سفر استير

سفر استير

كان في أيام أحشورش، وهو أحشورش الذي ملك من الهند إلى الحبشة على مئة وسبعة وعشرين إقليما،

كان أن الملك أحشورش، لما جلس في تلك الأيام على عرش ملكه الذي في قلعة شوشن،

في السنة الثالثة لملكه، أقام مأدبة في حضرته لجميع رؤوسائه وحاشيته وقواد جيش فارس وميديا والاشراف ورؤساء الأقاليم،

ليظهر غنى مملكته المجيدة وبهاء عظمته الرائعة، ودامت المأدبة أياما كثيرة: مئة وثمانين يوما.

ولما آنقضت تلك الأيام، أقام الملك مأدبة لكل الشعب الذي في قلعة شوشن، من كبيرهم إلى صغيرهم، دامت سبعة أيام، وكان ذلك في دار حديقة قصر الملك،

حيث كانت ستائر بيضاء ومن أرجوان بنفسجي معلقة بحبال كتان ناعم وأرجوان بحلقات فضة وأعمدة رخام أبيض، وأسرة من ذهب وفضة على بلاط من سماقي ورخام أبيض ودر ورخام أسود.

وكان يسقى بآنية من ذهب، والآنية مختلفة الأشكال، وخمر الملك يصب بكثرة على حسب كرمه.

وكان الشراب، بحسب أمر الملك، لا يجبر عليه أحد، لأنه هكذا رسم الملك لجميع وكلاء بيته أن يفعلوا، بحسب رضى كل واحد.

وأقامت وشتي الملكة أيضا مأدبة للنساء في دار الملك التي للملك أحشورش.

وفي اليوم السابع، لما طاب قلب الملك بالخمر، أمر مهومان وبزتا وحربوتا وبجتا وأبجتا وزاتر وكركس، وهم الخصيان السبعة الذين كانوا يخدمون أمام أحشورش الملك،

بأن يأتوا بوشتي الملكة إلى أمام الملك بتاج الملك، ليري الشعوب والرؤساء جمالها، لأنها كانت حسنة المنظر.

فأبت وشتي الملكة أن تجيء بأمر الملك الذي نقل إليها على لسان خصيانه. فغضب الملك جدا وآضطرم غضبه فيه.

فقال الملك للحكماء العارفين بالأوقات- لأنه هكذا كان دأب الملك مع جميع العارفين بالسنة والشرع.

وكان المقربون إليه كرشنا وشيتار وأدماتا وترشيش ومارس ومرسنا ومموكان، سبعة رؤساء فارس وميديا الذين يرون وجه الملك ويجلسون أولا في الملك-

قال لهم: (( ماذا نفعل بالملكة وشتي بحسب السنة، لأنها لم تعمل بما أمر به الملك أحشورش على لسان الخصيان؟ ))

فقال مموكان بحضرة الملك والرؤساء: (( إن وشتي الملكة لم تسئ إلى الملك فقط، بل إلى جميع الرؤساء وإلى جميع الشعوب التي في جميع أقاليم الملك أحشورش،

لأن خبر الملكة سينتهي إلى جميع النساء، فيحتقر أزواجهن في عيويهن، إذ يقلن إن الملك أحشورش أمر بإحضار وشتي الملكة إلى أمامه، فلم تأت.

ومن هذا اليوم تحدث سيدات فارس وميديا اللواتي سمعن بخبر الملكة جميع رؤساء الملك، فيكون هناك الآحتقار والسخط.

فإن حسن عند الملك، فليصدر أمر من لدنه وليدون في سنن فارس وميديا، فلا ينقض: أن لا تدخل وشني إلى أمام الملك أحشورش، وليعط الملك ملكها لمن هي خير منها من صواحبها،

فيعرف أمر الملك الذي يجريه في مملكته كلها وهي عظيمة، فتودي جميع النساء الإكرام لأزواجهن من الكبير إلى الصغير)).

فحسن الكلام في أعين الملك والرؤساء، وفعل الملك بحسب كلام مموكان.

فبعث برسائل إلى جميع أقاليم الملك، إلى إقليم فإقليم بكتابته، وإلى شعب فشعب بلسانهم: أن يكون كل رجل سيدا في بيته وأن يتكلم بلسان شعبه.

وبعد هذه الأحداث، عندما سكن غضب الملك أحشورش، تذكر وشتي وما فعلت وما حكم به عليها.

وقال خدم الملك الذين يخدمونه: (( ليبحث للملك عن فتيات أبكار حسان المنظر،

وليقم الملك وكلاء في جميع أقاليم مملكته، ليجمعوا جميع الأبكار الحسان المنظر الى قلعة شوشن، إلى دار النساء، تحت يد هيجاي، خصي الملك، حارس النساء، وليعطين لوازم التجميل.

والفتاة التي تحسن في عيني الملك، فلتملك مكان وشتي )). فحسن الكلام في عيني الملك، وفعل كذلك.

وكان في قلعة شوشن رجل يهودي آسمه مردكاي بن يائير بن شمعي بن قيش، رجل بنياميني

كان قد جلي من أورشليم، مع أهل الجلاء الذين جلوا مع يكنيا، ملك يهوذا، الذي جلاه نبوكدنصر، ملك بابل.

وكان مربيا لهدسة التي هي أستير آبنة عمه، إذ لم يكن لها أب ولا أم، والفتاة جميلة الشكل حسنة المنظر. فلما مات أبوها وأمها، اتخذها مردكاي ابنة له.

فلما سمع بأمر الملك وحكمه، وجمعت فتيات كثيرات إلى قلعة شوشن، تحت يد هيجاي، أخذ بأستير إلى بيت الملك، تحت يد هيجاي، حارس النساء.

فحسنت الفتاة في عينيه ونالت حظوة أمامه، فعجل لوازم تجميلها وإعالتها وجعل لها الوصيفات السبع المختارات من بيت الملك، ونقلها هي ووصيفاتها إلى أحسن محل في دار النساء.

ولم تخبر أستير بشعبها وأصلها، لأن مردكاي أوصاها بأن لا تخبر بذلك.

وكان مردكاي يتمشى كل يوم أمام فناء دار النساء، ليستعلم عن سلامة أستير وما يحدث لها.

وكان لكل فتاة دور للدخول على الملك أحشورش، وذلك بعد مضي آثني عشر شهرا عليها بحسب سنة النساء، لأنها هكذا كانت تتم أيام تجميلهن: ستة أشهر بزيت المر وستة أشهر بأطياب وعطور تجميل النساء.

وهكذا كانت تدخل الفتاة على الملك، ومهما طلبت يعطى لها، فتدخل به من دار النساء إلى دار الملك.

كانت تذهب في المساء وترجع في الصباح إلى دار النساء الثانية، تحت يد شعشجاز، خصي الملك، حارس السراري، ثم لا تعود تدخل على الملك إلا عند رغبة الملك، فتدعى بآسمها.

فلما جاء دور أستير، بنت أبيجائيل، عم مردكاي الذي كان قد آتخذها آبنة له، أن تدخل على الملك، لم تطلب شيئا إلا ما قاله هيجاي، خصي الملك، حارس النساء، فإنها كانت تبهج عيني كل من رآها.

فأخذ بأستير إلى الملك أحشورش، في دار ملكه، في الشهر العاشر الذي هو شهر طيبيت، في السنة السابعة من ملكه.

فأحب الملك أستير على جميع النساء ونالت حظوة ورحمة في عينيه أكثر من جميع الأبكار، فوضع تاج الملك على رأسها وجعلها ملكة مكان وشتي.

ثم أقام الملك وليمة عظيمة لجميع رؤسائه وحاشيته، وليمة أستير، وخفف عن جميع الأقاليم، وأعطى عطايا بحسب كرم الملك.

ولما نقلت أستير إلى دار النساء الثانية كسائر الفتيات،

لم تخبر بأصلها وشعبها، كما أوصاها به مردكاي، لأن أستير كانت تعمل بأمر مردكاي، كما كانت في وقت تربيته لها.

وفي تلك الأيام، بينما كان مردكاي جالسا بباب الملك، اضطرم غيظ بجتان وتارش، خصيي الملك، وهما آثنان من حراس الأعتاب، وقصدا أن يلقيا أيديهما على الملك أحشورش.

فعلم مردكاي بالأمر وأخبر أستير الملكة فأخبرت أستير الملك بآسم مردكاي.

فحقق في الأمر فوجد كذلك، فعلقا كلاهما على خشبة، ودون ذلك في سفر أخبار الأيام، في حضرة الملك.

وبعد هذه الأحداث، عظم الملك أحشورش هامان بن همداتا الأجاجى، ورقاه وأجلسه فوق جميع الرؤساء الذين عنده.

وكان جميع خدم الملك الذين بباب الملك يجثون ويسجدون لهامان، لأنه هكذا أمر الملك. أما مردكاي فلم يكن يجثو ولا يسجد.

فقال لمردكاي خدم الملك الذين بباب الملك: (( لماذا تتعدى أمر الملك؟ )).

وكانوا يقولون له ذلك يوما فيوما ولا يسمع لهم فأخبروا، هامان ليروا هل يثبت مردكاي على قوله، لأنه كان قد أخبرهم بأنه يهودي.

فلما رأى هامان أن مردكاي لم يجث ولم يسجد له، امتلأ غضبا.

وصغر في عينيه أن يلقي يده على مردكاي وحده، لأنه كان قد أخبر بشعب مردكاي، فقصد هامان أن يبيد جميع اليهود، شعب مردكاي، الذين في كل مملكة أحشورش.

وفي الشهر الأول الذي هو شهر نيسان، في السنة الثانية عشرة للملك أحشورش، ألقوا (( فورا ))، أي قرعة، أمام هامان، ليوم فيوم وشهر فشهر، إلى الشهر الثانى عشر الذي هو شهر آذار.

فقال هامان للملك أحشورش: (( يوجد شعب منتشر فريد بين الشعوب في جميع أقاليم مملكتك، سننهم تخالف سنن جميع الشعوب، ولا يحفظون سنن الملك، فلا يوافق الملك أن يتركهم وشأنهم.

فإن حسن عند الملك، فليكتب أمر بإهلاكهم. وأنا أزن عشرة آلاف قنطار من الفضة لمن يتولون العمل، فتحمل إلى خزائن الملك )).

فنزع الملك خاتمه من يده ودفعه إلى هامان بن همداتا الأجاجي، مضطهد اليهود.

وقال الملك لهامان: (( الفضة لك والشعب أيضا، تفعل بهم كما يحسن عندك )).

فآستدعي كتاب الملك في اليوم الثالث عشر من الشهر الأول، وكتب بحسب كل ما أمر به هامان إلى أقطاب الملك وإلى الولاة الذين على إقليم فإقليم، وإلى رؤساء شعب فشعب، إقليم فإقليم، بحسب كتابته، وشعب فشعب، بحسب لسانهم، كتب بآسم الملك أحشورش وختم بخاتم الملك.

وبعث بالرسائل مع السعاة إلى جميع أقاليم الملك في إبادة جميع اليهود وقتلهم وإهلاكهم، من الصبي إلى الشيخ، مع الأطفال والنساء، في يوم واحد، في الثالث عشر من الشهر الثاني عشر، الذي هو شهر آذار، وفي سلب أموالهم. هذه نسخة من الرسالة: (( من أحشورش الملك العظيم إلى حكام الأقاليم المائة والسبعة والعشرين من الهند الى الحبشة وإلى رؤساء المناطق الخاضعين لهم، مايلي: لقد بسطت سلطاني على أمم كثيرة، وأخضعت المعمور بأسره، فأردت مع ذلك ألا تأخذني نشوة الاعتزاز بالسلطة، بل أن أحكم دائما بما ينبغي من الاعتدال والحلم وأحافظ في كل حين على حياة رعاياي بعيدة عن الاضطراب وأجعل المملكة متمدنة وسالكة حتى الحدود وأعيد السلام الذي يصبو إليه جميع الناس. فسألت أصحاب مشورتي كيف الوصول إلى تلك الغاية، فكان أن الذي آمتاز بيننا بالحكمة وبإخلاص لا يتزعزع وأمانة ثابتة والذي نال رتبة الرجل الثاني في المملكة، وهو هامان، قد أرانا أن هناك شعبا سيئ النية، مختلطا بجميع القبائل المنتشرة في المعمور، يخالف بسننه جميع الأمم ويحتقر دائما أوامر الملوك، لكيلا يستتب الحكم العام الذي نتولاه باستقامة وبلا لوم. فلما أدركنا أن هذه الأمة تنفرد بمقاومتها الدائمة لكل إنسان وباتباعها سننا غريبة وترتكب أسوأ الشرور بمعاداتها لشؤوننا، وذلك لكيلا يكتب آلاستقرار للمملكة. وعليه فقد أمرنا أن الذين ورد ذكرهم في رسائل هامان المولى على الشؤون وأبينا الثاني، يبادون عن بكرة أبيهم، بما فيهم النساء والأولاد، بسيوف أعدائهم من غير أية رحمة ولا مراعاة، في اليوم الرابع عشر من الشهر الثاني عشر، شهر آذار، من هذه السنة، حتى إذا ألقي بعنف إلى الجحيم في بوم واحد أولئك المقاومون في الأمس وفي اليوم، توفر لنا للزمن المقبل شؤون ثابتة وبعيدة عن الاضطراب حتى النهاية )).

وارسلت نسخة من هذه الرسالة لتصبح سنة في كل إقليم، ونشرت في جميع الشعوب، حتى تكون متأهبة لذلك اليوم.

فخرج السعاة مسرعين بحسب أمر الملك، وأصدر الحكم في قلعة شوشن، وجلس الملك وهامان للشراب. فأما مدينة شوشن فاضطربت.

فلما علم مردكاي بكل ما حدث، مزق ثيابه وألقى عليه مسحا ورمادا، وخرج فى وسط المدينة، وصرخ صراخا عظيما مرا.

وجاء إلى أمام باب الملك، إذ لا يدخل أحد باب الملك وهو لابس المسح.

وكان في كل إقليم، حيث ورد أمر الملك وحكمه، حزن عظيم عند اليهود، وصوم وبكاء وعويل، وآستلقى كثيرون على الرماد والمسح.

فجاءت وصيفات أستير وخصيانها وأخبروها. فآغتمت الملكة جدا، وبعثت بكسوة ليلبسها مردكاي وينزع عنه مسحه، فأبى.

فآستدعت أستير هتاك، أحد خصيان الملك الذي كان أقامه أمامها، وأرسلته الى مردكاي، لتعلم ما كان ولأي سبب.

فخرج هتاك الى مردكاي، الى ساحة المدينة التي أمام باب الملك.

فأخبره مردكاي بكل ما جرى له وبمقدار الفضة الذي وعد هامان بوزنه لخزائن الملك لإبادة اليهود.

وأعطاه نسخة رسالة الحكم المصدر في شوشن في إهلاك اليهود، ليريها لأستير ويخبرها ويوصيها بأن تدخل على الملك، لتتضرع إليه وتتوسل بين يديه من أجل شعبها. أذكري أيام، ضعتك، كيف أطعمتك بيدي. فإن هامان، وهو الرجل الثاني، أشار على الملك بقتلنا. فآدعي إلى الرب، وفاتحي الملك في أمرنا وأنقذينا من الموت )).

فجاء هتاك وأخبر أستير بكلام مردكاي.

وتكلمت أستير مع هتاك، وأوصته أن يقول لمردكاي:

(( إن جميع خدم الملك وشعوب أقاليم الملك يعلمون أنه أي رجل أو أمراة دخل على الملك الى الدار الداخلية من غير أن يدعى، فالسنة فيه واحدة، وهي أن يقتل، إلا من مد له الملك صولجان الذهب فيحيا. وأنا لم أدع للدخول على الملك منذ ثلاثين يوما )).

فبلغ مردكاي كلام أستير.

فقال مردكاي ليجيب أستير: (( لا تخالي في نفسك أنك تنجين في بيت الملك دون جميع اليهود،

لأنه إن لم تزالي على السكوت في هذا الوقت، فسيكون فرج وخلاص لليهود من مكان آخر، وأنت وبيت أبيك تهلكون. ومن يدري لعلك لمثل هذا الوقت وصلت إلى الملك )).

فقالت أستير مجيبة مردكاي:

(( إذهب وآجمع كل اليهود الذين في شوشن، وصوموا لأجلي، ولا تأكلوا ولا تشربوا ثلاثة أيام ليلا ونهارا، وأنا ووصيفاتي نصوم كذلك. ثم أدخل على الملك على خلاف السنة. فإن هلكت فقد هلكت )).

فمضى مردكاي وفعل كل ما أمرته به أستير.

وكان في اليوم الثالث أنها، لما كفت عن الصلاة، نزعت ثياب العبادة وتسربلت بمجدها. ولما سطعت جمالا ودعت إلى الله الذي يرى كل شيء ويخلص، أخذت الوصيفتين فكانت تستند إلى إحداهما كأنها مسترخية، وأما الأخرى فكانت تتبع رافعة لها أذيالها، وكانت محمرة في أوج جمالها، مبتسمة الوجه كالعاشقة,. ولكن قلبها كان منقبضا من الخوف. فآجتازت جميع الأبواب. ثم وقفت أمام الملك، وكان جالسا على عرش ملكه، مرتديا كل زينة ظهوره، كله ذهب وجواهر، وكان شديد الرهبة. فرفع وجهه المتلألئ مجدا وألقى نظرة وهو في أشد غضبه.فآنهارت الملكة وتغير لونها من الضعف وأسندت رأسها إلى رأس الوصيفة التي كانت تتقدمها. فحول الله روح الملك إلى اللين، فقلقت نفسه ووثب عن عرشه وضمها بذراعيه حتى عادت إلى نفسها. وكان يشدد عزيمتها بكلمات مطمئنة فيقول لها: (( ما بك يا أستير؟ أنا أخوك، أنعمي بالا، لن تموتي، فإنما أمرنا يسري على عامة الناس. اقتربي )).

فرفع صولجان الذهب وجعله على عنقها، ثم قبلها وقال: (( كلميني )). فقالت (( رأيتك، يا سيدي، كأنك ملاك من ملائكة الله، فآضطرب قلبي هيبة من مجدك. لأنك عجيب، يا سيدى، ووجهك كله روعة )). وفيما هي تتكلم، انهارت من ضعفها، فاضطرب الملك وكان جميع حاشيته يحاولون أن يشددوا عزيمتها.

فقال لها الملك: (( ما بك يا أستير الملكة وما بغيتك؟ ولوكانت نصف المملكة، فإنها تعطى لك )).

فأجابت أستير: (( إن حسن عند الملك، فليأت الملك وهامان هذا اليوم الى المأدبة التي أعددتها له )).

فقال الملك: (( إستعجلوا هامان ليفعل كما قالت أستير )). ثم جاء الملك وهامان إلى المأدبة التي أقامتها أستير.

فقال الملك لأستير أثناء المأدبة: (( ما بغيتك فتعطى لك، وما طلبك؟ ولو كان نصف المملكة فيقضى )).

فأجابت أستير وقالت: (( هذه بغيتي وطلبي…

إن نلت حظوة في عيني الملك، وإن حسن عند الملك أن يلبي بغيتي ويقضي طلبي، فليأت الملك وهامان الى المأدبة التي أقيمها لهما غدا، فأعمل أنا بحسب أمر الملك )).

فخرج هامان ذلك اليوم فرحا مسرور القلب. ولما رأى هامان مردكاي بباب الملك وأنه لم يقم له ولم يتحرك، امتلأ هامان غيظا على مردكاي.

إلا أن هامان ضبط نفسه وجاء الى بيته وأرسل فأحضر أصدقاءه وزوجته زارش.

وحدثهم هامان ببهجة ثروته وكثرة بنيه وكل ما عظمه به الملك، وكيف رفعه على الرؤساء وحاشية الملك.

وأضاف هامان: (( وفوق ذلك فإن أستير الملكة لم تدخل أحدا سواي مع الملك إلى المأدبة التي أقامها، وإني غدا مدعو أيضا إليها مع الملك.

إلا أن هذا كله كلا شيء عندي، ما دمت أرى مردكاي اليهودي جالسا بباب الملك )).

فقالت له زارش زوجته وجميع أصدقائه: (( لتصنع خشبة آرتفاعها خمسون ذراعا، وغدا كلم الملك فيعلق عليها مردكاي، ثم آدخل مع الملك إلى المأدبة فرحا )). فحسن القول عند هامان، وصنع الخشبة.

وفي تلك الليلة، أرق الملك، فأمر أن يؤتى بسفر الذكريات، أي بأخبار الأيام، وقرئ أمام الملك.

فوجد مكتوبا أن مردكاي كان قد أخبر عن بجتانا وتارش، خصيي الملك، من حراس الأعتاب، اللذين قصدا أن يلقيا أيديهما على الملك أحشورش.

فقال الملك: (( ماذا صنع من الإكرام والتعظيم لمردكاي لأجل هذا؟ )) فقال خدم الملك الذين يخدمونه: (( لم يصنع له شيء )).

فقال الملك: (( من في الدار؟ )) وكان هامان قد جاء إلى دار بيت الملك الخارجية، ليكلم الملك في تعليق مردكاي على الخشبة التي أعدها له.

فقال للملك خدمه: (( هوذا هامان واقف في الدار )). فقال الملك: (( ليدخل )).

فدخل هامان، فقال له الملك: (( ماذا يصنع للرجل الذي يرغب الملك أن يكرمه؟ )) فقال هامان في نفسه: (( من يرغب الملك أن يكرمه أكثر مني؟ ))

فقال هامان للملك: (( الرجل الذي يرغب الملك أن يكرمه،

يأتونه بثياب الملك التي يلبسها الملك، وبالفرس الذي يركبه الملك، ويوضع تاج الملك على رأسه،

وتسلم الثياب والفرس إلى يد رجل من رؤساء الملك، من الأشراف، فيلبس الرجل الذي يرغب الملك أن يكرمه، ويركب على الفرس في ساحة المدينة، وينادى أمامه: هكذا يصنع للرجل الذي يرغب الملك أن يكرمه )).

فقال الملك لهامان: (( أسرع وخذ الثياب والفرس، كما قلت، وآصنع هكذا لمردكاي اليهودي الجالس بباب الملك، ولا تهمل كلمة من كل ما قلته )).

فأخذ هامان الثياب والفرس، وألبس مركاي، وأركبه الفرس في ساحة المدينة، ونادى أمامه: (( هكذا يصنع للرجل الذي يرغب الملك أن يكرمه )).

ورجع مردكاي إلى باب الملك، وأسرع هامان إلى بيته حزينا مغطى الرأس.

وأخبر هامان زارش زوجته وجميع أصدقائه بكل ما جرى له. فقال له مستشاروه وزارش زوجته: (( إن كان مردكاي الذي أخذت تسقط أمامه هو من نسل اليهود، فلا تقوى عليه، بل أنت تسقط أمامه )).

وفيماهم يتكلمون معه، جاء خصيان الملك، وأسرعوا في الذهاب بهامان إلى المأدبة التي أعدتها أستير.

فجاء الملك وهامان إلى المأدبة مع أستير الملكة.

فقال الملك لأستير أيضا في اليوم التالي أثناء المأدبة: (( ما بغيتك، يا أستير الملكة فتعطى لك وما طلبك؟ ولو كان نصف المملكة فيقضى )).

فأجابت أستير الملكة وقالت: (( إن نلت حظوة في عينيك، أيها الملك، وإن حسن عند الملك، فلتهب لي حياتي، هذه هي بغيتي، وحياة شعبي، هذا هو طلبي،

لأننا مبيعون أنا وشعبي للإبادة والقتل والهلاك. ولو كنا مبيعين عبيدا وإماء، لكنت سكت. إلا أن مضطهدنا لا يعوض الضرر اللاحق بالملك )).

فأجاب الملك أحشورش وقال لأستير الملكة: (( من هو وأين ذاك الذي آرتأى في قلبه أن يفعل هكذا؟ ))

فقالت أستير: (( الرجل المضطهد العدو هو هامان هذا الشرير )). فآرتعد هامان أمام الملك والملكة.

وقام الملك مغضبا عن المأدبة إلى حديقة القصر. فبقي هامان ليتوسل عن نفسه إلى أستير الملكة، لأنه رأى أن الشر قد تم عليه من قبل الملك.

ثم رجع الملك من حديقة القصر إلى بيت المأدبة، وكان هامان قد انهار على السرير الذي عليه أستير. فقال الملك: (( أيغتصب الملكة أيضا عندي في البيت؟ )) وما إن خرجت هذه الكلمة من فم الملك، حتى غطوا وجه هامان.

فقال حربونة، أحد الخصيان، أمام الملك: (( ها إن الخشبة التي صنعها هامان لمردكاي، الذي تكلم لخير الملك، منصوبة في بيت هامان، ارتفاعها خمسون ذراعا )). فقال الملك: (( علقوه عليها )).

فعلقوا هامان على الخشبة التي أعدها لمردكاي. وسكن غضب الملك.

في ذلك اليوم أعطى أحشورش الملك أستير الملكة بيت هامان، مضطهد اليهود. وجاء مردكاي إلى أمام الملك، لأن أستير أخبرته بقرابته لها.

فنزع الملك خاتمه الذي كان نزعه من هامان وأعطاه لمردكاي وأقامت أستير مردكاي على بيت هامان.

وعادت أستير فتكلمت أمام الملك، وآرتمت عند قدميه وبكت وتضرعت إليه في إزالة الشر الذي أعده هامان الأجاجي والتدبير الذي دبره على اليهود.

فمد الملك صولجان الذهب نحو أستير، فقامت أستير ووقفت أمام الملك،

وقالت: (( إن حسن عند الملك وإن نلت حظوة في عينيه وآستقام الأمر لدى الملك، وكرمت في عينيه، فليكتب بأن يرجع عن الرسائل الخاصة بتدبير هامان بن همداتا الأجاجي التي كتبها في إهلاك اليهود الذين في جميع أقاليم الملك.

فإني كيف أقدر أن أرى الشر الذي ينال شعبي، وكيف أقدر أن أرى هلاك بني قومي؟ )).

فقال الملك أحشورش لأستير الملكة ولمردكاي اليهودي: (( هاءنذا قد أعطيت أستير بيت هامان. وأما هو فقد علقوه على الخشبة، لأنه مد يده على اليهود.

فآكتبا أنتما في أمر اليهود كما يحسن في أعينكا بآسم الملك، وآختما بخاتم الملك، لأن الكتابة المكتوبة باسم الملك والمختومة بآسم الملك لا رجوع عنها)).

فآستدعي كتاب الملك في ذلك الوقت، في الشهر الثالث الذي هو شهر سيوان، في الثالث والعشرين منه، وكتب كل ما أمر به مردكاي إلى اليهود وإلى الأقطاب والولاة ورؤساء الأقاليم، من الهند إلى الحبشة، إلى المئة والسبعة والعشرين إقليما، إلى إقليم فإقليم بكتابته، وإلى شعب فشعب بلسانهم، وإلى اليهود بكتابتهم ولسانهم.

فكتب بآسم أحشورش الملك، وختم بخاتم الملك، ووجهت الرسائل مع السعاة على الخيل، الراكبين على جياد الملك، صغار الفحول.

وفيها أنعم الملك على اليهود الذين في كل مدينة بأن يجتمعوا ويدافعوا عن أنفسهم ويبيدوا ويقتلوا ويهلكوا قوة كل شعب وإقليم ممن يضايقونهم، حتى الأطفال والنساء، ويسلبوا أموالهم،

في يوم واحد، في جميع أقاليم الملك أحشورش، في الثالث عشر من الشهر الثاني عشر الذي هو شهر آذار.

وأرسلت نسخة من هذه الرسالة لتصبح سنة في كل إقليم، ونشرت في جميع الشعوب، حتى يكون اليهود متأهبين لذلك اليوم، فينتقموا من أعدائهم.

فخرج السعاة الراكبون على جياد الملك مسرعين معجلين بأمر الملك، ونشر الحكم في قلعة شوشن.

وخرج مردكاي من حضرة الملك بثوب الملك البنفسجي الأرجوان والأبيض، وبتاج كبير من ذهب، وثياب كتان ناعم وأرجوان، وفرحت مدينة شوشن وآبتهجت.

وكان لليهود نور وفرح وسرور وإكرام.

وفي كل إقليم فإقليم،،وكل مدينة فمدينة، حيث ورد أمر الملك وحكمه، كان لليهود فرح وسرور ومأدبة ويوم هناء، وصار كثير من شعوب تلك الأرض يهودا، لأن خوف اليهود وقع عليهم.

في الشهر الثاني عشر، الذي هو شهر آذار، في اليوم الثالث عشر من الشهر، في اليوم الذي آن فيه تنفيذ أمر الملك وحكمه، في اليوم الذي كان فيه أعداء اليهود يرجون التسلط عليهم، انقلب الوضع، فكان لليهود التسلط على مبغضيهم.

إجتمع اليهود في مدنهم، في جميع أقاليم أحشورش الملك، لكي يلقوا أيديهم على جميع طالبي الإساءة إليهم، فلم يقف أحد في وجوههم، لأن خوفهم وقع على جميع الشعوب.

وكان جميع رؤساء الأقاليم والأقطاب والولاة ووكلاء عمل الملك يساعدون اليهود، لأن خوف مردكاي وقع عليهم،

اذ كان مردكاي عظيما في بيت الملك، وقد سار ذكره في جميع الأقالم، لأن مردكاي كان لا يزال يتعاظم.

فضرب اليهود جميع أعدائهم ضربة سيف وقتل وإهلاك، وفعلوا بمبغضيهم كما شاءوا.

وفي قلعة شوشن قتل اليهود وأهلكوا خمس مئة رجل،

وفرشنداتا ودلفون واسفاتا،

وفوراتا وأدليا وأريدانا،

وفرمشتا وأريساي واريداي وويزاتا،

وهم عشرة أبناء هامان بن همداتا، عدو اليهود، قتلوهم ولكنهم لم يمدوا أيديهم إلى غنيمة.

في ذلك اليوم بلغ عدد المقتولين في قلعة شوشن إلى الملك،

فقال الملك لأستير الملكة: (( قد قتل اليهود وأهلكوا في قلعة شوشن خمس مئة رجل مع بني هامان العشرة، فما يكونون قد فعلوا في باقي أقاليم الملك؟ والآن فما بغيتك فتعطى لك وماطلبك بعد فيقضى؟ ))

فقالت أستير: (( إن حسن عند الملك، فليبح لليهود الذين في شوشن أن يفعلوا غدا بحسب حكم اليوم ويعلقوا بني هامان العشرة على خشبة )).

فأمر الملك بأن يفعل هكذا، وأصدر حكم في شوشن. فعلقوا بني هامان العشرة.

وآجتمع أيضا اليهود الذين في شوشن، في اليوم الرابع عشر من شهر آذار، وقتلوا ثلاث مئة رجل في شوشن، ولكنهم لم يمدوا أيديهم إلى غنيمة.

وآجتمع سائر اليهود الذين في أقاليم الملك، ودافعوا عن أنفسهم، وآستراحوا من أعدائهم وقتلوا من مبغضيهم خمسة وسبعين ألفا، ولكنهم لم يمدوا أيديهم إلى غنيمة.

فعلوا ذلك في اليوم الثالث عشر من شهر آذار، وآستراحوا في اليوم الرابع عشر منه، وجعلوه يوم مأدبة وفرح.

وأما اليهود الذين في شوشن، فإنهم آجتمعوا في الثالث عشر والرابع عشر منه، وآستراحوا في الخامس عشر منه، وجعلوه يوم مأدبة وفرح.

ولذلك جعل اليهود الذين في القرى، الساكنون مدنا غير مسورة، اليوم الرابع عشر من شهر آذار يوم فرح ومأدبة، ويوم خير وإرسال حصص من بعضهم الى بعض.

بـ أما سكان العواصم، فإنهم يحتفلون أيضا بالخامس عشر من آذار آحتفالهم بيوم يمن وآبتهاج، فيتبادلون إرسال الحصص. وكتب مردكاي هذه الأحداث، وبعث برسائل إلى جميع اليهود الذين في جميع أقاليم الملك أحشورش، من قريب وبعيد.

فسن عليهم أن يعيدوا في اليوم الرابع عشر من شهر آذار واليوم الخامس عشر منه، في كل سنة،

في اليومين اللذين آستراح فيهما اليهود من أعدائهم، والشهر الذي تحول لهم الحزن فيه إلى فرح والنوح إلى يوم خير، ليجعلوهما يومي مأدبة وفرح، وإرسال حصص من بعضهم إلى بعض، وعطايا للفقراء.

فآتخذ اليهود ما ابتدأوا بإجرائه وما كتب به إليهم مردكاي سنة لهم،

لأن هامان بن همداتا الأجاجي، مضطهد جميع اليهود، قد دبر على اليهود ليهلكهم، وألقى (( فورا ))، أي قرعة، ليفنيهم ويبيدهم.

ولما بلغ ذلك إلى مسامع الملك، أمر برسالة أن يرتد على رأسه تدبيره الخبيث الذي دبره على اليهود، وأن يعلق هو وبنوه على الخشبة.

لذلك دعوا هذين اليومين (( فوريم ))، أخذا من كلمة (( فور )). ولذلك، بسبب جميع كلمات هذه الرسالة وما رأوا من ذلك وما حل بهم،

سن اليهود وأوجبوا على أنفسهم وعلى نسلهم وعلى كل من ينضم اليهم أن لا يبطل تعييدهم لهذين اليومين بحسب كتابتهما وأوقاتهما كل سنة،

وأن يذكر هذان اليومان، ويعيدا في كل جيل وكل عشيرة وكل إقليم وكل مدينة، وأن يومي (( فوريم )) هذين لا يبطلان من بين اليهود، ولا ينسخ ذكرهما من نسلهم.

وكتبت أستير الملكة، بنت أبيحائيل، ومردكاي اليهودي، بكل سلطانهما، لإثبات رسالة (( فوريم )) الثانية هذه.

وبعثت بالرسائل إلى جميع اليهود في المئة والسبعة والعشرين إقليما من مملكة أحشورش بكلام سلام وحق،

لإثبات يومي (( فوريم )) هذين في أوقاتهما، كما سنهما مردكاي اليهودي وأستير الملكة، وكما أوجبوا على أنفسهم وعلى نسلهم أمور الصيام والنحيب.

وأثبت أمر أستير إنشاء (( فوريم )) هذا، وكتب في السفر.

وضرب الملك أحشورش جزية على الأرض وعلى جزر البحر.

وجميع أعمال جبروته وقدرته، وعرض عظمة مردكاي التي عظمه بها الملك، كل ذلك مكتوب في سفر أخبار الأيام لملوك ميديا وفارس.

فإن مردكاي اليهودي كان الأول بعد الملك أحشورش وعظيما بين اليهود ومرضيا عند جماعة إخوته، بسعى لخير شعبه ويهتم بسعادة جميع بني قومه. وكان مردكاي يقول: (( من عند الله كان كل ذلك. فإني أذكر الحلم الذي رأيته في هذه الأمور، ولم يهمل منها شيء: الينبوع الصغير الذي أصبح نهرا، ثم النور والشمس والمياه الغزيرة. النهر هو أستير التي تزوجها الملك وجعل منها ملكة. والتنينان هما أنا وهامان، ولأمم هي التي آحتشدت لتحصي آسم اليهود. والأمة التي هي أمتي هي إسرائيل الذي صرخ إلى الله ونال الخلاص. خلص الرب شعبه وأنقذنا الرب من جميع تلك الشرور وصنع الرب الآيات والخوارق العظيمة التي لم يجر مثلها في الأمم. ولذلك صنع نصيبين، الواحد لشعب الله والآخر لجميع الأمم. وجاء هذان النصيبان في ساعة الدينونة ووقتها ويومها أمام الله وبين جميع الأمم، وذكر الله شعبه وأنصف ميراثه. وسيكون لهم هذان اليومان في شهر آذار، في الرابع عشر والخامس عشر من الشهر نفسه، يومي آجتماع وفرح وآبتهاج أمام الله في كل جيل وللأبد في شعبه إسرائيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *