا إلى أرض بنيامين.

فإذا جاءنا آباؤهن وإخوتهن للشكوى، نقول لهم: هبونا إياهن، لأننا لم نأخذ لكل واحد امرأة في الحرب، ولأنكم لم تعطوهم أنتم، حتى لا تكونوا قد أثمتم )) .

ففعل بنو بنيامين كذلك، واتخذوا نساء بحسب عددهم من الراقصات اللواتي اختطفوهن، وانصرفوا ورجعوا إلى ميراثهم، وأعادوا بناء المدن وسكنوها.

وحينئذ انصرف بنو إسرائيل من هناك، كل واحد إلى سبطه وعشيرته، وخرجوا من هناك، كل واحد إلى ميراثه.

وفي تلك الأيام، لم يكن لبني إسرائيل ملك، وكان كل إنسان منهم يحلى ما حسن في عينيه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *