سفر أعمال الرسل

سفر أعمال الرسل

ألفت كتابي الأول، يا تاوفيلس، في جميع ما عمل يسوع وعلم، منذ بدء رسالته ،

إلى اليوم الذي رفع فيه إلى السماء، بعدما ألقى وصاياه، بدافع من الروح القدس، إلى الرسل الذين اختارهم

وأظهر لهم نفسه حيا بعد آلامه بكثير من الأدلة، إذ تراءى لهم مدة أربعين يوما، وكلمهم على ملكوت الله.

وبينما هو مجتمع بهم، أوصاهم ألا يغادروا أورشليم، بل ينتظروا فيها ما وعد به الآب ((وسمعتموه مني،

ذلك بأن يوحنا قد عمد بالماء، وأما أنتم ففي الروح القدس تعمدون بعد أيام غير كثيرة)).

كانوا إذا مجتمعين فسألوه: ((يا رب، أفي هذا الزمن تعيد الملك إلى إسرائيل؟ ))

فقال لهم: ((ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التي حددها الآب بذات سلطانه.

ولكن الروح القدس ينزل عليكم فتنالون قدرة وتكونون لي شهودا في أورشليم وكل اليهودية والسامرة، حتى أقاصي الأرض.

ولما قال ذلك، رفع بمرأى منهم، ثم حجبه غمام عن أبصارهم. .

وبينما عيونهم شاخصة إلى السماء وهو ذاهب، إذا رجلان قد مثلا لهم في ثياب بيض

وقالا: ((أيها الجليليون، ما لكم قائمين تنظرون إلى السماء؟ فيسوع هذا الذي رفع عنكم إلى السماء سيأتي كما رأيتموه ذاهبا إلى السماء)).

فرجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يقال له جبل الزيتون، وهو قريب من أورشليم على مسيرة سبت منها.

ولما وصلوا إليها صعدوا إلى العلية التي كانوا يقيمون فيها، وهم بطرس ويوحنا، ويعقوب وأندراوس، وفيلبس وتوما، وبرتلماوس ومتى، ويعقوب بن حلفى وسمعان الغيور، فيهوذا بن يعقوب.

وكانوا يواظبون جميعا على الصلاة بقلب واحد، مع بعض النسوة ومريم أم يسوع ومع إخوته.

وفي تلك الأيام قام بطرس بين الإخوة، وكان هناك جمع محتشد من الناس يبلغ عددهم نحو مائة وعشرين، فقال:

((أيها الإخوة، كان لابد أن تتم آية الكتاب التي قالها الروح القدس من قبل بلسان داود، على يهوذا الذي أمسى دليلا للذين قبضوا على يسوع.

فقد كان واحدا منا ونال نصيبه في هذه الخدمة.

وقد تملك حقلا بالأجرة الحرام فوقع على رأسه منكسا وانشق من وسطه، واندلقت أمعاؤه كلها.

وعرف ذلك سكان أورشليم جميعا، حتى دعي هذا الحقل في لغتهم ((حقل دمخ )) أي حقل الدم.

فقد كتب في سفر المزامير: ((لتصر داره مقفرة ولا يكن فيها ساكن )). وكتب أيضا: ((ليتول منصبه آخر)).

هناك رجال صحبونا طوال المدة التي أقام فيها الرب يسوع معنا،

مذ أن عمد يوحنا إلى يوم رفع عنا. فيجب إذا أن يكون واحد منهم شاهدا معنا على قيامته )).

فعرضوا اثنين منهم هما يوسف الذي يدعى برسابا، ويلقب يسطس، ومتيا.

ثم صلوا فقالوا: ((أنت أيها الرب العليم بقلوب الناس أجمعين، بين من اخترت من هذين الاثنين،

ليقوم بخدمة الرسالة مقام يهوذا الذي تولى عنها ليذهب إلى موضعه )).

ثم اقترعوا فوقعت القرعة على متيا، فضم إلى الرسل الأحد عشر.

ولما أتى اليوم الخمسون، كانوا مجتمعين كلهم في مكان واحد،

فانطلق من السماء بغتة دوي كريح عاصفة، فملأ جوانب البيت الذي كانوا فيه،

وظهرت لهم ألسنة كأنها من نار قد انقسمت فوقف على كل منهم لسان،

فامتلأوا جميعا من الروح القدس، وأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم، على ما وهب لهم الروح القدس أن يتكلموا.

وكان يقيم في أورشليم يهود أتقياء من كل أمة تحت السماء.

فلما انطلق ذلك الصوت، تجمهر الناس وقد أخذتهم الحيرة، لأن كلا منهم كان يسمعهم يتكلمون بلغة بلده.

فدهشوا وتعجبوا وقالوا: ((أليس هؤلاء المتكلمون جليليين بأجمعهم؟

فكيف يسمعهم كل منا بلغة بلده

بين فرثيين وميديين وعيلاميين وسكان الجزيرة بين النهرين واليهودية وقبدوقية وبنطس وآسية

وفريجية وبمفيلية ومصر ونواحي ليبية المتاخمة لقيرين، ورومانيين نزلاء ههنا

من يهود ودخلاء وكريتيين وعرب؟ فإننا نسمعهم يحدثون بعجائب الله بلغاتنا)).

وكانوا كلهم دهشين حائرين يقول بعضهم لبعض: ((ما معنى هذا؟ ))

على أن آخرين كانوا يقولون ساخرين: (( قد امتلأوا من النبيذ)).

فوقف بطرس مع الأحد عشر، فرفع صوته وكلم الناس قال: ((يا رجال اليهودية، وأنتم أيها المقيمون في أورشليم جميعا، اعلموا هذا، وأصغوا إلى ما أقول:

ليس هؤلاء بسكارى كما حسبتم، فالساعة هي الساعة التاسعة من النهار.

ولكن هذا هو ما قيل بلسان النبي يوئيل:

سيكون في الأيام الأخيرة، يقول الله أني أفيض من روحي على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبانكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاما.

وعلى عبيدي وإمائي أيضا أفيض من روحي في تلك الأيام فيتنبأون

وأجعل فوقا أعاجيب في السماء وسفلا آيات في الأرض دما ونارا وعمود دخان

فتنقلب الشمس ظلاما والقمر دما قبل أن يأتي يوم الرب اليوم العظيم المجيد

فيكون أن كل من يدعو باسم الرب يخلص.

يا بني إسرائيل اسمعوا هذا الكلام: إن يسوع الناصري، ذاك الرجل الذي أيده الله لديكم بما أجرى عن يده بينكم من المعجزات والأعاجيب والآيات، كما أنتم تعلمون،

ذاك الرجل الذي أسلم بقضاء الله وعلمه السابق فقتلتموه إذ علقتموه على خشبة بأيدي الكافرين،

قد أقامه الله وأنقذه من أهوال الموت، فما كان ليبقى رهينها

لأن داود يقول فيه: كنت أرى الرب أمامي في كل حين فإنه عن يميني لئلا أتزعزع.

لذلك فرح قلبي وطرب لساني بل سيستقر جسدي أيضا في الرجاء

لأنك لن تترك نفسي في مثوى الأموات ولا تدع قدوسك ينال منه الفساد.

قد بينت لي سبل الحياة وستغمرني سرورا بمشاهدة وجهك.

أيها الإخوة، يجوز أن أقول لكم صراحة: إن أبانا داود مات ودفن، وقبره عندنا إلى هذا اليوم.

على أنه كان نبيا وعالما بأن الله أقسم له يمينا ليقيمن ثمرا من صلبه على عرشه،

فرأى من قبل قيامة المسيح وتكلم عليها فقال: لم يترك في مثوى الأموات، ولا نال من جسده الفساد.

فيسوع هذا قد أقامه الله، ونحن بأجمعنا شهود على ذلك.

فلما رفعه الله بيمينه، نال من الآب الروح القدس الموعود به فأفاضه، وهذا ما ترون وتسمعون.

فداود لم يصعد إلى السموات، وهو نفسه مع ذلك يقول: قال الرب لربي: اجلس عن يميني

حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك.

فليعلم يقينا بيت إسرائيل أجمع أن يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم قد جعله الله ربا ومسيحا)).

فلما سمعوا ذلك الكلام، تفطرت قلوبهم، فقالوا لبطرس ولسائر الرسل: (( ماذا نعمل، أيها الأخوة؟ ))

فقال لهم بطرس: ((توبوا، وليعتمد كل منكم باسم يسوع المسيح، لغفران خطاياكم، فتنالوا عطية الروح القدس.

فإن الوعد لكم أنتم ولأولادكم وجميع الأباعد، على قدر ما يدعو منهم الرب إلهنا )).

وكان يستشهد بكثير من غير هذا الكلام ويناشدهم فيقول: ((تخلصوا من هذا الجيل الفاسد)).

فالذين قبلوا كلامه اعتمدوا، فانضم في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس.

وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات.

واستولى الخوف على جميع النفوس لما كان يجري عن أيدي الرسل من الأعاجيب والآيات.

وكان جميع الذين آمنوا جماعة واحدة، يجعلون كل شيء مشتركا بينهم،

يبيعون أملاكهم وأموالهم، ويتقاسمون الثمن على قدر احتياج كل منهم،

يلازمون الهيكل كل يوم بقلب واحد، ويكسرون الخبز في البيوت، ويتناولون الطعام بابتهاج وسلامة قلب،

يسبحون الله وينالون حظوة عند الشعب كله. وكان الرب كل يوم يضم إلى الجماعة أولئك الذين ينالون الخلاص.

وكان بطرس ويوحنا صاعدين إلى الهيكل لصلاة الساعة الثالثة بعد الظهر،

وكان هناك رجل كسيح من بطن أمه يحمله بعض الناس ويضعونه كل يوم على باب الهيكل المعروف بالباب الحسن ليطلب الصدقة من الذين يدخلون الهيكل.

فلما رأى بطرس ويوحنا يوشكان أن يدخلا، التمس منهما الحصول على صدقة.

فحدق إليه بطرس وكذلك يوحنا، ثم قال له: ((أنظر إلينا )).

فتعلقت عيناه بهما يتوقع أن ينال منهما شيئا.

فقال له بطرس: ((لا فضة عندي ولا ذهب، ولكني أعطيك ما عندي: باسم يسوع المسيح الناصري امش!

وأمسكه بيده اليمنى وأنهضه، فاشتدت قدماه وكعباه من وقته،

فقام وثبا وأخذ يمشي. ودخل الهيكل معهما، ماشيا قافزا يسبح الله.

فرآه الشعب كله يمشي ويسبح الله،

فعرفوه ذاك الذي كان يقعد على الباب الحسن في الهيكل ليطلب الصدقة، فأخذهم العجب والدهش كل مأخذ مما جرى له.

وبينما هو يلزم بطرس ويوحنا، أخذ الشعب كله، وقد استولى عليه الدهش، يسرع إليهم نحو الرواق المعروف برواق سليمان.

فلما رأى بطرس ذلك، كلم الشعب قال: ((يا بني إسرائيل، لماذا تعجبون من ذلك؟ ولماذا تحدقون إلينا، كأننا بذات قوتنا أو تقوانا جعلناه يمشي؟

إن إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، إله آبائنا، قد مجد عبده يسوع الذي أسلمتموه أنتم وأنكرتموه أمام بيلاطس، وكان قد عزم على تخلية سبيله،

ولكنكم أنكرتم القدوس البار والتمستم العفو عن قاتل،

فقتلتم سيد الحياة، فأقامه الله من بين الأموات، ونحن شهود على ذلك.

ومن فضل الإيمان باسمه أن ذاك الاسم قد شدد هذا الرجل الذي تنظرون إليه وتعرفونه. والإيمان الذي من عند يسوع هو الذي وهب لهذا الرجل كمال الصحة هذه بمرأى منكم جميعا.

وإني أعلم، أيها الإخوة، أنكم عملتم ذلك بجهالة وهكذا رؤساؤكم أيضا.

فأتم الله ما أنبأ من ذي قبل بلسان جميع الأنبياء، وهو أن مسيحه سوف يتألم.

فتوبوا وارجعوا لكي تمحى خطاياكم،

فتأتيكم من عند الرب أيام الفرج ويرسل إليكم المسيح المعد لكم من قبل، أي يسوع،

ذاك الذي يجب أن تتقبله السماء إلى أزمنة تجديد كل ما ذكره الله بلسان أنبيائه الأطهار في الزمن القديم،

فلقد قال موسى: ((سيقيم لكم الرب إلهكم من بين إخوتكم نبيا مثلي، فإليه أصغوا في جميع ما يقول لكم،

ومن لم يستمع لذلك النبي يستأصل من بين الشعب )).

وإن جميع الأنبياء من صموئيل إلى الذين تكلموا بعده على التوالي قد بشروا هم أيضا بهذه الأيام.

فأنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عقده الله لآبائكم إذ قال لإبراهيم: في نسلك تبارك جميع عشائر الأرض.

فمن أجلكم أولا أقام الله عبده وأرسله ليبارككم، فيتوب كل منكم عن سيئاته)).

وبينما بطرس ويوحنا يخاطبان الشعب، أقبل إليهما الكهنة وقائد حرس الهيكل والصدوقيون،

وهم مغتاظون لأنهما كانا يعلمان الشعب ويبشران في الكلام على يسوع بقيامة الأموات.

فبسطوا أيديهم إليهما ووضعوهما في السجن إلى الغد، لأن المساء كان قد حان.

وآمن كثير من الذين سمعوا كلمة الله، فبلغ عدد الرجال نحو خمسة آلاف.

فلما كان الغد اجتمع في أورشليم رؤساؤهم والشيوخ والكتبة،

وكان في المجلس حنان عظيم الكهنة وقيافا ويوحنا الإسكندر وجميع الذين كانوا من سلالة عظماء الكهنة.

ثم أقاموهما في الوسط وسألوهما: (( بأي قوة أو بأي اسم فعلتما ذلك؟ ))

فقال لهم بطرس وقد امتلأ من الروح القدس: ((يا رؤساء الشعب ويا أيها الشيوخ،

إذا كنا نستجوب اليوم عن الإحسان إلى عليل ليعرف بماذا نال الخلاص ،

فاعلموا جميعا وليعلم شعب إسرائيل كله أنه باسم يسوع المسيح الناصري الذي صلبتموه أنتم فأقامه الله من بين الأموات، بهذا الاسم يقف أمامكم ذاك الرجل معافى.

هذا هو الحجر الذي رذلتموه أنتم البنائين فصار رأس الزاوية.

فلا خلاص بأحد غيره، لأنه ما من اسم آخر تحت السماء أطلق على أحد الناس ننال به الخلاص )).

فلما رأوا جرأة بطرس ويوحنا وقد أدركوا أنهما أميان من عامة الناس، أخذهم العجب، وكانوا يعرفونهما من صحابة يسوع،

وهم إلى ذلك يرون الرجل الذي شفي قائما قربهما، فلم يكن عندهم ما يردون به.

فأمروهما بالانصراف من المجلس، ثم تشاوروا

وقالوا: ((ماذا نصنع بهذين الرجلين؟ فقد جرت عن أيديهما آية مبينة أمرها واضح لسكان أورشليم أجمعين، فلا نستطيع الإنكار.

لكن يجب ألا يزداد الخبر انتشارا بين الشعب، فلنهددهما بألا يعودا إلى الكلام على هذا الاسم، أمام أحد من الناس )).

ثم أمروا بإحضارهما، ونهوهما نهيا قاطعا أن يذكرا اسم يسوع أو يعلما به.

فأجابهم بطرس ويوحنا: ((أمن البر عند الله أن نسمع لكم أم الأحرى بنا أن نسمع لله؟ احكموا أنتم.

أما نحن فلا نستطيع السكوت عن ذكر ما رأينا وما سمعنا)).

فهددوهما ثانية ثم أطلقوا سراحهما، لأنهم لم يجدوا سبيلا إلى معاقبتهما. وإنما فعلوا ذلك مراعاة للشعب، فقد كان جميع الناس يمجدون الله على ما جرى،

لأن الرجل الذي جرت فيه آية الشفاء هذه جاوز حد الأربعين.

فلما أطلق سراحهما رجعا إلى أصحابهما وأخبراهم بكل ما قال لهما عظماء الكهنة والشيوخ.

وعند سماعهم ذلك، رفعوا أصواتهم إلى الله بقلب واحد فقالوا: ((يا سيد، أنت صنعت السماء والأرض والبحر وكل شيء فيها،

أنت قلت على لسان أبينا داود عبدك، بوحي الروح القدس: لماذا ضجت الأمم وإلى الباطل سعت الشعوب؟

ملوك الأرض قاموا وعلى الرب ومسيحه تحالف الرؤساء جميعا

تحالف حقا في هذه المدينة هيرودس وبنطيوس بيلاطس والوثنيون وشعوب إسرائيل على عبدك القدوس يسوع الذي مسحته،

فأجروا ما خطته يدك من ذي قبل وقضت مشيئتك بحدوثه.

فانظر الآن يا رب إلى تهديداتهم، وهب لعبيدك أن يعلنوا كلمتك بكل جرأة

باسطا يدك ليجري الشفاء والآيات والأعاجيب باسم عبدك القدوس يسوع )).

وبعد أن صلوا زلزل المكان الذي اجتمعوا فيه. وامتلأوا جميعا من الروح القدس، فأخذوا يعلنون كلمة الله بجرأة.

وكان جماعة الذين آمنوا قلبا واحدا ونفسا واحدة، لا يقول أحد منهم إنه يملك شيئا من أمواله، بل كان كل شيء مشتركا بينهم،

وكان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع تصحبها قوة عظيمة، وعليهم جميعا نعمة وافرة.

فلم يكن فيهم محتاج، لأن كل من يملك الحقول أو البيوت كان يبيعها، ويأتي بثمن المبيع،

فيلقيه عند أقدام الرسل. فيعطى كل منهم على قدر احتياجه.

وإن لاويا قبرسيا اسمه يوسف، ولقبه الرسل برنابا، أي ابن الفرج،

كان يملك حقلا فباعه وأتى بثمنه فألقاه عند أقدام الرسل.

وإن رجلا اسمه حننيا باع ملكا له بموافقة امرأته سفيرة،

فاقتطع قسما من الثمن بعلم من آمرأته، وأتى بالقسم الآخر فألقاه عند أقدام الرسل.

فقال له بطرس: (( يا حننيا، لماذا ملأ الشيطان قلبك فكذبت على الروح القدس، واقتطعت قسما من ثمن الحقل؟

أما كان يبقى لك لو بقي على حاله؟ أو ما كان من حقك بعد بيعه أن تتصرف بثمنه كما تشاء؟ كيف طويت قلبك على هذا الأمر؟ أنت لم تكذب على الناس، بل على الله )).

فلما سمع حننيا هذا الكلام وقع ولفظ الروح. فاستولى خوف شديد على جميع الذين سمعوا بذلك.

فجاء الفتيان فكفنوه وذهبوا به ودفنوه.

ومضى نحو ثلاث ساعات، فدخلت امرأته وهي لا تعلم ما جرى.

فسألها بطرس: ((قولي لي، أبكذا بعتما الحقل؟ )) فقالت: ((نعم، بكذا)).

فقال لها بطرس: ((لماذا اتفقتما على تجربة روح الرب؟ هاهي ذي أقدام الذين دفنوا زوجك على الباب، وسيذهبون بك أنت أيضا)).

فوقعت عند قدميه من وقتها ولفظت الروح. فدخل الفتيان فوجدوها ميتة، فذهبوا بها ودفنوها بجانب زوجها.

فاستولى خوف شديد على الكنيسة كافة وعلى جميع الذين سمعوا بذلك.

وكان يجري عن أيدي الرسل في الشعب كثير من الآيات والأعاجيب (وكانوا يجتمعون كلهم دون استثناء في رواق سليمان.

ولم يجرؤ أحد من سائر الناس أن يلتحق بهم، مع أن الشعب كان يعظم شأنهم.

بل كانت جماعات الرجال والنساء تزداد عددا فتنضم إلى الرب بالإيمان)

حتى إنهم كانوا يخرجون بالمرضى إلى الشوارع، فيضعونهم على الأسرة والفرش، لكي يقع ولو ظل بطرس عند مروره على أحد منهم.

وكانت جماعة الناس تبادر من المدن المجاورة لأورشليم، تحمل المرضى والذين بهم مس من الأرواح النجسة فيشفون جميعا.

فقام عظيم الكهنة وجميع حاشيته من مذهب الصدوقيين، وقد اشتدت نقمتهم،

فبسطوا أيديهم إلى الرسل ووضعوهم في السجن العام.

غير أن ملاك الرب فتح أبواب السجن ليلا وأخرجهم، ثم قال لهم:

(( اذهبوا وقفوا في الهيكل وحدثوا الشعب بجميع أمور هذه الحياة )).

فسمعوا له ودخلوا الهيكل عند الفجر وأخذوا يعلمون.

فذهب الحرس فلم يجدوهم في السجن، فرجعوا وأخبروا

فقالوا: (( وجدنا السجن مغلقا إغلاقا محكما والحرس قائمين على الأبواب، ولكن لما فتحناه، لم نجد فيه أحدا)).

فلما سمع قائد حرس الهيكل وعظماء الكهنة هذا الكلام، حاروا في أمر الرسل وأخذوا يتساءلون ما هذا الذي جرى.

فأقبل إليهم رجل وأخبرهم قال: ((ها إن الرجال الذين وضعتموهم في السجن قائمون في الهيكل يعلمون الشعب )).

فذهب قائد حرس الهيكل ورجاله، فجاء بهم من غير عنف، لأنهم كانوا يخشون أن يرميهم الشعب بالحجارة.

فلما جاؤوا بهم وأقاموهم أمام المجلس، سألهم عظيم الكهنة قال:

((نهيناكم أشد النهي عن التعليم بهذا الاسم وها قد ملأتم أورشليم بتعليمكم، وتريدون أن تجعلوا علينا دم هذا الرجل )).

فأجاب بطرس والرسل: ((الله أحق بالطاعة من الناس.

إن إله آبائنا أقام يسوع الذي قتلتموه إذ علقتموه على خشبة.

وهو الذي رفعه الله بيمينه وجعله سيدا ومخلصا ليهب لإسرائيل التوبة وغفران الخطايا،

ونحن شهود على هذه الأمور. وكذلك يشهد الروح القدس الذي وهبه الله لمن يطيعه )).

فلما سمعوا ذلك استشاطوا غضبا وعزموا على قتلهم.

فقام في المجلس فريسي اسمه جملائيل، وكان من معلمي الشريعة، وله حرمة عند الشعب كله. فأمر بإخراج هؤلاء الرجال وقتا قليلا،

ثم قال لهم: ((يا بني إسرائيل، إياكم وما توشكون أن تفعلوه بهؤلاء الناس.

فقد قام ثودس قبل هذه الأيام، وادعى أنه رجل عظيم، فشايعه نحو أربعمائة رجل، فقتل وتبدد جميع الذين انقادوا له، ولم يبق لهم أثر.

وبعد ذلك قام يهوذا الجليلي أيام الإحصاء، فاستدرج قوما إلى اتباعه، فهلك هو أيضا وتشتت جميع الذين انقادوا له.

وأقول لكم في صدد ما يجري الآن: كفوا عن هؤلاء الرجال، واتركوهم وشأنهم، فإن يكن هذا المقصد أو العمل من عند الناس فإنه سينتقض،

وإن يكن من عند الله، لا تستطيعوا أن تقضوا عليهم. ويخشى عليكم أن تجدوا أنفسكم تحاربون الله )). فأخذوا برأيه

ودعوا الرسل فضربوهم بالعصي ونهوهم عن الكلام على اسم يسوع، ثم أخلوا سبيلهم.

أما هم فانصرفوا من المجلس فرحين بأنهم وجدوا أهلا لأن يهانوا من أجل الاسم.

وكانوا لا ينفكون كل يوم في الهيكل وفي البيوت يعلمون ويبشرون بأن يسوع هو المسيح.

في تلك الأيام كثر عدد التلاميذ، فأخذ اليهود الهلينيون يتذمرون على العبرانيين لأن أراملهم يهملن في خدمة توزيع الأرزاق اليومية.

فدعا الاثنا عشر جماعة التلاميذ وقالوا لهم: ((لا يحسن بنا أن نترك كلمة الله لنخدم على الموائد.

فابحثوا، أيها الإخوة، عن سبعة رجال منكم لهم سمعة طيبة، ممتلئين من الروح والحكمة، فنقيمهم على هذا العمل،

ونواظب نحن على الصلاة وخدمة كلمة الله )).

فاستحسنت الجماعة كلها هذا الرأي، فاختاروا إسطفانس، وهو رجل ممتلئ من الإيمان والروح القدس، وفيليبس وبروخورس ونيقانور وطيمون وبرمناس ونيقلاوس وهو أنطاكي دخيل.

ثم أحضروهم أمام الرسل، فصلوا ووضعوا الأيدي عليهم.

وكانت كلمة الرب تنمو، وعدد التلاميذ يزداد كثيرا في أورشليم. وأخذ جمع كثير من الكهنة يستجيبون للإيمان.

وكان إسطفانس ، وقد امتلأ من النعمة والقوة، يأتي بأعاجيب وآيات مبينة في الشعب.

فقام أناس من المجمع المعروف بمجمع المعتقين ، ومن القيرينيين والإسكندريين ومن أهل قيليقية وآسية، وأخذوا يجادلون إسطفانس،

فلم يستطيعوا أن يقاوموا ما في كلامه من الحكمة والروح.

فدسوا أناسا يقولون: ((إننا سمعناه يتكلم كلام تجديف على موسى وعلى الله )).

فأثاروا الشعب والشيوخ والكتبة (( ثم أتوه على غفلة منه، فقبضوا عليه وساقوه إلى المجلس.

ثم أحضروا شهود زور يقولون: (( هذا الرجل لا يكف عن التعرض بكلامه لهذا المكان المقدس وللشريعة.

فقد سمعناه يقول إن يسوع ذاك الناصري سينقض هذا المكان، ويبدل ما سلم إلينا موسى من سنن )).

فحدق إليه كل من كان في المجلس من أعضاء، فرأوا وجهه كأنه وجه ملاك.

فسأله عظيم الكهنة: ((أهذا صحيح؟ ))

فأجاب: (( أيها الإخوة والآباء، اسمعوا: إن إله المجد تراءى لأبينا إبراهيم، وهو في الجزيرة ما بين النهرين قبل أن يقيم في حران،

وقال له: ((أخرج من أرضك وعشيرتك، واذهب إلى الأرض التي أريك )).

فخرج من أرض الكلدانيين وأقام في حران. ثم نقله منها بعد وفاة أبيه إلى هذه الأرض التي أنتم الآن مقيمون فيها،

ولم يعطه فيها ملكا ولا موطئ قدم، ولكن وعده بأن يملكه إياها، ونسله من بعده، مع أنه لم يكن له ولد.

وقال الله: ((سينزل نسله في أرض غريبة، فتستعبد وتعامل بالسوء مدة أربعمائة سنة. وقال الله:

أما الأمة التي تستعبدهم، فإني أدينها، ويخرجون بعد ذلك فيعبدوني في هذا المكان )).

وأعطاه عهد الختان فولد إسحق وختنه في اليوم الثامن. وإسحق ختن يعقوب ويعقوب ختن آباء الأسباط الاثني عشر.

وحسد آباء الأسباط يوسف فباعوه فسير به إلى مصر، وكان الله معه،

فأنقذه من جميع شدائده، وآتاه الحظوة والحكمة عند فرعون ملك مصر. فأقامه واليا على مصر وعلى جميع بيته.

وأصاب مصر كلها وأرض كنعان مجاعة وضيق شديد، فلم يجد آباؤنا قوتا.

وسمع يعقوب أن في مصر رزقا، فأرسل آباءنا أول مرة،

وفي المرة الثانية تعرف يوسف إلى إخوته، وظهر أصله لفرعون،

فأرسل يوسف واستدعى أباه يعقوب وعشيرته جميعا، وكانوا خمسة وسبعين نفسا.

فنزل يعقوب إلى مصر ومات فيها هو وآباؤنا،

فحملوا إلى شكيم ووضعوا في القبر الذي اشتراه إبراهيم من بني حمور أبي شكيم بمقدار من الفضة.

وكلما كان يقترب زمان الوعد الذي وعد الله به إبراهيم، كان الشعب في مصر ينمو ويكثر،

إلى أن قام ملك آخر لم يعرف يوسف،

فمكر بأمتنا وعامل آباءنا بالسوء، حتى ألجأهم إلى نبذ أطفالهم لكي لا يعيشوا.

في ذلك الوقت ولد موسى، وكان حسنا في عين الله. فربي ثلاثة أشهر في بيت أبيه.

ولما نبذ التقطته بنت فرعون وربته كأنه ابن لها.

ولقن موسى حكمة المصريين كلها، وكان مقتدرا في أقواله وأعماله.

ولما بلغ الأربعين، خطر له أن يتفقد إخوانه بني إسرائيل.

فرأى أحدهم يعتدى عليه، فدافع عنه وانتصر للمظلوم فقتل المصري.

وظن أن إخوانه سيدركون أن الله يهب لهم الخلاص عن يده، ولكنهم لم يدركوا.

ووجد في اليوم الثاني بين اثنين يتضاربان، فدعاهما إلى الصلح قال: ((أيها الرجلان، أنتما أخوان، فلم يتعدى أحدكما على الآخر؟ ))

فرده المعتدي على قريبه وقال: ((من أقامك علينا رئيسا وقاضيا؟

أتريد أن تقتلني كما قتلت المصري أمس؟ )).

فهرب موسى عند هذا الكلام، ونزل في أرض مدين، فولد فيها ابنين.

وبعد أربعين سنة تراءى له ملاك في برية جبل سيناء، في لهيب نار من عليقة تشتعل.

فعجب موسى عند رؤيته هذا المنظر، وتقدم ليمعن النظر فيه، فانطلق صوت الرب يقول:

((أنا إله آبائك، إله إبراهيم وإسحق ويعقوب )). فأخذت موسى الرعدة، ولم يجرؤ على إمعان النظر فيه.

فقال له الرب: ((اخلع نعل قدميك، فإن المكان الذي أنت قائم فيه أرض مقدسة.

إني نظرت فرأيت شقاء شعبي في مصر، وسمعت أنينه، فنزلت لأنقذه. فتعال الآن أرسلك إلى مصر)).

فموسى، هذا الذي أنكروه وقالوا له: من أقامك رئيسا وقاضيا، هو الذي أرسله الله رئيسا ومحررا يؤيده الملاك الذي تراءى له في العليقة،

وهو الذي أخرجهم بما أتى به من الأعاجيب والآيات في أرض مصر وفي البحر الأحمر وفي البرية مدة أربعين سنة.

هذا موسى الذي قال لبني إسرائيل: سيقيم الله لكم من بين إخوتكم نبيا مثلي،

هذا الذي كان لدى الجماعة في البرية وسيطا بين الملاك الذي كلمه على جبل سيناء وبين آبائنا، فتلقى كلمات الحياة ليبلغنا إياها،

فلم يشأ آباؤنا أن ينقادوا له، بل ردوه، وتلفتت قلوبهم نحو مصر،

فقالوا لهارون: ((إصنع لنا آلهة تسير أمامنا لأن موسى هذا الذي أخرجنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه )).

فصاغوا في تلك الأيام عجلا، ثم قربوا ذبيحة للصنم، وابتهجوا بصنع أيديهم.

فأعرض الله عنهم، وأسلمهم لعبادة جيش السماء، كما كتب في سفر الأنبياء: ((يا بيت إسرائيل هل قربتم لي الضحايا والذبائح مدة أربعين سنة في البرية؟

فقد حملتم خيمة مولك وكوكب إلهكم رفان التمثالين اللذين صنعتم لتسجدوا لهما. فسأجليكم إلى ما وراء بابل)).

وكان مع آبائنا في البرية خيمة الشهادة، كما أمر الذي كلم موسى بأن يعملها على الطراز الذي رآه،

فتسلمها آباؤنا ودخلوا بها، يقودهم يشوع، بلاد الأمم التي طردها الله من أمامهم. وبقيت فيها إلى أيام داود.

ونال داود حظوة عند الله، فالتمس منه أن يجد مقاما لبيت يعقوب،

ولكن سليمان هو الذي بنى له بيتا.

على أن العلي لا يسكن في بيوت صنعتها الأيدي كما يقول النبي: يقول الرب:

((السماء عرشي والأرض موطئ قدمي. أي بيت تبنون لي؟ أم أيا يكون مكان راحتي؟

أليست يدي قد صنعت هذه كلها؟ ))

يا صلاب الرقاب، ويا غلف القلوب والآذان، إنكم تقاومون الروح القدس دائما أبدا، وكما كان آباؤكم فكذلك أنتم.

أيا من الأنبياء لم يضطهده آباؤكم، فقد قتلوا الذين أنبأوا بمجيء البار وله أصبحتم أنتم الآن خونة وقتلة.

فقد أخذتم الشريعة التي أعلنها الملائكة ولم تحفظوها)).

فلما سمعوا ذلك استشاطت قلوبهم غضبا، وجعلوا يصرفون الأسنان عليه.

فحدق إلى السماء وهو ممتلئ من الروح القدس، فرأى مجد الله ويسوع قائما عن يمين الله.

فقال: (( ها إني أرى السموات متفتحة، وابن الإنسان قائما عن يمين الله )).

فصاحوا صياحا شديدا، وسدوا آذانهم وهجموا عليه هجمة رجل واحد،

فدفعوه إلى خارج المدينة وأخذوا يرجمونه. أما الشهود فخلعوا ثيابهم عند قدمي شاب يدعى شاول.

ورجموا إسطفانس وهو يدعو فيقول: (( رب يسوع، تقبل روحي )).

ثم جثا وصاح بأعلى صوته: ((يا رب، لا تحسب عليهم هذه الخطيئة)). وما إن قال هذا حتى رقد.

وكان شاول موافقا على قتله. وفي ذلك اليوم وقع اضطهاد شديد على الكنيسة التي في أورشليم، فتشتتوا جميعا، ما عدا الرسل، في ناحيتي اليهودية والسامرة.

ودفن إسطفانس رجاك أتقياء، وأقاموا له مناحة عظيمة.

أما شاول فكان يفسد في الكنيسة، يدخل البيوت الواحد بعد الآخر، فيجر الرجال والنساء، ويلقيهم في السجن.

وأما الذين تشتتوا فأخذوا يسيرون من مكان إلى آخر مبشرين بكلمة الله.

فنزل فيليبس مدينة من السامرة وجعل يبشر أهلها بالمسيح.

وكانت الجموع تصغي بقلب واحد إلى ما يقول فيليبس، لما سمعت به وشاهدته من الآيات التي كان يجريها،

إذ كانت الأرواح النجسة تخرج من كثير من الممسوسين، وهي تصرخ صراخا شديدا. وشفي كثير من المقعدين والكسحان،

فعم تلك المدينة فرح عظيم.

وكان في المدينة قبل ذلك رجل اسمه سمعان يفتري السحر، ويدهش أهل السامرة زاعما أنه رجل عظيم.

فكانوا يصغون إليه بأجمعهم من صغيرهم إلى كبيرهم، ويقولون:((هذا هو قدرة الله التي يقال لها القدرة العظيمة)).

وإنما كانوا يصغون إليه لأنه كان يدهشهـم بأساليب سحره من زمن طويل.

فلما صدقوا فيليبس الذي بشرهم بملكوت الله واسم يسوع المسيح، اعتمدوا رجالا ونساء.

وصدقه سمعان أيضا، فاعتمد ولزم فيليبس، وكان يرى ما يجري من الآيات والمعجزات المبينة فتأخذه الدهشة.

وسمع الرسل في أورشليم أن السامرة قبلت كلمة الله، فأرسلوا إليهم بطرس ويوحنا،

فنزلا وصليا من أجلهم لينالوا الروح القدس،

لأنه لم يكن قد نزل بعد على أحد منهم، بل كانوا قد اعتمدوا باسم الرب يسوع فقط.

فوضعا أيديهما عليهم، فنالوا الروح القدس.

فلما رأى سمعان أن الروح القدس يوهب بوضع أيدي الرسولين، عرض عليهما شيئا من المال

وقال لهما: ((أعطياني أنا أيضا هذا السلطان لكي ينال الروح القدس من أضع عليه يدي )).

فقال له بطرس: ((تبا لك ولمالك. لأنك ظننت أنه يمكن الحصول على هبة الله بالمال.

فلا حظ لك في هذا الأمر ولا نصيب، لأن قلبك غير مستقيم عند الله.

فاندم على سيئتك هذه، واسأل الرب لعله يغفر لك ما قصدت في قلبك.

فإني أراك في مرارة العلقم وشرك الإثم )).

فأجاب سمعان: ((إشفعا لي أنتما عند الرب لئلا يصيبني شيء مما ذكرتما)).

أما هما فبعد ما أديا الشهادة وتكلما بكلمة الرب، رجعا إلى أورشليم وهما يبشران قرى كثيرة للسامريين.

وكلم ملاك الرب فيليبس قال: (( قم فامض نحو الجنوب في الطريق المنحدرة من أورشليم إلى غزة، وهي مقفرة)).

فقام ومضى، وإذا أمامه رجل من الحبشة، خصي ذو منصب عال عند قنداقة ملكة الحبش، وخازن جميع أموالها.

وكان راجعا من أورشليم بعد ما زارها حاجا، وقد جلس في مركبته يقرأ النبي أشعيا.

فقال الروح لفيليبس: ((تقدم فالحق هذه المركبة)).

فبادر إليها فيليبس، فسمع الخصي يقرأ النبي أشعيا، فقال له: ((هل تفهم ما تقرأ؟ ))

قال: ((كيف لي ذلك، إن لم يرشدني أحد؟ )) ثم سأل فيليبس أن يصعد ويجلس معه.

وكانت الفقرة التي يقرأها من الكتاب هي هذه: ((كخروف سيق إلى الذبح وكحمل صامت بين يدي من يجزه هكذا لا يفتح فاه.

في ذله ألغي الحكم عليه. ترى من يصف ذريته؟ لأن حياته أزيلت عن الأرض )).

فقال الخصي لفيليبس: ((أسألك: من يعني النبي بهذا الكلام: أنفسه أم شخصا آخر؟ ))

فشرع فيليبس من هذه الفقرة يبشره بيسوع.

وبينما هما سائران على الطريق، وصلا إلى ماء، فقال الخصي: ((هذا ماء، فما يمنع أن أعتمد؟ )).

ثم أمر بأن تقف المركبة، ونزلا كلاهما في الماء، أي فيليبس والخصي، فعمده.

ولما خرجا من الماء خطف روح الرب فيليبس، فغاب عن نظر الخصي، فسار في طريقه فرحا.

وأما فيليبس فقد وجد في أزوت ثم سار يبشر في كل مدينة حتى وصل إلى قيصرية.

أما شاول ما زال صدره ينفث تهديدا وتقتيلا لتلاميذ الرب. فقصد إلى عظيم الكهنة،

وطلب منه رسائل إلى مجامع دمشق، حتى إذا وجد أناسا على هذه الطريقة، رجالا ونساء، ساقهم موثقين إلى أورشليم.

وبينما هو سائر ، وقد اقترب من دمشق، إذا نور من السماء قد سطع حوله،

فسقط إلى الأرض، وسمع صوتا يقول له: ((شاول ، شاول، لماذا تضطهدني؟ ))

فقال: (( من أنت يا رب؟ )) قال: ((أنا يسوع الذي أنت تضطهده.

ولكن قم فادخل المدينة، فيقال لك ما يجب عليك أن تفعل )).

وأما رفقاؤه فوقفوا مبهوتين يسمعون الصوت ولا يرون أحدا.

فنهض شاول عن الأرض وهو لا يبصر شيئا، مع أن عينيه كانتا منفتحتين . فاقتادوه بيده ودخلوا به دمشق.

فلبث ثلاثة أيام مكفوف البصر لا يأكل ولا يشرب.

وكان في دمشق تلميذ اسمه حننيا. فقال له الرب في رؤيا: ((يا حننيا! )) قال: (( لبيك، يا رب )).

فقال له الرب: ((قم فاذهب إلى الزقاق المعروف بالزقاق المستقيم، واسأل في بيت يهوذا عن شاول المسمى الطرسوسي. فها هوذا يصلي،

وقد رأى في رؤياه رجلا اسمه حننيا يدخل ويضع يديه عليه ليبصر))

فأجاب حننيا: ((يا رب، سمعت بهذا الرجل من أناس كثيرين كم أساء إلى قديسيك في أورشليم.

وعنده ههنا تفويض من عظماء الكهنة ليوثق كل من يدعو باسمك )).

فقال له الرب: ((اذهب فهذا الرجل أداة اخترتها لكي يكون مسؤولا عن اسمي عند الوثنيين والملوك وبني إسرائيل

فإني سأريه ما يجب عليه أن يعاني من الألم في سبيل اسمي )).

فمضى حننيا، فدخل البيت ووضع يديه عليه وقال: ((يا أخي شاول، إن الرب أرسلني، وهو يسوع الذي تراءى لك في الطريق التي قدمت منها، أرسلني لتبصر وتمتلئ من الروح القدس )).

فتساقط عندئذ من عينيه مثل القشور. فأبصر وقام فاعتمد،

ثم تناول طعاما فعادت إليه قواه.

فأخذ لوقته ينادي في المجامع بأن يسوع هو ابن الله.

فكان كل من يسمعه يدهش ويقول ((أليس هذا الذي كان في أورشليم يحاول تدمير الذين يدعون بهذا الاسم؟ أو ما جاء إلى هنا ليسوقهم موثقين إلى عظماء الكهنة؟ ))

على أن شاول كان يزداد قوة، ويفحم اليهود المقيمين في دمشق، مبينا أن يسوع هو المسيح.

ولما انقضت بضعة أيام تشاور اليهود ليغتالوه.

فانتهى خبر مؤامرتهم إلى شاول. فكانوا يراقبون الأبواب نهارا وليلا ليغتالوه،

فسار به تلاميذه ليلا ودلوه من السور في زنبيل.

ولما وصل إلى أورشليم حاول أن ينضم إلى التلاميذ. فكانوا كلهم يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ.

فأخذ برنابا بيده وسار به إلى الرسل وروى لهم كيف رأى الرب في الطريق وكلمه الرب، وكيف تكلم بجرأة باسم يسوع في دمشق.

وكان يذهب ويجيء معهم في أورشليم يتكلم بجرأة باسم الرب.

وكان يخاطب اليهود الهلينيين أيضا ويجادلهم. فحاولوا أن يغتالوه.

فشعر الإخوة بذلك فمضوا به إلى قيصرية، ثم رحلوه منها إلى طرسوس .

وكانت الكنيسة تنعم بالسلام في جميع اليهودية والجليل والسامرة. وكانت تنشأ وتسير على مخافة الرب، وتنمو بتأييد الروح القدس.

وكان بطرس يسير في كل مكان، فنزل بالقديسين المقيمين في اللد،

فلقي فيها رجلا اسمه أينياس يلزم الفراش منذ ثماني سنوات، وكان مقعدا.

فقال له بطرس: ((يا أينياس، أبرأك يسوع المسيح، فقم وأصلح فراشك بيدك! )) فقام من وقته.

ورآه جميع سكان اللد وسهل الشارون فاهتدوا إلى الرب.

وكان في يافا تلميذة اسمها طابيثة، أي ظبية، غنية بالأعمال الصالحة والصدقات التي تعطيها.

فاتفق أنها مرضت في تلك الأيام وماتت. فغسلوها ووضعوها في علية.

ولما كانت اللد قريبة من يافا سمع التلاميذ أن بطرس فيها، فأرسلوا إليه رجلين وناشدوه: ((لا تتأخر في المجيء إلينا)).

فقام بطرس ومضى معهما. فلما وصل صعدوا به إلى العلية، فأقبلت عليه جميع الأرامل باكيات يرينه الأقمصة والأردية التي صنعتها ظبية إذ كانت معهن.

فأخرج بطرس الناس كلهم، وجثا وصلى ثم التفت إلى الجثمان وقال: ((طابيثة، قومي! )) ففتحت عينيها، فأبصرت بطرس، فجلست.

فمد إليها يده وأنهضها ثم دعا القديسين والأرامل فأراهم إياها حية.

فانتشر الخبر في يافا كلها، فآمن بالرب خلق كثير.

ومكث بطرس بضعة أيام في يافا عند دباغ اسمه سمعان.

كان في قيصرية رجل اسمه قرنيليوس، قائد مائة من الكتيبة التي تدعى الكتيبة الإيطالية.

وكان تقيا يخاف الله هو وجميع أهل بيته ، ويتصدق على الشعب صدقات كثيرة، ويواظب على ذكر الله.

فرأى نحو الساعة الثالثة بعد الظهر في رؤيا واضحة ملاك الله يدخل عليه ويقول له: ((يا قرنيليوس! ))

فحدق إليه، فاستولى عليه الخوف فقال: ((ما الخبر سيدي؟ )) فقال له: ((إن صلواتك وصدقاتك قد صعدت ذكرا عند الله.

فأرسل الآن رجالا إلى يافا وادع سمعان الذي يلقب بطرس.

فهو نازل عند دباغ اسمه سمعان، وبيته على شاطئ البحر)).

فلما انصرف الملاك الذي كلمه، دعا اثنين من خدمه وجنديا تقيا ممن كانوا يلازمونه،

وروى لهم الخبر كله، وأرسلهم إلى يافا.

فبينما هم سائرون في الغد وقد اقتربوا من المدينة، صعد بطرس إلى السطح نحو الظهر ليصلي،

فجاع فأراد أن يتناول شيئا من الطعام. وبينما هم يعدون له الطعام، أصابه جذب.

فرأى السماء مفتوحة،ووعاء كسماط عظيم نازلا يتدلى إلى الأرض بأطرافه الأربعة.

وكان فيه من جميع ذوات الأربع وزحافات الأرض وطيور السماء.

وإذا صوت يقول له: ((قم يا بطرس فاذبح وكل)).

فقال بطرس: ((حاش لي يا رب، لم آكل قط نجسا أو دنسا)).

فعاد إليه صوت فقال له ثانيا: ((ما طهره الله، لا تنجسه أنت )).

وحدث ذلك ثلاث مرات. ثم رفع الوعاء من وقته إلى السماء.

فتحير بطرس وأخذ يسائل نفسه ما تعبير الرؤيا التي رآها، وإذا الرجال الذين أرسلهم قرنيليوس، وكانوا قد سألوا عن بيت سمعان، وقفوا بالباب

ونادوا مستخبرين أنازل بالمكان سمعان الملقب بطرس.

وبينما بطرس يفكر في الرؤيا، قال له الروح: ((هناك ثلاثة رجال يطلبونك.

فقم فانزل إليهم واذهب معهم غير متردد، فإني أنا أرسلتهم )).

فنزل بطرس إلى هؤلاء الرجال وقال لهم: ((أنا من تطلبون. فما الذي جاء بكم؟ ))

قالوا: ((إن قائد المائة قرنيليوس رجل صديق يتقي الله، وتشهد له أمة اليهود كلها، أوعز إليه ملاك طاهر أن يدعوك إلى بيته ليسمع ما عندك من أمور)).

فدعاهم وأضافهم. وفي الغد قام فمضى معهم، ورافقهم بعض الإخوة من يافا،

فدخل قيصرية في اليوم الثاني. وكان قرنيليوس ينتظرهم وقد دعا أقاربه وأخص أصدقائه.

فلما دخل بطرس استقبله قرنيليوس وارتمى على قدميه ساجدا له.

فأنهضه بطرس وقال: (( قم، فأنا نفسي أيضا بشر )).

ودخل وهو يحادثه، فوجد جماعة من الناس كثيرة.

فقال لهم: (( تعلمون أنه حرام على اليهودي أن يعاشر أجنبيا أو يدخل منزله. أما أنا فقد بين الله لي أنه لا ينبغي أن أدعو أحدا من الناس نجسا أو دنسا.

فلما دعيت جئت ولم أعترض. فأسألكم ما الذي حملكم على أن تدعوني)).

فقال له قرنيليوس: ((كنت قبل أربعة أيام في مثل هذا الوقت أصلي في بيتي عند لساعة الثالثة بعد الظهر، وإذا رجل عليه ثياب براقة قد حضر أمامي

وقال: ((يا قرنيليوس،سمعت صلواتك، وذكرت لدى الله صدقاتك،

فأرسل إلى يافا، وادع سمعان الملقب بطرس، فهو نازل في بيت سمعان الدباغ على شاطئ البحر)).

فأرسلت إليك لوقتي، وأنت أحسنت صنعا في مجيئك. ونحن الآن جميعا أمام الله لنسمع جميع ما أمرك به الرب )).

فشرع بطرس يقول: ((أدركت حقا أن الله لا يراعي ظاهر الناس،

فمن اتقاه من أية أمة كانت وعمل البر كان عنده مرضيا.

والكلمة الذي أرسله إلى بني إسرائيل مبشرا لسلام عن يد يسوع المسيح، إنما هو رب الناس أجمعين.

وأنتم تعلمون الأمر الذي جرى في اليهودية كلها وكان بدؤه في الجليل بعد المعمودية التي نادى بها يوحنا،

في شأن يسوع الناصري كيف أن الله مسحه بالروح القدس والقدرة، فمضى من مكان إلى آخر يعمل الخير ويبرئ جميع الذين استولى عليهم إبليس، لأن الله كان معه.

ونحن شهود على جميع أعماله في بلاد اليهود وفي أورشليم. والذي قتلوه إذ علقوه على خشبة

هو الذي أقامه الله في اليوم الثالث، وخوله أن يظهر

لا للشعب كله، بل للشهود الذين اختارهم الله من قبل، أي لنا نحن الذين أكلوا وشربوا معه بعد قيامته من بين الأموات.

وقد أوصانا أن نبشر الشعب ونشهد أنه هو الذي أقامه الله ديانا للأحياء والأموات.

وله يشهد جميع الأنبياء بأن كل من آمن به ينال باسمه غفران الخطايا)).

وكان بطرس لا يزال يروي هذه الأمور، إذ نزل الروح القدس على جميع الذين سمعوا كلمة الله.

فدهش المؤمنون المختونون الذين رافقوا بطرس، ذلك بأن موهبة الروح القدس قد أفيضت على الوثنيين أيضا.

فقد سمعوهم يتكلمون بلغات غير لغتهم ويعظمون الله. فقال بطرس.

((أيستطيع أحد أن يمنع هؤلاء من ماء المعمودية وقد نالوا الروح القدس مثلنا؟ )).

ثم أمر أن يعمدوا باسم يسوع المسيح. فسألوه أن يقيم عندهم بضعة أيام.

وسمع الرسل والإخوة في اليهودية أن الوثنيين هم أيضا قبلوا كلمة الله.

فلما صعد بطرس إلى أورشليم، أخذ المختونون يخاصمونه

قالوا: (( لقد دخلت إلى أناس قلف وأكلت معهم ))

فشرع بطرس يعرض لهم الأمر عرضا مفصلا قال:

((كنت أصلي في مدينة يافا. فأصابني جذب فرأيت رؤيا، فإذا وعاء هابط كسماط عظيم يتدلى من السماء بأطرافه الأربعة حتى انتهى إلي.

وحدقت إليه وأمعنت النظر فيه فرأيت ذوات الأربع التي في الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء.

وسمعت صوتا يقول لي: قم، يا بطرس، فاذبح وكل.

فقلت: حاش لي يا رب، لم يدخل فمي قط نجس أو دنس.

فعاد صوت من السماء فقال ثانيا: ما طهره الله لا تنجسه أنت.

وحدث ذلك ثلاث مرات، ثم رفع كله إلى السماء.

وإذا ثلاثة رجال قد وقفوا في الوقت نفسه بباب البيت الذي كنا فيه، وكانوا مرسلين إلي من قيصرية.

فأمرني الروح أن أذهب معهم غير متردد. فرافقني هؤلاء الإخوة الستة، فدخلنا بيت الرجل،

فأخبرنا كيف رأى الملاك يمثل في بيته ويقول له: أرسل إلى يافا، وادع سمعان الملقب بطرس،

فهو يروي لك أمورا تنال بها الخلاص أنت وجميع أهل بيتك.

فما إن شرعت أتكلم حتى نزل الروح القدس عليهم كما نزل علينا في البدء.

فتذكرت كلمة الرب إذ قال: إن يوحنا عمد بالماء، وأما أنتم فستعمدون في الروح القدس.

فإذا كان الله قد وهب لهم مثل ما وهب لنا، لأننا آمنا بالرب يسوع المسيح، هل كان في إمكاني أنا أن أمنع الله؟ )).

فلما سمعوا ذلك، هدأوا ومجدوا الله وقالوا: ((قد وهب الله إذا للوثنيين أيضا التوبة التي تؤدي إلى الحياة)).

وأما الذين تشتتوا بسبب الضيق الذي وقع بشأن إسطفانس، فإنهم انتقلوا إلى فينيقية وقبرس وأنطاكية، لا يكلمون أحدا بكلمة الله إلا اليهود.

غير أنه كان منهم قبرسيون وقيرينيون، فلما قدموا أنطاكية، أخذوا يكلمون اليونانيين أيضا ويبشرونهم بالرب يسوع.

وكانت يد الرب معهم فآمن منهم عدد كثير فاهتدوا إلى الرب.

فبلغ خبرهم مسامع الكنيسة التي في أورشليم، فأوفدوا برنابا إلى أنطاكية،

فلما وصل ورأى نعمة الله، فرح وحثهم جميعا على التمسك بالرب من صميم القلب،

لأنه كان رجلا صالحا، ممتلئا من الروح القدس والإيمان. فانضم إلى الرب خلق كثير.

فمضى إلى طرسوس يبحث عن شاول،

فلما وجده جاء به إلى أنطاكية، فأقاما سنة كاملة يعملان معا في هذه الكنيسة ويعلمان خلقا كثيرا. وفي أنطاكية سمي التلاميذ أول مرة مسيحيين.

وفي تلك الأيام نزل بعض الأنبياء من أورشليم إلى أنطاكية.

فقام أحدهم، واسمه أغابس، فأخبر بوحي من الروح أن ستكون مجاعة شديدة في المعمور كله، وهي التي حدثت في أيام قلوديوس.

فعزم التلاميذ أن يرسلوا ما يتيسر عند كل منهم، إسعافا للإخوة المقيمين في اليهودية.

وفعلوا ذلك فأرسلوا معونتهم إلى الشيوخ بأيدي برنابا وشاول.

في ذلك الوقت قبض الملك هيرودس على بعض أهل الكنيسة ليوقع بهم الشر،

فقتل بحد السيف يعقوب أخا يوحنا.

فلما رأى أن ذلك يرضي اليهود، قبض أيضا على بطرس، وكانت تلك الأيام أيام الفطير.

فأمسكه ووضعه في السجن، ووكله إلى أربعة أرهاط ليحرسوه، كل رهط أربعة جنود، وقصده أن يحضره أمام الشعب بعد عيد الفصح.

فكان بطرس محفوظا في السجن، ولكن الصلاة كانت ترتفع من الكنيسة إلى الله بلا انقطاع من أجله.

وأوشك هيرودس أن يحضره أمام الشعب، وكان بطرس في تلك الليلة راقدا بين جنديين، مشدودا بسلسلتين، وعلى الباب حرس يحرسون السجن.

وإذا ملاك الرب يمثل، فيشرق النور في الحبس. فضرب الملاك بطرس على جنبه فأيقظه وقال له: ((قم على عجل )). فسقطت السلسلتان عن يديه.

فقال له الملاك: ((أشدد وسطك بالزنار واربط نعليك )) ففعل. ثم قال له: ((إلبس رداءك واتبعني )).

فخرج يتبعه، وهو لا يدري أن فعل الملاك شيء حقيقي، بل ظن أنه يرى رؤيا.

فاجتازا الحرس الأول والثاني، وبلغا إلى الباب الحديد الذي ينفذ إلى المدينة، فانفتح لهما من نفسه، فخرجا وقطعا زقاقا واحدا، ففارقه الملاك من وقته.

فرجع بطرس إلى نفسه فقال: (( الآن أيقنت أن الرب أرسل ملاكه فأنقذني من يد هيرودس ومن كل ما يتوقع شعب اليهود)).

ثم تحقق أمره فمضى إلى بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس. وكانت هناك جماعة من الناس تصلي.

فقرع باب الدهليز فأقبلت جارية اسمها روضة تتسمع.

فعرفت صوت بطرس، فلم تفتح الباب من فرحها، بل أسرعت إلى الداخل وأخبرتهم بأن بطرس واقف على الباب.

فقالوا لها: ((قد جننت )). فأكدت لهم أن الأمر كما ذكرت. فقالوا لها: ((هذا ملاكه )).

أما بطرس فظل يقرع. فلما فتحوا رأوه فدهشوا.

فأشار لهم بيده أن يسكتوا. ثم أخذ يروي لهم كيف أخرجه الرب من السجن، ثم قال: ((أخبروا يعقوب والإخوة بهذه الأمور)). وخرج فذهب إلى مكان آخر.

فلما طلع الصباح وقعت بلبلة كبيرة في الجند: ترى، ماذا كان من أمر بطرس؟

ولما طلبه هيرودس فلم يجده استجوب الحرس وأمر بسوقهم إلى الموت. ثم نزل من اليهودية وأقام في قيصرية.

وكان ساخطا على أهل صور وصيدا، فاتفق بعضهم مع بعض، ومثلوا بين يديه، بعدما استمالوا بلسطس حاجب الملك والتمسوا الصلح، لأن رزق بلادهم يأتيهم من مملكته.

وفي اليوم المحدد لبس هيرودس حلته الملكية، وجلس على المنبر يخطب فيهم.

وكان الشعب يصيح: ((هذا صوت إله لا صوت إنسان )).

فضربه ملاك الرب من وقته لأنه لم يمجد الله. فأكله الدود ولفظ الروح.

وكانت كلمة الله تنمو تنتشر.

وأما برنابا وشاول فلما قاما بخدمتهما في أورشليم رجعا بعدما استصحبا يوحنا الملقب مرقس.

وكان في الكنيسة التي في أنطاكية بعض الأنبياء والمعلمين، هم برنابا وسمعان الذي يدعى نيجر، ولوقيوس القيريني، ومناين الذي ربي مع أمير الربع هيرودس، وشاول.

فبينما هم يقضون فريضة العبادة للرب ويصومون، قال لهم الروح القدس: ((أفردوا برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه )).

فصاموا وصلوا، ثم وضعوا عليهما أيديهم وصرفوهما.

فلما كانا موفدين من الروح القدس، نزلا إلى سلوقية ثم أبحرا منها إلى قبرس.

فلما بلغا سلامين، أخذا يبشران بكلمة الله في مجامع اليهود ، وكان معهما يوحنا معاونا لهما.

فاجتازا الجزيرة كلها حتى بافس، فلقيا ساحرا نبيا كذابا من اليهود اسمه بريشوع،

من حاشية الحاكم سرجيوس بولس، وكان هذا رجلا عاقلا. فدعا برنابا وشاول ورغب إليهما في أن يسمع كلمة الله.

فقاومهما عليم الساحر (وهذا معنى اسمه) محاولا أن يصرف الحاكم عن الإيمان.

وكان شاول (ويدعى أيضا بولس) ممتلئا من الروح القدس فحدق إليه

وقال: ((أيها الممتلئ من كل غش وخداع، يا ابن إبليس، ويا عدو كل بر، أما تكف عن تعويج طرق الرب القويمة؟

هاهي ذي يد الرب عليك فتصير أعمى لا تبصر نور الشمس إلى حين )). فهبطت عليه من وقته ظلمات حالكة، فجعل يدور في كل جهة ملتمسا من يقوده بيده.

فلما رأى الحاكم ما جرى، آمن وقد أعجب بتعليم الرب.

ثم أبحر بولس ورفيقاه من بافس، فبلغوا برجة بمفيلية ففارقهما يوحنا ورجع إلى أورشليم.

أما هما فغادرا برجة وسارا حتى وصلا إلى أنطاكية بسيدية. ودخلا المجمع يوم السبت وجلسا.

وبعد التلاوة للشريعة والأنبياء، أرسل إليهما رؤساء المجمع يقولون: ((أيها الأخوان، إذا كان عندكما كلام وعظ للشعب، فقولاه )).

فقام بولس فأشار بيده وقال : ((يا بني إسرائيل، ويا أيها الذين يتقون الله اسمعوا:

إن إله هذا الشعب، شعب إسرائيل، اختار آباءنا ورفع شأن هذا الشعب طوال غربته في أرض مصر. ثم أخرجهم منها بقدرة ساعده.

ورزقهم طعاما نحو أربعين سنة في البرية،

ثم أباد سبع أمم في أرض كنعان وأورثهم أرضها،

مدة نحو أربعمائة وخمسين سنة. وجعل لهم بعد ذلك قضاة حتى النبي صموئيل.

ثم طلبوا ملكا، فجعل الله لهم شاول بن قيس، من سبط بنيامين مدة أربعين سنة.

ثم خلعه وأقام لهم داود ملكا، وشهد له بقوله: وجدت داود بن يسى رجلا يرتضيه قلبي وسيعمل بكل مما أشاء.

ومن نسله أتى الله إسرائيل بمخلص هو يسوع، وفقا لوعده.

وسبق أن نادى يوحنا قبل مجيئه بمعمودية توبة لشعب إسرائيل كله.

ولما أوشك يوحنا أن ينهي شوطه قال: من تظنون أني هو؟ لست إياه. هاهوذا آت بعدي ذاك الذي لست أهلا لأن أفك رباط حذائه.

((يا إخوتي، يا أبناء سلالة إبراهيم، ويا أيها الحاضرون هنا من الذين يتقون الله، إلينا أرسلت هذه الكلمة، كلمة الخلاص.

فإن أهل أورشليم ورؤساءهم لم يعرفوه وحكموا عليه فأتموا ما يتلى من أقوال الأنبياء في كل سبت.

ومع أنهم لم يجدوا سببا يستوجب به الموت، طلبوا إلى بيلاطس أن يقتله.

وبعدما أتموا كل ما كتب في شأنه، أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في القبر.

غير أن الله أقامه من بين الأموات،

فتراءى أياما كثيرة للذين صعدوا معه من الجليل إلى أورشليم. وهم الآن شهود له عند الشعب.

((ونحن أيضا نبشركم بأن ما وعد به آباؤنا

قد أتمه الله لنا نحن أبناءهم، إذ أقام يسوع كما كتب في المزمور الثاني: أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك.

وأما أن أقامه من بين الأموات ولن يعود إلى الفساد، فقد ذكره في قوله: سأعطيكم خيرات داود المقدسة، الخيرات الحقيقية.

لهذا قال في آية أخرى: لن تدع قدوسك ينال منه الفساد.

على أن داود، بعدما عمل لقصد الله في عصره، رقد وضم إلى آبائه، فنال منه الفساد.

وأما الذي أقامه الله فلم ينل منه الفساد.

فاعلموا، أيها الإخوة، أنكم عن يده تبشرون بغفران الخطايا، وأن كل ما تستطيعوا أن تبرروا منه بشريعة موسى،

به يبرر منه كل من آمن.

فاحذروا أن يحل بكم ما ورد في كتب الأنبياء:

أنظروا أيها المستخفون إعجبوا وتواروا. فإني لصانع في أيامكم صنعا لو حدثكم به أحد لما صدقتم )).

وبينما هما خارجان سألوهما أن يحدثاهم بهذه الأمور في السبت المقبل.

فلما انفضت الجماعة، تبع بولس وبرنابا كثير من اليهود والدخلاء الذين يعبدون الله. فأخذا يكلمانهم ويحثانهم على الثبات في نعمة الله.

ولما جاء السبت، كادت المدينة كلها تجتمع لتسمع كلمة الله.

فلما رأى اليهود هذا الجمع، أخذهم الحسد، فجعلوا يعارضون كلام بولس بالتجديف.

فقال بولس وبرنابا بجرأة: ((إليكم أولا كان يجب أن تبلغ كلمة الله. أما وأنتم ترفضونها ولا ترون أنفسكم أهلا للحياة الأبدية، فإننا نتوجه الآن إلى الوثنيين.

فقد أوصانا الرب قال: ((جعلتك نورا للأمم لتحمل الخلاص إلى أقصى الأرض)).

فلما سمع الوثنيون ذلك، فرحوا ومجدوا كلمة الرب، وآمن جميع الذين كتبت لهم الحياة الأبدية.

وكانت كلمة الرب تنتشر في الناحية كلها.

على أن اليهود أثاروا كرائم النساء العابدات وأعيان المدينة، وحرضوا على اضطهاد بولس وبرنابا فطردوهما من بلدهم.

فنفضا عليهم غبار أقدامهما وذهبا إلى أيقونية.

وأما التلاميذ فكانوا ممتلئين من الفرح ومن الروح القدس.

وجرى مثل ذلك في أيقونية، إذ دخل بولس وبرنابا مجمع اليهود وأخذا يتكلمان كلاما جعل جمعا كثيرا من اليهود واليونانيين يؤمنون.

غير أن الذين لم يؤمنوا من اليهود أثاروا الوثنيين وحملوهم على أن يسيئوا الظن بالإخوة.

ولكنهما مكثا مدة طويلة يتكلمان بجرأة في الرب، وهو يشهد لكلمة نعمته فيهب لهما أن تجري الآيات والأعاجيب عن أيديهما.

فانقسم أهل المدينة، فمنهم من كان مع اليهود، ومنهم من كان مع الرسولين.

ولما أزمع الوثنيون واليهود ورؤساؤهم أن يشتموهما ويرجموهما،

شعرا بذاك فلجآ إلى مدينتين من ليقونية وهما لسترة ودربة وما جاورهما

فبشرا هناك أيضا.

وكان في لسترة رجل كسيح مقعد من بطن أمه، لم يمش قط.

وبينما هو يصغي إلى بولس يتكلم، حدق إليه فرأى فيه من الإيمان ما يجعله يخلص،

فقال له بأعلى صوته: ((قم فانتصب على قدميك! )) فوثب يمشي.

افلما رأت الجموع ما صنع بولس، رفعوا الصوت فقالوا باللغة الليقونية: ((تمثل الآلهة بشرا ونزلوا إلينا )).

وكانوا يدعون برنابا زاويش وبولس هرمس، لأنه كان يتولى الكلام.

فجاء كاهن صنم زاويش القائم عند مدخل المدينة بثيران وأكاليل إلى الأبواب، يريد تقريب ذبيحة مع الجموع.

فلما بلغ الخبر الرسولين برنابا وبولس، مزقا ردائيهما وبادرا إلى الجمع يصيحان

فيقولان: ((أيها الناس، لماذا تفعلون هذا؟ نحن أيضا بشر ضعفاء مثلكم نبشركم بأن تتركوا هذه الأباطيل وتهتدوا إلى الله الحي الذي صنع السماء والأرض والبحر وكل شيء فيها.

ترك الأمم جميعا في العصور الخالية تسلك سبلها،

على أنه لم يفته أن يؤدي الشهادة لنفسه بل يعمل من الخير. فقد رزقكم من السماء الأمطار والفصول المخصبة، وأشبع قلوبكم قوتا وهناء)).

وبالرغم من هذا الكلام، لم يستطيعا إلا بمشقة أن يصرفا الجمع عن تقريب ذبيحة لهما.

ثم جاء بعض اليهود من أنطاكية وأيقونية. فاستمالوا الجموع فرجموا بولس وجروه إلى خارج المدينة يظنون أنه مات.

ولما التف التلاميذ عليه، قام فدخل المدينة، ومضى في الغد مع برنابا الى دربة.

فبشرا تلك المدينة وتلمذا خلقا كثيرا، ثم رجعا إلى لسترة فأيقونية فأنطاكية

يشددان عزائم التلاميذ، ويحثانهم على الثبات في الإيمان ويقولان لهم: ((يجب علينا أن نجتاز مضايق كثيرة لندخل ملكوت الله )).

فعينا شيوخا في كل كنيسة وصليا وصاما، ثم استودعاهم الرب الذي آمنوا به.

فاجتازا بسيدية وجاءا بمفيلية،

وبشرا بكلمة الله في برجة، وانحدرا إلى أطالية

وأبحرا منها إلى أنطاكية التي كانا قد انطلقا منها، موكولين إلى نعمة الله من أجل العمل الذي قاما به.

فجمعا الكنيسة عند وصولهما، وأخبرا بكل ما أجرى الله معهما وكيف فتح باب الإيمان للوثنيين.

ثم مكثا مدة غير قليلة مع التلاميذ.

ونزل أناس من اليهودية وأخذوا يلقنون الإخوة فيقولون: ((إذا لم تختتنوا على سنة موسى، لا تستطيعون أن تنالوا الخلاص )).

فوقع بينهم وبين بولس وبرنابا خلاف وجدال شديد. فعزموا على أن يصعد بولس وبرنابا وأناس منهم آخرون إلى أورشليم حيث الرسل والشيوخ للنظر في هذا الخلاف

فشيعتهم الكنيسة. فاجتازوا فينيقية والسامرة يروون خبر اهتداء الوثنيين، فيفرحون الإخوة كلهم فرحا عظيما.

فلما وصلوا إلى أورشليم رحبت بهم الكنيسة والرسل والشيوخ، فأخبروهم بكل ما أجرى الله معهم.

فقام أناس من الذين كانوا على مذهب الفريسيين ثم آمنوا، فقالوا: ((يجب ختن الوثنيين وتوصيتهم بالحفاظ على شريعة موسى )).

فاجتمع الرسل والشيوخ لينظروا في هذه المسألة.

وبعد جدال طويل قام بطرس وقال لهم: ((أيها الإخوة، تعلمون أن الله اختار عندكم منذ الأيام الأولى أن يسمع الوثنيون من فمي كلمة البشارة ويؤمنوا.

والله العليم بما في القلوب قد شهد لهم فوهب لهم الروح القدس كما وهبه لنا،

فلم يفرق بيننا وبينهم في شيء، وقد طهر قلوبهم بالإيمان.

فلماذا تجربون الله الآن بأن تجعلوا على أعناق التلاميذ نيرا لم يقو آباؤنا ولا نحن قوينا على حمله؟

فنحن نؤمن أننا بنعمة الرب يسوع ننال الخلاص كما ينال الخلاص هؤلاء أيضا.

فسكت الجماعة كلهم وأخذوا يستمعون إلى برنابا وبولس يرويان لهم ما أجرى الله عن أيديهما من الآيات والأعاجيب بين الوثنيين.

فلما انتهيا تكلم يعقوب فقال: ((أيها الإخوة، استمعوا لي.

روى لكم سمعان كيف عني الله أول الأمر بأن يتخذ شعبا لاسمه من بين الوثنيين،

وهذا يوافق كلام الأنبياء كما ورد في الكتاب:

سأعود بعد ذلك فأقيم خيمة داود المتهدمة. سأقيم أنقاضها وأنصبها

فيسعى سائر الناس إلى الرب وجميع الأمم التي ذكر عليها اسمي يقول الرب صانع هذه الأمور

المعروفة منذ الأزل.

ولذلك فإني أرى ألا يضيق على الذين يهتدون إلى الله من الوثنيين،

بل يكتب إليهم أن يجتنبوا نجاسة الأصنام والفحشاء والميتة والدم.

فإن لموسى منذ الأجيال القديمة دعاة في كل مدينة، فهو يقرأ كل سبت في المجامع )).

فحسن لدى الرسل والشيوخ، ومعهم الكنيسة كلها، أن يختاروا أناسا منهم، فيوفدوهم إلى أنطاكية مع بولس وبرنابا فاختاروا يهوذا الذي يقال له برسابا، وسيلا، وهما رجلان وجيهان بين الإخوة.

وسلموا إليهم هذه الرسالة: ((من إخوتكم الرسل والشيوخ إلى الإخوة المهتدين من الوثنيين في أنطاكية وسورية وقيليقية، سلام.

بلغنا أن أناسا منا أتوكم فألقوا بينكم الاضطراب بكلامهم وبعثوا القلق في نفوسكم، على غير توكيل منا.

فحسن لدينا بالإجماع أن نختار رجلين نوفدهما إليكم مع الحبيبين برنابا وبولس،

وهما رجلان بذلا حياتهما من أجل اسم ربنا يسوع المسيح.

فأرسلنا يهوذا وسيلا ليبلغاكم الأمور نفسها مشافهة.

فقد حسن لدى الروح القدس ولدينا ألا يلقى عليكم من الأعباء سوى ما لا بد منه،

وهو اجتناب ذبائح الأصنام والدم والميتة والفحشاء. فإذا احترستم منها تحسنون عملا. عافاكم الله )).

فلما صرفوا انحدروا إلى أنطاكية. فجمعوا الجماعة وسلموا إليهم الرسالة.

فقرأوها ففرحوا بما فيها من تأييد.

وكان يهوذا وسيلا هما أيضا نبيين، فوعظا الإخوة وشددا عزائمهم بكلام كثير.

وبعد مدة من الزمن صرفهما الإخوة بسلام إلى الذين أرسلوهما.

أما بولس وبرنابا فأقاما في أنطاكية، يعلمان ويبشران بكلمة الرب ومعهما آخرون كثيرون.

وبعد بضعة أيام، قال بولس لبرنابا: ((لنعد فنتفقد الإخوة في كل مدينة بشرنا فيها بكلمة الرب، ونرى كيف أحوالهم )).

فأراد برنابا أن يستصحب يوحنا الذي يقال له مرقس،

ورأى بولس أنه ليس من الحق أن يستصحب من فارقهما في بمفيلية ولم يرافقهما للعمل معهما.

فوقع بينهما خلاف شديد حتى فارق أحدهما الآخر فاستصحب برنابا مرقس وأبحر إلى قبرس.

وأما بولس فاختار سيلا ومضى، بعدما استودعه الإخوة نعمة الرب،

فطاف سورية وقيليقية يثبت الكنائس.

وقدم دربة ثم لسترة، وكان فيها تلميذ اسمه طيموتاوس وهو ابن يهودية مؤمنة وأب يوناني.

وكان الإخوة في لسترة وأيقونية يشهدون له شهادة حسنة.

فرغب بولس أن يمضي معه فذهب به وختنه بسبب اليهود الذين في تلك الأماكن، فقد كانوا كلهم يعلمون أن أباه يوناني.

وكانا عند مرورهما في المدن يبلغانهم القرارات التي أصدرها الرسل والشيوخ الذين في أورشليم ، ويوصيانهم بحفظها.

وكانت الكنائس ترسخ في الإيمان، وتزداد عددا يوما فيوما.

ثم طافا فريجية وبلاد غلاطية لأن الروح القدس منعهما من التبشير بكلمة الله في آسية.

فلما بلغا ميسية حاولا دخول بتينية، فلم يأذن لهما بذلك روح يسوع.

فاجتازا ميسية وانحدرا إلى طرواس،

فبدت لبولس رؤيا ذات ليلة، فإذا رجل مقدوني قائم أمامه يتوسل إليه فيقول: (( اعبر إلى مقدونية وأغثنا! ))

فما إن رأى بولس هذه الرؤيا حتى طلبنا الرحيل إلى مقدونية، موقنين أن الله دعانا إلى تبشير أهلها.

فأبحرنا من طرواس واتجهنا توا إلى ساموتراقيا، وفي الغد إلى نيابولس

ومنها إلى فيلبي وهي عظمى المدن في ولاية مقدونية، ومستعمرة رومانية. فمكثنا بضعة أيام في هذه المدينة.

ثم خرجنا يوم السبت إلى خارج باب المدينة، إلى ضفة نهر، ظنا منا أن فيها مصلى. فجلسنا نكلم النساء المجتمعات هناك.

وكانت تستمع إلينا امرأة تعبد الله، اسمها ليدية وهي بائعة أرجوان من مدينة تياطيرة. ففتح الرب قلبها لتصغي إلى ما يقول بولس.

فلما اعتمدت هي وأهل بيتها، دعتنا فقالت: ((إذا كنتم تحسبوني مؤمنة بالرب فادخلوا بيتي وأقيموا عندي )). فاضطرتنا إلى قبول دعوتها.

وكنا ذات يوم ذاهبين إلى المصلى، فتلقتنا جارية يحضرها روح عراف، وكانت بعرافتها تكسب سادتها مالا كثيرا.

فأخذت تسير في إثر بولس وإثرنا، وهي تصيح: (( هؤلاء الرجال عبيد الله العلي، يبشرونكم بطريق الخلاص )).

وظلت تفعل ذلك عدة أيام، فاغتاظ بولس فالتفت وقال للروح: ((آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منها! )) فخرج من وقته.

فلما رأى سادتها ضياع أملهم من الكسب، قبضوا على بولس وسيلا وجروهما إلى ساحة المدينة لدى الحكام.

وقدموهما إلى القضاة وقالوا: ((هذان الرجلان يوقعان الاضطراب في مدينتنا، وهما يهوديان،

يدعوان إلى سنن لا يحل لنا قبولها ولا اتباعها، ونحن رومانيون )).

فثار الجمع عليهما فنزع القضاة ثيابهما وأمروا بضربهما بالعصي

فانهالوا عليهما وأوسعوهما ضربا. فألقوهما في السجن، وأوصوا السجان بأن يشدد الحراسة عليهما.

فلما تلقى السجان هذا الأمر ألقاهما في السجن الجواني، وشد أرجلهما بالمقطرة.

وعند نصف الليل، بينما بولس وسيلا يسبحان الله في صلاتهما، والسجناء يصغون إليهما،

إذ حدث زلزال شديد تزعزعت له أركان السجن، وتفتحت الأبواب كلها من وقتها، وفكت قيود السجناء أجمعين.

فاستيقظ السجان، فرأى أبواب السجن مفتوحة، فاستل سيفه وهم بقتل نفسه لظنه أن المسجونين هربوا،

فناداه بولس بأعلى صوته: ((لا تمس نفسك بسوء، فنحن جميعا ههنا )).

فطلب نورا ووثب إلى الداخل وارتمى مرتعدا على أقدام بولس وسيلا.

ثم أخرجهما وقال: ((يا سيدي ماذا يجب علي أن أعمل لأنال الخلاص؟ ))

قالا: ((آمن بالرب يسوع تنل الخلاص أنت وأهل بيتك )).

ثم كلماه وجميع أهل بيته بكلمة الرب.

فسار بهما في تلك الساعة من الليل فغسل جراحهما واعتمد من وقته، واعتمد ذووه جميعا.

ثم صعد بهما إلى بيته، فوضع لهما المائدة، وابتهج هو وأهل بيته، لأنه آمن بالله.

ولما طلع الصباح، أرسل القضاة القواسين يقولون للسجان ((أخل سبيل الرجلين )).

فنقل هذا الكلام إلى بولس قال: ((أرسل القضاة أمرهم بإخلاء سبيلكما، فاخرجا إذا واذهبا بسلام! ))

فرد بولس عليهم قال: ((ضربونا بالعصي علانية من غير محاكمة، نحن المواطنين الرومانيين، وألقونا في السجن، وهم الآن يخرجونا سرا. كلا، بل يأتون بأنفسهم ويطلقونا! ))

فنقل القواسون هذا الكلام إلى القضاة. فخافوا عندما سمعوا أنهما رومانيان.

فجاؤوا إليهما واعتذروا، ثم أطلقوهما وسألوهما أن يغادرا المدينة.

فذهبا بعد خروجهما من السجن إلى ليدية فرأيا عندها الإخوة، فشددا عزائمهم ثم انصرفا.

فمرا بأمفبوليس وأبولونية وأتيا تسالونيقي، وكان فيها مجمع لليهود.

فدخل عليهم بولس كعادته، فخاطبهم ثلاثة سبوت، مستندا إلى الكتب،

يشرح لهم مبينا كيف كان يجب على المسيح أن يتألم ويقوم من بين الأموات، ((وأن يسوع الذي أبشركم به هو المسيح )).

فاقتنع بعضهم فانضموا إلى بولس وسيلا، ومعهم جماعة كثيرة من عباد الله اليونانيين، وعدد غير قليل من كرائم النساء.

فامتعض اليهود من الحسد فأتوا ببعض الرعاع من السوقة وحشدوا الناس وأشاعوا الشغب في المدينة. ثم جاؤوا بيت ياسون يطلبون بولس وسيلا ليسوقوهما إلى محفل الشعب.

فلم يجدوهما، فجروا ياسون وبعض الإخوة إلى قضاة المدينة يصيحون: ((هؤلاء الذين فتنوا الدنيا هم الآن ههنا

يضيفهم ياسون، وهؤلاء كلهم يخالفون أوامر قيصر إذ يقولون بأن هناك ملكا آخر هو يسوع )).

فأثاروا الجمع والقضاة الذين سمعوا ذلك.

فأخذوا كفالة من ياسون والآخرين، ثم أخلوا سبيلهم.

فأسرع الإخوة إلى إرسال بولس وسيلا إلى بيرية ليلا. فلما بلغاها قصدا إلى مجمع اليهود.

وكان هؤلاء أحسن من أهل تسالونيقي خلقا، فقبلوا كلمة الله برغبة شديدة. وكانوا يتصفحون الكتب كل يوم ليتبينوا هل تلك الأمور كذلك.

فآمن كثير منهم، وآمن من النساء اليونانيات الكريمات والرجال عدد غير قليل.

فلما عرف يهود تسالونيقي أن بولس يبشر بكلمة الله في بيرية أيضا، جاؤوا إليها وأخذوا يحرضون الجموع ويثيرونهم هناك أيضا.

فأرسل الإخوة بولس من وقتهم نحو البحر، ومكث سيلا وطيموتاوس هناك.

أما الذين رافقوا بولس، فقد أوصلوه إلى آثينة، ثم رجعوا بأمر منه إلى سيلا وطيموتاوس أن يلحقا به بأسرع ما يمكن.

وبينما بولس ينتظرهما في آثينة، ثار ثائره إذ رأى المدينة تملأها الأصنام.

فأخذ يخاطب اليهود والعباد في المجمع ويخاطب كل يوم في ساحة المدينة من يلقاهم فيها.

وكان أيضا بعض الفلاسفة الأبيقوريين والرواقيين يباحثونه. فقال بعضهم: (( ماذا يعني هذا الثرثار بقوله؟ )) وقال بعضهم الآخر: ((يبدو أنه يبشر بآلهة غريبة)). ذلك أنه كان يبشر بيسوع والقيامة.

فقبضوا عليه وساروا به إلى الأريوباغس وقالوا له: ((هل لنا أن نعرف ما هو هذا التعليم الجديد الذي تعرضه؟

فأنت تنقل إلى مسامعنا أمورا غريبة، ونحن نرغب في معرفة ما يعني ذلك )).

فقد كان أهل آثينة جميعا والنازلون عندهم من الأجانب يصرفون ساعات فراغهم في أمر واحد وهو أن يقولوا أو يسمعوا ما كان جديدا.

فوقف بولس في وسط الأريوباغس وقال: ((يا أهل آثينة، أراكم شديدي التدين من كل وجه.

فإني وأنا سائر أنظر إلى أنصابكم وجدت هيكلا كتب عليه: إلى الإله المجهول. فما تعبدونه وأنتم تجهلونه، فذاك ما أنا أبشركم به.

إن الله الذي صنع العالم وما فيه، والذي هو رب السماء والأرض، لا يسكن في هياكل صنعتها الأيدي،

ولا تخدمه أيد بشرية، كما لو كان يحتاج إلى شيء. فهو الذي يهب لجميع الخلق الحياة والنفس وكل شيء.

فقد صنع جميع الأمم البشرية من أصل واحد، ليسكنوا على وجه الأرض كلها، وجعل لسكناهم أزمنة موقوتة وأمكنة محدودة،

ليبحثوا عن الله لعلهم يتحسسونه ويهتدون إليه، مع أنه غير بعيد عن كل منا.

ففيه حياتنا وحركتنا وكياننا، كما قال شعراء منكم: فنحن أيضا من سلالته.

فيجب علينا، ونحن من سلالة الله، ألا نحسب اللاهوت يشبه الذهب أو الفضة أو الحجر، إذا مثله الإنسان بصناعته وخياله.

فقد أغضى الله طرفه عن أيام الجهل وهو يعلن الآن للناس أن يتوبوا جميعا وفي كل مكان،

لأنه حدد يوما يدين فيه العالم دينونة عدل عن يد رجل أقامه لذلك، وقد جعل للناس أجمعين برهانا على الأمر، إذ أقامه من بين الأموات )).

فما إن سمعوا كلمة قيامة الأموات حتى هزئ بعضهم وقال بعضهم الآخر: ((سنستمع لك عن ذلك مرة أخرى)).

وهكذا خرج بولس من بينهم،

غير أن بعض الرجال انضموا إليه وآمنوا، ومنهم ديونيسيوس الأريوباغي، وامرأة اسمها دامريس وآخرون معهما.

وغادر بعد ذلك آثينة فجاء إلى قورنتس.

فصادف يهوديا بنطي الأصل اسمه أقيلا أتى هو وامرأته برسقلة قبل وقت قليل من إيطالية، لأن قلوديوس أمر جميع اليهود بالجلاء عن رومة. فذهب إليهما،

وكان من أهل صناعتهما، صناعة الخيم، فأقام يعمل عندهما.

وكان يخطب كل سبت في المجمع محاولا إقناع اليهود واليونانيين.

فلما وصل سيلا وطيموتاوس من مقدونية، وقف بولس نفسه على نشر كلمة الله يشهد لليهود أن يسوع هو المسيح.

ولكنهم كانوا يقاومونه ويجدفون، فنفض ثيابه وقال لهم: (( دمكم على رؤوسكم، أنا براء منه. فسأمضي بعد اليوم إلى الوثنيين )).

فانتقل من هناك إلى بيت رجل يعبد الله، اسمه تيطيوس يسطس، وكان بيته بلزق المجمع.

فآمن بالرب رئيس المجمع قرسبس وأهل بيته جميعا . وكان كثير من القورنتيين يسمعون كلام بولس فيؤمنون ويعتمدون.

فقال الرب لبولس ذات ليلة في رؤيا له: ((لاتخف، بل تكلم ولا تسكت،

فأنا معك، ولن يعتدي عليك أحد وينالك بسوء، فإن لي شعبا كثيرا في هذه المدينة)).

فأقام سنة وستة أشهر يعلم عندهم كلمة الله.

ولما كان غاليون حاكما على آخائية، ثار اليهود كلهم معا على بولس، فساقوه إلى المحكمة

وقالوا: ((هذا الرجل يحاول إقناع الناس بأن يعبدوا الله عبادة تخالف الشريعة)).

فهم بولس أن يتكلم، فقال غاليون لليهود: ((أيها اليهود، لو كانت المسألة مسألة جرم أو جناية قبيحة، لاستمعت إليكم كما يقضي الحق.

ولكن، لما كان الجدل في الألفاظ والأسماء وفي شريعتكم، فانظروا أنتم في ذلك، لأنني لا أريد أن أكون قاضيا في هذه الأمور )).

ثم طردهم من المحكمة.

فقبضوا كلهم على سستينس رئيس المجمع، وجعلوا يضربونه تجاه المحكمة، وغاليون لا يبالي بشيء من ذلك.

ومكث بولس بضعة أيام في قورنتس، ثم ودع الإخوة وأبحر إلى سورية، ومعه برسقلة وأقيلا، بعدما حلق رأسه في قنخرية لنذر كان عليه.

فلما وصلوا إلى أفسس فارقهما، ودخل المجمع فأخذ يخاطب اليهود.

فسألوه أن يطيل الإقامة بينهم فأبى.

ولكنه ودعهم وقال: ((سأعود إليكم مرة أخرى إن شاء الله )). وأبحر من أفسس

فنزل في قيصرية، وصعد فسلم على الكنيسة. ثم انحدر إلى أنطاكية.

وبعد ما قضى فيها بعض الوقت، رحل فطاف بلاد غلاطية ففريجية يشدد عزائم التلاميذ أجمعين.

وقدم أفسس يهودي اسمه أبلس، إسكندري الأصل، رجل فصيح اللسان، متبحر في الكتب،

وكان قد لقن طريقة الله، وأخذ يتكلم بروح متقد ويعلم ما يختص بيسوع تعليما دقيقا، ولكنه لم يكن يعرف سوى معمودية يوحنا.

فشرع يتكلم في المجمع بجرأة، فسمعته برسقلة وأقيلا، فأتيا به إلى بيتهما وعرضا له طريقة الرب على وجه أدق.

وعزم على الذهاب إلى آخائية، فأيده الإخوة وكتبوا إلى التلاميذ أن يرحبوا به. فلما وصل إليها ساعد المؤمنين بفضل النعمة مساعدة كبيرة،

فقد كان يرد على اليهود علانية ردا قويا، مبينا من الكتب أن يسوع هو المسيح.

وبينما أبلس في قورنتس، وصل بولس إلى أفسس، بعدما جاز أعالي البلاد، فلقي فيها بعض التلاميذ.

فقال لهم: ((هل نلتم الروح القدس حين آمنتم؟ )) فقالوا له: ((لا، بل لم نسمع أن هناك روح قدس )).

فقال: ((فأية معمودية اعتمدتم؟ )) قالوا: (( معمودية يوحنا )).

فقال بولس: ((إن يوحنا عمد معمودية توبة، داعيا الشعب إلى الإيمان بالآتي بعده، أي بيسوع )).

فلما سمعوا ذلك اعتمدوا باسم الرب يسوع.

ووضع بولس يديه عليهم، فنزل الروح القدس عليهم وأخذوا يتكلمون بلغات غير لغتهم ويتنبأون.

وكان عدد الرجال كلهم نحو اثني عشر رجلا.

ثم دخل المجمع، وكان مدة ثلاثة أشهر يتكلم بجرأة وهو يجادل الحاضرين ويريد إقناعهم في أمر ملكوت الله.

ولكن بعضهم قست قلوبهم ولم يؤمنوا فأخذوا يطعنون في طريقة الرب أمام الجماعة، فانصرف عنهم وانفرد بالتلاميذ يخاطبهم كل يوم في مدرسة طيرنس.

واستمر ذلك منه مدة سنتين، حتى سمع جميع سكان آسية من يهود ويونانيين كلمة الرب.

فكان الله يجري عن يدي بولس معجزات غير مألوفة،

حتى صار الناس يأخذون ما مس بدنه من مناديل أو مآزر فيضعونها على المرضى فتزول الأمراض عنهم، وتذهب الأرواح الخبيثة.

فحاول بعض المعزمين الطوافين من اليهود أيضا أن يلفظوا هم أيضا اسم الرب يسوع على من مستهم الأرواح الخبيثة، فكانوا يقولون: ((عزمت عليكم باسم يسوع الذي يبشر به بولس )).

وكان لسقواس أحد عظماء كهنة اليهود سبعة أبناء يفعلون ذلك.

فأجابهم الروح الخبيث: ((أنا أعرف يسوع، وأعلم من بولس، ولكن أنتم من أنتم؟ )).

ثم وثب عليهم من كان فيه الروح الخبيث فتمكن منهم جميعا وقهرهم، فهربوا من ذلك البيت عراة مجرحين.

فبلغ خبر هذه الحادثة إلى جميع سكان أفسس، يهود ويونانيين، فاستولى الخوف عليهم أجمعين، وعظم اسم الرب يسوع.

فأخذ كثير من الذين آمنوا يأتون فيعترفون ويقرون بأعمالهم.

وجاء كثير من الذين يفترون السحر بكتبهم وكدسوها، فأحرقوها بمحضر من الناس كلهم. وحسب ثمنها فإذا هو خمسون ألفا من الفضة.

وهكذا كانت كلمة الله تنمو وتشتد بقدرة الرب.

وبعد هذه الأحداث عقد بولس النية على أن يجتاز مقدونية وآخائية فيذهب إلى أورشليم، وقال: ((يجب علي، بعد إقامتي فيها، أن أرى رومة أيضا)).

فأرسل إلى مقدونية اثنين من معاونيه هما طيموتاوس وإرسطس. وأما هو فتخلف مدة في آسية.

وفي ذلك الوقت وقع شغب شديد على طريقة الرب.

ذلك بأن صائغا اسمه ديمتريوس كان يصوغ هياكل من فضة لأرطميس، فيمكن الصناع من كسب غير قليل.

فجمع بينهم وبين محترفي الصناعات التي تماثل صناعتهم وقال لهم: ((أيها الرجال، تعلمون أن رغد عيشنا يأتينا من هذه الصناعة.

وقد رأيتم وسمعتم أن بولس هذا أقنع واستمال خلقا كثيرا، لا في أفسس وحدها، بل كاد أن يفعل ذلك في آسية كلها، فقد قال لهم إن الآلهة التي صنعتها الأيدي ليست بآلهة.

فأصبح الخطر لا يقتصر على حرفتنا هذه فيخشى أن تزدرى، بل يتناول أيضا هيكل الإلهة العظمى أرطميس فيجعله عرضة لأن يعد باطلا، فلا تلبث عظمتها أن تنهار تلك التي تعبدها آسية كلها والعالم أجمع)).

فلما سمعوا ذلك ثار ثائرهم وأخذوا يصيحون: ((ما أعظم أرطميس أفسس! ))

وعم الشغب المدينة بأسرها فاندفعوا إلى المسرح اندفاع رجل واحد وقبضوا على غايوس وأرسطرخس المقدونيين رفيقي بولس في رحلته.

فهم بولس بالذهاب إلى محفل الشعب فلم يدعه التلاميذ.

فأرسل أيضا إليه بعض رؤساء آسية، وهم من أصدقائه، يسألونه ألا يعرض نفسه للخطر بالذهاب إلى المسرح.

وكان بعض الناس ينادون بشيء وبعضهم بشيء آخر لهياج الجماعة وأكثرهم لا يدرون لماذا اجتمعوا.

وأخرجوا من بين الجمع رجلا اسمه الإسكندر، وكان اليهود قد دفعوه إلى الأمام، فأشار بيده يريد عرض الأمور على الشعب.

فلما عرفوا أنه يهودي أخذوا يصيحون جميعا بصوت واحد نحو ساعتين: ((ما أعظم أرطميس أفسس! )).

غير أن رئيس الديوان هدأ الجمع إذ قال لهم: ((يا أهل أفسس! من من الناس لا يعلم أن أفسس هي المدينة الحارسة لهيكل أرطميس العظمى وصنمها الذي هبط من السماء.

فلما لم يكن من خلاف في ذلك، وجب عليكم أن تهدأوا ولا تقدموا على شيء بغير روية.

فقد جئتم بهذين الرجلين، مع أنهما لم ينتهكا حرمة إلهتنا، ولا جدفا عليها.

فإذا كان لديمتريوس وأصحابه من أهل الصناعة شكوى على أحد من الناس، فهناك مجالس تعقد وهناك حكام، فليتقاضوا إليهم.

وإذا كان لكم طلب في غير ذلك، فأمره يبت في المجلس القانوني.

فنحن على خطر من أن نتهم بالفتنة التي وقعت في هذا اليوم، وليس هناك أي سبب نستطيع أن نتذرع به في أمر هذا التجمهر)).

قال ذلك ثم صرف الجماعة

ولما سكن الضجيج، دعا بولس التلاميذ فشدد عزائمهم. ثم ودعهم، فخرج ومضى إلى مقدونية.

فطاف تلك النواحي وشدد عزائم المؤمنين بكلام كثير. ثم قدم بلاد اليونان

فقضى فيها ثلاثة أشهر. وبينما هو يهم بالإبحار إلى سورية، أخذ اليهود يتآمرون عليه، فعزم على العودة بطريق مقدونية.

فرافقه صوبطرس بن برس البيري، وأرسطرخس وسقندس التسالونيقيان، وغايوس الدربي وطيموتاوس، وطيخيقس وطروفيمس الآسيان.

فتقدمونا وانتظرونا في طرواس.

أما نحن فأبحرنا من فيلبي بعد أيام الفطير، وبلغنا إليهم في طرواس بعد خمسة أيام، فمكثنا فيها سبعة أيام.

واجتمعنا يوم الأحد لكسر الخبز، فأخذ بولس يخاطبهم، وكان يريد الذهاب في الغد، فأطال الكلام إلى منتصف الليل.

وكان في العلية التي اجتمعنا فيها مصابيح كثيرة.

وهناك فتى اسمه أفطيخس جالس على حرف النافذة. فأخذه نعاس شديد وبولس يطيل الكلام، فاستغرق في النوم فسقط من الطبقة الثالثة إلى أسفل وحمل ميتا.

فنزل بولس وحنا عليه وضمه إلى صدره، وقال: ((لا تجزعوا، فإن روحه فيه )).

ثم صعد فكسر الخبز فأكل. وحدثهم طويلا إلى الفجر ومضى.

وأما الصبي فأتوا به حيا، فكان لهم عزاء كبير.

أما نحن فتقدمناه وركبنا السفينة فأقلعنا إلى أسس، نريد أن نستصحب منها بولس على الخطة التي رسمها لأنه عزم على القدوم في البر.

فلما لحق بنا إلى أسس، صعدنا به إلى السفينة، وجئنا مطيلنة.

ثم أبحرنا منها في اليوم الثاني حتى شارفنا خيوس. وحاذينا صامس في اليوم الثالث، وأتينا ميليطش في اليوم الرابع،

لأن بولس رأى أن يجاوز أفسس مخافة أن يتأخر في آسية، وأراد العجلة لعله يصل إلى أورشليم يوم العنصرة.

فأرسل من ميليطش إلى أفسس يستدعي شيوخ الكنيسة.

فلما قدموا إليه قال لهم : ((تعلمون كيف كانت معاملتي لكم طوال المدة التي قضيتها منذ أول يوم وطئت فيه أرض آسية.

فقد عملت للرب بكل تواضع، أذرف الدموع وأعاني المحن التي أصابتني بها مكايد اليهود.

وما قصرت في شيء يفيدكم، بل كنت أعظكم وأعلمكم في الأماكن العامة والبيوت.

فكنت أناشد اليهود واليونانيين أن يتوبوا إلى الله ويؤمنوا بربنا يسوع.

هاءنذا اليوم ماض إلى أورشليم أسير الروح، لا أدري ماذا يحدث لي فيها.

على أن الروح القدس يؤكد لي في كل مدينة أن السلاسل والشدائد تنتظرني.

ولكني لا أبالي بحياتي ولا أرى لها قيمة عندي، فحسبي أن أتم شوطي وأتم الخدمة التي تلقيتها من الرب يسوع، أي أن أشهد لبشارة نعمة الله.

وأنا أعلم الآن أنكم لن تروا وجهي بعد اليوم، أنتم الذين سرت بينهم كلهم أبشر بالملكوت.

لذلك أشهد اليوم أمامكم أني بريء من دمكم جميعا،

لأني لم أقصر في إبلاغكم تدبير الله كله.

فتنبهوا لأنفسكم ولجميع القطيع الذي جعلكم الروح القدس حراسا له لتسهروا على كنيسة الله التي أكتسبها بدمه.

وأنا أعلم أن سيدخل فيكم بعد رحيلي ذئاب خاطفة لا تبقي على القطيع

ويقوم من بينكم أنفسكم أناس يتكلمون بالضلال ليحملوا التلاميذ على اتباعهم.

فتنبهوا واذكروا أني لم أكف مدة ثلاث سنوات، ليل نهار، عن نصح كل منكم وأنا أذرف الدموع.

والآن أستودعكم الله وكلمة نعمته وهو القادر على أن يشيد البنيان ويجعل لكم الميراث مع جميع المقدسين.

ما رغبت يوما في فضة ولا ذهب ولا ثوب عند أحد،

وأنتم تعلمون أن يدي هاتين سدتا حاجتي وحاجات رفقائي

وقد بينت لكم بأجلى بيان أنه بمثل هذا الجهد يجب علينا أن نسعف الضعفاء، ذاكرين كلام الرب يسوع وقد قال هو نفسه: ((السعادة في العطاء أعظم منها في الأخذ)).

قال هذا ثم جثا فصلى معهم جميعا

وفاضت دموعهم أجمعين، فألقوا بأنفسهم على عنق بولس وقبلوه طويلا،

محزونين خصوصا لقوله إنهم لن يروا وجهه بعد اليوم. ثم شيعوه إلى السفينة.

وبعدما انفصلنا عنهم، أبحرنا متجهين توا إلى قوش حتى بلغناها وذهبنا في اليوم الثاني إلى رودس، ومنها إلى باطرة.

فلقينا سفينة توشك أن تقلع إلى فينيقية، فركبناها وأبحرنا.

فلما بدت لنا قبرس، تركناها عن يسارنا، واتجهنا إلى سورية، فوصلنا إلى صور، لأن السفينة تفرغ فيها حمولتها

ووجدنا التلاميذ هناك، فأقمنا سبعة أيام. وكانوا يسألون بولس بوحي من الروح ألا يصعد إلى أورشليم.

ومع ذلك، فلما قضينا تلك الأيام، خرجنا نريد الرحيل. فشيعنا جميع التلاميذ مع النساء والأولاد إلى خارج المدينة، فجثونا على الشاطئ وصلينا.

ثم ودع بعضنا بعضا، فركبنا السفينة، وعادوا هم إلى بيوتهم.

أما نحن فلما أنهينا رحلتنا من صور وصلنا إلى بطلمايس، فسلمنا على الإخوة، وأقمنا عندهم يوما واحدا.

وخرجنا في الغد فذهبنا إلى قيصرية، لم فدخلنا بيت فيليبس المبشر، وهو أحد السبعة، فأقمنا عنده.

وكان له أربع بنات عذارى يتنبأن.

وبينما نحن عنده، وقد أقمنا عدة أيام، انحدر من اليهودية نبي اسمه أغابس

فقصد إلينا، فأخذ زنار بولس، فشد به رجليه ويديه، ثم قال: ((إن الروح القدس يقول: صاحب هذا الزنار يشده اليهود هكذا في أورشليم، ويسلمونه إلى أيدي الوثنيين )).

فلما سمعنا ذلك، أخذنا نحن وأهل البلدة نسأل بولس ألا يصعد إلى أورشليم.

فأجاب: ((ما لكم تبكون فتمزقون قلبي؟ أنا مستعد ، لا لأن أشد فقط، بل لأن أموت في أورشليم من أجل اسم الرب يسوع )).

فلما أبى أن يقتنع، كففنا عن الإلحاح وقلنا: ((فليكن ما يشاء الرب )).

وبعد تلك الأيام، تأهبنا للسفر وصعدنا إلى أورشليم.

فرافقنا أيضا تلاميذ من قيصرية، فذهبوا بنا لينزلونا ضيوفا على مناسون القبرسي، وهو تلميذ قديم.

فلما وصلنا إلى أورشليم رحب بنا الإخوة فرحين.

وفي الغد دخل بولس معنا على يعقوب، وكان الشيوخ كلهم حاضرين.

فسلم عليهم وأخذ يروي لهم رواية مفصلة جميع ما أجرى الله بخدمته بين الوثنيين.

فلما سمعوا مجدوا الله وقالوا له: ((ترى، أيها الأخ، كم ألف من اليهود قد آمنوا وكلهم ذو غيرة على الشريعة.

وقد بلغهم ما يشاع عنك من أنك تعلم جميع اليهود المنتشرين بين الوثنيين أن يتخلوا عن موسى، وتوصيهم بألا يختنوا أولادهم ولا يتبعوا السنة.

فما العمل؟ لا شك أنهم سيسمعون بقدومك.

فاعمل بما نقوله لك: فينا أربعة رجال عليهم نذر،

فسر بهم واطهر معهم، وأنفق عليهم ليحلقوا رؤوسهم ، فيعرف جميع الناس أن ما يشاع عنك باطل، في حين أنك سالك مثلهم طريق الحفاظ على الشريعة.

أما الذين آمنوا من الوثنيين فقد كتبنا إليهم ما قررناه: بأن يجتنبوا ذبائح الأصنام والدم والميتة والفحشاء)).

فسار بولس بأولئك الرجال في غده، فاطهر معهم ودخل الهيكل وأعلن الموعد الذي تنقضي فيه أيام الاطهار لكي يقرب فيه القربان عن كل منهم.

فلما أوشكت الأيام السبعة أن تنقضي، رآه بعض اليهود الأسيويين في الهيكل، فأثاروا الجمع بأسره، وبسطوا إليه الأيدي

وصاحوا: (( النجدة، يا بني إسرائيل! هذا هو الرجل الذي يعلم الناس جميعا في كل مكان تعليما ينال به من شعبنا وشريعتنا وهذا المكان، لا بل أدخل بعض اليونانيين إلى الهيكل، ودنس هذا المكان المقدس )).

وكانوا قد رأوا طروفيمس الأفسسي معه في المدينة، فظنوا أن بولس أدخله إلى الهيكل.

فهاجت المدينة بأجمعها، وتبادر الشعب وقبضوا على بولس وجروه إلى خارج الهيكل، وأغلقت الأبواب من ذلك الوقت.

وبينما هم يحاولون قتله، بلغ قائد كتيبة أن أورشليم كلها قائمة قاعدة،

فسار من وقته بجماعة من الجنود وقواد المائة، وأسرع فحمل عليهم. فلما رأوا قائد الألف وجنوده كفوا عن ضرب بولس.

فدنا إليه قائد الألف فقبض عليه وأمر بأن يشد بسلسلتين. ثم استخبر من عساه أن يكون وماذا فعل.

فكان بعضهما في الجمع ينادي بشيء، وبعضهم ينادي بشيء آخر. فلما تعذر عليه في هذا الضجيج أن يعلم شيئا أكيدا، أمر بأن يساق إلى القلعة.

فلما بلغ السلم، اضطر الجنود إلى حمله بسبب عنف الجمع،

لأن جمهور الشعب كان يتبعه ويصيح: ((أعدمه! )).

فلما أوشك بولس أن يدخل القلعة قال لقائد الألف: ((أيجوز لي أن أقول لك شيئا؟ )) فقال له: ((أتعرف اليونانية؟

أفلست المصري الذي أثار منذ أيام أربعة آلاف فتاك، وخرج بهم إلى البرية ؟ ))

قال بولس: ((أنا رجل يهودي من طرسوس قيليقية، مواطن مدينة غير مجهولة. فأسألك أن تأذن لي بأن أخاطب الشعب)).

فأذن له، فوقف بولس على السلم، وأشار بيده إلى الشعب، فساد السكوت. فأخذ يخطب فيهم بالعبرية قال:

((أيها الإخوة وأيها الآباء، اسمعوا ما أقول لكم الآن في الدفاع عن نفسي )) .

فلما سمعوه يخطب فيهم بالعبرية ازدادوا هدوءا،

فقال: ((أنا رجل يهودي ولدت في طرسوس من قيليقية، على أني نشأت في هذه المدينة، وتلقيت عند قدمي جملائيل تربية موافقة كل الموافقة لشريعة الآباء، وكنت ذا حمية لله، شأنكم جميعا في هذا اليوم.

واضطهدت تلك الطريقة حتى الموت، فأوثقت الرجال والنساء وألقيتهم في السجون،

وبذلك يشهد لي عظيم الكهنة وجماعة الشيوخ كلها. فمنهم أخذت رسائل إلى الإخوة، فسرت إلى دمشق لأوثق من كان فيها منهم، فأسوقه إلى أورشليم، ليعاقب.

وبينما أنا سائر وقد اقتربت من دمشق، إذا نور باهر من السماء قد سطع حولي نحو الظهر،

فسقطت إلى الأرض، وسمعت صوتا يقول لي: شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟

فأجبت: من أنت، يا رب؟ فقال لي: أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده.

ورأى رفقائي النور، ولكنهم لم يسمعوا صوت من خاطبني.

فقلت: ماذا أعمل، يا رب، فقال لي الرب: قم فاذهب إلى دمشق تخبر فيها بجميع ما فرض عليك أن تعمل.

على أني عدت لا أبصر لشدة ذلك النور الباهر. فاقتادني رفقائي باليد حتى وصلت إلى دمشق.

وكان فيها رجل يدعى حننيا تقي محافظ على الشريعة، يشهد له جميع اليهود المقيمين هناك،

فأتاني ووقف بجانبي وقال لي: يا أخي شاول، أبصر. وفي تلك الساعة رفعت طرفي إليه.

فقال: إن إله آبائنا قد أعدك لنفسه لتعرف مشيئته وترى البار وتسمع صوته بنفسه.

فإنك ستكون شاهدا له أمام جميع الناس بما رأيت وسمعت.

فما لك تتردد بعد ذلك؟ قم فاعتمد وتطهر من خطاياك داعيا باسمه.

ثم رجعت إلى أورشليم، فبينما أنا أصلي في الهيكل أصابني جذب.

فرأيته يقول لي: أسرع فاخرج على عجل من أورشليم، لأنهم لن يقبلوا شهادتك لي.

فقلت: يا رب، هم يعلمون أني كنت في كل مجمع أسجن المؤمنين بك، وأضربهم بالعصي،

وأني كنت حاضرا حين سفك دم شهيدك إسطفانس، وكنت موافقا على قتله، محافظا على ثياب قاتليه.

فقال لي: اذهب، إني مرسلك إلى بلاد بعيدة، إلى الوثنيين )) .

وكانوا يصغون إليه حتى فاه بهذه الكلمات، فرفعوا أصواتهم قالوا: ((أزل مثل هذا الرجل عن وجه الأرض، فلا يجوز أن يبقى حيا)).

وأخذوا يصرخون ويطرحون ثيابهم ويذرون التراب في الهواء،

فأمر قائد الألف بأن يدخل القلعة ويستجوب وهو يجلد، ليعلم لأي سبب كانوا يصيحون عليه ذاك الصياح.

وهموا أن يبسطوه ليضربوه بالسياط، فقال لقائد المائة، وكان قائما إلى جنبه: ((أيجوز لكم أن تجلدوا رجلا رومانيا وتحاكموه؟ ))

فلما سمع قائد المائة هذا الكلام، ذهب إلى قائد الألف وأطلعه على الأمر وقال: ((ماذا تفعل؟ إن هذا الرجل روماني )).

فجاء قائد الألف إليه وقال له: ((قل لي: أأنت روماني؟ )). قال: ((نعم )).

فأجاب قائد الألف: (( أنا أديت مقدارا كبيرا من المال حتى حصلت على هذه الجنسية)). فقال بولس: ((أما أنا ففيها ولدت )).

فتنحى عنه وقتئذ من كانوا يريدون استجوابه وخاف قائد الألف نفسه لما عرف أنه روماني وقد اعتقله.

وأراد في الغد أن يعرف معرفة أكيدة ما يتهمه به اليهود، فحل وثاقه، وأمر عظماء الكهنة والمجلس كله أن يجتمعوا، ثم أنزل بولس فأقامه أمامهم.

فحدق بولس إلى المجلس وقال: ((أيها الإخوة، إني بكل نية حسنة سلكت سبيل الله إلى هذا اليوم )).

فأمر حننيا عظيم الكهنة الذين بجانبه بأن يضربوه على فمه. فقال له بولس:

((سيضربك الله، أيها الحائط المكلس، أتجلس لمحاكمتي بسنة الشريعة، وتخالف الشريعة فتأمر بضربي؟ ))

فقال الذين بجانبه: ((أتشتم عظيم كهنة الله؟ ))

قال بولس: (( لم أدر، أيها الإخوة، أنه عظيم الكهنة، فقد كتب: ((رئيس شعبك لا تقل فيه سوءا)).

وكان بولس يعلم أن فريقا منهم صدوقي وفريقا فريسي، فصاح في المجلس: ((أيها الإخوة، أنا فريسي ابن فريسي، فمن أجل الرجاء في قيامة الأموات أحاكم )).

فما قال ذلك حتى وقع الخلاف بين الفريسيين والصدوقيين، وانقسم المجلس.

ذلك بأن الصدوقيين يقولون بأنه لا قيامة ولا ملاك ولا روح، وأما الفريسيون، فيقرون بها جميعا.

فعلا صياح شديد، وقام بعض الكتبة من فريق الفريسيين، فاحتجوا بشدة قالوا : ((لا نجد ذنبا على هذا الرجل، فلربما كلمه روح أو ملاك)).

واشتد الخلاف، فخاف قائد الألف أن يمزقوا بولس تمزيقا، فأمر الجنود ، بأن ينزلوا إليه وينتزعوه من بينهم، ويرجعوا به إلى القلعة.

وفي ليلة الغد حضره الرب وقال له: ((تشدد، فكما أديت الشهادة لأمري في أورشليم فكذلك يجب أن تشهد في رومة أيضا)).

ولما طلع الصباح، دبر اليهود مؤامرة فحرموا على أنفسهم الطعام والشراب أو يقتلوا بولس.

وكان الذين دبروا هذه المؤامرة أكثر من أربعين.

فجاؤوا إلى عظماء الكهنة والشيوخ وقالوا: ((حرمنا على أنفسنا أشد التحريم أن نذوق شيئا أو نقتل بولس.

فاعرضوا أنتم والمجلس على قائد الألف أن يحضره أمامكم بحجة أنكم تريدون الإمعان في الفحص عن أمره، أما نحن فإننا مستعدون لاغتياله قبل أن يصل إليكم )).

وبلغ خبر الكمين إلى ابن أخت بولس، فمضى ودخل القلعة وأطلع بولس على الأمر.

فدعا بولس أحد قادة المائة وقال له: (( اذهب بهذا الفتى إلى قائد الألف، فإن عنده ما يريد إطلاعه عليه )).

فسار به إلى قائد الألف وقال له: (( دعاني بولس السجين وسألني أن آتيك بهذا الفتى، لأن عنده ما يقوله لك )).

فأمسكه قائد الألف بيده وانفرد به وسأله: ((ما عندك فتطلعني عليه؟ ))

قال: ((اتفق اليهود على أن يسألوك أن تحضر بولس غدا أمام المجلس بحجة الإمعان في الفحص عن أمره.

فلا تثق بهم، لأن أكثر من أربعين رجلا منهم يكمنون له، وحرموا على أنفسهم الطعام والشراب أو يغتالوه. وهم الآن مستعدون ينتظرون موافقتك )).

فصرف قائد الألف الشاب، وأوصاه قال: ((لا تخبر أحدا بأنك كشفت لي الأمر)).

ثم دعا قائدين من قواد المائة وقال لهما: ((أعدا للذهاب إلى قيصرية في الساعة التاسعة من الليل مائتي جندي وسبعين فارسا، ومائتين من الأعوان،

وليوت أيضا بدواب تحمل بولس لإيصاله سالما إلى الحاكم فيلكس )).

وكتب إليه برسالة هذا مضمونها:

((من قلوديوس ليسياس إلى الحاكم المكرم فيلكس، سلام.

إن اليهود قبضوا على هذا الرجل وهموا أن يقتلوه، فأدركتهم بالجنود وأنقذته، لأني علمت أنه روماني.

وأردت أن أعرف بماذا يتهمونه، فأحضرته أمام مجلسهم،

فتبين لي أنه يتهم بمسائل جدلية تعود إلى شريعتهم، وليس هناك من تهمه تستوجب الموت أو القيود.

وبلغني أن بعضهم يتآمرون على هذا الرجل، فبعثت به من ساعتي إليك، وأبلغت متهميه أن يرفعوا إليك دعواهم عليه )).

فأخذ الجنود بولس وساروا به ليلا إلى أنطيبطريس، وفقا للأوامر التي تلقوها.

وفي الغد تركوا الفرسان يواصلون السير معه ورجعوا إلى القلعة.

فلما وصلوا إلى قيصرية، سلموا الرسالة إلى الحاكم وقدموا إليه بولس أيضا.

فقرأ الحاكم الرسالة وسأل من أي ولاية هو. فلما عرف أنه من قيليقية

قال: ((سأسمع منك متى حضر متهموك أيضا)). ثم أمر بأن يحرس في قصر هيرودس.

وبعد خمسة أيام نزل حننيا عظيم الكهنة ومعه بعض الشيوخ ومحام اسمه طرطلس، فرفعوا للحاكم دعواهم على بولس.

فلما دعي استهل طرطلس اتهامه بقوله : ((إن ما ننعم به من السلام الشامل بفضلك، ومن الإصلاح الذي حصلت عليه هذه الأمة بعنايتك،

نتلقاه، يا فيلكس المكرم، بخالص الشكر من جميع الوجوه وفي كل مكان.

ولكن لا أريد أن أزعجك بكثير الكلام، فأرجو أن تصغي إلينا قليلا بما أنت عليه من اللطف.

وجدنا هذا الرجل آفة من الآفات، يثير الفتن بين اليهود كافة في العالم أجمع، وأحد أئمة شيعة النصارى.

وقد حاول أن يدنس الهيكل فقبضنا عليه.

فتستطيع، إذا استجوبته عن هذه الأمور كلها، أن تتبين ما نتهمه به)).

فسانده اليهود زاعمين أن الأمور على ذلك.

فأشار الحاكم إلى بولس يأذن له بالكلام، فأجاب: ((أعلم أنك تقضي في أمور هذه الأمة من عدة سنوات. فأراني مطمئنا في الدفاع عن قضيتي.

يمكنك أن تتبين أنه لم يمض على صعودي إلى أورشليم للعبادة أكثر من اثني عشر يوما.

فما وجدوني مرة أجادل أحدا أو أثير جمعا، لا في الهيكل ولا في المجامع ولا في المدينة

ولا يمكنهم أن يثبتوا لك ما يتهموني به الآن.

على أني أقر بأني أعبد إله آبائي على الطريقة التي يزعمون أنها شيعة، وأومن بكل ما جاء في الشريعة وكتب الأنبياء،

راجيا من الله ما يرجونه هم أيضا وهو أن الأبرار والفجار سيقومون

فأنا أيضا أجاهد النفس ليكون ضميري لا لوم عليه عند الله وعند الناس.

وجئت بعد عدة سنوات، أحمل الصدقات إلى أمتي، وأقرب القرابين.

فعلى هذه الحال وجدوني في الهيكل وكنت قد اطهرت، ولم يكن هناك جمع أو ضجيج.

غير أن بعض اليهود الأسيويين… لو كان لأولئك ما يشكونني به، لوجب عليهم أن يمثلوا أمامك ويتهموني،

بل ليقل هؤلاء الحاضرون أنفسهم أي ذنب وجدوا لي، حين مثلت أمام المجلس،

إلا أن تكون هذه الكلمة التي ناديت بها وأنا قائم بينهم: من أجل قيامة الأموات أحاكم اليوم عندكم )).

وكان فيلكس مطلعا على أمر الطريقة اطلاعا دقيقا، فأخرهم إلى أجل قال: ((متى نزل ليسياس قائد الألف، أحكم في قضيتكم )).

وأمر قائد المائة بأن يحفظ بولس في السجن، على أن يترك له بعض الحرية، ولا يمنع أحدا من أصحابه القيام بخدمته.

وبعد بضعة أيام، جاء فيلكس مع امرأته درسلة وهي يهودية، فاستدعى بولس واستمع إلى كلامه على الإيمان بالمسيح يسوع.

ولما تكلم بولس على البر والعفاف والدينونة الآتية، خاف فيلكس فقال له: ((إذهب الآن، فسأنتهز الفرصة السانحة لأدعوك )).

وكان يرجو في الوقت نفسه أن يعطيه بولس شيئا من المال، فأخذ يكثر من استدعائه ومحادثته.

ولما انقضت سنتان، خلف برقيوس فسطس فيلكس، فأراد فيلكس أن يرضى اليهود، فترك بولس في السجن.

وصعد فسطس من قيصرية إلى أورشليم بعد ثلاثة أيام من وصوله إلى ولايته،

فرفع إليه عظماء الكهنة وأعيان اليهود دعواهم على بولس وسألوه

بمكر ملحين أن يمن عليهم باستدعائه إلى أورشليم، ومرادهم أن يقيموا له كمينا ليغتالوه في الطريق.

فأجاب فسطس أن بولس محفوظ في سجن قيصرية، وأما هو فلا يلبث أن ينصرف.

ثم قال: ((لينزل معي أصحاب السلطة فيكم ، فإذا كان في هذا الرجل ما يؤخذ عليه فليتهموه به )).

ومكث عندهم أياما لا تزيد على الثمانية أو العشرة، ثم نزل إلى قيصرية فجلس في الغد على كرسي القضاء، وأمر بإحضار بولس.

فلما حضر أحاط به اليهود الذين نزلوا من أورشليم واتهموه بكثير من التهم الجسيمة، على أنهم لم يستطيعوا إثباتها.

فدافع بولس عن نفسه قال: ((ما أذنبت بشيء لا إلى شريعة اليهود ولا إلى الهيكل ولا إلى قيصر )).

وأراد فسطس أن يرضي اليهود فقال لبولس: ((أتريد أن تصعد إلى أورشليم، فتحاكم فيها على هذه الأمور بمحضر مني؟ )).

فقال بولس: ((أنا أمام محكمة قيصر، وأمامها يجب أن أحاكم. ما أسأت إلى اليهود بشيء، وأنت تعرف ذلك على أحسن وجه.

فإذا أسأت ففعلت ما أستوجب به الموت، فأنا لا أحاول التخلص من الموت. أما إذا كان ما يتهموني به باطلا، فليس لأحد أن يسلمني إليهم لإرضائهم. وإلى قيصر أرفع دعواي! ))

فشاور فسطس أعضاء مجلسه وأجاب: ((رفعت دعواك إلى قيصر، فإلى قيصر تذهب )).

وبعد بضعة أيام، قدم قيصرية الملك أغريبا وبرنيقة فسلما على فسطس،

ومكثا فيها مدة، فعرض فسطس على الملك قضية بولس قال: ((هنا رجل تركه فيلكس سجينا.

فلما كنت في أورشليم، شكاه إلي عظماء كهنة اليهود وشيوخهم وطلبوا الحكم عليه.

فأجبتهم: ليس من عادة الرومانيين أن يحكموا على أحد لإرضاء الناس قبل أن يتقابل المتهم ومتهموه، ويتسنى له الرد على الاتهام.

فجاؤوا معا إلى هنا، فلم أتوان البتة، بل جلست في اليوم الثاني على كرسي القضاء، وأمرت بإحضار الرجل.

فلما قابله متهموه، لم يذكروا له أي تهمة من التهم الخبيثة التي كنت أتوهمها،

وإنما كان بينهم وبينه مجادلات في أمور ترجع إلى ديانتهم وإلى امرئ اسمه يسوع قد مات، وبولس يزعم أنه حي.

فحرت عند جدالهم في هذه الأمور، فسألته أيريد الذهاب إلى أورشليم ليحاكم فيها على هذه الأمور،

ولكن بولس رفع دعواه طالبا أن يحفظ أمره لحكم جلالته. فأمرت أن يحفظ في السجن إلى أن أبعث به إلى قيصر)).

فقال أغريبا لفسطس: ((وددت لو أني سمعت أنا أيضا هذا الرجل )). قال: ((غدا تسمعه )).

وفي الغد، جاء أغريبا وبرنيقة في أبهة ظاهرة، فدخلا المحكمة يحيط بهما القواد ووجهاء المدينة، فأمر فسطس بإحضار بولس فأحضر.

فقال فسطس: ((أيها الملك أغريبا ويا جميع الحاضرين معنا، ترون هذا الرجل الذي سعت به عندي جماعة اليهود كلها في أورشليم وههنا وهم يصيحون: لا يجوز أن يبقى هذا الرجل حيا.

على أني تبينت أنه لم يفعل ما يستوجب به الموت، ولكنه رفع دعواه إلى جلالته، فعزمت أن أبعث به إليه،

وليس لدي شيء أكيد في شأنه فأكتب به إلى السيد، فأحضرته أمامكم وأمامك خصوصا، أيها الملك أغريبا، لأحصل بعد استجوابه على شيء أكتبه،

لأني أرى غير معقول أن أبعث بسجين من غير أن أبين ما عليه من تهم )).

فقال أغريبا لبولس: ((يؤذن لك أن تتكلم في شأنك )). فبسط بولس يده وشرع في دفاعه قال:

((أراني سعيدا، أيها الملك أغريبا، لأني سأدافع اليوم عن نفسي، في حضرتك، من كل ما يتهمني به اليهود،

خصوصا إنك تعرف كل ما لليهود من سنن ومجادلات. فأسألك أن تصغي إلي بطول أناة.

ما كانت عليه سيرتي منذ صباي الذي قضيته من أوله في أمتي وفي أورشليم، ذلك أمر يعلمه جميع اليهود،

فهم يعرفوني من زمن بعيد، لو شاؤوا أن يشهدوا، يعرفون أني اتبعت أكثر مذاهب ديانتنا تشددا، فعشت فريسيا.

وقد مثلت اليوم لأحاكم من أجل رجاء ما وعد الله به آباءنا،

والذي يرجو أسباطنا الاثنا عشر أن يبلغوا إليه بالمواظبة على عبادة الله ليل نهار. فبهذا الرجاء، أيها الملك، يتهمني اليهود.

فلماذا تحسبون أمرا لا يصدق أن يقيم الله الأموات؟

أما أنا فكنت أرى واجبا علي أن أقاوم اسم يسوع الناصري مقاومة شديدة.

وهذا ما فعلت في أورشليم، إذ تلقيت التفويض من عظماء الكهنة، فحبست بيدي في السجون عددا كثيرا من القديسين، وكنت موافقا لما اقترع على قتلهم.

وكثيرا ما عذبتهم متنقلا من مجمع إلى مجمع لأحملهم على التجديف. وبلغ مني السخط كل مبلغ حتى أخذت أطاردهم في المدن الغريبة.

فمضيت على هذه الحال إلى دمشق، ولي التفويض والتوكيل من عظماء الكهنة.

فرأيت أيها الملك على الطريق عند الظهر نورا من السماء يفوق الشمس بإشعاعه قد سطع حولي وحول رفقائي.

فسقطنا جميعا إلى الأرض، وسمعت صوتا يقول لي بالعبرية: شاول، شاول، لماذا تضطهدني؟ يصعب عليك أن ترفس المهماز.

فقلت: من أنت يا رب؟ قال الرب: أنا يسوع الذي أنت تضطهده.

فانهض وقم على قدميك. فإنما ظهرت لك لأجعل منك خادما وشاهدا لهذه الرؤيا التي رأيتني فيها، ولغيرها من الرؤى التي سأظهر لك فيها.

سأنقذك من الشعب ومن الوثنيين الذين أرسلك إليهم،

لتفتح عيونهم فيرجعوا من الظلام إلى النور، ومن سلطان الشيطان إلى الله، وينالوا بالإيمان بي غفران الخطايا ونصيبهم من الميراث في عداد المقدسين.

ومن ذاك الحين لم أعص الرؤيا السماوية، أيها الملك أغريبا،

بل أعلنت للذين في دمشق أولا، ثم لأهل أورشليم وبلاد اليهودية كلها، ثم للوثنيين، أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله، بالقيام بأعمال تدل على التوبة.

فلذلك قبض علي اليهود في الهيكل، وحاولوا قتلي،

وأنا بعون الله قد مثلت إلى اليوم شاهدا للصغير والكبير، ولا أقول إلا ما أنبأ الأنبياء وموسى بحدوثه

من أن المسيح سيتألم وأنه، وهو أول القائمين من بين الأموات، سيبشر الشعب والوثنيين بالنور)).

وبينما هو يدافع عن نفسه بهذا الكلام، قال فسطس بأعلى صوته: ((جننت يا بولس، فإن تبحرك في العلم ينتهي بك إلى الجنون )).

فقال بولس: ((لست بمجنون يا فسطس المكرم، ولكني أتكلم كلام الحق والعقل.

فالملك الذي أوجه إليه هذا الخطاب مطمئنا يعرف تلك الأمور ويقيني أنه لا تخفى عليه خافية منها، ذلك بأنها لم تحدث في بقعة منزوية.

أتؤمن بالأنبياء أيها الملك أغريبا؟ أنا أعلم أنك تؤمن بهم )).

فقال أغريبا لبولس: ((تريد أن تقنعني بأنك بوقت قليل جعلتني مسيحيا)).

قال بولس: ((إني أرجو من الله، ليس لك وحدك، بل لجميع الذين يسمعوني اليوم، أن يصيروا، بالقليل أو بالكثير، إلى ما أنا عليه، ما عدا هذه القيود)).

فقام الملك والحاكم وبرنيقة والجالسون معهم،

فقال بعضهم لبعض وهم منصرفون: ((إن هذا الرجل لا يفعل شيئا يستوجب به الموت أو الاعتقال )).

وقال أغريبا لفسطس: ((لو لم يرفع هذا الرجل دعواه إلى قيصر لأمكن إخلاء سبيله )) .

ولما قرر أن نبحر إلى إيطالية، سلم بولس وبعض السجناء الآخرين إلى قائد مائة اسمه يوليوس من كتيبة أوغسطس.

فركبنا سفينة من أدرمتين توشك أن تسير إلى شواطئ آسية وأبحرنا ومعنا أرسطرخس، وهو مقدوني من تسالونيقي.

فبلغنا صيدا في اليوم الثاني. وأظهر يوليوس عطفا إنسانيا على بولس، فأذن له أن يذهب إلى أصدقائه فيحظى بعنايتهم.

ولما أبحرنا من هناك سرنا محتمين بجزيرة قبرس لأن الرياح كانت مخالفة لنا.

ثم اجتزنا البحر تجاه قيليقية وبمفيلية حتى نزلنا ميرة من ليقية.

فوجد فيها قائد المائة سفينة من الإسكندرية ذاهبة إلى إيطالية، فأصعدنا إليها.

فسرنا سيرا بطيئا بضعة أيام ولم نصل تجاه قنيدس إلا بعد جهد. ولم تكن الريح مؤاتية لنا فسرنا محتمين بجزيرة كريت تجاه سلمونة.

فوصلنا، بعدما حاذينا بجهد مياه ساحلها، إلى مكان يقال له المرافئ الحسنة، وبالقرب منه مدينة لاسية.

ومضى زمن طويل حتى أصبح ركوب البحر خطرا، لأن الصوم قد انقضى، فأخذ بولس ينصحهم

قال: ((أيها الرجال، أرى أن في الإبحار ضررا وخسارة جسيمة، لا للحمولة والسفينة فقط، بل لأرواحنا أيضا)).

على أن قائد المائة كان يثق بالربان وصاحب السفينة أكثر منه بأقوال بولس.

ولم يكن المرفأ صالحا للشتو فيه، فرأى أكثرهم أن يبحروا منه عساهم أن يصلوا إلى فينكس، فيشتوا فيه، وهو مرفأ في كريت ينظر إلى الجنوب الغربي والشمال الغربي.

فهبت ريح جنوبية لينة، فظنوا أنهم ينالون بغيتهم فرفعوا المرساة وساروا على مقربة من شاطئ كريت.

وبعد وقت غير كثير، ثارت من أعلاها ريح عاصفة يقال لها أوراكيلون،

فاندفعت السفينة ولم تقو على مغالبة الريح، فاستسلمنا إليها نساق على غير هدى.

فمررنا مسرعين بالقرب من جزيرة صغيرة تدعى قودة، ولم نستطع حبس الزورق إلا بعد جهد.

فبعد أن رفعوه بادروا إلى اتخاذ وسائل الحيطة فشدوا وسط السفينة بالحبال، وأنزلوا الأشرعة مخافة أن تجنح السفينة إلى شاطئ سرطق، ومضوا تسوقهم الريح على هذه الحال.

وكانت العاصفة في اليوم الثاني تهزنا هزا شديدا، فجعلوا يلقون الحمولة.

وفي اليوم الثالث أخذوا بأيديهم صواري السفينة فألقوها في البحر.

وما ظهرت الشمس ولا النجوم من عدة أيام، والعاصفة لم تزل على شدتها. فكان يذهب كل أمل في نجاتنا.

وكانوا قد أمسكوا عن الطعام مدة طويلة، فوقف بولس بينهم وقال لهم: ((أيها الرجال، كان يجب أن تسمعوا لي فلا تغادروا كريت، فتأمنوا من هذا الضرر وهذه الخسارة.

على أني أدعوكم الآن إلى الآطمئنان، فلن يفقد أحد منكم حياته، إلا أن السفينة وحدها تفقد.

فقد حضرني في هذه الليلة ملاك من عند الله الذي أنا له وإياه أعبد،

وقال لي: لا تخف يا بولس، يجب عليك أن تمثل أمام قيصر، وقد وهب الله لك جميع المسافرين معك.

فاطمئنوا، أيها الرجال، إني واثق بالله، فستجري الأمور كما قيل لي.

ولكن يجب أن تجنح بنا السفينة إلى إحدى الجزر)).

وكنا في الليلة الرابعة عشرة نساق في البحر الأدرياتي، فأحس البحارة عند منتصف الليل أن أرضا تقترب منهم.

فسبروا الغور بالمسبار فإذا هو عشرون باعا، ثم ساروا قليلا وسبروه ثانية فإذا هو خمسة عشر باعا.

فخافوا أن تجنح بنا السفينة إلى أماكن صخرية، فألقوا أربع مراس في مؤخرها وباتوا يرجون طلوع الصباح.

على أن البحارة حاولوا الهرب من السفينة، فأخذوا يدلون الزورق في الماء زاعمين أنهم يريدون إلقاء المراسي في مقدم السفينة.

فقال بولس لقائد المائة وجنوده: ((إذا لم يبق هؤلاء في السفينة، فأنتم لا تستطيعون النجاة)).

فقطع الجنود حبال الزورق وتركوه يسقط في الماء.

فجعل بولس، إلى أن يطلع الصباح، يحثهم جميعا على تناول شيء من الطعام قال: ((هوذا اليوم الرابع عشر الذي تقضونه وأنتم صائمون لم تذوقوا شيئا.

فأحثكم على تناول الطعام، لأن فيه خلاصكم، فلا يفقد أحد منكم شعرة من رأسه )).

قال هذا ثم أخذ رغيفا وشكر الله بمرأى منهم أجمعين، ثم كسره وجعل يأكل،

فاطمأنوا كلهم وتناولوا الطعام هم أيضا.

وكان عددنا في السفينة مائتين وستا وسبعين نفسا.

فلما شبعوا أخذوا يخففون من أثقال السفينة، فطرحوا القمح في البحر.

ولما طلع الصباح، لم يعرف البحارة الأرض، ولكنهم تبينوا خليجا صغيرا له شاطئ فأزمعوا أن يدفعوا السفينة إليه إذا استطاعوا.

فحلوا المراسي وخلوها في البحر، وأرخوا في الوقت نفسه رباط السكان، ثم رفعوا الشراع الصغير للريح وقصدوا الشاطئ.

فوقعوا على شط رملي، فجنحوا بالسفينة إليه فنشب فيه مقدمها، وبقي لا يتحرك، في حين أن مؤخرها تفكك من شدة الموج.

فعزم الجنود على قتل السجناء مخافة أن يهرب أحد منهم سبحا.

ولكن قائد المائة كان يرغب في إنقاذ بولس، فحال دون بغيتهم، وأمر الذين يحسنون السباحة أن يلقوا بأنفسهم قبل غيرهم في الماء ويخرجوا إلى البر.

وأمر الآخرين أن يخرجوا إلى البر، إما على الألواح، وإما على أنقاض السفينة، وهكذا وصلوا جميعا إلى البر سالمين.

وبعد ما نجونا عرفنا أن الجزيرة تدعى مالطة.

وقابلنا الأهلون بعطف إنساني قل نظيره فأوقدوا نارا وقربونا جميعا إليهم حولها لنزول المطر وشدة البرد.

وبينما بولس يجمع شيئا من الحطب ويلقيه في النار، خرجت أفعى دفعتها الحرارة، فتعلقت بيده،

فلما رأى الأهلون الحيوان عالقا بيده، قال بعضهم لبعض: ((لاشك أن هذا الرجل قاتل. لقد نجا من البحر، ولكن العدل الإلهي لم يدعه يعيش )).

أما بولس فنفض الحيوان في النار، ولم يعان أذى.

وكانوا ينتظرون أن يتورم أو يقع فجأة ميتا، فلما طال انتظارهم ورأوا أنه لم يصب بسوء، بدلوا رأيهم فيه، وأخذوا يقولون: (( هذا إله )).

وكان بجوار ذاك المكان مزرعة لحاكم الجزيرة ببليوس، فرحب بنا وأضافنا ضيافة الصديق مدة ثلاثة أيام.

وكان أبو ببليوس يلزم الفراش مصابا بالحمى والزحار، فدخل إليه بولس وصلى واضعا يديه عليه فعافاه.

وما إن حدث ذلك حتى أخذ سائر المرضى في الجزيرة يأتونه فينالون الشفاء.

فأكرمونا إكراما كثيرا ، وزودونا عند إبحارنا بما نحتاج إليه.

وأبحرنا بعد ثلاثة أشهر على سفينة كانت شاتية في الجزيرة، وهي سفينة من الإسكندرية، عليها صورة التوأمين.

فلما نزلنا في سرقوصة أقمنا فيها ثلاثة أيام.

ومن هناك سرنا على مقربة من الشاطئ حتى بلغنا راجيون. فهبت في اليوم الثاني ريح جنوبية، ووصلنا بعد يومين إلى بوطيول،

فلقينا فيها بعض الإخوة. فسألونا أن نقيم عندهم سبعة أيام. وهكذا ذهبنا إلى رومة.

وعلم الإخوة فيها بأمرنا. فجاؤوا إلى لقائنا في ساحة أبيوس والحوانيت الثلاثة، فلما رآهم بولس شكر الله وتشددت عزيمته.

ولما دخلنا روما، أذن لبولس أن يقيم في منزل خاص به مع الجندي الذي يحرسه.

وبعد ثلاثة أيام، دعا إليه أعيان اليهود. فلما اجتمعوا قال لهم: ((أيها الإخوة، إني لم أفعل ما يسيء إلى الشعب ولا إلى سنن آبائنا. ومع ذلك فإني سجين منذ كنت في أورشليم وقد أسلمت إلى أيدي الرومانيين.

فحققوا معي، وأرادوا إخلاء سبيلي لأنه لم يكن هناك من سبب أستوجب به الموت.

غير أن اليهود اعترضوا فاضطررت أن أرفع دعواي إلى قيصر، لا كأن لي شكوى على أمتي.

لذلك السبب، طلبت أن أراكم وأكلمكم، فأنا من أجل رجاء إسرائيل موثق بهذه السلسلة)).

فقالوا له: ((نحن ما تلقينا كتابا في شأنك من اليهودية، ولا قدم علينا أحد من الإخوة فأبلغنا أو قال لنا عليك سوءا.

على أننا نود لو نسمع منك رأيك، فعن هذه الشيعة نحن نعلم أنها تقاوم في كل مكان )).

ثم جعلوا له يوما جاؤوا فيه إلى منزله وهم أكثر عددا. فأخذ يعرض لهم الأمور فيشهد لملكوت الله ويحاول أن يقنعهم بشأن يسوع معتمدا على شريعة موسى وكتب الأنبياء. فبقي على ذلك من الصباح إلى المساء.

فمنهم من اقتنع بكلامه، ومنهم من لم يؤمن.

وبينما هم منصرفون كانوا على اختلاف فيما بينهم، فقال بولس كلمة واحدة: ((أحسن الروح القدس في قوله لآبائكم بلسان النبي أشعيا:

((إذهب إلى هذا الشعب فقل له: تسمعون سماعا ولا تفهمون وتنظرون نظرا ولا تبصرون.

فقد غلظ قلب هذا الشعب وأصموا آذانهم وأغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا. أفأشفيهم؟ )).

فاعلموا إذا أن خلاص الله هذا أرسل إلى الوثنيين وهم سيستمعون إليه )).

ومكث سنتين كاملتين في منزل خاص استأجره، يستقبل جميع الذين كانوا يأتونه،

ويعلن ملكوت الله ويعلم بكل جرأة ما يختص بالرب يسوع المسيح، لا يمنعه أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *