سفر التكوين

سفر التكوين

في البدء خلق الله السموات والأرض

وكانت الأرض خاوية خالية وعلى وجه الغمر ظلام وروح الله يرف على وجه المياه.

وقال الله: (( ليكن نور ))، فكان نور.

ورأى الله أن النور حسن. وفصل الله بين النور والظلام

وسمى الله النور نهارا، والظلام سماه ليلا. وكان مساء وكان صباح: يوم أول.

وقال الله: (( ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلا بين مياه ومياه )). فكان كذلك.

وصنع الله الجلد وفصل بين المياه التى تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد

وسمى الله الجلد سماء. وكان مساء وكان صباح: يوم ثان.

وقال الله: (( لتتجمع المياه التي تحت السماء في مكان واحد وليظهر اليبس )). فكان كذلك.

وسمى الله اليبس أرضا وتجمع المياه سماه بحارا. ورأى الله أن ذلك حسن.

وقال الله: (( لتنبت الأرض نباتا عشبا يخرج بزرا وشجرا مثمرا يخرج ثمرا بحسب صنفه بزره فيه على الأرض )). فكان كذلك.

فأخرجت الأرض نباتا عشبا يخرج بزرا بحسب صنفه وشجرا يخرج ثمرا بزره فيه بحسب صنفه. ورأى الله أن ذلك حسن.

وكان مساء وكان صباح: يوم ثالث.

وقال الله: (( لتكن نيرات في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل وتكون علامات للمواسم والالأم والسنين

وتكون نيرات في جلد السماء لتضيء على الأرض )) فكان كذلك.

فصنع الله النيرين العظيمين: النير الأكبر لحكم النهار والنير الأصغر لحكم الليل والكواكب

وجعلها الله في جلد السماء لتضيء على الأرض

لتحكم على النهار والليل وتفصل بين النور والظلام. ورأى الله أن ذلك حسن.

وكان مساء وكان صباح: يوم رابع.

وقال الله:(( لتعج المياه عجا من ذوات أنفس حية ولتكن طيور تطير فوق الأرض على وجه جلد السماء )).

فخلق الله الحيتان العظام وكل متحرك من كل ذي نفس حية عجت به المياه بحسب أصنافه وكل طائر ذي جناح بحسب أصنافه. ورأى الله أن ذلك حسن.

وباركها الله قائلا: (( انمي وآكثري واملإي المياه في البحار ولتكثر الطيور على الأرض )).

وكان مساء وكان صباح: يوم خامس.

وقال الله: (( لتخرج الأرض ذوات أنفس حية بحسب أصنافها: بهائم وحيوانات دابة ووحوش أرض بحسب أصنافها )) فكان كذلك.

فصنع الله وحوش الأرض بحسب أصنافها والبهائم بحسب أصنافها وجميع الحيوانات التي تدب على الأرض بحسب أصنافها. ورأى الله أن ذلك حسن.

وقال الله: (( لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا وليتسلط على أسماك البحر وطيور السماء والبهائم وجميع وحوش الأرض وجميع الحيوانات التي تدب على الأرض )).

فخلق الله الإنسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقهم.

وباركهم الله وقال لهم: (( انموا واكثروا وأملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على أسماك البحر وطيور السماء وكل حيوان يدب على الأرض )).

وقال الله: (( ها قد أعطيتكم كل عشب يخرج بزرا على وجه الأرض كلها وكل شجر فيه ثمر يخرج بزرا يكون لكم طعاما.

ولجميع وحوش الأرض وجميع طيور السماء وجميع ما يدب على الأرض مما فيه نفس حية أعطيت كل عشب أخضر مأكلا )). فكان كذلك.

ورأى الله جميع ما صنعه فاذا هو حسن جدا. وكان مساء وكان صباح: يوم سادس.

وهكذا أكملت السموات والأرض وجميع قواتها.

وانتهى الله في اليوم السابع من عمله الذي عمله، واستراح في اليوم السابع من كل عمله الذي عمله.

وبارك الله اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من كل عمله الذي عمله خالقا.

تلك هي نشأة السموات والأرض حين خلقت.

لم يكن في الأرض شيح الحقول، ولم يكن عشب الحقول قد نبت،لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض، ولم يكن فيها إنسان ليحرث الأرض.

وكان يصعد منها سيل فيسقي كل وجهها.

وجبل الرب الإله الإنسان ترابا من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسا حية.

وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا وجعل هناك الإنسان الذي جبله.

وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل وشجرة الحياة في وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر.

وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الجنة ومن هناك يتشعب فيصير أربعة فروع،

اسم أحدها فيشون وهو المحيط بكل أرض الحويلة حيث الذهب.

وذهب تلك الأرض جيد. هناك المقل وحجر الجزع.

واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بكل أرض الحبشة.

واسم النهر الثالث دجلة وهو الجاري في شرقي أشور. والنهر الرابع هو الفرات.

وأخذ الرب الإله الإنسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها.

وأمر الرب الإله الإنسان قائلا: (( من جميع أشجار الجنة تأكل،

وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فإنك يوم تأكل منها تموت موتا )).

وقال الرب الإله: (( لا يجب أن يكون الإنسان وحده، فلأصنعن له عونا يناسبه )).

وجبل الرب الإله من الأرض جميع حيوانات الحقول وجميع طيور السماء، وأتى بها الإنسان ليرى ماذا يسميها. فكل ما سماه الإنسان من نفس حية فهو آسمه.

فأطلق الإنسان أسماء على جميع البهائم وطيور السماء وجميع وحوش الحقول. وأما الإنسان فلم يجد لنفسه عونا بناسبه.

فأوقع الرب الإله سباتا عميقا على الإنسان فنام. فأخذ إحدى أضلاعه وسد مكانها بلحم.

وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من الإنسان امرأة، فأتى بها الإنسان.

فقال الإنسان: (( هذه المرة هي عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تسمى امرأة لأنها من آمرئ أخذت ))

ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فيصيران جسدا واحدا.

وكانا كلاهما عريانين، الإنسان وامرأته، وهما لا يخجلان.

وكانت الحية أحيل جميع حيوانات الحقول التي صنعها الرب الإله. فقالت للمرأة: (( أيقينا قال الله: لا تأكلا من جميع أشجار الجنة؟ ))

فقالت المرأة للحية: (( من ثمر أشجار الجنة نأكل،

وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه كيلا تموتا )).

فقالت الحية للمرأة: (( موتا لا تموتان،

فالله عالم أنكما في يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة تعرفان الخير والشر )).

ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للأكل ومتعة للعيون وأن الشجرة منية للتعقل. فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت أيضا زوجها الذي معها فأكل.

فآنفتحت أعينهما فعرفا أنهما عريانان. فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر.

فسمعا وقع خطى الرب الإله وهو يتمشى في الجنة عند نسيم النهار، فآختبأ الإنسان وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنة.

فنادى الرب الإله الإنسان وقال له: ((أين أنت؟ ))

قال: (( إني سمعت وقع خطاك في الجنة فخفت لأني عريان فاختبأت )).

قال: (( فمن أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أمرتك ألا تأكل منها؟ ))

فقال الإنسان: (( المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت )).

فقال الرب الإله للمرأة: (( ماذا فعلت؟ )) فقالت المرأة: (( الحية أغوتني فأكلت )).

فقال الرب الإله للحية: (( لأنك صنعت هذا فأنت ملعونة من بين جميع البهائم وجميع وحوش الحقل. على بطنك تسلكين وترابا تأكلين طوال الأم حياتك.

وأجعل عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها فهو يسحق رأسك وأنت تصيبين عقبه )).

وقال للمرأة: لأكثرن مشقات حملك تكثيرا. فبالمشقة تلدين البنين وإلى رجلك تنقاد أشواقك وهو يسودك )).

وقال لادم: (( لأنك سمعت لصوت أمرأتك فأكلت من الشجرة التي أمرتك ألا تأكل منها فملعونة الأرض بسببك بمشقة تأكل منها طول الأم حياتك

وشوكا وحسكا تنبت لك، وتأكل عشب الحقول.

بعرق جبينك تأكل خبزا حتى تعود إلى الأرض، فمنها أخذت لأنك تراب وإلى التراب تعود )).

وسمى الإنسان امرأته حواء لأنها أم كل حي.

وصنع الرب الإله لادم وآمرأته أقمصة من جلد وألبسهما.

وقال الرب الإله: (( هوذا الإنسان قد صار كواحد منا، فيعرف الخير والشر. فلا يمدن الآن يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضا وياكل فيحيا للأبد )).

فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليحرث الأرض التي أخذ منها

فطرد الإنسان وأقام شرقي جنة عدن الكروبين وشعلة سيف متقلب لحراسة طريق شجرة الحياة.

وعرف الإنسان حواء أمراته فحملت وولدت قاين. فقالت: (( قد آقتنيت رجلا من عند الرب )).

ثم عادت فولدت أخاه هابيل. فكان هابيل راعي غنم، وكان قاين يحرث الأرض.

وكان بعد الأم أن قدم قاين من ثمر الأرض تقدمة للرب.

وقدم هابيل أيضا شيئا من أبكار غنمه ومن دهنها.

فنظر الرب إلى هابيل وتقدمته، وإلى قاين وتقدمته لم ينظر. فغضب قاين وأطرق رأسه.

فقال الرب لقاين: (( لم غضبت ولم أطرقت رأسك؟

فإنك إن أحسنت أفلا ترفع الرأس؟ وإن لم تحسن أفلا تكون الخطيئة رابضة عند الباب؟ إليك تنقاد أشواقها، فعليك أن تسودها )). وقال قاين لهابيل أخيه: (( لنخرج إلى الحقل )).

فلما كانا في الحقل، وثب قاين على هابيل أخيه فقتله.

فقال الرب لقاين: (( أين هابيل أخوك؟)) قال: (( لا أعلم. أحارس لأخي أنا؟))

فقال: (( ماذا صنعت؟ إن صوت دماء أخيك صارخ إلي من الأرض.

والآن فملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دماء أخيك من يدك.

وإذا حرثت الأرض، فلا تعود تعطيك ثمرها. تائها شاردا تكون في الأرض )).

فقال قاين للرب: ((عقابي أشد من أن يطاق.

ها قد طردتني اليوم عن وجه الأرض ومن وجهك أستتر، وأكون تائها شاردا في الأرض، فيكون أن كل من يجدني يقتلني )).

فقال له الرب: (( لذلك كل من قتل قاين فسبعة أضعاف يؤخذ بثأره منه )). وجعل الرب لقاين علامة لئلا يضربه كل من يجده.

وخرج قاين من أمام الرب، فأقام بأرض نود شرقي عدن .

وعرف قاين آمرأته فحملت وولدت أخنوخ. ثم بنى مدينة فسماها باسم ابنه أخنوخ.

وولد لأخنوخ عيراد، وعيراد ولد محويائيل، ومحويائيل ولد متوشائيل، ومتوشائيل ولد لامك.

وآتخذ لامك له امرأتين اسم إحداهما عادة والأخرى صلة.

فولدت عادة يابل وهو أبو ساكني الخيام وأصحاب المواشي.

وآسم أخيه يوبل وهو أبو كل عازف بالكنارة والمزمار.

وصلة أيضا ولدت توبل قاين وهو أبو جميع النحاسين والحدادين. وأخت توبل قاين نعمة.

وقال لامك لآمرأتيه: (( عادة وصلة، اسمعا قولي يا آمرأتي لامك، أصغيا لكلامي. إنني قتلت رجلا بسبب جرح وولدا بسبب رض

إنه ينتقم لقاين سبعة أضعاف وأما للامك فسبعة وسبعين )).

وعرف آدم امرأته مرة أخرى فولدت آبنا وسمته شيتا وقالت: ((قد أقام الله لي نسلا آخر بدل هابيل، إذ إن قاين قتله )).

ولشيت أيضا ولد آبن وسماه أنوش. حينئذ بدأ الناس يدعون باسم الرب.

هذا كتاب سلالة آدم: يوم خلق الله الإنسان، على مثال الله صنعه.

ذكرا وأنثى خلقهم، وباركهم، وسماهم إنسانا يوم خلقوا.

وعاش آدم مئة وثلاثين سنة، وولد ولدا على مثاله كصورته وسماه شيتا.

وعاش آدم، بعدما ولد شيتا، ثماني مئة سنة فولد بنين وبنات.

فكانت جميع الأم آدم التي عاشها تسع مئة سنة وثلاثين سنة، ومات.

وعاش شيت مئة وخمس سنين وولد أنوش.

وعاش شيت ، بعدما ولد أنوش، ثماني مئة وسبع سنين فولد بنين وبنات.

فكانت جميع أيام شيت تسع مئة سنة واثنتي عشرة سنة، ومات.

وعاش أنوش تسعين سنة وولد قينان.

وعاش أنوش، بعدما ولد قينان،ثماني مئة سنة وخمس عشرة سنة فولد بنين وبنات.

فكانت جميع الأم أنوش تسع مئة سنة وخمس سنين، ومات.

وعاش قينان سبعين سنة وولد مهللئيل.

وعاش قينان، بعدما ولد مهللئيل، ثماني مئة سنة وأربعين سنة فولد بنين وبنات.

فكانت جميع الأم قينان تسع مئة وعشر سنين، ومات.

وعاش مهللئيل خمسا وستين سنة وولد يارد.

وعاش مهللئيل، بعدما ولد يارد، ثماني مئة سنة وثلاثين سنة فولد بنين وبنات.

فكانت جميع الأم مهللئيل ثماني مئة وخمسا وتسعين سنة، ومات.

وعاش يارد مئة وآثنتين وستين سنة وولد أخنوخ.

وعاش يارد، بعدما ولد أخنوخ، ثماني مئة سنة فولد. بنين وبنات.

فكانت جميع الأم يارد تسع مئة سنة وآثنتين وستين سنة، ومات.

وعاش أخنوخ خمسا وستين سنة وولد متوشالح.

وسار أخنوخ مع الله. وعاش أخنوخ، بعدما ولد متوشالح، ثلاث مئة سنة فولد بنين وبنات.

فكانت جميع الأم أخنوخ ثلاث مئة سنة وخمسا وستين سنة.

وسار أخنوخ مع الله، ولم يكن بعد ذلك، لأن الله أخذه.

وعاش متوشالح مئة سنة وسبعا وثمانين سنة وولد لامك.

وعاش متوشالح، بعدما ولد لامك، سبع مئة وآثنتين وثمانين سنة فولد بنين وبنات.

فكانت جميع الأم متوشالح تسع مئة سنة وتسعا وستين سنة، ومات.

وعاش لامك مئة سنة واثنتين وثمانين سنة وولد ابنا

وسماه نوحا قائلا: (( هذا يعزينا في عملنا وفي مشقة أيدينا بسبب الأرض التي لعنها الرب )).

وعاش لامك، بعدما ولد نوحا، خمس مئة سنة وخمسا وتسعين سنة فولد بنين وبنات.

فكانت جميع الأم لامك سبع مئة سنة وسبعا وسبعين سنة، ومات.

ولما كان نوح آبن خمس مئة سنة، ولد ساما وحاما ويافث.

ولما ابتدأ الناس يكثرون على وجه الأرض، وولد لهم بنات،

استحسن بنو الله بنات الناس. فاتخذوا لهم نساء من جميع من اختاروا.

فقال الرب: (( لا تثبت روحي في الإنسان للأبد، لأنه بشر، فتكون الأمه مئة وعشرين سنة )).

وكان على الأرض جبابرة في تلك الالأم، وبعد ذلك أيضا حين دخل بنو الله على بنات الناس فولدن لهم أولادا، هم الأبطال المعروفون منذ القدم.

ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر على الأرض وأن كل ما يتصوره قلبه من أفكار إنما هو شر طوال يومه.

فندم الرب على أنه صنع الإنسان على الأرض وتأسف في قلبه. فقال الرب:

(( أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقت، الإنسان مع البهائم والزحافات وطيور السماء، لأني ندمت على أني صنعتهم )).

أما نوح فنال حظوة في عيني الرب.

وهذه سيرة نوح: كان نوح رجلا بارا كاملا في بني جيله. وسار نوح مع الله.

وولد نوح ثلاثة بنين: ساما وحاما ويافث.

وفسدت الأرض أمام الله وامتلأت عنفا.

ورأى الله الأرض فإذا هي قد فسدت، لأن كل بشر قد أفسد طريقه عليها.

فقال الله لنوح: (( قد حان أجل كل بشر أمامي، فقد امتلأت الأرض عنفا بسببهم. فهاءنذا مهلكهم مع الأرض.

إصنع لك سفينة من خشب قطراني وآجعلها مساكن واطلها بالقار من داخل ومن خارج.

كذا تصنعها: ثلاث مئة ذراع طولها وخمسون ذراعا عرضها وثلاثون ذراعا علوها.

وتجعل سقفا للسفينة وإلى حد ذراع تكمله من فوق. وأجعل باب السفينة في جانبها وتصنعها طوابق: سفليا وثانيا وثالثا.

وهاءنذا آت بطوفان مياه على الأرض لأهلك كل ذي جسد فبه روح حياة من تحت السماء، وكل ما في الأرض يهلك.

وأقيم عهدي معك، فتدخل السفينة أنت وبنوك وآمرأتك ونسوة بنيك معك.

ومن كل حي من كل ذي جسد آثنين من كل تدخل السفينة لتحفظ حية معك، ذكرا وأنثى تكون:

من الطيور بأصنافها ومن البهائم بأصنافها ومن جميع الحيوانات التي تدب على الأرض بأصنافها يدخل إليك اثنان من كل لتحفظ حية.

وأنت فخذ لك من كل طعام يؤكل واجعله مؤونة لك، فيكون لك ولهم مأكلا )).

فعمل نوح بحسب كل ما أمره الله به. هكذا فعل.

وقال الله لنوح: (( ادخل السفينة أنت وجميع أهلك، فإني رأيتك بارا أمامي في هذا الجيل.

وتأخذ من جميع البهائم الطاهرة سبعة سبعة، ذكورا وإناثا، ومن البهائم غير الطاهرة اثنين، ذكرا وأنثى.

وتأخذ أيضا من طيور السماء سبعة سبعة، ذكورا وإناثا، لحفظ نسلها حيا على وجه الأرض كلها.

فإنني، بعد سبعة الأم، ممطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة، وماح عن وجه الأرض كل كائن صنعته )).

فعمل نوح بحسب كل ما أمره الرب به.

وكان نوح ابن ست مئة سنة حين كانت مياه الطوفان على الأرض.

ودخل نوح السفينة هو وبنوه وآمرأته ونسوة بنيه معه هربا من مياه الطوفان.

ومن البهائم الطاهرة ومن البهائم غير الطاهرة ومن الطيور ومن كل ما يدب على الأرض،

دخل السفينة آثنان آثنان إلى نوح، ذكورا وإناثا، كما أمر الله نوحا.

وبعد سبعة الأم كانت مياه الطوفان على الأرض.

في السنة الست مئة من عمر نوح، في الشهر الثاني في اليوم السابع عشر منه، في ذلك اليوم تفجرت عيون الغمر العظيم وتفتحت كوى السماء.

وكان المطر على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة.

في ذلك اليوم نفسه دخل نوح السفينة هو وسام وحام ويافث بنوه، وآمرأة نوح وثلاث نسوة بنيه معهم،

هم وجميع الوحوش بأصنافها وجميع البهائم بأصنافها وجميع الحيوانات التي تدب على الأرض بأصنافها وجميع الطيور بأصنافها من كل طائر وكل ذي جناح.

فدخل السفينة إلى نوح آثنان آثنان من كل ذي جسد فيه روح حياة،

والداخلون دخلوا ذكورا وإناثا من كل ذي جسد، كما أمر الله نوحا. وأغلق الرب عليه.

وكان الطوفان أربعين يوما على الأرض، فكثرت المياه وحملت السفينة فارتفعت عن الأرض.

وآرتفعت المياه جدا وكثرت على الأرض، فسارت السفينة على وجه المياه.

وكثرت المياه جدا جدا على الأرض، فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت السموات كلها.

فآرتفعت المياه خمس عشرة ذراعا على الأرض وتغطت الجبال.

فهلك كل ذي جسد يدب على الأرض من الطيور والبهائم والوحوش وجميع ما تعج به الأرض، والناس كافة،

فمات كل من في أنفه نسمة حياة من كل من في اليبس.

ومحي كل كائن على وجه الأرض من الناس حتى البهائم والحيوانات الدابة وطيور السماء، فمحيت من الأرض وبقي نوح ومن معه في السفينة فقط.

وارتفعت المياه على الأرض مدة مئة وخمسين يوما.

وذكر الله نوحا وجميع الوحوش والبهائم التي معه في السفينة. وأمر الله ريحا على الأرض فسكنت المياه.

وآنسدت عيون الغمر وكوى السماء وآحتبس المطر من السماء.

وراحت المياه تتراجع عن الأرض، ونقصت في نهاية المئة والخمسين يوما.

وآستقرت السفينة في الشهر السابع، في اليوم السابع عشر منه، على جبال أراراط.

وكانت المياه لا تزال تنقص إلى الشهر العاشر، وفي أول يوم منه ظهرت رؤوس الجبال.

وكان في نهاية الأربعين يوما أن فتح نوح نافذة السفينة التي صنعها،

وأطلق الغراب، فخرج وراح يتردد إلى أن جفت المياه عن الأرض.

ثم أطلق الحمامة من عنده ليرى هل قلت المياه عن وجه الأرض.

فلم تجد الحمامة موطئا لرجلها، فرجعت إليه إلى السفينة لأن المياه كانت على وجه الأرض كلها. فمد يده فأخذها وأدخلها إليه إلى السفينة.

وانتظر أيضا سبعة الأم أخر وعاد فأطلق الحمامة من السفينة.

فعادت إليه الحمامة وقت المساء وفي فمها ورقة زيتون خضراء. فعلم نوح أن المياه قلت عن الأرض.

وانتظر أيضا سبعة الأم أخر ثم أطلق الحمامة فلم ترجع إليه ثانية.

وكان في سنة إحدى وست مئة من عمر نوح، في اليوم الأول من الشهر الأول، أن جفت المياه عن الأرض. فرفع نوح غطاء السفينة ونظر فإذا وجه الأرض قد جف.

وفي الشهر الثاني، في اليوم السابع والعشرين منه، يبست الأرض.

فخاطب الله نوحا قائلا:

(( اخرج من السفينة، أنت وامرأتك وبنوك ونسوة بنيك معك،

وجميع الوحوش التي معك من كل ذي جسد، من الطيور والبهائم وكل داب يدب على الأرض أخرجها معك لتعج بها الأرض وتنمو وتكثر )).

فخرج نوح وبنوه وآمرأته ونسوة بنيه معه،

وجميع الوحوش والحيوانات الدابة والطيور وكل ما يدب على الأرض بأصنافها خرجت من السفينة.

وبنى نوح مذبحا للرب وأخذ من جميع البهائم الطاهرة ومن جميع الطيور الطاهرة فأصعد محرقات على المذبح.

فتنسم الرب رائحة الرضى وقال الرب في قلبه: (( لن أعود إلى لعن الأرض بسبب الإنسان لأن ما يتصوره قلب الإنسان ينزع إلى الشر منذ حداثته، ولن أعود إلى ضرب كل حي كما صنعت.

ما دامت الأرض فالزرع والحصاد والبرد والحر والصيف والشتاء والنهار والليل لا تبطل أبدا )).

وبارك الله نوحا وبنيه وقال لهم: (( انموا وآكثروا واملأوا الأرض.

وخوفكم وذعركم يكونان على جميع وحوش الأرض وجميع طيور السماء وكل ما يدب على الأرض وأسماك البحر، فإنها مسلمة إلى أيديكم.

وكل حي يدب يكون لكم مأكلا، وكما أعطيتكم العشب الأخضر أعطيكم هذا كله.

ولكن لحما بنفسه، أي بدمه، لا تأكلوا.

أما دماؤكم، أي نفوسكم، فأطلبها، من يد كل وحش أطلبها، ومن يد الإنسان: من يد كل إنسان أطلب نفس أخيه.

من سفك دم الإنسان سفك دمه عن يد الإنسان لأنه على صورة الله صنع الإنسان.

وأنتم فآنموا وآكثروا ولتعج الأرض بكم وتسلطوا عليها )).

وخاطب الله نوحا وبنيه معه قائلا:

(( هاءنذا مقيم عهدي معكم ومع نسلكم من بعدكم

ومع كل ذي نفس حية معكم، من الطيور والبهائم ووحوش الأرض التى معكم: أي كل ما خرج من السفينة وجميع حيوانات الأرض.

وأقيم عهدي معكم، فكل ذي جسد لا ينقرض بعد اليوم بمياه الطوفان، ولا يكون بعد اليوم طوفان ليتلف الأرض )).

وقال الله: (( هذه علامة العهد الذي أنا جاعله بيني وبينكم وبين كل ذي نفس حية معكم مدى الأجيال للأبد:

تلك قوسي جعلتها في الغمام فتكون علامة عهدي بيني وبين الأرض.

ويكون أنه إذا غيمت على الأرض وظهرت القوس في الغمام،

ذكرت عهدي الذي بيني وبينكم وبين كل نفس حية في كل جسد، فلا تكون المياه بعد اليوم طوفانا لتهلك كل ذي جسد،

وتكون القوس في الغمام، حتى إذا رأيتها ذكرت العهد الأبدي بين الله وكل نفس حية من كل ذي جسد على الأرض )).

وقال الله لنوح: (( هذه علامة العهد الذي أقمته بيني وبين كل ذي جسد على الأرض )).

وكان بنو نوح الذين خرجوا من السفينة ساما وحاما ويافث. وحام هو أبو كنعان.

هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح، ومنهم آنتشر الناس في الأرض كلها.

وابتدأ نوح حارث الأرض يغرس الكرم.

وشرب من الخمر فسكر وتكشف في داخل خيمته.

فرأى حام أبو كنعان عورة أبيه فأخبر أخويه وهما في خارج الخيمة.

فأخذ سام ويافث الرداء وجعلاه على كتفيهما ومشيا إلى الوراء فغطيا عورة أبيهما، ووجههما إلى الجهة الأخرى، فلم يريا عورة أبيهما.

فلما أفاق نوح من خمره، علم ما صنع به ابنه الصغير.

فقال: (( ملعون كنعان! عبدا يكون لعبيد إخوته ))

وقال: (( مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبدا له!

ليوسع الله ليافث وليسكن في خيام سام وليكن كنعان عبدا له! ))

وعاش نوح بعد الطوفان ثلاث مئة سنة وخمسين سنة.

فكانت كل الأم نوح تسع مئة سنة وخمسين سنة، ومات.

هذه سلالة بني نوح، سام وحام ويافث ومن ولد لهم من البنين بعد الطوفان:

بنو يافث: جومر وماجوج وماداي وياوان وتوبل وماشك وتيراس.

وبنو جومر: أشكناز وريفات وتوجرمة.

وبنو ياوان: أليشة وترشيش والكتيم والرودانيم.

من هؤلاء تشتت الناس في جزر الأمم. هؤلاء بنو يافث بحسب بلدانهم، كل بحسب لغته، وعشائرهم وأممهم.

وبنو حام: كوش ومصرائيم وفوط وكنعان.

وبنو كوش: سبأ وحويلة وسبتة ورعمة وسبتكا،. وبنو رعمة: شبأ وددان.

وكوش ولد نمرود، وهو أول جبار في الأرض.

وكان صيادا جبارا أمام الرب، ولذلك يقال: (( كنمرود صياد جبار أمام الرب )).

وكان أول مملكته بابل وأرك وأكد وكلنة في أرض شنعار.

ومن تلك الأرض خرج إلى أشور فبنى نينوى ورحبوت عير وكالح،

وراسن بين نينوى وكالح، وهي المدينة العظيمة.

ومصرائيم ولد اللوديم والعناميم واللهابيم والنفتوحيم

والفتروسيم والكسلوحيم والكفتوريم الذين خرج منهم الفلسطينيون.

وكنعان ولد صيدون بكره وحثا

واليبوسي والأموري والجرجاشي والحوي والعرقي والسيني

والأروادي والصماري والحماتى.

وبعد ذلك تفرقت عشائر الكنعانيين.

وكانت حدود الكنعانيين من صيدون وأنت آت نحو جرار إلى غزة، وأنت آت نحو سدوم وعمورة وأدمة وصبوئيم إلى لاشع.

هؤلاء بنو حام بحسب عشائرهم ولغاتهم وبلدانهم وأممهم.

وولد لسام أيضا بنون، وهو أبو جميع بنى عابر وأخو يافث الأكبر.

وبنو سام: عيلام وأشور وأرفكشاد ولود وأرام.

وبنو أرام: عوص وحول وجاثر وماش.

وأرفكشاد ولد شالح، وشالح ولد عابر.

وولد لعابر ابنان: اسم أحدهما فالج لأنه في أيامه آنقسمت الأرض، واسم أخيه يقطان.

ويقطان ولد ألموداد وشالف وحضرموت ويارح.

وهدورام وأوزال ودقلة

وعوبال وأبيمائيل وشبأ

وأوفير وحويلة ويوباب. جميع هؤلاء بنو يقطان.

وكانوا يقيمون من ميشا وأنت آت نحو سفار، جبل المشرق.

هؤلاء بنو سام بحسب عشائرهم ولغاتهم وبلدانهم وأممهم.

هؤلاء عشائر بني نوح بحسب سلالاتهم وأممهم. ومنهم تشتتت الأمم في الأرض بعد الطوفان.

وكانت الأرض كلها لغة واحدة وكلاما واحدا.

وكان أنهم لما رحلوا من المشرق وجدوا سهلا في أرض شنعار فأقاموا هناك.

وقال بعضهم لبعض: (( تعالوا نصنع لبنا ولنحرقه حرقا )). فكان لهم اللبن بدل الحجارة، والحمر كان لهم بدل الطين.

وقالوا: (( تعالوا نبن لنا مدينة وبرجا رأسه في السماء، ونقم لنا آسما كي لا نتفرق على وجه الأرض كلها )).

فنزل الرب ليرى المدينة والبرج اللذين بناهما بنو آدم.

وقال الرب: (( هوذا هم شعب واحد ولجميعهم لغة واحدة، وهذا ما أخذوا يفعلونه. والآن لا يكفون عما هموا به حتى يصنعوه.

فلننزل ونبلبل هناك لغتهم، حتى لا يفهم بعضهم لغة بعض )).

ففرقهم الرب من هناك على وجه الأرض كلها، فكفوا عن بناء المدينة.

ولذلك سميت بابل، لأن الرب هناك بلبل لغة الأرض كلها. ومن هناك فرقهم الرب على وجه الأرض كلها.

هذه سلالة سام: لما كان سام ابن مئة سنة، ولد أرفكشاد لسنتين بعد الطوفان.

وعاش سام، بعدما ولد أرفكشاد، خمس مئة سنة فولد بنين وبنات.

وعاش ارفكشاد خمسا وثلاثين سنة وولد شالح.

وعاش أرفكشاد، بعدما ولد شالح، أربع مئة سنة وثلاث سنين فولد بنين وبنات.

وعاش شالح ثلاثين سنة وولد عابر.

وعاش شالح، بعدما ولد عابر، أربع مئة سنة وثلاث سنين فولد بنين وبنات.

وعاش عابر أربعا وثلاثين سنة وولد فالج.

وعاش عابر، بعدما ولد فالج، أربع مئة وثلاثين سنة فولد بنين وبنات.

وعاش فالج ثلاثين سنة وولد رعو.

وعاش فالج، بعدما ولد رعو، مئتي سنة وتسع سنين فولد بنين وبنات.

وعاش رعو اثنتين وثلاثين سنة وولد سروج.

وعاش رعو، بعدما ولد سروج، مئتى سنة وسبع سنين فولد بنين وبنات.

وعاش سروج ثلاثين سنة وولد ناحور.

وعاش سروج، بعدما ولد ناحور، مئتى سنة فولد بنين وبنات.

وعاش ناحور تسعا وعشرين سنة وولد تارح.

وعاش ناحور، بعدما ولد تارح، مئة سنة وتسع عشرة سنة فولد بنين وبنات.

وعاش تارح سبعين سنة وولد أبرام وناحور وهاران.

وهذه سلالة تارح:

تارح ولد أبرام وناحور وهاران، وهاران ولد لوطا. ومات هاران قبل أبيه تارح في مسقط رأسه أور الكلدانيين.

وآتخذ أبرام وناحور لهما امرأتين، اسم آمرأة أبرام ساراي، واسم امرأة ناحور ملكة، بنت هاران، أبي ملكة وأبي يسكة.

كانت ساراي عاقرا ليس لها ولد.

وأخذ تارح أبرام أبنه، ولوط بن هاران آبن ابنه، وساراي كنته، امرأة أبرام ابنه، فخرج بهم من أور الكلدانيين، ليذهبوا إلى أرض كنعان. فجاءوا إلى حاران وأقاموا هناك.

وكان عمر تارح مئتي سنة وخمس سنين. ومات تارح بحاران.

وقال الرب لأبرام: (( انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، إلى الأرض التي أريك.

وأنا أجعلك أمة كبيرة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة.

وأبارك مباركيك، وألعن لاعنيك ويتبارك بك جميع عشائر الأرض )).

فانطلق أبرام كما قال له الرب، ومضى معه لوط. وكان أبرام ابن خمس وسبعين سنة، حين خرج من حاران.

فأخذ أبرام ساراي آمرأته ولوطا ابن أخيه وجميع أموالهما التي آقتنياها والنفوس التي آمتلكاها في حاران، وخرجوا ليمضوا إلى أرض كنعان، وأتوا أرض كنعان.

فأجتاز أبرام في الأرض إلى موضع شكيم، إلى بلوطة مورة، والكنعانيون حينئذ في الأرض.

فتراءى الرب لأبرام وقال: (( لنسلك أعطي هذه الأرض )). فبنى هناك مذبحا للرب الذي تجلى له.

ثم آنتقل من هناك إلى الجبل شرقي بيت إيل وضرب خيمته، وغربيه بيت إيل وشرقيه عاي، وبنى هناك مذبحا للرب ودعا باسم الرب.

ثم رحل أبرام رحيلا متواليا نحو النقب.

وكانت مجاعة في الأرض. فنزل أبرام إلى مصر ليقيم هناك، لأن المجاعة قد آشتدت في الأرض.

فلما قارب أن يدخل مصر، قال لساراي امرأته: (( أنا أعلم أنك امرأة جميلة المنظر،

فيكون، إذا رآك المصريون، أنهم يقولون: (( هذه امرأته ))، فيقتلونني ويبقونك على قيد الحياة.

فقولي إنك أختي، حتى يحسن إلي بسببك وتحيا نفسي بفضلك )).

ولما دخل أبرام مصر، رأى المصريون أن المرأة جميلة جدا.

ورآها رؤساء فرعون ومدحوها لدى فرعون فأخذت المرأة إلى بيته.

فأحسن إلى أبرام بسببها فصار له غنم وبقر وحمير وخدام وخادمات وحمائر وجمال.

فضرب الرب فرعون وبيته ضربات شديدة بسبب ساراي امرأة أبرام.

فآستدعى فرعون أبرام وقال له: (( ماذا صنعت بي؟ لم لم تعلمني أنها آمرأتك؟

لم قلت: هي أختي، حتى أخذتها لتكون لي آمرأة؟ والآن هذه امرأتك: خذها وآمض )).

وأمر فرعون قوما فشيعوه هو وآمرأته وكل ما له.

فصعد أبرام من مصر هو وامرأته وكل ما له، ولوط معه، إلى النقب.

وكان أبرام غنيا جدا بالماشية والفضة والذهب.

فمضى بمراحله من النقب إلى بيت إيل، إلى الموضع الذي كانت فيه خيمته أولا، بين بيت إيل وعاي،

إلى موضع المذبح الذي صنعه هناك أولا فدعا أبرام هناك بآسم الرب.

وكان أيضا للوط السائر مع أبرام غنم وبقر وخيام.

فلم يحتمل ضيق الأرض أن يقيما فيها معا، لأن مالهما كان كثيرا، فلم يمكنهما المقام معا.

فكانت خصومه بين رعاة ماشية أبرام ورعاة ماشية لوط ( والكنعانيون والفرزيون حينئذ مقيمون في الأرض ).

فقال أبرام للوط: (( لا تكن خصومة بيني وبينك، ولا بين رعاتي ورعاتك، فنحن إخوة.

أليست الأرض كلها أمامك؟ تنح عني، إما إلى اليسار فأذهب إلى اليمين، وإما إلى اليمين فأذهب إلى اليسار )).

فرفع لوط عينيه ورأى كل سهل الأردن، فإذا كله سقي ، وكانت، قبل أن دمر الرب سدوم وعمورة، كجنة الرب، مثل أرض مصر وأنت آت نحو صوعر.

فآختار لوط لنفسه كل سهل الأردن، ورحل إلى المشرق، وفارق كل واحد أخاه:

فأقام أبرام في أرض كنعان وأقام لوط في مدن السهل وخيم حتى سدوم.

وأهل سدوم أشرار خاطئون إلى الرب جدا.

وقال الرب لأبرام، بعدما فارقه لوط: (( ارفع عينيك وانظر من المكان الذي أنت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا:

إن كل الأرض التي تراها لك أعطيها ولنسلك لأبد.

وأجعل نسلك كتراب الأرض، حتى إن أمكن أحدا أن يحصي تراب الأرض، فنسلك أيضا يحصى.

قم فأمش في الأرض طولها وعرضها، فإني لك أعطيها )).

فانتقل أبرام بخيامه وجاء فأقام في بلوط ممرا التي بحبرون وبنى هناك مذبحا للرب.

وكان في الأم أمرافل، ملك شنعار، وأريوك، ملك ألاسار، وكدرلاعومر، ملك عيلام، وتدعال، ملك الأمم،

أنهم حاربوا بارع، ملك سدوم، وبرشاع، ملك عمورة، وشنآب، ملك أدمة، وشمئيبر، ملك صبوئيم، وملك بالع (وهي صوعر).

هؤلاء كلهم تجمعوا في وادي السديم (وهو بحر الملح)،

اثنتي عشرة سنة خضعوا لكدرلاعومر، وفي الثالثة عشرة تمردوا.

وفي السنة الرابعة عشرة أقبل كدرلاعومر والملوك الذين معه فضربوا الرفائيين في عشتاروت قرنائيم، والزوزيين في هام، والإيميين في سهل قريتائيم،

والحوريين في جبلهم سعير، حتى إيل الفاران الذي عند البرية.

ثم رجعوا وجاؤوا إلى عين القضاء (وهي قادش)، فضربوا كل أرض العمالقة وكل أرض الأموريين المقيمين في حصاصون تامار.

فخرج ملك سدوم وملك عمورة وملك أدمة وملك صبوئيم وملك بالع (وهي صوعر)،

فآصطفوا للقتال في وادي السديم، على كدرلاعومر، ملك عيلام، وتدعال، ملك الأمم،وأمرفال، ملك شنعار، وأريوك، ملك ألاسار: أربعة ملوك على خمسة!

وفي وادي السديم آبار حمر كثيرة، فانهزم ملكا سدوم وعمورة فسقطا فيها، والباقون هربوا إلى الجبل.

فأخذوا جميع أموال سدوم وعمورة وكل مؤونتهم ومضوا.

وأخذوا لوط ابن أخي أبرام وأمواله ومضوا، وكان مقيما في سدوم.

فجاء من أفلت وأخبر أبرام العبراني، وهو مقيم عند بلوط ممرا الأموري، أخي أشكول وعانر، وهم حلفاء أبرام.

فلما سمع أبرام أن أخاه قد أسر، جند رجاله المدربين المولودين في بيته، وعددهم ثلاث مئة وثمانية عشر، وجد في إثرهم حتى دان.

وتفرق عليهم ليلا هو ورجاله، فضربهم وتعقبهم حتى حوبة التي في شمال دمشق.

فآسترجع جميع الأموال وأسترد لوطا أخاه وأمواله والنساء والقوم.

وعند رجوع أبرام، بعد أن كسر كدرلاعومر والملوك الذين معه، خرج ملك سدوم لملاقاته إلى وادي شوى (وهو وادي الملك).

وأخرج ملكيصادق، ملك شليم، خبزا وخمرا، لأنه كان كاهنا لله العلي.

وبارك أبرام وقال: (( على أبرام بركة الله العلي خالق السموات والأرض

وتبارك الله العلي الذي أسلم أعداءك إلى يديك )). وأعطاه أبرام العشر من كل شيء.

وقال ملك سدوم لأبرام: (( أعطني النفوس، والأموال خذها لك )). فقال أبرام لملك سدوم:

(( رفعت يدي إلى الرب الإله العلي، خالق السموات والأرض:

لا أخذت خيطا ولا شريط نعل من جميع ما لك، لئلا تقول: أنا أغنيت أبرام.

لا شيء لي سوى ما أكله الغلمان ونصيب الرجال الذين ذهبوا معي: عانر وأشكول وممرا، فهم يأخذون نصيبهم )).

بعد هذه الأحداث كانت كلمة الرب إلى أبرام في الرؤيا قائلا: (( لا تخف يا أبرام. أنا ترس لك وأجرك عظيم جدا )).

فقال أبرام: (( أيها السيد الرب، ماذا تعطيني؟ إني منصرف عقيما، وقيم بيتي هو اليعازر الدمشقي )).

وقال أبرام: (( إنك لم ترزقني نسلا، فهوذا ربيب بيتي يرثني )).

فإذا بكلمة الرب إليه قائلا: (( لن يرثك هذا، بل من يخرج من أحشائك هو يرثك )).

ثم أخرجه إلى خارج وقال: (( انظر إلى السماء وأحص الكواكب إن آستطعت أن تحصيها ))،

وقال له: (( هكذا يكون نسلك )). فآمن بالرب، فحسب له ذلك برا.

وقال له: (( أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين لأعطيك هذه الأرض ميراثا لك )).

فقال: (( أيها السيد الرب، بماذا أعلم أني أرثها؟ )).

فقال له: (( خذ لي عجلة في سنتها الثالثة وعنزة في سنتها الثالثة وكبشا في سنته الثالثة ويمامة وجوزلا )).

فأخذ له جميع هذه وشطرها أنصافا، ثم جعل كل شطر قبالة الآخر، والطائران لم يشطرهما.

فانقضت الجوارح على الجثث، فطردها أبرام.

ولما صارت الشمس إلى المغيب، وقع سبات عميق على أبرام، فإذا برعب ظلمة شديدة قد وقع عليه.

فقال الرب لأبرام: (( اعلم يقينا أن نسلك سيكونون نزلاء في أرض ليست لهم، ويستعبدونهم ويذلونهم أربع مئة سنة.

والأمة التي يستعبدون لها سأدينها أنا، وبعد ذلك يخرجون بمال كثير.

وأنت تنضم إلى آبائك بسلام وتدفن بشيبة طيبة.

وفي الجيل الرابع يرجعون إلى ههنا، لأن إثم الأموريين لن يكون قد اكتمل عندئذ )).

فلما غابت الشمس وخيم الظلام، إذا بتنور دخان ومشعل نار يسيران بين تلك القطع.

في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام عهدا قائلا: (( لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات

القيييين والقنزيين والقدمونيين

والحثيين والفرزيين والرفائيين

والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين )).

وأما ساراي آمرأة أبرام، فلم تلد له. وكانت لها خادمة مصرية اسمها هاجر.

فقالت ساراي لأبرام: (( هوذا قد حبسني الرب عن الولادة، فادخل على خادمتي، لعل بيتي يبنى منها )). فسمع أبرام لقول ساراي.

فبعد عشر سنين من إقامة أبرام في أرض كنعان، أخذت ساراي امرأته هاجر المصرية خادمتها فأعطتها لأبرام زوجها لتكون له زوجة.

فدخل على هاجر فحملت. فلما رأت أنها قد حملت، هانت سيدتها في عينيها.

فقالت ساراي لأبرام: (( ظلمي عليك! إني وضعت خادمتي في حضنك، فلما رأت أنها قد حملت هنت في عينيها. ليحكم الرب بيني وبينك )).

فقال أبرام لساراي: (( هذه خادمتك في يدك، فاصنعي بها ما يحسن في عينيك )). فأذلتها ساراي، فهربت من وجهها.

فوجدها ملاك الرب عند عين ماء في البرية، عين الماء التي في طريق شور.

فقال: (( يا هاجر، خادمة ساراي، من أين جئت وإلى أين تذهبين؟ )). قالت: (( إني هاربة من وجه ساراي سيدتي )).

فقال لها ملاك الرب:(( ارجعي إلى سيدتك وتذللي تحت يديها )).

وقال لها ملاك الرب: (( لأكثرن نسلك تكثيرا حتى لا يحصى لكثرته )).

وقال لها ملاك الرب: (( ها أنت حامل وستلدين آبنا وتسمينه إسماعيل لأن الرب قد سمع صوت شقائك

ويكون حمارا وحشيا بشريا يده على الجميع ويد الجميع عليه وفي وجه جميع إخوته يسكن )).

فأطلقت على الرب مخاطبها اسم (( أنت الله الرائي ))، لأنها قالت: (( أما رأيت ههنا قفا رائي؟ )).

لذلك سميت البئر بئر الحي الرائي، وهي بين قادش وبارد.

وولدت هاجر لأبرام ابنا، فسمى أبرام ابنه الذي ولدته هاجر إسماعيل.

وكان أبرام ابن ست وثمانين سنة حين ولدت هاجر إسماعيل لأبرام.

ولما كان أبرام آبن تسع وتسعين سنة، تراءى له الرب وقال له: (( أنا الله القدير، فسر أمامي وكن كاملا.

سأجعل عهدي بيني وبينك وسأكثرك جدا جدا )).

فسقط أبرام على وجهه.

وخاطبه الله قائلا: (( ها أنا أجعل عهدي معك، فتصير أبا عدد كبير من الأمم.

ولا يكون اسمك أبرام بعد اليوم، بل يكون آسمك إبراهيم، لأني جعلتك أبا عدد كبير من الأمم.

وسأنميك جدا جدا وأجعلك أمما، وملوك منك يخرجون.

وأقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك مدى أجيالهم، عهدا أبديا، لأكون لك إلها ولنسلك من بعدك.

وأعطيك الأرض التي أنت نازل فها، لك ولنسلك من بعدك، كل أرض كنعان، ملكا مؤبدا، وأكون لهم إلها )).

وقال الله لإبراهيم: (( وأنت فاحفظ عهدي، أنت ونسلك من بعدك مدى أجيالهم.

هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك: يختن كل ذكر منكم.

فتختنون في لحم قلفتكم، ويكون ذلك علامة عهد بيني وبينكم.

وابن ثمانية الأم يختن كل ذكر منكم من جيل إلى جيل، سواء أكان مولودا في البيت أم مشترى بالفضة من كل غريب ليس من نسلك.

يختن المولود في بيتك والمشترى بفضتك، فيكون عهدي في أجسادكم عهدا أبديا.

وأي أقلف من الذكور لم يختن في لحم قلفته، تفصل تلك النفس من ذويها، لأنه قد نقض عهدي )).

وقال الله لإبراهيم: (( ساراي امرأتك لا تسمها ساراي، بل سمها سارة.

وأنا أباركها وأرزقك منها آبنا وأباركها فتصير أمما، وملوك شعوب منها يخرجون )).

فسقط إبراهيم على وجهه وضحك وقال في قلبه: (( ألآبن مئة سنة يولد ولد، أم سارة، وهي آبنة تسعين سنة، تلد؟ )).

فقال إبراهيم لله: (( لو أن إسماعيل يحيا أمام وجهك! )).

فقال الله: (( بل سارة امرأتك ستلد لك ابنا وسمه إسحق، وأقيم عهدي معه، عهدا أبديا، لأكون له إلها ولنسله من بعده.

وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه. وهاءنذا أباركه وأنميه وأكثره جدا جدا، ويلد اثني عشر رئيسا، وأجعله أمة عظيمة.

غير أن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده لك سارة في مثل هذا الوقت من السنة المقبلة )).

فلما انتهى الله من مخاطبة إبراهيم، ارتفع عنه.

فأخذ إبراهيم إسماعيل ابنه وجميع مواليد بيته وجميع المشترين بفضته، كل ذكر من أهل بيته، فختن لحم قلفتهم في ذلك اليوم عينه، بحسب ما أمره الله به.

وكان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة عندما ختن لحم قلفته.

وكان إسماعيل آبنه آبن ثلاث عشرة سنة حين ختن لحم قلفته.

في ذلك اليوم عينه ختن إبراهيم وإسماعيل ابنه.

وجميع رجال بيته، سواء أكانوا مواليد بيته أم مشترين بالفضة من الغريب، ختنوا معه.

وتراءى الرب له عند بلوط ممرا، وهو جالس بباب الخيمة، عند آحتداد النهار.

فرفع عينيه ونظر، فإذا ثلاثة رجال واقفون بالقرب منه. فلما رآهم، بادر إلى لقائهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض.

وقال: (( سيدي، إن نلت حظوة في عينيك، فلا تجز عن عبدك،

فيقدم لكم قليل من الماء فتغسلون أرجلكم وتستريحون تحت الشجرة،

وأقدم كسرة خبز فتسندون بها قلوبكم ثم تمضون بعد ذلك، فإنكم لذلك جزتم بعبدكم )). قالوا: (( افعل كما قلت )).

فأسرع إبراهيم إلى الخيمة إلى سارة وقال: (( هلمي بثلاثة أصواع من السميد الناعم فاعجنيها وآصنعيها فطائر )).

وبادر إبراهيم إلى البقر، فأخذ عجلا رخصا طيبا وسلمه إلى الخادم فأسرع في إعداده.

ثم أخذ لبنا وحليبا والعجل الذي أعده وجعل ذلك بين أيديهم وهو واقف بالقرب منهم تحت الشجرة، فأكلوا.

ثم قالوا له: (( أين سارة امرأتك؟ )) قال: (( هي في الخيمة )).

قال: (( سأعود إليك في مثل هذا الوقت، ويكون لسارة امرأتك ابن )). وكانت سارة تتسمع عند باب الخيمة الذي وراءه.

وكان إبراهيم وسارة شيخين طاعنين في السن، وقد انقطع عن سارة ما يجري للنساء.

فضحكت سارة في نفسها قائلة: (( ابعد هرمي أعرف اللذة، وسيدي قد شاخ؟ ))

فقال الرب لإبراهيم: (( ما بال سارة قد ضحكت قائلة: أحقا ألد وقد شخت؟

هل من أمر يعجز الرب؟ في مثل هذا الوقت أعود إليك ويكون لسارة آبن ))

فأنكرت سارة قائلة: (( لم أضحك ))، ذلك بأنها خافت. فقال: (( لا، بل ضحكت )).

ثم قام الرجال من هناك واتجهوا نحو سدوم، ومضى إبراهيم معهم ليشيعهم.

فقال الرب: أأكتم عن إبراهيم ما أنا صانعه،

وإبراهيم سيصير أمة كبيرة مقتدرة وتتبارك به أمم الأرض كلها؟

وقد اخترته ليوصي بنيه وبيته من بعده بأن يحفظوا طريق الرب ليعملوا بالبر والعدل، حتى ينجز الرب لإبراهيم ما وعده به )).

فقال الرب: (( إن الصراخ على سدوم وعمورة قد آشتد وخطيئتهم قد ثقلت جدا.

أنزل وأرى هل فعلوا أم لا بحسب ما بلغني من صراخ عليها، فأعلم )).

وآنصرف الرجلان من هناك ومضيا نحو سدوم، وبقي إبراهيم واقفا أمام الرب.

فتقدم إبراهيم وقال: (( أحقا تهلك البار مع الشرير؟

لعله يوجد خمسون بارا في المدينة، أحقا تهلكها ولا تصفح عنها من أجل الخمسين بارا الذين فيها؟

حاش لك أن تصنع مثل هذا: أن تميت البار مع الشرير، فيكون البار كالشرير. حاش لك! أديان الأرض كلها لا يدين بالعدل؟ )).

فقال الرب: (( إن وجدت في سدوم خمسين بارا في المدينة، فإني أصفح عن المكان كله من أجلهم )).

فأجاب إبراهيم وقال: (( قد أقدمت على الكلام مع سيدي، وأنا تراب ورماد.

لربما نقص الخمسون بارا خمسة، أفتهلك المدينة كلها بسبب الخمسة؟ ))

فقال: (( لا أهلكها، إن وجدت هناك خمسة وأربعين )). ثم عاد أيضا وكلمه فقال: (( لربما وجد هناك أربعون )). فقال: (( لا أفعل من أجل الأربعين )).

قال إبراهيم: (( لا يغضب سيدي أن أتكلم: لربما وجد هناك ثلاثون )). فقال: (( لا أفعل، إن وجدت هناك ثلاثين )).

قال: (( قد أقدمت على الكلام مع سيدي: لربما وجد هناك عشرون )). قال: ((لا أهلك من أجل العشرين )).

فقال: ((لا يغضب سيدي أن أتكلم أيضا هذه المرة الأخيرة: لربما وجد هناك عشرة )). قال: ((لا أهلك من أجل العشرة )).

ومضى الرب عندما آنتهى من الكلام مع إبراهيم، ورجع إبراهيم إلى مكانه.

فجاء الملاكان إلى سدوم مساء، وكان لوط جالسا عند باب سدوم. فلما رآهما لوط، قام للقائهما وسجد بوجهه إلى الأرض،

وقال: ((سيدي، ميلا إلى بيت عبدكما وبيتا وآغسلا أرجلكما، ثم تبكران وتمضيان في سبيلكما )). فقالا: ((لا، بل في الساحة نبيت )).

فألح عليهما كثيرا، فمالا إليه ودخلا منزله. فصنع لهما مأدبة وخبز فطيرا، فأكلا.

وقبل أن يضطجعا، إذا بأهل المدينة، أهل سدوم، قد أحاطوا بالمنزل، من الصبي إلى الشيخ، جميع القوم إلى آخرهم.

فنادوا لوطا وقالوا له: (( أين الرجلان اللذان قدما إليك في هذه الليلة؟ أخرجهما لكى نعرفهما )).

فخرج إليهم لوط إلى المدخل وأغلق الباب وراءه

وقال: (( أسألكم ألا تفعلوا شرا، يا إخوتي.

هاءنذا لي آبنتان ما عرفتا رجلا: أخرجهما إليكم، فاصنعوا بهما ما حسن في أعينكم. وأما هذان الرجلان، فلا تفعلوا بهما شيئا، لأنهما دخلا تحت ظل سقفي )).

فقالوا: (( تنح من هنا! )). ثم قالوا: (( هذا رجل ينزل بنا فيقيم نفسه حاكما! الآن نفعل بك أسوأ مما نفعل بهما )). وضيقوا على لوط وتقدموا ليكسروا الباب.

فمد الرجلان أيديهما وأدخلا لوطا إليهما إلى البيت وأغلقا الباب.

وأما القوم الذين عند باب البيت، فضرباهم بالعمى من صغيرهم إلى كبيرهم، فلم يقدروا أن يجدوا الباب.

وقال الرجلان للوط: ((من لك أيضا ههنا؟ أصهارك وبنوك وبناتك وجميع من لك في المدينة أخرجهم من هذا المكان،

فإننا مهلكان هذا المكان، فقد اشتد الصراخ عليهم أمام الرب، وقد أرسلنا الرب لنهلك المدينة )).

فخرج لوط وكلم أصهاره الذين سيتخذون بناته وقال لهم: (( قوموا واخرجوا من هذا المكان، لأن الرب مهلك المدينة )). فكان كمازح في أعين أصهاره.

فلما طلع الفجر، ألح الملاكان على لوط قائلين: (( قم فخذ آمرأتك وابنتيك الموجودتين هنا، لئلا تهلك بعقاب المدينة )).

فتردد لوط، فأمسك الرجلان بيده وبيد امرأته وابنتيه، لشفقة الرب عليه، وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة.

فلما أخرجاهم إلى خارج قالا: (( انج بنفسك. لا تلتفت إلى ورائك ولا تقف في السهل كله، وانج إلى الجبل لئلا تهلك )).

فقال لهما لوط: (( لا، أرجوك، يا سيدي.

إن عبدك قد نال حظوة في عينيك، وعظمت رحمتك الني صنعتها إلي بإبقائك على حياتي. إني لا أستطيع النجاة إلى الجبل دون أن يلحق بي الشر فأموت.

ها إن هذه المدينة قريبة للهرب إليها، وهي صغيرة، فدعني أنجو إليها- اليست صغيرة؟- فتحيا نفسي )).

فقال له: (( هاءنذا قد أكرمت وجهك في هذا الأمر أيضا بأن لا أقلب المدينة التي ذكرتها.

أسرع بالنجاة إلى هناك، فإني لا أستطيع أن أعمل شيئا إلى أن تصير إليها )). لذلك سميت المدينة صوعر.

ولما أشرقت الشمس على الأرض، دخل لوط صوعر.

وأمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتا ونارا من السموات،

وقلب تلك المدن وكل السهل وجميع سكان المدن ونبات الأرض.

فالتفتت امرأة لوط إلى ورائها فصارت نصب ملح.

فبكر إبراهيم إلى المكان الذي وقف فيه أمام الرب،

وتطلع إلى جهة سدوم وعمورة وأرض السهل كلها ونظر، فإذا دخان الأرض صاعد كدخان الأتون.

ولما أهلك الله مدن السهل، ذكر الله إبراهيم فانتشل لوطا من وسط الكارثة، حين قلب المدن التي كان لوط مقيما فيها.

وصعد لوط من صوعر وأقام في الجبل هو وابنتاه معه، لأنه خاف أن يقيم في صوعر. فأقام في مغارة هو وابنتاه.

فقالت الكبرى للصغرى. (( إن أبانا قد شاخ، وليس في الأرض رجل يدخل علينا على عادة الأرض كلها.

تعالي نسقي أبانا خمرا ونضاجعه ونقيم من أبينا نسلا )).

فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة، وجاءت الكبرى فضاجعت أباها ولم يعلم بنيامها ولا قيامها.

فلما كان الغد، قالت الكبرى للصغرى: (( هاءنذا قد ضاجعت أمس أبي، فلنسقه خمرا هذه الليلة أيضا، وتعالي أنت فضاجعيه لنقيم من أبينا نسلا )).

فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا، وقامت الصغرى فضاجعته ولم يعلم بنيامها ولا قيامها.

فحملت ابنتا لوط من أبيهما.

وولدت الكبرى أبنا. وسمته موآب، وهو أبو الموآبيين إلى اليوم.

والصغرى أيضا ولدت ابنا وسمته بنعمي، وهو أبو بني عمون إلى اليوم.

ورحل إبراهيم من هناك إلى أرض النقب وأقام بين قادش وشور ونزل بجرار.

وقال إبراهيم في سارة امرأته: ((هي اختي )). فأرسل أبيملك، ملك جرار، فأخذ سارة.

فأتى الله أبيملك في حلم الليل وقال له: (( إنك ستموت بسبب المرأة التي أخذتها، فإنها مزوجة من زوج )).

ولم يكن أبيملك قد دنا منها. فقال: (( سيدي، أوثنيا وإن كان بارا تقتل؟

أليس هو الذي قال لي: هي اختي، وهي أيضا قالت: هو أخي. بسلامة قلبي ونقاوة كفي صنعت ذلك )).

فقال له الله في الحلم: (( وأنا أيضا قد علمت أنك بسلامة قلبك صنعت ذلك، فكففتك عن أن تخطأ إلي، ولذلك لم أدعك تمسها.

والآن، رد آمرأة الرجل، فإنه نبي وهو يدعو لك فتحيا، وإن لم تردها فاعلم أنك موتا تموت أنت وجميع من لك )).

فبكر أبيملك في الغد ودعا جميع خدمه وتكلم بجميع هذه الأمور على مسامعهم، فخاف القوم جدا.

ثم دعا أبيملك إبراهيم وقال له: ((ماذا صنعت بنا؟ وبماذا خطئت إليك حتى جلبت علي وعلى مملكتي هذه الخطيئة العظيمة؟ إنك صنعت بي ما لا يصنع )).

وقال أبيملك لإبراهيم: (( ما بدا لك مني حتى فعلت هذا الأمر؟ ))

فقال إبراهيم: (( إني قلت في نفسي: لاشك أن ليس في هذا المكان خوف الله، فيقتلونني بسبب آمرأتي.

وفي الحقيقة هي أختي، آبنة أبي. لكنها ليست ابنة أمي، فصارت آمرأة لي.

فلما رحلني الله من بيت أبي، قلت لها: هذا ما تتفضلين به علي: حيثما جئنا فقولي فى: هو أخي )).

فأخذ أبيملك غنما وبقرا وخداما وخادمات وأعطاها إبراهيم ورد إليه سارة آمرأته.

وقال ابيملك: (( هذه أرضي بين يديك، فحيثما طاب لك فأقم فيه )).

وقال لسارة: (( قد أعطيت أخاك ألف مثقال من الفضة، تكون لك حجاب عين لكل من معك فتتزكين تماما )).

فصلى إبراهيم إلى الله، فعافى الله أبيملك وامرأته وخادماته فولدن،

لأن الرب كان قد حبس كل رحم في بيت أبيملك، بسبب سارة امرأة إبراهيم.

وافتقد الرب سارة كما قال، وصنع الرب إلى سارة كما قال.

فحملت سارة وولدت لإبراهيم آبنا في شيخوخته في الوقت الذي وعد الله به.

فسمى إبراهيم آبنه المولود له، الذي ولدته له سارة، اسحق.

وختن إبراهيم إسحق آبنه، وهو آبن ثمانية الأم، بحسب ما أمره الله به.

وكان إبراهيم ابن مئة سنة حين ولد له إسحق ابنه.

وقالت سارة: (( جعل الله لي ما يضحك، فكل من سمع بذلك يضحك بشأني )).

وقالت: (( من كان يقول لإبراهيم: إن سارة سترضع البنين! فقد ولدت ابنا لشيخوخته )).

وكبر الولد وفطم، وأقام إبراهيم مأدبة عظيمة في يوم فطام إسحق.

ورأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدته لإبراهيم يلعب مع ابنها إسحق.

فقالت لإبراهيم: (( أطرد هذه الخادمة وآبنها، فإن آبن هذه الجارية لن يرث مع آبني إسحق )).

فساء هذا الكلام جدا في عيني إبراهيم بشأن ابنه.

فقال الله لإبراهيم: (( لا يسؤ في عينيك أمر الصبي وأمر خادمتك. مهما قالت لك سارة، فاسمع لقولها، لأنه بإسحق يكون لك نسل باسمك.

وأما ابن الخادمة، فهو أيضا أجعله أمة عظيمة، لأنه نسلك )).

فبكر إبراهيم في الصباح وأخذ خبزا وقربة ماء فأعطاهما هاجر وجعل الولد على كتفها، وصرفها. فمضت وتاهت في برية بئر سبع.

ونفد الماء من القربة، فطرحت الولد تحت بعض الشيح.

ومضت فجلست تجاهه على بعد رمية قوس، لأنها قالت: (( لا رأيت موت الولد! )). فجلست تجاهه، ورفعت صوتها وبكت.

وسمع الله صوت الصبي، فنادى ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها: ((ما لك يا هاجر؟ لا تخافي، فإن الله قد سمع صوت الصبي حيث هو.

قومي فخذي الصبي وشدي عليه يدك، فإني جاعله أمة عظيمة )).

وفتح الله عينيها فرأت بئر ماء ، فمضت وملأت القربة ماء وسقت الصبي.

وكان الله مع الصبي حتى كبر فأقام بالبرية وكان راميا بالقوس.

وأقام ببرية فاران، واتخذت له أمه امرأة من أرض مصر.

وكان في ذلك الزمان أن أبيملك وفيكول، قائد جيشه، كلما إبراهيم قائلين: (( إن الله معك في جميع ما تعمله.

والآن احلف لي بالله ههنا أنك لا تخدعني ولا تخدع ذريتي وخلفي، بل تعاملني وتعامل البلد الذي نزلت به بالرحمة التي عاملتك بها )).

فقال إبراهيم: (( أحلف )).

وعاتب إبراهيم أبيملك بسبب بئر الماء التي غصبها خدم أبيملك.

فقال أبيملك: (( لم أعلم من فعل هذا الأمر، وأنت لم تخبرني، ولا أنا سمعت إلا اليوم )).

وأخذ إبراهيم غنما وبقرا فأعطاها أبيملك وقطعا كلاهما عهدا.

ووضع إبراهيم سبع نعاج من الغنم على حدة،

فقال أبيملك لإبراهيم: (( ما هذه السبع النعاج التي وضعتها على حدة؟ ))

قال: (( سبع نعاج تأخذ من يدي لتكون شهادة لي بأني حفرت هذه البئر )).

ولذلك سمي ذلك المكان بئر سبع، لأنهما هناك حلفا كلاهما.

وقطعا عهدا في بئر سبع، وقام أبيملك وفيكول، قائد جيشه، ورجعا إلى أرض الفلسطينيين.

وغرس إبراهيم طرفاءة في بئر سبع ودعا هناك باسم الرب الإله السرمدي.

ونزل إبراهيم بأرض الفلسطينيين الأما كثيرة.

وكان بعد هذه الأحداث أن الله امتحن إبراهيم فقال له: (( يا إبراهيم )). قال: ((هاءنذا )).

قال: (( خذ ابنك وحيدك الذي تحبه، إسحق، وآمض إلى أرض الموريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أريك )).

فبكر إبراهيم في الصباح وشد على حماره وأخذ معه آثنين من خدمه وإسحق ابنه وشقق حطبا للمحرقة، وقام ومضى إلى المكان الذي أراه الله إياه.

وفي اليوم الثالث، رفع إبراهيم عينيه فرأى المكان من بعيد.

فقال إبراهيم لخادميه: ((أمكثا أنتما ههنا مع الحمار، وأنا والصبي نمضي إلى هناك فنسجد ونعود إليكما )).

وأخذ إبراهيم حطب المحرقة وجعله على إسحق آبنه، وأخذ بيده النار والسكين وذهبا كلاهما معا.

فكلم إسحق إبراهيم أباه قال: (( يا أبت )). قال: (( هاءنذا، يا بني )). قال: (( هذه النار والحطب، فأين الحمل للمحرقة؟ ))

فقال إبراهيم: (( الله يرى لنفسه الحمل للمحرقة، يا بني )) ومضيا كلاهما معا.

فلما وصلا إلى المكان الذي أراه الله إياه، بنى إبراهيم هناك المذبح ورتب الحطب وربط إسحق آبنه وجعله على المذبح فوق الحطب.

ومد إبراهيم يده فأخذ السكين ليذبح آبنه.

فناداه ملاك الرب من السماء قائلا: (( إبراهيم إبراهيم! )) قال: (( هاءنذا )).

قال: (( لا تمد يدك إلى الصبي ولا تفعل به شيئا، فإني الآن عرفت أنك متق لله، فلم تمسك عني آبنك وحيدك )).

فرفع إبراهيم عينيه ونظر، فإذا بكبش واحد عالق بقرنيه في دغل. فعمد إبراهيم إلى الكبش وأخذه وأصعده محرقة بدل ابنه.

وسمى إبراهيم ذلك المكان (( الرب يرى ))، ولذلك يقال اليوم: (( في الجبل، الرب يرى )).

ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء

وقال: ((بنفسي حلفت، يقول الرب، بما أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك عني آبنك وحيدك،

لأباركنك وأكثرن نسلك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك مدن أعدائه،

ويتبارك بنسلك جميع أمم الأرض، لأنك سمعت قولي )).

ثم رجع إبراهيم إلى خادميه، فقاموا ومضوا معا إلى بئر سبع، وأقام إبراهيم في بئر سبع.

وبعد هذه الأحداث، أخبر إبراهيم وقيل له: (( إن ملكة أيضا قد ولدت بنين لناحور أخيك:

عوصا بكره وبوزا أخاه وقموئيل أبا أرام

وكاسد وحزوا وفلداش ويدلاف وبتوئيل )) (وولد بتوئيل رفقة).

هؤلاء الثمانية ولدتهم ملكة لناحور أخي إبراهيم.

وسريته، وآسمها رؤومه، ولدت أيضا طابح وجاحم وطاحش ومعكة.

وكانت سنو عمر سارة مئة وسبعا وعشرين سنة.

وماتت سارة في قرية أربع، وهي حبرون، في ارض كنعان. فأقبل إبراهيم يندب سارة ويبكيها.

وقام إبراهيم من أمام ميته وكلم بني حث

قائلا: (( أنا نزيل ومقيم عندكم. أعطوني ملك قبر عندكم فأدفن ميتي من أمام وجهي )).

فأجاب بنو حث إبراهيم قائلين له:

(( ألا آسمعنا يا سيدي. أنت زعيم لله في وسطنا: في أفضل قبورنا أدفن ميتك، فليس أحد منا يرفض لك قبره لتدفن فيه ميتك )).

فقام إبراهيم وسجد لأهل البلد، أي لبني حث،

وكلمهم قائلا: (( إن طابت نفوسكم بأن أدفن ميتي من أمام وجهي، فاسمعوا لى واسألوا لي عفرون بن صوحر

أن يعطيني مغارة المكفيلة التي له في طرف حقله في وسطكم، يعطيني إياها بثمنها الكامل لتكون لي ملك قبر )).

وكان عفرون جالسا في وسط بني حث، فأجاب عفرون الحثي إبراهيم على مسامع بني حث، أمام كل من دخل باب مدينته، قائلا:

(( لا يا سيدي، اسمع لي. الحقل قد وهبته لك، والمغارة التي فيه أيضا وهبتها لك مني، على مشهد بني قومي وهبتها لك. إدفن ميتك )).

فسجد إبراهيم أمام أهل البلد،

وكلم عفرون على مسامعهم قائلا: ((أسألك أن تسمع لي. أعطيك ثمن الحقل، فخذه مني فأدفن ميتي هناك )).

فأجاب عفرون إبراهيم وقال له:

(( يا سيدي، اسمع لي: أرض تساوي أربع مئة مثقال فضة، ما عسى أن تكون بيني وبينك؟ ادفن )).

فلما سمع إبراهيم ذلك منه، وزن له الفضة التي ذكرها على مسامع بني حث، أربع مئة مثقال فضة، مما هو رائج بين التجار.

فحقل عفرون الذي في المكفيلة التي تجاه ممرا، الحقل والمغارة التي فيه، وكل ما فيه من الشجر بجميع حدوده المحيطة به،

ذلك كله أصبح ملكا لإبراهيم بمشهد بني حث كل من دخل باب مدينته.

وبعد ذلك، دفن إبراهيم سارة امرأته في مغارة حقل المكفيلة تجاه ممرا، وهي حبرون، في أرض كنعان.

وأصبح الحقل والمغارة التي فيه لإبراهيم ملك قبر من عند بني حث.

وشاخ إبراهيم وطعن في السن، وكان الرب قد بارك إبراهيم في كل شيء.

وقال إبراهيم لأقدم خدام بيته، المولى على جميع ما له: (( ضع يدك تحت فخذي،

فأستحلفك بالرب، إله السماء وإله الأرض، أن لا تأخذ زوجة لآبني من بنات الكنعانيين الذين أنا مقيم في وسطهم،

بل إلى أرضي وإلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجة لآبني إسحق )).

فقال له الخادم: ((لعل المرأة لا تريد أن تتبعني إلى هذه الأرض، فهل أرد ابنك إلى الأرض التي خرجت منها؟ ))

فقال له إبراهيم: (( إياك أن ترد آبني إلى هناك.

إن الرب، إله السماء وإله الأرض، الذي أخذني من بيت أبي ومن مسقط رأسي، والذي كلمني والذي أقسم لي قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض، هو يرسل ملاكه أمامك فتأخذ زوجة لأبني من هناك.

وإن لم ترد المرأة أن تتبعك، فأنت بريء من قسمي هذا. أما ابني فلا ترجع به إلى هناك )).

فوضع الخادم يده تحت فخذ سيده وحلف له على ذلك.

وأخذ الخادم عشرة جمال من جمال سيده ومضى، وفي يده من خيرات سيده كلها، وقام ومضى إلى أرام النهرين، إلى مدينة ناحور.

فأناخ الجمال خارج المدينة، بالقرب من بئر الماء، عند المساء، وقت خروج المستقيات.

وقال: (( أيها الرب، إله سيدي إبراهيم، يسر لي اليوم وآصنع رحمة إلى سيدي إبراهيم!

هاءنذا واقف بالقرب من عين الماء، وبنات أهل المدينة خارجات ليستقين ماء.

فليكن أن الفتاة التي أقول لها: أميلي جرتك حتى أشرب، فتقول: اشرب، وأنا أسقي جمالك أيضا، تكون هي التي عينتها لعبدك إسحق، وبذلك أعلم أنك صنعت رحمة إلى سيدي )).

فكان قبل الانتهاء من كلامه أن خرجت رفقة التي ولدت لبتوئيل، ابن ملكة، امرأة ناحور، أخي إبراهيم، وجرتها على كتفها.

وكانت الفتاة جميلة المنظر جدا، عذراء لم يعرفها رجل. فنزلت إلى العين وملأت جرتها وصعدت

فأسرع الخادم إلى لقائها وقال: (( اسقيني قليلا من ماء جرتك )).

فقالت: (( اشرب يا سيدي ))، وأسرعت فأنزلت جرتها على يدها وسقته.

ولما آنتهت من سقيه، قالت: ((أستقي لجمالك أيضا حتى تنتهي من الشرب )).

وأسرعت وأفرغت جرتها في المسقاة وأسرعت أيضا إلى البئر لتستقي، فاستقت لجميع جماله.

وبقي الرجل متأملا إياها صامتا، ليعلم هل أنجح الله طريقه أم لا.

فلما فرغت الجمال من شربها، أخذ الرجل حلقة أنف من ذهب وزنها نصف مثقال، وسوارين ليديها وزنها عشرة مثاقيل ذهب،

وقال: (( بنت من أنت؟ أخبريني هل في بيت أبيك موضع نبيت فيه؟ ))

فقالت له: (( أنا ابنة بتوئيل ابن ملكة الذي ولدته لناحور )).

وقالت له: (( عندنا كثير من التبن والعلف وموضع للمبيت أيضا )).

فانحنى وسجد للرب،

وقال: ((تبارك الرب، إله سيدي إبراهيم الذي لم يقطع رحمته ووفاءه عن سيدي وهداني في طريقي إلى ببت أخي سيدي )).

فركضت الفتاة وأخبرت بيت أمها بهذه الأمور.

وكان لرفقة أخ اسمه لابان، فركض لابان إلى الرجل، إلى العين، خارجا.

وكان أنه، إذ رأى الحلقة والسوارين في يدي أخته وسمع كلام رفقة أخته قائلة: كذا خاطبني الرجل، ذهب إليه، فإذا هو واقف مع الجمال عند العين.

فقال: (( ادخل، يا مبارك الرب، لماذا تقف خارجا، فإني قد هيأت البيت وموضعا للجمال )).

وأدخل الرجل إلى البيت وحل عن الجمال وطرح لها تبنا وعلفا، وأعطى الرجل ماء ليغسل رجليه وأرجل القوم الذين معه.

ثم وضع الطعام أمامه يأكل، فقال: (( لا آكل حتى أقول ما عندي )). فقال له لابان: (( قل )).

قال: (( أنا خادم إبراهيم،

والرب قد بارك سيدي جدا فصار غنيا: رزقه غنما وبقرا وفضة وذهبا وخدما وخادمات وجمالا وحميرا.

وولدت سارة آمرأة سيدي ابنا لسيدي، بعد أن شاخت، فأعطاه جميع ما له.

وقد استحلفني سيدي قائلا: لا تأخذ لآبني آمرأة من بنات الكنعانيين الذين أنا مقيم بأرضهم،

بل إلى بيت أبي وإلى عشيريى تذهب وتأخذ امرأة لآبني.

فقلت لسيدي: لعل المرأة لا تتبعني.

فقال لي: إن الرب الذي سرت أمامه يرسل ملاكه معك وينجح طريقك، فتأخذ آمرأة لآبني من عشيرتي ومن بيت أبي.

حينئذ تبرأ من دعائي عليك، لأنك تكون قد ذهبت إلى عشيرتي. وإن هم لم يعطوك، كنت بريئا من دعائي عليك.

فجئت اليوم إلى العين فقلت: أيها الرب إله سيدي إبراهيم، إن كنت تنجح طريقي الذي أنا سائر فيه،

فهاءنذا واقف على عين الماء. فالفتاة التي تخرج لتستقي، فأقول لها: اسقيني قليلا من الماء من جرتك،

فتقول لي: اشرب، وأنا استقي لجمالك أيضا، تكون هي المرأة التي عينها الرب لآبن سيدي.

وقبل أن أنتهي من الكلام في قلبي، إذا برفقة خارجة وجرتها على كتفها، فنزلت إلى العين واستقت. فقلت لها: اسقيني.

فأسرعت وأنزلت جرتها وقالت: اشرب، وأنا أسقي جمالك أيضا. فشربت، وسقت الجمال أيضا.

فسألتها وقلت: بنت من أنت؟ فقالت: بنت بتوئيل بن ناحور الذي ولدته له ملكة. فجعلت الحلقة في أنفها والسوارين في يديها.

وآرتميت إلى الأرض وسجدت للرب وباركت الرب إله سيدي إبراهيم الذي هداني طريقا صالحا لآخذ ابنة أخي سيدي لابنه.

والآن إن كنتم صانعين رحمة ووفاء إلى سيدي، فأعلموني بذلك، وإلا فأعلموني لكي أتجه يمينا أو يسارا )).

فأجابه لابان وبتوئيل وقالا: (( إن الأمر صادر من عند الرب، فليس لنا أن نكلمك فيه بشر أو خير.

هذه رفقة أمامك، خذها وآمض فتكون امرأة لابن سيدك، كما قال الرب )).

فلما سمع خادم إبراهيم كلامهم، سجد للرب إلى الأرض،

وأخرج الخادم حلى فضة وحلى ذهب وثيابا وأعطاها رفقة، وهدايا قدمها لأخيها وأمها.

وأكلوا وشربوا هو والقوم الذين معه وباتوا. ثم نهضوا صباحا، فقال: (( اصرفوني إلى سيدي )).

فقال أخوها وأمها: (( تبقى الفتاة عندنا أياما ولو عشرة، وبعد ذلك تمضي )).

فقال لهم: (( لا تؤخروني، والرب قد أنجح طريقي. إصرفوني فأمضي إلى سيدي )).

فقالوا: (( ندعو الفتاة ونسألها ماذا تقول )).

فدعوا رفقة وقالوا لها: (( هل تذهبين مع هذا الرجل )) قالت: (( أذهب )).

فصرفوا رفقة أختهم وحاضنتها وخادم إبراهيم ورجاله.

وباركوا رفقة وقالوا لها: (( أنت أختنا فكوني ألوف ربوات وليرث نسلك مدن مبغضيه ))

وقامت رفقة وجواريها فركبن الجمال ومضين مع الرجل، وأخذ الخادم رفقة ومضى.

وكان إسحق قد رجع من بئر الحي الراءي، وكان مقيما بأرض النقب.

وخرج إسحق إلى الحقل للتنزه عند المساء. فرفع عينيه ونظر، فإذا جمال مقبلة.

ورفعت رفقة عينيها فرأت إسحق فقفزت عن الجمل،

وقالت للخادم: (( من هذا الرجل القادم في الحقل للقائنا؟ )) فقال الخادم: (( هو سيدي )). فأخذت الحجاب واحتجبت به.

ثم أخبر الخادم إسحق بجميع الأمور التي صنعها.

فأدخل إسحق رفقة إلى خيمة أمه سارة وأخذ رفقة، فصارت له زوجة وأحبها، وتعزى إسحق عن أمه.

وعاد إبراهيم فأخذ زوجة اسمها قطورة.

فولدت له زمران ويقشان ومدان ومدين ويشباق وشوحا.

وولد يقشان شبأ وددان، وبنو ددان هم الأشوريم واللطوشيم واللؤميم.

وبنو مدين هم عيفة وعفر وحنوك وأبيداع وألداعة. جميع هؤلاء هم بنو قطورة.

وأعطى إبراهيم كل ما له لإسحق.

ولبني السراري التي لإبراهيم وهب إبراهيم هبات، وصرفهم، وهو على قيد الحياة، بعيدا عن إسحق ابنه، شرقا إلى أرض المشرق.

وهذه أيام سني حياة إبراهيم التي عاشها: مئة سنة وخمس وسبعون سنة.

ثم فاضت روحه ومات بشيبة طيبة، شيخا مشبعا بالالأم، وآنضم إلى قومه.

فدفنه إسحق وإسماعيل آبناه في مغارة المكفيلة في حقل عفرون بن صوحر الحثي الذي تجاه ممرا،

في الحقل الذي آشتراه إبراهيم من بني حث.

هناك قبر إبراهيم وآمرأته سارة. وكان بعد موت إبراهيم أن الله بارك إسحق آبنه وأقام إسحق عند بئر الحي الراءي.

وهذه سلالة إسماعيل بن إبراهيم الذي ولدته هاجر المصرية خادمة سارة لإبراهيم.

هذه أسماء بني إسماعيل بحسب أسمائهم وسلالتهم: نبايوت بكر إسماعيل، وقيدار وأدبئيل ومبسام.

ومشماع ودومة ومسا

وحدار وتيما ويطور ونافيش وقدمة.

هؤلاء هم بنو إسماعيل وهذه أسماؤهم بحسب قراهم ومخيماتهم: اثنا عشر زعيما لعشائرهم.

وهذه سنو حياة إسماعيل: مئة سنة وسبع وثلاثون سنة، ثم فاضت روحه ومات وآنضم إلى أجداده.

وأقاموا من حويلة إلى شور التي تجاه مصر وأنت آت نحو أشور. وكان قد نزل قبالة جميع إخوته.

وهذه سيرة إسحق بن إبراهيم: إبراهيم ولد إسحق.

وكان إسحق آبن أربعين سنة حين آتخذ رفقة زوجة له، وهي بنت بتوئيل الأرامي من فدان أرام، وأخت لابان الأرامي.

ثم دعا إسحق إلى الرب لأجل امرأته، لأنها كانت عاقرا، فاستجابه الرب، وحملت رفقة امرأته.

وأصطدم الولدان في جوفها، فقالت: (( إن كان الأمر هكذا، فما لي والحياة؟ ))

ومضت تستشير الرب فقال لها الرب: (( في جوفك أمتان ومن أحشائك يتفرع شعبان: شعب يقوى على شعب والكبير يخدم الصغير )).

فلما كملت الأم ولادتها، إذا في بطنها توأمان.

فخرج الأول أصهب اللون، كله كفروة شعر ، فسموه عيسو.

ثم خرج أخوه ويده قابضة على عقب عيسو، فدعي باسم يعقوب. وكان إسحق ابن ستين سنة حين ولدا.

وكبر الصبيان، فكان عيسو رجلا عارفا بالصيد، رجل الحقول، وكان يعقوب رجلا مستقرا، مقيما بالخيام.

فأحب إسحق عيسو، لأنه كان يستطيب صيده، وأما رفقة فأحبت يعقوب.

وطبخ يعقوب طبيخا، وقدم عيسو من الحقل مرهقا.

فقال عيسو ليعقوب: (( دعني ألتهم من هذا الأحمر، فإني قد أرهقت )) (ولذلك قيل له أدوم).

فقال يعقوب: (( بعني اليوم بكريتك ))

فقال عيسو: (( هاءنذا صائر إلى الموت، فما لي والبكرية؟ (( فقال يعقوب: (( احلف لي اليوم )).

فحلف له وباع بكريته ليعقوب.

فاعطى يعقوب لعيسو خبزا وطبيخا من العدس، فأكل وشرب وقام ومضى، وهكذا آستخف عيسو بالبكرية.

وكانت في الأرض مجاعة غير المجاعة الأولى التي كانت في الأم إبراهيم. فمضى إسحق إلى أبيملك، ملك الفلسطينيين في جرار.

فتراءى له الرب وقال: (( لا تنزل إلى مصر، بل أقم في الأرض التي أعينها لك.

إنزل هذه الأرض، وأنا أكون معك وأباركك، لأني لك ولنسلك سأعطي هذه البلاد كلها، وأفي بالقسم الذي أقسمته لإبراهيم أبيك.

وأكثر نسلك كنجوم السماء، وأعطى نسلك هذه البلاد كلها، وتتبارك بنسلك أمم الأرض كلها،

من أجل أن إبراهيم أصغى إلى صوتي وحفظ أوامري ووصاياي وفرائضي وشرائعي.

فأقام إسحق في جرا ر.

وسأله أهل المكان عن امرأته، فقال: ((هي أختي ))، لأنه خاف أن يقول: (( هي امرأتي ))، قائلا في نفسه: (( لئلا يقتلني أهل المكان بسبب رفقة، لأنها جميلة المنظر )).

وكان، لما طالت الأم إقامته، أن أبيملك، ملك الفلسطينيين، تطلع من النافذة ورأى، فإذا إسحق يداعب رفقة امرأته.

فدعا أبيملك إسحق وقال: (( هي إذا آمرأتك، فلم قلت: إنها أختي؟ )). فقال إسحق: (( لأني قلت: (( لعلي أموت بسببها )).

فقال أبيملك: (( ماذا صنعت بنا؟ لولا قليل، لضاجع أحد من الشعب امرأتك، فجلبت علينا ذنبا.

وأمر أبيملك الشعب كله قائلا: ((من مس هذا الرجل أو أمرأته يقتل قتلا )).

وزرع إسحق في تلك الأرض فأصاب في تلك السنة مئة ضعف، وباركه الرب،

فآغتنى الرجل وكان يزداد غنى إلى أن صار غنيا جدا.

وصارت له ماشية غنم وماشية بقر وخدم كثيرون، فحسده الفلسطينيون.

وجميع الابار التي حفرها خدم أبيه في الأم إبراهيم أبيه كان الفلسطينيون قد ردموها وملأوها ترابا.

وقال أبيملك لإسحق: (( إنصرف من عندنا، لأنك قد أصبحت أقوى منا جدا )).

فآنصرف إسحق من هناك وخيم في وادي جرار وأقام هناك.

ثم عاد إسحق فحفر آبار الماء التي كان خدم إبراهيم أبيه قد حفروها وردمها الفلسطينيون بعد موت إبراهيم، ودعاها بالأسماء التى كان أبوه قد دعاها بها.

وحفر خدم إسحق في الوادي فوجدوا هناك بئر مياه حية.

فتخاصم رعاة جرار ورعاة إسحق قائلين: ((هذا الماء لنا )). فسمى إسحق البئر (( عسق ))، لأنهم تنازعوا معه.

ثم حفروا بئرا أخرى فتخاصموا عليها أيضا، فسماها (( سطنة )).

ثم آنتقل من هناك وحفر بئرا أخرى، فلم يتخاصموا عليها، فسماها (( رحبوت )) وقال: (( الآن قد رحب الرب لنا فننمو فى هذه الأرض )).

ثم صعد من هناك إلى بئر سبع.

فتراءى له الرب في تلك الليلة وقال: (( أنا إله إبراهيم أبيك. لا تخف فإني معك. أباركك وأكثر نسلك من أجل عبدي إبراهيم )).

فبنى هناك مذبحا ودعا بآسم الرب، ونصب هناك خيمته. وحفر هناك خدم إسحق بئرا.

فذهب إليه من جرار أبيملك وأحزات صاحبه وفيكول قائد جيشه.

فقال له إسحق: (( ما بالكم أتيتم إلي وأنتم قد أبغضتموني وصرفتموني من عندكم؟ )).

فقالوا: (( إننا قد رأينا أن الرب معك، فقلنا: ليكن الآن قسم بيننا وبينك، ونقطع معك عهدا

ألا تصنع بنا سوءا كما أننا لم نمسك وكما أننا لم نصنع إليك إلا خيرا وصرفناك بسلام. أنت الآن مبارك الرب )).

فأقام لهم مأدبة فأكلوا وشربوا.

وبكروا في الصباح، فحلف كل منهم لصاحبه، وصرفهم إسحق: فمضوا من عنده بسلام.

وكان في ذلك اليوم أن خدم إسحق جاءوا فأخبروه بأمر البئر التي حفروها وقالوا له: (( قد وجدنا ماء )).

فدعاها (( شبع ))، ولذلك اسم المدينة بئر سبع إلى هذا اليوم.

ولما صار عيسو آبن أربعين سنة، اتخذ يهوديت، بنت بئيري الحثي، وبسمة، بنت أيلون الحثي، آمرأتين له.

فكانتا مرارة نفس لإسحق ورفقة.

وحدث، لما شاخ إسحق وكلت عيناه عن النظر، أنه دعا عيسو آبنه الأكبر وقال له: (( يا بني )). قال: ((هاءنذا )).

فقال: (( هاءنذا قد شخت ولا أعلم يوم موتي.

والآن خذ عدتك وجعبتك وقوسك، وآخرج إلى الحقل وصد لي صيدا،

وأعدد لي ألوانا طيبة كما أحب، وآئتني به فآكل، لكي تباركك نفسي قبل أن أموت )).

وكانت رفقة سامعة حين كلم إسحق عيسو ابنه. فمضى عيسو إلى الحقل ليصيد صيدا ويأتي به.

فكلمت رفقة يعقوب ابنها قائلة: (( إني قد سمعت أباك يكلم عيسو أخاك قائلا:

إئتني بصيد وأعدد لي ألوانا طيبة فآكل منها وأباركك أمام الرب قبل موتي.

والآن يا بني، اسمع لقولي في ما آمرك به:

امض إلى الغنم وخذ لي من هناك جديين من المعز جيدين، فأعدهما ألوانا طيبة لأبيك كما يحب،

فتأتي بها أباك ويأكل، لكي يباركك قبل موته )).

فقال يعقوب لرفقة أمه: ((عيسو أخي رجل أشعر وأنا رجل أملس.

فلعل أبي يجسني فأكون في عينيه كالساخر منه، وأجلب على نفسي لعنة لا بركة )).

قالت له أمه: (( علي لعنتك يا بنى، إنما اسمع لقولي وامض وخذ لي ذلك )).

فمضى وأخذ ذلك وأتى به أمه فأعدته أمه ألوانا طيبة، على ما يحب أبوه.

وأخذت رفقة ثياب عيسو ابنها الأكبر الفاخرة التي عندها في البيت فألبستها يعقوب آبنها الأصغر،

وكست يديه وملاسة عنقه بجلد المعز،

وأعطت يعقوب ابنها ما صنعته من الألوان الطيبة والخبز.

فدخل على أبيه وقال: (( يا أبت )). قال: (( لبيك، من أنت يا بني؟ )).

فقال يعقوب لأبيه: (( أنا عيسو بكرك قد صنعت كما أمرتني. قم فاجلس وكل من صيدي، لكي تباركني نفسك )).

فقال إسحق لآبنه: (( ما أسرع ما أصبت، يا بني )). قال: (( إن الرب إلهك قد يسر لي )).

فقال إسحق ليعقوب: (( تقدم حتى أجسك يا بني، لأعلم هل أنت آبني عيسو أم لا )).

فتقدم يعقوب إلى إسحق أبيه، فجسه وقال: (( الصوت صوت يعقوب، ولكن اليدين يدا عيسو )).

ولم يعرفه، لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه، فباركه.

وقال: (( هل أنت آبني عيسو؟ )) قال: ((أنا هو )).

فقال: قدم لي حتى آكل من صيد آبني، لكي تباركك نفسي )). فقدم له فأكل، وأتاه بخمر فشرب.

ثم قال له إسحق أبوه (( تقدم قبلني يا بني )).

فتقدم وقبله، فاشتم رائحة ثيابه وباركه وقال: ((ها هي ذه رائحة آبني كرائحة حقل قد باركه الرب.

يعطيك الله من ندى السماء ومن دسم الأرض ويكثر لك الحنطة والنبيذ

وتخدمك الشعوب وتسجد لك الأمم. سيدا تكون لإخوتك ولك بنو أمك يسجدون. لاعنك ملعون ومباركك مبارك ))

فلما آنتهى إسحق من بركته ليعقوب وخرج يعقوب من أمام إسحق أبيه، إذا عيسو أخوه قد أقبل من صيده.

فأعد هو أيضا ألوانا طيبة وأتى بها أباه وقال لأبيه: (( ليقم أبي ويأكل من صيد ابنه، لكي تباركني نفسلك ))،

فقال له إسحق أبوه: ((من أنت؟ )) قال: (( أنا ابنك بكرك عيسو )).

فارتعش إسحق أبوه آرتعاشا شديدا جدا وقال: (( فمن إذا ذاك الذي صاد صيدا فأتاني به؟ فقد أكلت من كله، قبل أن تجيء، وباركته، نعم! مباركا يكون )).

فلما سمع عيسو كلام أبيه، صرخ صرخة عظيمة ومرة جدا، وقال لأبيه: (( باركنى أنا أيضا يا أبت )).

فقال: (( قد جاء أخوك بمكر وأخذ بركتك )).

فقال: (( ألأنه سمي يعقوب قد تعقبني مرتين: أخذ بكريتي، وها هوذا الآن أخذ بركتي )). ثم قال: (( أما أبقيت لي بركة )).

فأجاب إسحق وقال لعيسو: (( هاءنذا قد جعلته سيدا لك ووهبت له جميع إخوته خدما، وبالحنطة والنبيذ أمددته، فماذا أصنع لك يا بني؟ ))

فقال عيسو لأبيه: (( أبركة واحدة لك يا أبت؟ باركني أنا أيضا يا أبت )). وبقي إسحق صامتا، ورفع عيسو صوته وبكى

. فأجابه إسحق أبوه وقال له: (( بمعزل عن دسم الأرض يكون مسكنك وعن طل السماء الذي من عل.

بسيفك تعيش وأخاك تخدم ويكون أنك، إذا قويت تكسر نيره عن عنقك )).

وحقد عيسو على يعقوب بسبب البركة التي باركه أبوه بها، وقال عيسو في قلبه: (( قد قربت الأم حزن أبي فأقتل يعقوب أخي )).

فأخبرت رفقة بكلام عيسو ابنها الأكبر، فبعثت واستدعت يعقوب آبنها الأصغر، وقالت له: (( هوذا عيسو أخوك منتقم منك بالقتل.

والآن، يا بني، اسمع لقولي: قم فاهرب إلى لابان أخي في حاران،

وأقم عنده أياما قلائل، حتى يتحول عنك غيظ أخيك.

فإذا تحول غضب أخيك عنك ونسي ما فعلت به، بعثت فأخدتك من هناك، فلماذا أصبح ثكلى مرتين في يوم واحد؟ )).

وقالت رفقة لإسحق: ((قد سئمت حياتي بسبب بنات حث. فإن تزوج يعقوب بآمرأة من بنات حث مثل هؤلاء، من بنات البلد، فما لي والحياة؟ )).

فدعا إسحق يعقوب وباركه وأوصاه قائلا له: (( لا تأخذ آمرأة من بنات كنعان.

قم فامض إلى فدان أرام، إلى بيت بتوئيل أبي أمك، وتزوج بامرأة من هناك، من بنات لابان خالك.

والله القدير يباركك وينميك ويكثرك وتكون جماعة شعوب.

ويعطيك بركة إبراهيم، لك ولنسلك معك، لترث أرض غربتك التي وهبها الله لإبراهيم )).

وأرسل إسحق يعقوب فمضى إلى فدان أرام، إلى لابان بن بتوئيل الأرامي، أخي رفقة أم يعقوب وعيسو.

ورأى عيسو أن إسحق قد بارك يعقوب وأرسله إلى فدان أرام، ليتخذ له من هناك آمرأة، وأنه، حين باركه، أوصاه قائلا له: (( لا تتخذ لك آمرأة من بنات كنعان ))،

وأن يعقوب أطاع أباه وأمه ومضى إلى فدان أرام.

ورأى عيسو أن بنات كنعان شريرات في عيني إسحق أبيه،

فمضى عيسو إلى إسماعيل فتزوج محلة بنت إسماعيل بن إبراهيم، أخت نبايوت، لتكون له زوجة مع نسائه.

وخرج يعقوب من بئر سبع ومضى إلى حاران.

واتفق أنه وجد مكانا بات فيه، لأن الشمس قد غابت. فأخذ بعض حجارة المكان. فوضعه تحت رأسه ونام في ذلك المكان.

وحلم حلما، فإذا سلم منتصب على الأرض ورأسه يلامس السماء، وإذا ملائكة الله صاعدون نازلون عليه،

وإذا الرب واقف بالقرب من يعقوب، فقال: (( أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحق. إن الأرض التي أنت نائم عليها، لك أعطيها ولنسلك،

ويكون نسلك كتراب الأرض، فتنتشر غربا وشرقا وشمالا وجنوبا، ويتبارك بك وبنسلك جميع عشائر الأرض.

وها أنا معك، أحفظك حيثما اتجهت، وسأردك إلى هذه الأرض، فإني لا أتركك حتى أعمل بما كلمتك به )).

فاستيقظ يعقوب من نومه وقال: ((حقا، إن الرب في هذا المكان، وأنا لم أعلم )).

فخاف وقال: (( ما أرهب هذا المكان! ما هذا إلا بيت الله! هذا باب السماء! ))

ثم بكر يعقوب في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه وأقامه نصبا وصب على رأس الحجر زيتا.

وسمى ذلك المكان بيت إيل، وكان أسم المدينة أولا لوز.

ونذر يعقوب نذرا قائلا: (( إن كان الله معي وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سالكه، ورزقني خبزا آكله وثوبا ألبسه،

ورجعت سالما إلى بيت أبي، يكون الرب لي إلها،

وهذا الحجر الذي جعلته نصبا يكون بيتا لله، وكل ما ترزقني إياه فإني أؤدي لك عشره )).

ثم قام يعقوب ومضى إلى أرض بني المشرق.

ونظر فإذا بئر في الحقل، وإذا ثلاثة قطعان من الغنم رابضة عندها، لأنهم من تلك البئر كانوا يسقون القطعان، والحجر الذي على فم البئر كان ضخما.

وكان، إذا جمعت القطعان، يدحرج الحجر عن فم البئر، فتسقى الغنم، ثم يرد الحجر على فم البئر إلى موضعه.

فقال يعقوب للرعاة: (( من أين أنتم أيها الإخوان؟ )) قالوا: (( من حاران )).

فقال لهم: (( أتعرفون لابان بن ناحور؟ )) فقالوا: (( نعرفه )).

فقال لهم: ((أسالم هو؟ )) قالوا: (( هو سالم، وهذه راحيل ابنته آتية مع الغنم )).

فقال لهم: (( هوذا النهار طويل بعد، وليس الآن وقت جمع المواشي، فاسقوا الغنم وامضوا بها فآرعوها )).

قالوا: (( لا نقدر، حتى تجمع القطعان كلها ويدحرج الحجر عن فم البئر فنسقي الغنم )).

وبينما هو يخاطبهم، إذ أقبلت راحيل مع غنم أبيها، لأنها كانت راعية.

فلما رأى يعقوب راحيل، بنت لابان أخي أمه، وغنم لابان أخي أمه، تقدم ودحرج الحجر عن فم البئر وسقى غنم لابان أخي أمه.

وقبل يعقوب راحيل ورفع صوته وبكى.

وأخبر يعقوب راحيل أنه آبن أخت أبيها وآبن رفقة، فركضت وأخبرت أباها.

فلما سمع لابان خبر يعقوب آبن أخته، ركض إلى لقائه وعانقه وقبله وأتى به إلى منزله. وأخبر يعقوب لابان بكل ما جرى.

فقال له لابان: (( أنت عظمي ولحمي حقا ))، وأقام يعقوب عنده شهرا.

ثم قال لابان ليعقوب: ((إذا كنت أخي، أفتخدمني مجانا؟ أخبرني ما أجرتك )).

وكان للابان آبنتان، اسم الكبرى ليئة، وأسم الصغرى راحيل.

وكانت ليئة مسترخية العينين، وكانت راحيل حسنة الهيئة جميلة المنظر.

فأحب يعقوب راحيل وقال: (( أخدمك سبع سنوات براحيل ابنتك الصغرى )).

فقال لابان: (( لأن تأخذها أنت خير من أن أعطيها لرجل آخر، فأقم عندي )).

فخدمه يعقوب براحيل سبع سنين، وكانت في عينيه كأيام قليلة من محبته لها.

وقال يعقوب بعد ذلك للابان: (( أعطني امرأتي فأدخل عليها، فإن الأمي قد كملت )).

فجمع لابان جميع أهل المكان وأقام وليمة.

وعند المساء، أخذ ليثة أبنته فزفها إلى يعقوب، فدخل عليها. (

وكان لابان قد وهب زلفة خادمته خادمة لليئة آبنته).

فلما كان الصباح، إذا هي ليئة. فقال يعقوب للابان: (( ماذا صنعت بي؟ أليس أني براحيل خدمتك؟ فلم خدعتني؟ ))

فقال لابان: (( لا يصنع في بلادنا أن تعطى الصغرى قبل الكبرى.

أكمل أسبوع هذه، فنعطيك تلك أيضا بالخدمة التي تخدمها عندي سبع سنوات أخرى )).

فصنع يعقوب كذلك وأكمل أسبوع هذه، فأعطاه راحيل آبنته آمرأة له. (

وأعطى لابان لراحيل ابنته بلهة خادمته خادمة لها ).

فدخل يعقوب على راحيل أيضا وأحبها أكثر من حبه لليئة. وعاد فخدم لابان سبع سنوات أخرى.

ورأى الرب أن ليئة غير محبوبة، ففتح رحمها، وأما راحيل فكانت عاقرا.

فحملت ليئة وولدت ابنا وسمته رأوبين، لأنها قالت: (( قد نظر الرب إلى مذلي، والآن يحبني زوجي )).

وعادت فحملت وولدت آبنا فقالت: (( قد سمع الرب دعائي لأني غير محبوبة، فرزقني أيضا هذا ))، وسمته شمعون.

وعادت أيضا فحملت وولدت ابنا وقالت: (( هذه المرة يتعلق بي زوجي لأني قد ولدت له ثلاثة بنين ))، ولذلك سمته لاوي.

وعادت أيضا فحملت وولدت آبنا وقالت: (( هذه المرة، أحمد الرب ))، ولذلك سمته يهوذا. ثم توقفت عن الولادة.

ولما رأت راحيل أنها لم تلد ليعقوب، غارت من أختها وقالت ليعقوب: (( هب لي بنين، وإلا فإني أموت )).

فغضب يعقوب على راحيل وقال: (( ألعلي أنا مكان الله الذي منع عنك ثمرة البطن؟ )).

قالت: (( هذه خادمتي بلهة: ادخل عليها فتلد على ركبتي ويبنى بيتي أنا أيضا منها )).

فأعطته خادمتها بلهة امرأة، فدخل عليها يعقوب.

فحملت بلهة وولدت ليعقوب آبنا.

فقالت راحيل: (( قد حكم الله لي واستجابني فرزقني آبنا ))، ولذلك سمته دانا.

وعادت بلهة خادمة راحيل فحملت وولدت آبنا آخر ليعقوب.

فقالت راحيل: (( قد صارعت أختي مصارعات الله وغلبت ))، وسمته نفتالي.

ورأت ليئة أنها قد توقفت عن الولادة، فأخذت زلفة خادمتها وأعطتها ليعقوب امرأة.

فولدت زلفة خادمة ليئة ليعقوب ابنا. ((

فقالت ليئة: (( لحسن الحظ ))، وسمته جادا.

وولدت زلفة خادمة ليئة ابنا ثانيا ليعقوب.

فقالت ليئة: (( لهنائي، لأن النساء تهنئني ))، وسمته أشير.

ومضى رأوبين في الأم حصاد الحنطة، فوجد لفاحا في الحقل، فأتى به أمه ليئة. فقالت لها راحيل: (( أعطيني من لفاح أبنك )).

فقالت لها: (( أما كفاك أن أخذت زوجي حتى تأخذي لفاح أبني أيضا؟ )). قالت راحيل: (( إذن ينام عندك الليلة بدل لفاح ابنك )).

وجاء يعقوب من البرية مساء، فخرجت ليئة للقائه وقالت: (( أدخل علي، لأني أستأجرتك بلفاح ابني )). فضاجعها تلك الليلة.

فاستجاب الله لليئة فحملت وولدت ليعقوب آبنا خامسا.

فقالت ليئة: (( قد أعطاني الله أجري، لأني أعطيت خادمتي لزوجي ))، وسمته يساكر.

وعادت ليئة فحملت وولدت ابنا سادسا ليعقوب.

فقالت ليئة: ((قد وهب لي الله هبة حسنة، فالآن يكرمني زوجي، لأني ولدت له ستة بنين ))، وسمته زبولون.

ثم ولدت آبنة، فسمتها دينة.

وذكر الله راحيل واستجاب لها وفتح رحمها.

فحملت وولدت آبنا وقالت: (( قد أزال الله عني العار ))،

وسمته يوسف قائلة: (( زادني الرب آبنا آخر! )).

فلما ولدت راحيل يوسف، قال يعقوب للابان: (( اصرفني فأمضي إلى بيتي وأرضي.

أعطني بني ونسوتي اللواتي خدمتك بهن فأنصرف، فإنك تعلم خدمي التي خدمتك )).

فقال له لابان: (( إذا نلت حظوة في عينيك فقد عرفت بالفراسة أن الرب قد باركني بسببك)).

وقال: ((حدد لي أجرتك فأعطيك )).

فقال له: (( أنت تعلم كيف خدمتك كيف صارت مواشيك معي.

فإنها كانت قليلة قبل مجيئي، وقد زادت كثيرا، وباركك الرب بعد مجيئي. والآن فمتى أعمل أنا أيضا لبيتي؟ ))

قال: (( ماذا أعطيك؟ )) فقال يعقوب: (( لا تعطني شيئا، لكن إذا صنعت لي هذا الأمر، فأنا أعود إلى رعاية غنمك وأسهر عليها.

أمر اليوم في غنمك كلها، وتعزل منها كل أسود من الضأن وكل أبلق وأرقط من المعز، فيكون ذلك أجرتي.

وتشهد لي آستقامتي غدا: إذا حضرت لأمر أجرتي، فكل ما ليس بأبلق أو أرقط من المعز وأسود أيضا من الضأن فهو مسروق عندي )).

قال لابان: (( أجل، فليكن كما قلت )).

وعزل في ذلك اليوم التيوس المخططة والبلقاء وكل عنز رقطاء وبلقاء، كل ما فيه بياض ، وكل أسود من الضأن، فسلمها إلى أيدي بنيه.

وجعل مسيرة ثلاثة الأم بينهم وبين يعقوب، ورعى يعقوب غنم لابان الباقية.

وأخذ يعقوب عصي حور رطبة ولوز ودلب، وقشر فيها خطوطا بيضاء، كاشطا عن البياض الذي على العصي.

وجعل العصي التي قشرها تجاه الغنم في الحياض في مساقي الماء حيث كانت ترد الغنم، لكي توحم عليها إذا جاءت لتشرب.

فكانت توحم الضأن على العصي فتلد صغارا مخططة ورقطاء وبلقاء.

وفرز يعقوب الضأن فوجه الغنم نحو كل مخطط وأسود من مواشي لابان، وبذلك جعل لنفسه قطعانا على حدة، ولم يجعلها مع مواشي لابان.

وكان يعقوب، كلما وحمت الغنم القوية، يضع العصي تجاهها في الحياض لتوحم عليها.

وإذا كانت الغنم ضعيفة، لا يضع العصي تجاهها، فتكون الضعيفة للابان والقوية ليعقوب.

فأغتنى الرجل جدا جدا وصارت له غنم كثيرة وخادمات وخدام وجمال وحمير.

وسمع يعقوب بني لابان يقولون:(( قد أخذ يعقوب كل ما لأبينا، ومما لأبينا جمع هذه الثروة كلها )).

ورأى يعقوب وجه لابان، فإذا به ليس معه كما كان أمس فما قبل.

فقال الرب ليعقوب: (( ارجع إلى أرض آبائك ومسقط رأسك، وأنا أكون معك )).

فأرسل يعقوب ودعا راحيل وليئة إلى الحقل، حيث كانت ماشيته.

وقال لهما: (( إني أرى وجه أبيكما، لا كما كان أمس فما قبل، ولكن إله أبي كان معي.

وأنتما تعلمان أني خدمت أباكما بكل طاقتي.

وأبوكما خدعني وغير أجرتي عشر مرات، ولم يدعه الله يسيء إلي.

إن قال: الرقط تكون أجرتك، ولدت جميع الغنم رقطا. وإن قال: المخططة تكون أجرتك، ولدت جمع الغنم مخططة.

فأخذ الله ماشية أبيكما وأعطاني إياها.

ولما كان وقت وحام الغنم، رفعت عيني ورأيت في المنام أن التيوس النازية على الغنم مخططة ورقطاء ونمراء.

فقال لي ملاك الله في الحلم: يا يعقوب. قلت: هاءنذا.

قال: ارفع عينيك وأنظر: جميع التيوس النازية على الغنم مخططة ورقطاء ونمراء، فإني قد رأيت كل ما يصنعه لابان بك.

أنا الإله الذي تراءى لك في بيت إيل حيث مسحت النصب بالزيت ونذرت لي نذرا. والآن قم فاخرج من هذه الأرض وأرجع إلى مسقط رأسك )).

فأجابت راحيل وليئة وقالتا له: (( هل بقي لنا نصيب وميراث في بيت أبينا؟

ألسنا عنده بمنزلة غرباء وقد باعنا وأكل ثمننا؟

فكل الغنى الذي أخذه الله من أبينا هو لنا ولبنينا. والآن فكل ما قاله الله لك فآفعله )).

فقام يعقوب وحمل بنيه ونساءه على الجمال.

وساق جميع ماشيته ( وجميع الأموال التي اقتناها، الماشية التي امتلكها في فدان أرام )، ليذهب إلى إسحق أبيه إلى أرض كنعان.

وكان لابان قد مضى ليجز غنمه، فسرقت راحيل أصنام منزل أبيها.

وخدع يعقوب لابان الأرامي، ولم يخبره بفراره.

وهرب بكل ما له وقام فعبر النهر واتجه نحو جبل جلعاد.

فأخبر لابان في اليوم الثالث أن يعقوب قد فر.

فأخذ إخوته معه وجد في إثره مسيرة سبعة الأم، فأدركه في جبل جلعاد.

فأتى الله لابان الأرامي في الحلم ليلا وقال له: ((إياك أن تكلم يعقوب بخير أو شر )).

وأدرك لابان يعقوب، وكان يعقوب قد نصب خيمته في الجبل، فنصب لابان خيمته في جبل جلعاد.

فقال لابان ليعقوب: (( ماذا صنعت؟ قد خدعتني وسقت بنتي كأسرى حرب.

لم هربت خفية وخدعتني ولم تخبرني فأشيعك بابتهاج وأغاني ودف وكنارة؟

ولم تدعني أقبل بني وبناتي، وفي هذا تصرفت بغباوة.

إن في يدي أن أصنع بكم سوءا، لولا أن إله أبيكم قد كلمني البارحة قائلا: إياك أن تكلم يعقوب بخير أو شر.

والآن إنما آنصرفت لأنك آشتقت كثيرا إلى بيت أبيك، فلم سرقت آلهتى؟ )).

فأجاب يعقوب وقال للابان: (( لأني تخوفت وقلت: لعلك تغتصب بنتيك مني.

وأما آلهتك، فمن وجدت معه فلا يحيا. أثبت ما هو لك في ما هو معي أمام إخوتنا وخذه )). ولم يكن يعقوب يعلم أن راحيل قد سرقها.

فدخل لابان خيمة يعقوب وخيمة ليئة وخيمة الخادمتين، فلم يجد شيئا. وخرج من خيمة ليئة ودخل خيمة راحيل.

وكانت راحيل قد أخذت أصنام المنزل وجعلتها في رحل الجمل وجلست فوقها. فجس لابان الخيمة كلها فلم يجد شيئا.

فقالت راحيل لأبيها: (( لا يغضب سيدي إن كنت لا أستطيع أن أقوم أمامك، فقد حدث لي ما يجري للنساء )). ففتش فلم يجد أصنام المنزل.

فغضب يعقوب وخاصم لابان وخاطبه قال: ((ما ذنبي وما خطيئتي حتى جددت في إثري؟

وقد جسست جميع أثاثي، فماذا وجدت من جميع أثاث بيتك؟ ضعه ههنا أمام إخوتي وإخوتك، وليحكموا بيننا كلينا.

لي عشرون سنة معك، ونعاجك وعنازك لم تسقط، ومن كباش غنمك لم آكل.

فريسة ممزقة لم أحضر إليك، بل كنت أنا أعوض منها، ومن يدي كنت تطلبها، سواء أخطفت في النهار أم في الليل.

وكان الحر يأكلني في النهار والبرد في الليل، وهجر النوم عيني.

وهاءنذا لي عشرون سنة في بيتك: خدمتك أربع عشرة سنة ببنتيك وست سنين بغنمك، وغيرت أجرتي عشر مرات.

ولولا أن إله أبي، إله إبراهيم ومهابة إسحق معي، لكنت الآن قد صرفتني فارغا. وقد نظر الرب إلى مشقتي وتعب يدي وحكم حكمه البارحة )).

فأجاب لابان وقال ليعقوب: (( البنات بناتي والبنون بنى والغنم غنمي، وكل ما تراه هو لي، فماذا تراني اليوم أفعل ببناتي وبالبنين الذين ولدنهم؟

والآن فهلم نقطع عهدا أنا وأنت ولتكن هذه الحجارة شاهدا بيني وبينك )).

فأخذ يعقوب حجرا وأقامه نصبا.

وقال يعقوب لإخوته: (( اجمعوا حجارة ))، فجمعوا حجارة وجعلوها كومة وأكلوا طعاما فوق الكومة.

وسماها لابان ((يجر سهدوتا ))، وسماها يعقوب (( جلعاد )).

وقال لابان: (( هذه الكومة تكون شاهدا بيني وبينك اليوم ))، ولذلك سميت جلعاد

والمصفاة، لأنه قال: (( يراقب الرب بيني وبينك، إذا توارى كل واحد منا عن صاحبه.

إن أسأت معاملة بنتي أو اتخذت عليهما نساء، وإن لم يكن بيننا أحد، فانظر: الله شاهد بيني وبينك )).

وقال لابان ليعقوب: ((هذه هي الكومة وهذا هو النصب الذي وضعت بيني وبينك.

هذه الكومة شاهد والنصب شاهد على أني لا أتخطى هذه الكومة إليك وأنك لا تتخطى هذه الكومة وهذا النصب إلي للشر.

إله إبراهيم وإله ناحور يحكم بيننا )). وحلف يعقوب بمهابة أبيه إسحق.

وذبح يعقوب ذبيحة في الجبل ودعا إخوته ليأكلوا طعاما، فأكلوا وباتوا في الجبل.

وبكر لابان في الصباح فقبل بنيه وبناته وباركهم، وانصرف لابان راجعا إلى بيته.

ومضى يعقوب في طريقه فواجهته ملائكة الله.

فقال يعقوب لما رآهم: ((هذا معسكر الله ))، وسمى ذلك المكان محنائيم.

وأوفد يعقوب رسلا قدامه إلى عيسو أخيه، إلى أرض سعير، في برية أدوم.

وأوصاهم قائلا: (( هكذا قولوا لسيدي عيسو: كذا قال عبدك يعقوب: إني نزلت بلابان فأقمت إلى الآن.

وقد صار لى بقر وحمير وغنم وخدام وخادمات، وأوفدت من يخبر سيدي، لأنال حظوة في عينيك )).

فرجع الرسل إلى يعقوب قائلين: (( قد ذهبنا إلى أخيك عيسو، فإذا هو قادم للقائك ومعه أربع مئة رجل )).

فخاف يعقوب جدا وضاق به الأمر، فقسم القوم الذين معه والغنم والبقر والجمال إلى فريقين،

وقال: (( إن خرج عيسو على أحد الفريقين فضربه، نجا الفريق الآخر )).

ثم قال يعقوب: (( يا إله أبي إبراهيم وإله أبي إسحق، الرب الذي قال لي: ارجع إلى أرضك وإلى مسقط رأسك، وأنا أحسن إليك،

أنا دون أن أستحق كل ما صنعت إلى عبدك من المراحم والوفاء، لأني بعصاي عبرت هذا الأردن، والآن قد أصبحت فريقين.

فأنقذني من يد أخي، من يد عيسو، فإني أخاف منه أن يأتي فيضربني أنا والأم مع البنين.

وأنت قد قلت: إني أحسن إليك إحسانا وأجعل نسلك كرمل البحر الذي لا يحصى لكثرته )).

وبات هناك تلك الليلة.

وأخذ مما صار في يده هدية لعيسو أخيه: مئتي عنزة وعشرين تيسا ومئتي نعجة وعشرين كبشا

وثلاثين ناقة مرضعا مع أولادها وأربعين بقرة وعشرة ثيران وعشرين حمارة وعشرة جحاش،

وسلمها إلى أيدي خدامه قطيعا كلا على حدة، وقال لخدامه: (( تقدموا أمامي وأبقوا مسافة بين قطيع وقطيع )).

وأوصى الأول قائلا: (( إن صادفك عيسو أخي وسألك فقال: لمن أنت وإلى أين تمضي ولمن هذا الذي أمامك؟،

فقل: لعبدك يعقوب، وهو هدية مرسلة إلى سيدي عيسو، وهاهوذا أيضا وراءنا )).

وأوصى الثاني بمثل ذلك، والثالث أيضا، وهكذا سائر الماضين وراء القطعان قائلا: (( كذا تقولون لعيسو إذا وجدتموه،

وقولوا أيضا: هوذا عبدك بعقوب أيضا وراءنا )). لأنه قال: (( أستعطفه أولا بالهدية المتقدمة أمامي، وبعد ذلك أنظر وجهه، لعله يكرم وجهي )).

فتقدمته الهدية، وبات هو تلك الليلة في المخيم.

وقام في تلك الليلة فأخذ امرأتيه وخادمتيه وبنيه الأحد عشر فعبر مخاضة يبوق.

أخذهم وعبرهم الوادي وعبر ما كان له.

وبقي يعقوب وحده.

فصارعه رجل إلى طلوع الفجر. ورأى أنه لا يقدر عليه، فلمس حق وركه، فآنخلع حق ورك يعقوب في مصارعته له.

وقال: (( اصرفني، لأنه قد طلع الفجر )). فقال يعقوب: (( لا أصرفك أو تباركني )).

فقال له: (( ما اسمك؟ )) قال: (( يعقوب )).

قال: (( لا يكون آسمك يعقوب فيما بعد، بل إسرائيل، لأنك صارعت الله والناس فغلبت )).

وسأله يعقوب قال: ((عرفني اسمك )). فقال: (( لم سؤالك عن اسمي؟ ))، باركه هناك.

وسمى يعقوب المكان فنوئيل قائلا: (( إني رأيت الله وجها إلى وجه، ونجت نفسي )).

وأشرقت له الشمس عند عبوره فنوئيل، وهو يعرج من وركه.

ولذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النسا الذي في حق الورك إلى هذا اليوم، لأنه لمس حق ورك يعقوب على عرق النسا.

ثم رفع يعقوب عينيه ونظر، فإذا عيسو مقبل ومعه أربع مئة رجل. فوزع يعقوب الأولاد على ليئة وراحيل والخادمتين،

وجعل الخادمتين وأولادهما في المقدمة، ثم ليئة وأولادها، ثم راحيل، ويوسف أخيرا.

أما هو فتقدمهم وسجد إلى الأرض سبع مرات حتى دنا من أخيه.

فبادر عيسو إلى لقائه وعانقه وألقى بنفسه على عنقه وقبله وبكيا.

ورفع عيسو عينيه فرأى النساء والأولاد فقال: (( ما هؤلاء معك؟ ))

قال: (( الأولاد الذين رزقهم الله عبدك )). فتقدمت الخادمتان وأولادهما وسجدوا.

ثم تقدمت ليئة أيضا وأولادها وسجدوا. وأخيرا تقدم يوسف وراحيل وسجدا.

فقال عيسو: (( ماذا أردت من كل هذا الحشد الذي صادفته؟ )) قال: (( أن أنال حظوة في عيني سيدي )) .

قال عيسو: (( إن عندي كثيرا، فما لك يبقى لك، يا أخي )).

قال يعقوب: ((لا، إن نلت حظوة في عينيك فاقبل هديتي من يدي، فإني رأيت وجهك كما يرى وجه الله، ورضيت عني.

فاقبل هديتي التي جئت بها إليك، فإن الله قد أنعم علي، وعندي من كل شيء )). وألح عليه فقبل.

ثم قال له عيسو: (( نرحل ونمضي وأسير أمامك )).

فقال له: (( سيدي يعلم أن الأولاد ضعاف البنية، والغنم والبقر التي عندي مرضعات، فإن أجهدتها يوما واحدا هلكت الغنم كلها.

فليتقدم سيدي عبده، وأنا أسير رويدا في أثر الماشية التي أمامي وفي أثر الأولاد، حتى اصل إلى سيدي في سعير )).

فقال عيسو: (( أترك ورائي عندك من القوم الذين معي )). قال: (( لماذا؟ حسبي أني نلت حظوة في عيني سيدي)).

فرجع عيسو في ذلك اليوم في طريقه إلى سعير،

ورحل يعقوب إلى سكوت، فبنى له بيتا وصنع لماشيته أكواخا. ولذلك سمي المكان سكوت.

ثم وصل يعقوب سالما إلى مدينة شكيم التي بأرض كنعان، حين عاد من فدان أرام، فخيم قبالة المدينة.

واشترى قطعة الحقل التي نصب فيها خيمته من بني حمور أبي شكيم بمئة قسيطة.

وأقام هناك مذبحا ودعاه باسم إيل، إله إسرائيل.

وخرجت دينة بنت ليئة التي ولدتها ليعقوب، لترى بنات البلد.

فرآها شكيم بن حمور الحوي، رئيس البلد، فأخذها وضاجعها واغتصبها.

وتعلقت نفسه بدينة بنت يعقوب وأحب الفتاة وخاطب قلبها.

وكلم شكيم حمور أباه قائلا: (( خذ لي هذه الفتية زوجة )).

وسمع يعقوب أن شكيم قد دنس دينة ابنته، وكان بنوه مع ماشيته في البرية، فسكت حتى رجعوا.

فخرج حمور أبو شكيم إلى يعقوب ليخاطبه.

وجاء بنو يعقوب من الحقل، ولما سمعوا بالأمر، شق على القوم وغضبوا جدا، لأن شكيم قد صنع فاحشة في إسرائيل، إذ ضاجع ابنة يعقوب، ومثل ذلك لا يصنع.

فتكلم حمور معهم قائلا: ((إن شكيم ابني قد تعلقت نفسه بآبنتكم، فأعطوه إياها زوجة،

وصاهرونا: أعطونا بناتكم وآتخذوا بناتنا،

وأقيموا معنا، وهذه الأرض أمامكم، أقيموا فيها وجولوا وتملكوا )).

وقال شكيم لأبيها وإخوتها: (( أنال حظوة في عيونكم، وما يطلبونه مني أعطيه.

أكثروا علي المهر والعطية جدا، فأعطيكم كما تطلبون مني، وأعطوني الفتاة زوجة )).

فأجاب بنو يعقوب شكيم وحمور أباه وكلموهما بمكر لأن شكيم دنس دينة أختهم،

وقالوا لهما: (( لا نستطيع أن نصنع هذا: أن نعطي أختنا لرجل أقلف، لأنه عار عندنا.

ولا نوافقكم على ذلك إلا إذا صرتم مثلنا بأن يختن كل ذكر منكم،

فنعطيكم بناتنا ونتخذ بناتكم ونقيم عندكم ونصير شعبا واحدا.

وإن لم تسمعوا لنا ولم تختننوا، نأخذ ابنتنا ونمضي )).

فحسن كلامهم في عيني حمور وشكيم ابنه.

ولم يلبث الفتى أن صنع ذلك، لأنه كان مشغوفا بابنة يعقوب، وكان هو أوجه أهل بيت أبيه كلهم.

فلما دخل حمور وشكيم آبنه باب مدينتهما، خاطبا أهلها قائلين:

(( إن هؤلاء القوم مسالمون لنا فيقيمون في البلد ويجولون فيه، والأرض واسعة الأطراف أمامهم، فنتخذ بناتهم أزواجا ونعطيهم بناتنا.

ولا يوافقنا القوم على أن يقيموا معنا ونصير شعبا واحدا، إلا إذا ختن كل ذكر منا، كما هم مختونون.

أفلا تصير مواشيهم ومقتنياتهم وجميع بهائمهم لنا؟ فلنوافقهم على هذا فيقيموا معنا )).

فسمع لحمور وشكيم ابنه كل من خرج من باب مدينته واختتن كل ذكر منهم، كل الخارجين من باب مدينته.

وكان في اليوم الثالث وهم متألمون أن ابني يعقوب، شمعون ولاوي، أخوي دينة، أخذا كل واحد سيفه ودخلا المدينة آمنين، فقتلا كل ذكر،

وحمور وشكيم أبنه قتلاهما بحد السيف، وأخذا دينة من بيت شكيم وخرجا.

ثم دخل بنو يعقوب على القتلى وسلبوا ما في المدينة بسبب تدنيس أختهم.

وأخذوا غنمهم وبقرهم وحميرهم كل ما في المدينة وما في الحقل.

وسبوا كل ثروتهم وجميع أطفالهم ونسائهم وسلبوا كل ما في البيوت.

فقال يعقوب لشمعون ولاوي: (( قد جلبتما الشقاء علي وسودتما وجهي عند أهل البلد من كنعانيين وفرزيين، وأنا نفر معدود، فيجتمعون علي ويضربونني فأهلك أنا وبيتي )).

فقالا: (( أكزانية تعامل أختنا؟ )).

ثم قال الله ليعقوب: (( قم فآصعد إلى بيت إيل وأقم هناك وآصنع هناك مذبحا لله الذي تراءى لك عند هربك من وجه عيسو أخيك )).

فقال يعقوب لأهله وسائر من معه: (( أزيلوا الآلهة الغريبة التي في وسطكم واطهروا وأبدلوا ثيابكم،

وهلموا نصعد إلى بيت إيل وأصنع هناك مذبحا لله الذي آستجابني في يوم شدتي وكان معي في الطريق الذي سلكته )).

فسلموا إلى يعقوب جميع الآلهة الغريبة التي عندهم والحلقات التي في آذانهم، فطمرها يعقوب تحت البلوطة التي عند شكيم،

ثم رحلوا، فحل رعب الله على المدن التي حولهم فلم يطارد أهلها بني يعقوب.

وجاء يعقوب إلى لوز التي في أرض كنعان (وهي بيت إيل) هو وجميع القوم الذين معه.

وبنى هناك مذبحا ودعا المكان إله بيت إيل، لأنه هناك تجلى له الله حين هرب من وجه أخيه.

وماتت دبورة، مرضعة رفقة، فدفنت أسفل بيت إيل تحت البلوطة، فسمي المكان بلوطة البكاء.

وتراءى الله ليعقوب أيضا، بعدما رجع من فدان أرام، فباركه.

وقال له الله: (( اسمك يعقوب، لن تسمى بعد اليوم يعقوب، بل إسرائيل يكون اسمك ))، فسماه إسرائيل.

وقال له الله: (( أنا الله القدير. إنم وآكثر. أمة وجمهور أمم تخرج منك، وملوك من صلبك يخرجون.

والأرض التي أعطيتها لإبراهيم وإسحق لك أعطيها، ولنسلك من بعدك أعطي الأرض )).

ثم ارتفع الله عنه في المكان الذي خاطبه فيه.

فنصب يعقوب في المكان الذي خاطبه فيه نصبا من حجر وسكب يعقوب عليه سكيبا وصب عليه زيتا.

وسمى يعقوب ذلك المكان الذي خاطبه الله فيه بيت إيل.

ثم رحلوا من بيت إيل. وبينما هم على مسافة من أفراتة، ولدت راحيل وعسرت ولادتها.

فلما عسرت ولادتها، قالت لها القابلة: (( لا تخافي، فإن هذا أيضا آبن لك )).

وكان قبل أن تفيض نفسها، لأنها ماتت، قد سمته (( بن أوني ))، وأما أبوه فسماه بنيامين.

وماتت راحيل ودفنت في طريق أفراتة (وهي بيت لحم).

ونصب يعقوب نصبا على قبرها، وهو نصب قبر راحيل إلى اليوم.

ثم رحل إسرائيل ونصب خيمته وراء مجدل عيدر.

وحدث، إذ كان إسرائيل ساكنا في تلك الأرض، أن رأوبين ذهب فضاجع بلهة، سرية أبيه. فسمع بذلك إسرائيل. وكان بنو يعقوب اثني عشر.

بنو ليئة: رأوبين، بكر يعقوب، وشمعون ولاوي ويهوذا ويساكر وزبولون.

وبنو راحيل: يوسف وبنيامين.

وبنو بلهة، خادمة راحيل: دان ونفتالي.

وبنو زلفة، خادمة ليئة: جاد وأشير. هؤلاء بنو يعقوب الذين ولدوا له في فدان أرام.

وقدم يعقوب على إسحق أبيه في ممرا، في قرية أربع (وهي حبرون)، حيث نزل إبراهيم وإسحق.

وكان عمر إسحق مئة وثمانين سنة.

وفاضت روح إسحق ومات، وانضم إلى أجداده شيخا قد شبع من الحياة. ودفنه آبناه عيسو ويعقوب.

وهذه سلالة عيسو، وهو أدوم.

اتخذ عيسو نساءه من بنات كنعان: عادة بنت أيلون الحثي، وأهليبامة بنت عانة، حفيدة صبعون الحوري،

وبسمة بنت إسماعيل، أخت نبايوت.

فولدت عادة لعيسو أليفاز، وبسمة ولدت رعوئيل،

وأهليبامة ولدت يعوش ويعلام وقورح. هؤلاء بنو عيسو الذين ولدوا له في أرض كنعان.

وأخذ عيسو نساءه وبنيه وبناته وكل نفس في بيته وماشيته وكل بهائمه وسائر مقتناه الذي آقتنى في أرض كنعان، وانتقل إلى أرض بعيدة عن وجه يعقوب أخيه،

لأن مالهما كان أكثر من أن يقيما معا، ولم تكن أرض غربتها تسعهما بسبب مواشيهما.

وأقام عيسو بجبل سعير، وعيسو هو أدوم.

وهذه سلالة عيسو، أبي أدوم، في جبل سعير.

هذه أسماء بني عيسو: إليفاز ابن عادة، آمرأة عيسو، ورعوئيل ابن بسمة امرأة عيسو.

وبنو أليفاز: تيمان وأومار وصفو وجعتام وقناز.

وكانت تمناع سرية لأليفاز بن عيسو، فولدت لأليفاز عماليق. هؤلاء بنو عادة امرأة عيسو.

وهؤلاء بنو رعوئيل: نحت وزارح وشمة ومزة. هؤلاء بنو بسمة امرأة عيسو.

وهؤلاء بنو أهليبامة بنت عانة ابن صبعون آمرأة عيسو: ولدت لعيسو يعوش ويعلام وقورح.

وهؤلاء زعماء بني عيسو. بنو أليفاز، بكر عيسو: الزعيم تيمان والزعيم أومار والزعيم صفو والزعيم قناز،

والزعيم جعتام والزعيم عماليق. هؤلاء زعماء أليفاز في أرض أدوم، هؤلاء بنو عادة.

وهؤلاء بنو رعوئيل ابن عيسو: الزعيم نحت والزعيم زارح والزعيم شمة والزعيم مزة. هؤلاء زعماء رعوئيل في أرض أدوم، هؤلاء بنو بسمة آمرأة عيسو.

وهؤلاء بنو أهليبامة آمرأة عيسو: الزعيم يعوش والزعيم يعلام والزعيم قورح. هؤلاء زعماء أهليبامة بنت عانة آمرأة عيسو.

هؤلاء بنو عيسو وهؤلاء زعماؤهم: هذا هو أدوم.

هؤلاء بنو سعير الحوري، سكان الأرض: لوطان وشوبال وصبعون وعانة

وديشون وإيصر وديشان، هؤلاء زعماء الحوريين بني سعير في أرض أدوم.

وبنو لوطان: حوري وهيمام، وأخت لوطان: تمناع.

وهؤلاء بنو شوبال: علوان ومنحت وعيبال وشفو وأوتام.

وهذان ابنا صبعون: أية وعانة ( وعانة هذا هو الذي وجد المياه الحارة في البرية، حين كان يرعى حمير صبعون أبيه ).

وهؤلاء بنو عانة: ديشون، وأهليبامة، بنت عانة.

وهؤلاء بنو ديشون: حمدان وأشبان ويتران وكران.

وهؤلاء بنو إيصر: بلهان وزعوان وعقان.

وهذان ابنا ديشان: عوص وأران.

وهؤلاء زعماء الحوريين: الزعيم لوطان والزعيم شوبال والزعيم صبعون والزعيم عانة،

والزعيم ديشون والزعيم إيصر والزعيم ديشان. هؤلاء زعماء الحوريين بحسب لائحة زعمائهم في أرض سعير.

وهؤلاء الملوك الذين ملكوا في أرض أدوم، قبل أن يملك ملك في بني إسرائيل،

ملك في أدوم بالع بن بعور، وآسم مدينته دنهابة.

ومات بالع، فملك مكانه يوباب بن زارح من بصرة.

ومات يوباب، فملك مكانه حوشام من أرض التيمانيين.

ومات حوشام، فملك مكانه هدد بن بدد الذي كسر مدين في حقول موآب، وآسم مدينته عويت.

ومات هدد، فملك مكانه سملة من مسريقة.

ومات سملة، فملك مكانه شاول من رحبة النهر.

ومات شاول، فملك مكانه بعل حانان بن عكبور.

ومات بعل حانان بن عكبور، فملك مكانه هدد، وأسم مدينته فاعو. وآسم آمرأته مهيطبئيل بنت مطرد حفيدة ميذهب.

وهذه أسماء زعماء عيسو بعشاثرهم وأماكنهم وأسمائهم: الزعيم تمناع والزعيم علوة والزعيم يتيت،

والزعيم أهليبامة والزعيم إيلة والزعيم فينون

والزعيم قناز والزعيم تيمان والزعيم مبصار

والزعيم مجديئيل والزعيم عرام. هؤلاء زعماء أدوم بحسب مساكنهم في أرض ملكهم. وهو عيسو أبو الأدوميين.

وسكن يعقوب في الأرض التي نزل فيها أبوه في أرض كنعان.

وهذه سيرة يعقوب: لما كان يوسف آبن سبع عشرة سنة وكان يرعى الغنم مع إخوته – وهو شاب- مع بني بلهة وبني زلفة، امرأتي أبيه، أخبر يوسف أباهم عنهم خبرا شنيعا.

وكان إسرائيل يحب يوسف على جميع بنيه لأنه ابن شيخوخته، فصنع له قميصا موشى

ورأى إخوته أن أباه يحبه على جميع إخوته، فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بمودة.

ورأى يوسف حلما فأخبر به إخوته، فازدادوا بغضا له.

قال لهم: (( اسمعوا هذا الحلم الذي رأيته:

رأيت كأننا نحزم حزما في الحقل، فإذا حزمتي وقفت ثم آنتصبت فأحاطت حزمكم بحزمتي وسجدت لها )).

فقال له إخوته: (( أتراك تملك علينا أو تتسلط علينا؟ )) وآزدادوا أيضا بغضا له بسبب أحلامه وأقواله.

ورأى أيضا حلما آخر، فقصه على إخوته وقال: (( رأيت حلما أيضا كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا ساجدة لي )).

ولما قصه على أبيه وإخوته، وبخه أبوه وقال له: (( ما هذا الحلم الذي رأيته؟ أترانا نأتي أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك إلى الأرض؟ ))

فحسده إخوته، وأما أبوه فكان يحفظ هذا ، الأمر.

ومضى إخوته ليرعوا غنم أبيهم عند شكيم.

فقال إسرائيل ليوسف: (( ألا يرعى إخوتك عند شكيم؟ هلم أرسلك إليهم )). قال له: (( هاءنذا )).

فقال له: (( امض فآفتقد سلامة إخوتك وسلامة الغنم، وآئتني بالخبر )). وأرسله من وادي حبرون، فأتى يوسف شكيم.

فصادفه رجل وهو تائه في الحقل، فسأله الرجل قائلا: (( عما تبحث؟ ))

قال: (( أبحث عن إخوتي، أخبرني أين يرعون )).

فقال الرجل: ((قد رحلوا من ههنا، وقد سمعتهم يقولون: نمضي إلى دوتائين )). فمضى يوسف في إثر إخوته فوجدهم في دوتائين.

فلما رأوه عن بعد قبل أن يقترب منهم، تآمروا عليه ليميتوه.

قال بعضهم لبعض: ((ها هوذا صاحب الأحلام مقبل.

والآن تعالوا نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول إن وحشا أفترسه، ونرى ما يكون من أحلامه )).

فسمع رأوبين، فخلصه من أيديهم قائلا: (( لا نقتل نفسا )).

وقال لهم رأوبين: (( لا تسفكوا دما، اطرحوه في هذه البئر التي في الحقل ولا تلقوا أيديكم عليه ))، ومراده أن يخلصه من أيديهم ويرده إلى أبيه.

فلما وصل يوسف إلى إخوته، نزعوا عنه قميصه، القميص الموشى الذي عليه.

وأخذوه وطرحوه في البئر، وكانت البئر فارغة لا ماء فيها.

ثم جلسوا يأكلون. ورفعوا عيونهم ونظروا، فإذا بقافلة من الإسماعيليين مقبلة من جلعاد، وجمالهم محملة صمغ قتاد وبلسانا ولاذنا، وهم سائرون لينزلوا بها إلى مصر.

فقال يهوذا لإخوته: (( ما الفائدة من أن نقتل أخانا ونخفي دمه؟

تعالوا نبيعه للإسماعيليين، ولا تكن أيدينا عليه لأنه أخونا ولحمنا )). فسمع له إخوته.

فمر قوم مدينيون تجار فانتشلوا يوسف وأصعدوه من البئر وباعوه للإسماعيليين بعشرين من الفضة، فأتوا بيوسف إلى مصر.

ورجع رأوبين إلى البئر فإذا يوسف ليس في البئر فمزق ثيابه.

ورجع إلى إخوته وقال: (( الولد ليس موجودا، وأنا إلى أين أمضي؟ )).

فأخذوا قميص يوسف وذبحوا تيسا من المعز وغمسوا القميص في الدم.

وبعثوا بالقميمص الموشى وأوصلوه إلى أبيهم وقالوا: (( وجدنا هذا. أنظر: أقميص آبنك هو أم لا؟ )).

فنظر إليه وقال: ((هو قميص ابني. وحش ضار أكله. افترس يوسف آفتراسا )).

ومزق يعقوب ثيابه وشد مسحا على حقويه وحزن على آبنه أياما كثيرة.

وقام جميع بنيه وجميع بناته يعزونه، فأبى أن يتعزى وقال: ((إني أنزل حزينا إلى ابني، إلى مثوى الأموات ))، وبكى عليه أبوه.

وباعه المدينيون في مصر لفوطيفار، خصي فرعون ورئيس الحرس.

وكان في ذلك الزمان أن يهوذا نزل من عند إخوته ومال إلى رجل عدلامي يقال له حيرة.

ورأى يهوذا هناك بنت رجل كنعاني آسمه شوع ، فتزوجها ودخل عليها.

فحملت وولدت ابنا فسماه عيرا.

ثم حملت أيضا وولدت أبنا فسمته أونان.

وعادت أيضا فولدت آبنا وسمته شيلة. وكان في كازيب حين ولدته.

واتخذ يهوذا زوجة لعير بكره أسمها تامار.

وكان عير ، بكر يهوذا، شريرا في عيني الرب، فأماته الرب.

فقال يهوذا لأونان: (( ادخل على امرأة أخيك وقم بواجب الصهر وأقم نسلا لأخيك )).

وعلم أونان أن النسل لا يكون له، فكان إذا دخل على امرأة أخيه، استمنى على الأرض، لئلا يجعل نسلا لأخيه.

فقبح ما فعله في عيني الرب، فأماته أيضا.

(( فقال يهوذا لتامار كنته: (( أقيمي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر شيلة آبني )). لأنه كان يقول: ((يخشى أن يموت هو أيضا كأخويه )). فمضت تامار وأقامت في بيت أبيها.

ومضت مدة طويلة، فماتت ابنة شوع، امرأة يهوذا، وعندما تعزى يهوذا، صعد إلى جزاز غنمه في تمنة هو وحيرة، صاحبه العدلامي.

وأخبرت تامار وقيل لها: (( هوذا حموك صاعد إلى تمنة، ليجز غنمه )).

فخلعت ثياب إرمالها من عليها وتغطت بالخمار واحتجبت به وجلست في مدخل العينين على طريق تمنة، لأنها رأت أن شيلة قد كبر ولم تزوج به.

فرآها يهوذا فحسبها بغيا، لأنها كانت مغطية وجهها.

فمال إليها إلى الطريق وقال: ((هلم أدخل عليك ))، لأنه لم يعلم أنها كنته. فقالت: ((ماذا تعطيني حتى تدخل علي؟ ))

قال: (( أبعث بجدي معز من الماشية )). قالت: (( أعطيني رهنا إلى أن تبعث )).

قال: (( ما الرهن الذي أعطيكه؟ )) قالت: (( خاتمك وعقالك وعصاك التي بيدك )). فأعطاها ودخل عليها، فحبلت منه.

ثم قامت فمضت ونزعت خمارها من عليها ولبست ثياب إرمالها.

وبعث يهوذا بجدي معز مع صاحبه العدلامي ليسترد الرهن من يد المرأة، فلم يجدها.

فسأل أهل المكان عن مقامها قائلا: ((أين البغي التي كانت عند العينين على الطريق؟ )) قالوا: ((ما كانت ههنا قط بغي )).

فرجع إلى يهوذا وقال: (( لم أجدها، وأهل المكان أيضا قالوا: ما كانت ههنا قط بغي )).

فقال يهوذا: (( لتحتفظ بما عندها لئلا نصير سخرية، فإني قد أرسلت الجدي، وأنت لم تجدها )).

وبعد مضي نحو ثلاثة أشهر، أخبر يهوذا وقيل له: (( قد بغت تامار كنتك، وها هي حامل من البغاء )). فقال يهوذا: (( أخرجوها فتحرق )).

فبينما هي مخرجة، بعثت إلى حميها قائلة: (( من الرجل الذي هذه الأشياء له أنا حامل )). وقالت: (( أنظر لمن هذا الخاتم والعقال والعصا )).

فنظر إليها يهوذا وقال: (( هي أبر مني، لأني لم أزوجها لشيلة ابني )). ولم يعد بعد ذلك يدخل عليها.

ولما حان وقت ولادتها، إذا بتوأمين في بطنها.

ولما ولدت، أخرج أحدهما يده، فأخذت القابلة خيطا قرمزيا فعقدته عليها وقالت: ((هذا خرج أولا )).

فلما رد يده، خرج أخوه فقالت: (( يا لك من ثغرة ثغرتها! )) فسمي فارص.

وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده الخيط القرمزي، فسمي زارح.

أما يوسف فأنزل إلى مصر، فاشتراه فوطيفار، خصي فرعون ورئيس الحرس، رجل مصري ، من أيدي الإسماعيليين الذين نزلوا به إلى هناك.

وكان الرب مع يوسف، فكان رجلا ناجحا، وأقام ببيت سيده المصري

ورأى سيده أن الرب معه وأن جميع ما يعمله ينجحه الرب في يده.

فنال يوسف حظوة في عينيه وخدمه. فأقامه على بيته، وكل ما كان له جعله في يده.

وكان، منذ أقامه على بيته وكل ما هو له، أن الرب بارك بيت المصري بسبب يوسف، وكانت بركة الرب على كل ما هو له في البيت وفي الحقل.

فترك كل ما كان له في يد يوسف، ولم يكن يهتم معه بشيء إلا بالطعام الذي كان يتناوله. وكان يوسف حسن الهيئة وجميل المنظر.

وكان بعد هذه الأحداث أن امرأة سيده طمحت عينها إلى يوسف وقالت: (( ضاجعني )).

فأبى وقال لامرأة سيده: (( هوذا سيدي لا يهتم معي بشيء مما في البيت، كل ما هو له قد جعله في يدي.

وليس هو أكبر مني في هذا البيت، ولم يمسك عني شيئا غيرك لأنك زوجته. فكيف أصنع هذه السيئة العظيمة وأخطأ إلى الله؟ ))

وكلمته يوما بعد يوم، فلم يسمع لها أن ينام بجانبها ليكون معها.

فاتفق في بعض الالأم أنه دخل البيت ليقوم بعمله، ولم يكن هناك في البيت أحد من أهله.

فأمسكت بثوبه قائلة: (( ضاجعني )). فترك ثوبه بيدها وفر هاربا إلى خارج.

فلما رأت أنه قد ترك ثوبه بيدها وهرب إلى الخارج،

صاحت بأهل بيتها وقالت لهم: ((انظروا! لقد جاءنا برجل عبراني ليتلاعب بنا. أتاني ليضاجعني، فصرخت بصوت عال .

فلما سمعني قد رفعت صوتي وصرخت، ترك ثوبه بجانبي وفر هاربا إلى خارج )).

ووضعت ثوبه بجانبها حتى قدم سيده إلى بيته.

فكلمته بمثل هذا الكلام وقالت: (( أتاني الخادم العبراني الذي جئتنا به ليتلاعب بي

وكان، عندما رفعت صوتي وصرخت، أنه ترك ثوبه بجانبي وهرب إلى خارج )).

فلما سمع سيده كلام آمرأته الذي أخبرته به قائلة: ((كذا صنع بي خادمك ))، غضب عليه غضبا،

فأخذ يوسف سيده وجعله في السجن، حيث كان سجناء الملك مسجونين.

وكان الرب مع يوسف وأمال إليه رحمته، وأناله حظوة في عيني رئيس السجن.

فجعل رئيس السجن في يد يوسف جميع السجناء الذين في السجن، وكل ما كانوا يصنعونه هناك كان هو يدبره.

ولم يكن رئيس السجن يهتم بشيء مما تحت يد يوسف، لأن الرب كان معه، ومها صنع كان الرب ينجحه.

وكان بعد هذه الأحداث أن ساقي ملك مصر والخباز أجرما إلى سيدهما ملك مصر.

فسخط فرعون على كلا خصييه رئيس السقاة ورئيس الخبازين،

وأوقفهما في بيت رئيس الحرس في السجن حيث كان يوسف مسجونا.

فألحق رئيس الحرس بهما يوسف فقام بخدمتهما، وظلا موقوفين مدة.

فرأيا كلاهما حلما في ليلة واحدة، كل واحد حلمه (ولكل حلم تفسيره) ساقي ملك مصر وخبازه المسجونان في السجن.

فأتاهما يوسف في الصباح، فإذا هما حزينان.

فسأل خصيي فرعون اللذين ومعه والموقوفين في بيت سيده وقال: (( ما بال وجهيكما مكتئبين اليوم؟ ))

فقالا له: ((رأينا حلما، وليس لنا من يفسره )). فقال لهما يوسف: ((أليس أن لله التفسير؟ قصا علي )).

فقص رئيس السقاة حلمه على يوسف وقال له: ((رأيت كأن جفنة كرم أمامي،

وفي الجفنة ثلاثة قضبان وكأني بها أزهرت ونما زهرها وأنضجت عناقيدها عنبا.

وكانت كأس فرعون في يدي فأخذت العنب وعصرته في كأس فرعون ووضعت الكأس في يده )).

فقال له يوسف: (( هذا تفسيره: القضبان الثلاثة هي ثلاثة أيام.

فبعد ثلاثة أيام يرفع فرعون رأسك ويردك إلى وظيفتك وتناول فرعون كأسه كالعادة السابقة حين كنت ساقيه.

وإذا حسن أمرك فتذكرني وآصنع إلي رحمة واذكرني لدى فرعون وأخرجني من هذا البيت،

لأني قد خطفت من أرض العبرانيين، وههنا أيضا وضعوني في السجن من غير أن أفعل شيئا )).

ولما رأى رئيس الخبازين أن التفسير كان خيرا، قال ليوسف: (( رأيت أنا أيضا في حلم كأن ثلاث سلال من الخبز الأبيض على رأسي،

وفي السلة العليا من جميع أطعمة فرعون مما يصنعه الخباز، والطيور تأكله من السلة التي على رأسي )).

فأجاب يوسف وقال: (( هذا تفسيره: السلال الثلاث هي ثلاثة الأم.

فبعد ثلاثة الأم يرفع فرعون رأسك فوقا ويعلقك على خشبة، فتأكل الطيور لحمك من عليك )).

فكان في اليوم الثالث، يوم مولد فرعون، أنه صنع مأدبة لجميع حاشيته، فرفع رأس رئيس السقاة ورأس رئيس الخبازين بين حشمه.

فرد رئيس السقاة إلى سقايته فوضع الكأس في يد فرعون.

وأما رئيس الخبازين فعلقه، فكان كل شيء بحسب تفسير يوسف لهما.

ولم يتذكر رئيس السقاة يوسف فنسيه.

وكان بعد مضي سنتين من الزمان أن فرعون رأى حلما، إذ هو واقف عند النيل.

فإذا بسبع بقرات صاعدة منه وهي حسان المنظر وسمان الأبدان، فرعت في منبت القصب،

وبسبع بقرات أخر صاعدة وراءها من النيل وهي قباح المنظر وهزيلة الأبدان، فوقفت بجانب البقرات الأخر على شاطئ النيل.

فأكلت البقرات القباح المنظر الهزيلة الأبدان السبع البقرات الحسان المنظر السمان. وآستيقظ فرعون.

ثم نام فحلم ثانية وإذا بسبع سنابل قد نبتت في ساق واحدة، وهي سمان جيدة،

وبسبع سنابل هزيلة قد لفحتها الريح الشرقية نبتت وراءها.

فآبتلعت السنابل الهزيلة السبع السنابل السمينة الممتلئة. وآستيقظ فرعون، فإذا هو حلم.

فلما كان الصباح، اضطربت نفسه، فأرسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها. فقص فرعون عليهم حلمه فلم يكن من يفسره لفرعون0

فكلم رئيس السقاة فرعون وقال: (( إني أعترف اليوم بأخطائي.

إن فرعون كان قد سخط على عبديه، فأوقفني في بيت رئيس الحرس، أنا ورئيس الخبازين.

فرأينا كلانا حلما في ليلة واحدة ولكل حلم تفسيره.

وكان معنا هناك شاب عبراني ، خادم لرئيس الحرس، فقصصنا عليه ففسر لنا حلمينا، فسر لكل واحد منا حلمه.

وكما فسر لنا كان: فردني الملك إلى وظيفتي وذاك علقه )).

فأرسل فرعون ودعا يوسف، فأسرعوا به من السجن. فحلق ذقنه وأبدل ثيابه ودخل على فرعون.

فقال فرعون ليوسف: (( قد رأيت حلما، ولم يكن من يفسره، وقد سمعت عنك أنك إذا سمعت حلما تفسره )).

فأجاب يوسف فرعون وقال: (( لا أنا، بل الله يجيب فرعون الجواب السليم )).

فقال فرعون ليوسف: (( حلمت وإذا بي واقف على شاطئ النيل،

وقد صعد من النيل سبع بقرات سمان الأبدان حسان الهيئات، فرعت في منبت القصب.

وإذا سبع بقرات أخر قد صعدت وراءها ضعافا قباح الهيئات جدا هزيلة الأبدان لم أر في أرض مصر كلها مثلها في القبح.

فأكلت البقرات الهزيلة القباح السبع البقرات الأولى السمان، فدخلت في أجوافها

ولم يعرف أنها قد دخلت فيها، وبقي منظرها قبيحا كما كان أولا، واستيقظت.

ثم رأيت في حلمي سبع سنابل قد نبتت في ساق واحدة ممتلئة جيدة،

وسبع سنابل جافة هزيلة قد لفحتها الريح الشرقية نبتت وراءها.

فابتلعت السنابل الهزيلة السبع السنابل الجيدة. فأخبرت بذلك السحرة فلم يكن من يجيبني )).

فقال يوسف لفرعون: (( حلم فرعون واحد: ما سيصنعه الله اخبر به فرعون.

السبع البقرات الجيدة هي سبع سنين، والسبع السنابل الجيدة هي سبع سنين: هو حلم واحد.

والسبع البقرات الهزيلة القباح الصاعدة وراءها هي سبع سنين، والسبع السنابل الهزيلة التي لفحتها الريح الشرقية تكون سبع سني مجاعة.

هو الكلام الذي قلته لفرعون، إن الله كشف لفرعون ما هو صانعه:

ها هي سبع سنين آتية فيها شبع عظيم في كل أرض مصر،

تأتي من بعدها سبع سني مجاعة، فينسى كل الشبع في أرض مصر وتتلف المجاعة هذه الأرض،

فلا يعود يعرف ما هو الشبع في هذه الأرض بسبب المجاعة الآتية بعده لأنها ستكون شديدة جدا.

وأما تكرار الحلم على فرعون مرتين، فلأن الأمر مقرر من لدن الله، وسيصنعه عاجلا.

والآن، ليبحث فرعون عن رجل فهيم حكيم يقيمه على أرض مصر،

وليسع فرعون ويوكل وكلاء على هذه الأرض ويأخذ خمس غلة أرض مصر في سبع سني الشبع، وليجمعوا كل طعام سني الخير الآتية

ويخزنوا قمحها تحت يد فرعون طعاما في المدن ويحفظوه.

فيكون الطعام مؤونة لهذه الأرض لسبع سني المجاعة التي ستكون في أرض مصر، فلا تفنى هذه الأرض بالمجاعة )).

فحسن الكلام في عيني فرعون وعيني حاشيته كلها.

فقال فرعون لحاشيته: (( هل نجد مثل هذا رجلا فيه روح الله؟ ))

وقال فرعون ليوسف: (( بعدما ما أعلمك الله هذا كله، فليس هناك فهيم حكيم مثلك.

أنت تكون على بيني وإلى كلمتك ينقاد كل شعبي، ولا أكون أعظم منك إلا بالعرش )).

وقال فرعون ليوسف: (( أنظر: قد أقمتك على كل أرض مصر )).

ونزع فرعون خاتمه من يده وجعله في يد يوسف، وألبسه ثياب كتان ناعم وجعل طوق الذهب في عنقه،

وأركبه مركبته الثانية، ونادوا أمامه: (( احذر )). وهكذا أقامه على كل أرض مصر.

وقال فرعون ليوسف (( أنا فرعون، بدونك لا يرفع أحد يده ولا رجله في كل أرض مصر )).

وسمى فرعون يوسف ((صفنة فعنئح ))، وزوجه أسنات، بنت فوطيفارع، كاهن أون. وطاف يوسف في كل أرض مصر.

وكان يوسف آبن ثلاثين سنة، حين مثل أمام فرعون، ملك مصر. وخرج يوسف من أمامه وتجول في أرض مصر كلها.

ثم أخرجت الأرض في سبع سني الشبع أكداسا أكداسا.

فجمع كل غلال السبع السنين التي كان فيها الشبع في أرض مصر وجعلها طعاما في المدن، جاعلا في كل مدينة غلال ما حولها من الحقول.

فخزن يوسف من القمح ما يعادل رمل البحر كثرة، حتى أهمل إحصاءه، لأنه لم يكن يحصى.

وولد ليوسف ابنان قبل أن تأتي سنة المجاعة، وهما اللذان ولدتها أسنات، بنت فوطيفارع، كاهن أون.

فسمى يوسف البكر منسى، قائلا: (( إن الله قد أنساني كل عنائي وبيت أبي كله )).

وسمى الثاني أفرائيم، قائلا: (( إن الله قد أنماني في أرض شقائي )).

وانتهت سبع سني الشبع الذي كان في أرض مصر،

وبدأت سبع سني المجاعة تأتي كما قال يوسف. فكانت مجاعة في جميع الأراضي، وأما كل أرض مصر فكان فيها خبز .

فلما جاعت كل أرض مصر، صرخ الشعب إلى فرعون لأجل الخبز. فقال فرعون لجميع المصريين: ((اذهبوا إلى يوسف، فما يقله لكم فاصنعوه )).

وكانت المجاعة على كل وجه الأرض. ففتح يوسف كل ما أودع، فباع للمصريين. واشتدت المجاعة في أرض مصر.

وقدم أهل الأرض بأسرها إلى مصر ليشتروا حبا من يوسف، لأن المجاعة كانت شديدة في الأرض كلها.

فلما علم يعقوب أن الحب موجود في مصر، قال لبنيه: ((ما بالكم تنظرون بعضكم إلى بعض؟ )).

وقال: (( إني قد سمعت أن الحب موجود في مصر، فآنزلوا إلى هناك وآشتروا لنا حبا فنحيا ولا نموت )).

فنزل عشرة من إخوة يوسف ليشتروا قمحا من مصر.

وأما بنيامين، أخو يوسف، فلم يرسله يعقوب مع إخوته، لأنه قال: (( يخشى أن يلحقه سوء )).

وأتى بنو إسرائيل في من أتى ليشتروا حبا، لأن المجاعة كانت في أرض كنعان.

وكان يوسف هو المسلط على تلك الأرض والبائع حبا لكل شعب تلك الأرض. فجاء إخوته وسجدوا له بوجوههم إلى الأرض.

ولما رأى يوسف إخوته عرفهم، ولكنه تنكر لهم وكلمهم بقساوة وقال لهم: (( من أين قدمتم؟ )) قالوا: ((من أرض كنعان، لنشتري طعاما )).

وعرف يوسف إخوته، وأما هم فلم يعرفوه.

فتذكر يوسف الأحلام التي حلمها بهم، فقال لهم: ((أنتم جواسيس، إنما جئتم لتروا ثغور هذه الأرض )).

فقالوا له: (( لا يا سيدي، إنما جاء عبيدك ليشتروا طعاما.

كلنا بنو رجل واحد، نحن مستقيمون، وليس عبيدك بجواسيس )).

فقال لهم: ((كلا، بل إنما جئتم لتروا ثغور هذه الأرض )).

قالوا: ((عبيدك آثنا عشر أخا، نحن بنو رجل واحد في أرض كنعان. هوذا الصغير اليوم عند أبينا، وواحد لا وجود له )).

فقال لهم يوسف: ((بل الأمر كما تحدثت إليكم قائلا: أنتم جواسيس.

وبهذا تمتحنون: وحياة فرعون لا خرجتم من ههنا أو يجيء أخوكم الأصغر إلى ههنا.

إبعثوا واحدا منكم يأتي بأخيكم، وأنتم تسجنون حتى يمتحن كلامكم هل أنتم صادقون، وإلا فوحياة فرعون إنكم لجواسيس )).

فأوقفهم ثلاثة الأم.

وفي اليوم الثالث قال لهم يوسف: (( إصنعوا هذا فتحيوا، لأني آتقي الله.

إن كنتم مستقيمين، فأخ واحد منكم يسجن في سجنكم. أما أنتم فاذهبوا وخذوا حبا لبيوتكم الجائعة،

وأتوا بأخيكم الصغير إلي ليتحقق كلامكم ولا تموتوا )). فصنعوا كذلك.

وقال بعضهم لبعض: (( إننا حقا مذنبون إلى أخينا: رأينا نفسه في شدة عندما آسترحمنا فلم نسمع له. لذلك نالتنا هذه الشدة )).

فأجابهم رأوبين قائلا: (( ألم أقل لكم: لا تخطأوا إلى الولد، وأنتم لم تسمعوا، لذلك يطالب الآن بدمه )).

ولم يكونوا يعلمون أن يوسف يفهم ذلك، إذ كان هناك ترجمان بينه وبينهم.

فتحول عنهم وبكى، ثم عاد إليهم وخاطبهم وأخذ من بينهم شمعون فقيده أمام أعينهم.

وأمر يوسف أن تملأ أوعيتهم قمحا وترد فضة كل واحد إلى كيسه وأن يعطوا زادا للطريق، فصنع لهم كذلك.

وحملوا حبهم على حميرهم وساروا من هناك.

وفتح أحدهم كيسه ليلقي علفا في المبيت لحماره، فرأى فضته في فم كيسه.

فقال لإخوته: (( قد ردت فضتي، وها هي في كيسي )). فخانتهم قلوبهم وقالوا بعضهم لبعض مرتعشين: ((ماذا فعل الله بنا؟ )).

وجاءوا يعقوب أباهم في أرض كنعان وأخبروه بكل ما جرى لهم

وقالوا: (( قد خاطبنا الرجل سيد تلك الأرض بقساوة وعدنا جواسيس في تلك الأرض،

فقلنا له: نحن مستقيمون، ولسنا بجواسيس،

نحن آثنا عشر أخا بنو أب واحد، أحدنا لا وجود له، والصغير اليوم عند أبينا في أرض كنعان.

فقال لنا الرجل سيد تلك الأرض: بهذا أعلم أنكم مستقيمون: دعوا عندي أخا منكم وخذوا لبيوتكم الجائعة وانصرفوا،

وأتوني بأخيكم الصغير فأعلم أنكم لستم بجواسيس وأنكم مستقيمون، فأعطيكم أخاكم وتجولون في هذه الأرض )).

وبينما هم يفرغون أكياسهم، إذا بصرة فضة كل واحد في كيسه. فلما رأوا صرر فضتهم هم وأبوهم، خافوا.

فقال لهم يعقوب أبوهم: (( أفقدتموني أولادي: يوسف لا وجود له وشمعون لا وجود له، وبنيامين تأخذونه، وعلي نزلت هذه كلها )).

فكلم رأوبين أباه قائلا: (( إن لم أعد به إليك، فاقتل ولدي. سلمه إلى يدي وأنا أرده إليك )).

قال: (( لا ينزل آبني معكم، لأن أخاه قد مات، وهو وحده بقي، فإن ناله سؤ في الطريق الذي تذهبون فيه أنزلتم شيبتي بحسرة، إلى مثوى الأموات )).

وكانت المجاعة شديدة في تلك الأرض.

فلما آنتهوا من أكل الحب الذي أتوا به من مصر، قال لهم أبوهم: (( ارجعوا فاشتروا لنا قليلا من الطعام )).

فكلمه يهوذا قائلا: (( إن الرجل أنذرنا إنذارا قائلا: لا ترون وجهي إلا وأخوكم معكم .

فإن أرسلت أخانا معنا، نزلنا وآشترينا لك طعاما.

وإن لم ترسله، لا ننزل، لأن الرجل قال لنا: لا ترون وجهي إلا وأخوكم معكم )).

فقال إسرائيل: (( ولماذا أسأتم إلي فأخبرتم الرجل أن لكم أخا أيضا؟ ))

قالوا: (( إن الرجل سأل أسئلة عنا وعن عشيرتنا وقال: هل أبوكم لا يزال حيا وهل لكم أخ؟ فأخبرناه بحسب هذا الكلام. فهل كنا نعلم أنه سيقول: أحضروا أخاكم؟ ))

وقال يهوذا لإسرائيل أبيه: (( (( أرسل الفتى معي حتى نقوم ونمضي ونحيا ولا نموت، نحن وأنت وعيالنا.

أنا أضمنه، من يدي تطلبه. إن لم اعد به إليك وأقمه أمامك، فأنا مذنب إليك طول الزمان.

إنه لو لم نتوان، لكنا الآن قد رجعنا مرتين )).

فقال لهم إسرائيل أبوهم: ((إن كان الأمر كذلك، فاصنعوا هذا: خذوا من أطيب منتجات الأرض في أوعيتكم وأذهبوا بهدية إلى الرجل، شيء من البلسان وشيء من العسل وصمغ قتاد ولاذن وفستق ولوز.

وخذوا في أيديكم فضة أخرى، والفضة المردودة في أفواه أكياسكم ردوها بأيديكم، لعل ذلك كان خطأ.

وخذوا أخاكم وقوموا فأرجعوا إلى. الرجل.

والله القدير يهب لكم رحمة أمام الرجل فيطلق لكم أخاكم الآخر وبنيامين. وأما أنا فإن فقدتهما أكون فقدتهما )).

فأخذ القوم تلك الهدية وأخذوا في أيديهم ضعف الفضة وبنيامين، وقاموا ونزلوا إلى مصر ووقفوا أمام يوسف.

فلما رأى يوسف بنيامين معهم، قال لقيم بيته: (( أدخل القوم البيت واذبح حيوانا وأصلحه، فإن القوم يأكلون معي عند الظهر )).

فصنع الرجل كما قال يوسف وأدخل القوم بيت يوسف.

فخافوا حين أدخلوا بيت يوسف وقالوا: (( إنما نحن مدخلون بسبب الفضة التي ردت في أكياسنا أولا، ليهجموا علينا ويوقعوا بنا ويأخذونا عبيدا مع حميرنا )).

فتقدموا إلى قيم البيت كلموه عند باب البيت

وقالوا: (( العفو، يا سيدي، إننا نزلنا أولا لنشتري طعاما،

وكان، لما وصلنا إلى المبيت وفتحنا أكياسنا، أننا وجدنا فضة كل واحد في فم كيسه، فضتنا بوزنها، فعدنا بها في أيدينا،

وأتينا بفضة أخرى لنشتري طعاما، ونحن لا نعلم من الذي جعل فضتنا في أكياسنا )).

فقال: (( كونوا في سلام، لا تخافوا. إن إلهكم وإله أبيكم رزقكم كنزا في أكياسكم. وأما فضتكم فقد صارت عندي )). ثم أخرج إليهم شمعون.

وأدخل الرجل القوم بيت يوسف وأعطاهم ماء، فغسلوا أرجلهم، وأعطى علفا لحميرهم.

وهيأوا الهدية حتى يأتي يوسف عند الظهر، لأنهم سمعوا بأنهم هناك سيأكلون الطعام.

ولما قدم يوسف إلى البيت، قدموا له الهدية التي في أيديهم، وسجدوا له إلى الأرض.

فسأل عن سلامتهم، ثم قال: (( هل أبوكم الشيخ الذي ذكرتموه في سلام ولا يزال حيا؟ ))

قالوا: ((عبدك أبونا في سلام ولا يزال حيا )) وآنحنوا وسجدوا.

ورفع يوسف عينيه ورأى بنيامين أخاه أبن أمه، فقال: (( أهذا أخوكم الصغير الذي ذكرتموه لي؟ )) وأضاف: (( أنعم الله عليك، يا بني )).

ثم أسرع يوسف، وقد آحترقت أحشاؤه شوقا الى أخيه ورغب في البكاء، فدخل الغرفة وبكى هناك.

ثم غسل وجهه وخرج وتجلد وقال: (( قدموا الطعام )).

فقدموا له وحده، ولهم وحدهم، وللمصريين الآكلين عنده وحدهم، لأن المصريين لا يجوز لهم أن يأكلوا مع العبرانيين، لأنه قبيحة عند المصريين.

وجلسوا أمامه، البكر بحسب بكريته والصغير بحسب صغره. وكانوا ينظرون بعضهم إلى بعض مبهوتين.

ثم قدم لهم حصصا مما أمامه، فكانت حصة بنيامين خمسة أضعاف حصة كل واحد منهم. وشربوا معه وسكروا.

ثم أمر يوسف قيم بيته وقال له (( املأ أكياس القوم طعاما قدر ما يستطيعون حمله وآجعل فضة كل واحد في فم كيسه،

وآجعل كأسي، كأس الفضة، في فم كيس الصغير، مع ثمن حبه )). فصنع بحسب كلام يوسف الذي قاله له.

فلما أضاء الصبح، صرف القوم مع حميرهم.

فبعد أن خرجوا من المدينة ولم يبعدوا، قال يوسف لقيم بيته: (( قم فاسع في أثر القوم، فإذا أدركتهم فقل لهم: لم كافأتم الخير بالشر؟

أليست هذه هي التي يشرب بها سيدي ويتكهن بها؟ قد أسأتم في ما صنعتم )).

فأدركهم وقال لهم ذلك الكلام.

فقالوا له: (( لماذا يتكلم سيدي بمثل هذا الكلام؟ حاش لعبيدك أن يصنعوا مثل هذا الأمر.

فإن الفضة التي وجدناها في أفواه أكياسنا رددناها إليك من أرض كنعان، فكيف نسرق من بيت سيدك فضة أو ذهبا؟

من وجدت معه الكأس من عبيدك فليمت، ونحن أيضا نكون لسيدي عبيدا )).

قال: (( أجل، وبحسب قولكم فليكن: من وجدت معه الكأس، يكون لي عبدا، وأنتم تكونون براء )).

فأسرعوا وحط كل واحد كيسه على الأرض، وفتح كل واحد كيسه.

ففتشهم مبتدئا بالأكبر، حتى انتهى إلى الأصغر، فوجدت الكأس في كيس بنيامين.

فمزقوا ثيابهم وحمل كل واحد حماره ورجعوا إلى المدينة.

ودخل يهوذا وإخوته بيت يوسف وهو لم يزل هناك، وآرتموا أمامه إلى الأرض.

فقال لهم يوسف: (( ما هذا الصنيع الذي صنعتم؟ أما علمتم أن رجلا مثلي يتكهن؟ )).

فقال يهوذا: (( ماذا نقول لسيدي؟ بماذا نتكلم وبماذا نتبرأ؟ قد كشف الله ذنب عبيدك. ها نحن عبيد لسيدي، نحن ومن وجدت الكأس في يده )).

قال يوسف: (( حاش لي أن أصنع هذا! بل الرجل الذي وجدت الكأس في يده هو يكون لي عبدا، وأما أنتم فآصعدوا بسلام إلى أبيكم )).

فتقدم إليه يهوذا وقال: ((يا سيدي، أرجو أن يقول عبدك كلمة على مسمع سيدي، ولا تغضب على عبدك، فإنك مثل فرعون.

كان سيدي قد سأل عبيده قائلا: هل لكم أب أو أخ؟

فقلنا لسيدي: لنا أب شيخ، وله أبن شيخوخة صغير قد مات أخوه وبقي هو وحده لأمه، وأبوه يحبه.

فقلت لعبيدك: انزلوا به إلي لألقي نظري عليه.

فقلنا لسيدي: لا يقدر الفتى أن يترك أباه، وإن تركه يموت أبوه.

فقلت لعبيدك: إن لم ينزل أخوكم الصغير معكم فلا تعودون ترون وجهي.

فكان لما صعدنا إلى عبدك أبي، أننا أخبرناه بكلام سيدي.

وقال أبونا: ارجعوا فآشتروا لنا قليلا من الطعام.

فقلنا: لا نقدر أن ننزل. أما إن كان أخونا الصغير معنا فننزل، لأننا لا نقدر أن نرى وجه الرجل، ما لم يكن أخونا الصغير معنا.

فقال لنا عبدك أبي: أنتم تعلمون أن امرأتي ولدت لي ابنين،

فخرج أحدهما من عندي فقلت: إنه قد آفترس وإلى الآن لم أره.

فإن أخذتم هذا أيضا من أمامي فأصابه سؤ، أنزلتم شيبتي بالشقاء إلى مثوى الأموات.

والآن إذا عدت إلى عبدك أبي والفتى ليس معنا، ونفسه متعلقة بنفسه،

فيكون أنه، عندما يرى أن الفتى ليس معنا، يموت وينزل عبيدك شيبة عبدك أبينا بحسرة، إلى مثوى الأموات،

لأن عبدك قد ضمن الفتى لأبي قائلا: إن لم أعد به إليك، أكون مذنبا إلى أبي طول الزمان.

فليبق عبدك الآن مكان الفتى عبدا لسيدي ويصعد الفتى مع إخوته.

فإني كيف أصعد إلى أبي والفتى ليس معي؟ لا شاهدت الشقاء الذي يحل بأبي! )).

فلم يستطع يوسف أن يملك نفسه أمام جميع القائمين عنده، فصرخ: (( أخرجوا جميع القوم من عندي )). فلم يبق عنده أحد ، حين عرف نفسه إلى إخوته.

فأطلق صوته بالبكاء، فسمعته مصر وسمعه بيت فرعون.

وقال يوسف لإخوته: ((أنا يوسف. ألا يزال أبي حيا؟ )) فلم يستطع إخوته أن يجيبوه، لأنهم آرتعدوا أمامه.

فقال يوسف لإخوته: (( تقدموا إلي )) فتقدموا. فقال: (( أنا يوسف أخوكم الذي بعتموه للمصريين.

والآن فلا تكتئبوا ولا تغضبوا لأنكم بعتموني هنا، فإن الله قد أرسلني أمامكم لأحييكم.

وقد مضت سنتا مجاعة في وسط الأرض، وبقيت خمس سنين دون حرث ولا حصاد.

فأرسلني الله قدامكم ليجعل لكم بقية في هذه الأرض وليحييكم، لنجاة عظيمة.

فالآن لم ترسلوني أنتم إلى ههنا، بل الله أرسلني وهو قد صيرني كأب لفرعون وكسيد على بيته كله كمتسلط على كل أرض مصر.

فأسرعوا وآصعدوا إلى أبي وقولوا له: (( كذا قال أبنك يوسف: قد جعلني الله سيدا لجميع المصريين، فانزل إلي ولا تبطئ.

فتقيم في أرض جاسان، وتكون قريبا مني أنت وبنوك وبنو بنيك وغنمك وبقرك كل ما هو لك.

وأعولك هناك، إذ قد بقي خمس سنين مجاعة، لئلا ينالك العوز، أنت وأهلك وكل ما هو لك.

وها إن عيونكم وعيني أخي بنيامين ترى أن فمي هو الذي يخاطبكم.

فأخبروا أبي بكل مجدي في مصر وبكل ما رأيتموه، وأسرعوا فآنزلوا بأبي إلى ههنا )).

ثم ألقى بنفسه على عنق بنيامين أخيه فبكى، وبكى بنيامين على عنقه.

وقبل سائر إخوته وبكى على أعناقهم. وبعد ذلك تحدثوا إليه.

وبلغ الخبر بيت فرعون وقيل: (( قد جاء إخوة يوسف )). فحسن ذلك في عيني فرعون وعيون حاشيته.

فقال فرعون ليوسف: (( قل لإخوتك: اصنعوا هذا: حملوا دوابكم وآنطلقوا وآذهبوا إلى أرض كنعان،

وخذوا أباكم وأهلكم وتعالوا إلي، فأعطيكم خير أرض مصر، وتأكلوا دسم الأرض.

وأنت مكلف بأن تأمرهم هذا الأمر: اصنعوا هذا: خذوا لكم من أرض مصر عجلات لأطفالكم ونسائكم، وآحملوا أباكم وتعالوا.

ولا تأسف عيونكم على أثاثكم، فإن خير مصر كلها هو لكم )).

فصنع كذلك بنو إسرائيل، وأعطاهم يوسف عجلات بأمر فرعون، وأعطاهم زادا للطريق.

وأعطى كل واحد منهم حلل ثياب، وأعطى بنيامين ثلاث مئة من الفضة وخمس حلل ثياب.

وبعث إلى أبيه بهذا: عشرة حمير محملة من خير ما في مصر، وعشر حمائر محملة قمحا وخبزا وزادا لأبيه للطريق.

ثم صرف إخوته فمضوا. وقال لهم: ((لا تتخاصموا في الطريق )).

فصعدوا من مصر ووصلوا إلى أرض كنعان، إلى يعقوب أبيهم.

وأخبروه فقالوا: (( إن يوسف لا يزال حيا، بل هو مسلط على كل أرض مصر )). فجمد قلبه، لأنه لم يصدقهم.

ثم حدثوه بكل ما كلمهم به يوسف، ورأى العجلات التي بعث بها يوسف لتحمله. فانتعشت روح يعقوب أبيهم،

وقال إسرائيل: (( حسبي أن يوسف آبني لا يزال حيا. أمضي وأراه قبل أن أموت )).

فرحل إسرائيل بكل ما له حتى جاء بئر سبع، فذبح ذبائح لإله أبيه إسحق.

فكلم الله إسرائيل في رؤى ليلية وقال: (( يعقوب، يعقوب! )). قال: (( هاءنذا )).

قال: (( أنا الله، إله أبيك. لا تخف أن تنزل إلى مصر، فإني سأجعلك هناك أمة عظيمة.

أنا أنزل معك إلى مصر، وأنا أصعدك منها، ويوسف هو الذي يغمض عينيك )).

فقام يعقوب من بئر سبع، وحمل بنو اسرائيل يعقوب أباهم وأطفالهم ونساءهم على العجلات الي بعث بها فرعون لتحمله.

وأخذوا ماشيتهم ومقتنياتهم التي اقتنوها في أرض كنعان، وقدموا إلى مصر،

يعقوب وكل ذريته معه :بنوه وبنو بنيه وبناته وبنات بنيه وسائر ذريته جاء بهم معه إلى مصر.

وهذه أسماء بني إسرائيل الذين دخلوا مصر، يعقوب وبنوه. بكر يعقوب رأوبين،

وبنو رأوبين: حنوك وفلو وحصرون وكرمي.

وبنو شمعون: يموئيل ويامين وأوهد وياكين وصوحر وشاول ابن الكنعانية.

وبنو لاوي: جرشون وقهات ومراري.

وبنو يهوذا: عير وأونان وشيلة وفارص وزارح (ومات عير وأونان في أرض كنعان)، وآبنا فارص، حصرون وحامول.

وبنو يساكر: تولاع وفوة ويشوب وشمرون.

وبنو زبولون: سارد وإيلون ويحلئيل.

هؤلاء بنو ليئة الذين ولدتهم ليعقوب في فدان أرام مع دينة آبنته، جميع نفوس بنيه وبناته ثلاثة وثلاثون.

وبنو جاد: صفون وحجي وشوني وأصبون وعيري وأرودي وأرئيلي.

وبنو أشير: يمنة ويشوة ويشوي وبريعة وسارح أختهم، وابنا بريعة: حابر وملكيئيل.

هؤلاء بنو زلفة التي أعطاها لابان لليئة ابنته، وما ولدته ليعقوب ستة عشر نفسا.

وابنا راحيل امرأة يعقوب: يوسف وبنيامين.

وولد ليوسف في أرض مصر من ولدت له أسنات بنت فوطيفارع، كاهن أون: منسى وأفرائيم.

وبنو بنيامين: بالع وباكر وأشبيل وجيرا ونعمان وإيحي وروش ومفيم وحفيم وأرد.

هؤلاء هم البنون الذين ولدتهم راحيل ليعقوب، جميعهم أربعة عشر نفسا.

وآبن دان: حوشيم.

وبنو نفتالي يحصيئيل وجوني ويصر وشليم.

هؤلاء بنو بلهة التي أعطاها لابان لراحيل آبنته، جميع من ولدته ليعقوب سبعة أنفس.

فجميع النفوس الذين ليعقوب والقادمين إلى مصر والخارجين من صلبه، سوى نسوة بنيه، ستة وستون نفسا.

وآبنا يوسف اللذان ولدا له في مصر نفسان. فمجموع النفوس الذين من بيت يعقوب والذين دخلوا مصر: سبعون نفسا.

فأرسل يعقوب يهوذا قدامه إلى يوسف، ليدله على أرض جاسان. ثم جاءوا أرض جاسان.

فشد يوسف على مركبته وصعد ليلاقي إسرائيل أباه في جاسان. فلما ظهر له ألقى بنفسه على عنقه وبكى على عنقه طويلا.

فقال إسرائيل ليوسف: (( دعني أموت الآن، بعدما رأيت وجهك، لأنك لا تزال حيا )).

ثم قال يوسف لإخوته ولبيت أبيه: (( أنا صاعد إلى فرعون لأخبره وأقول له: إن إخوتي وبيت أبي الذين كانوا في أرض كنعان قد قدموا إلي.

والقوم رعاة غنم، لأنهم كانوا أصحاب، ماشية، وقد أتوا بغنمهم وبقرهم وحميرهم وكل ما لهم.

فإذا استدعاكم فرعون وقال لكم: ما حرفتكم؟

فقولوا: كان عبيدك ذوي ماشية منذ صغرهم إلى الآن، نحن وآباؤنا جميعا، وذلك لتقيموا بأرض جاسان ))، لأن كل راعي غنم هو عند المصريين قبيحة.

فذهب يوسف إلى فرعون وأخبره وقال: (( إن أبي وإخوتي قد قدموا من أرض كنعان بغنمهم وبقرهم وكل ما لهم، وها هم في أرض جاسان )).

وأخذ خمسة من إخوته فقدمهم أمام فرعون.

فقال فرعون لإخوة يوسف: (( ما حرفتكم؟ )) فقالوا لفرعون: ((عبيدك رعاة غنم، نحن وآباؤنا جميعا )).

وقالوا له: (( جئنا لننزل بهذه الأرض، إذ ليس لغنم عبيدك مرعى من آشتداد المجاعة في أرض كنعان. فدع عبيدك يقيمون بأرض جاسان )).

فقال فرعون ليوسف: (( أبوك وإخوتك قد قدموا إليك.

فهذه أرض مصر أمامك، فأقم أباك وإخوتك في أجود أراضيها. ليقيموا بأرض جاسان، وإن كنت تعلم أن فيهم أصحاب مهارة فأقمهم وكلاء على ماشيتي )).

وأدخل يوسف يعقوب أباه فأقامه أمام فرعون، فبارك يعقوب فرعون.

فقال له فرعون: (( كم أيام سني حياتك؟ ))

فقال له يعقوب: (( أيام سني إقامتي في الأرض مئة وثلاثون سنة. قليلة ورديئة كانت أيام سني حياتي، ولم تبلغ أيام سني حياة آبائي، أيام إقامتهم في الأرض )).

وبارك يعقوب فرعون وخرج من أمامه.

وأسكن يوسف أباه وإخوته وأعطاهم ملكا في أرض مصر، في أجود أرض منها، هي أرض رعمسيس، كما أمر فرعون.

وزود يوسف أباه وإخوته وسائر أهله بالخبز بحسب عيالهم.

ولم يكن خبز في الأرض كلها، لأن المجاعة آشتدت كثيرا حتى أنهك أهل مصر وكنعان من المجاعة.

وجمع يوسف كل الفضة التي في أرض مصر وفي أرض كنعان بالحب الذي كانوا يشترونه، وأدخلها بيت فرعون.

فلما نفدت الفضة من أرض مصر ومن أرض كنعان، أقبل المصريون كلهم إلى يوسف قائلين: (( أعطنا خبزا، فلماذا نموت أمامك؟ فإن الفضة قد نفدت )).

فقال لهم يوسف: (( إذا كانت فضتكم قد نفدت، فهاتوا ماشيتكم، أبعكم خبزا بماشيتكم )).

فجاءوا يوسف بماشيتهم، فأعطاهم خبزا بالخيل وبالماشية من الغنم والبقر والحمير، أطعمهم خبزا بكل ماشيتهم في تلك السنة.

فلما انتهت تلك السنة، جاءوا في السنة الثانية وقالوا له: (( لا نخفي على سيدنا أن الفضة قد نفدت وأن قطعان البهائم هي عند سيدنا، ولم ببق أمامه إلا أبداننا وأراضينا.

فلماذا نموت أمام عينيك نحن وأراضينا؟ اشترنا نحن وأراضينا بالخبز، فنصير بأراضينا عبيدا لفرعون. وأعطنا بذرا فنحيا ولا نموت ولا تصير أراضينا قفرا )).

فآشترى يوسف جميع أراضي مصر لفرعون، لأن المصريين باعوا كل واحد منهم حقله، لأن المجاعة آشتدت عليهم، فصارت الأرض لفرعون.

وأما الشعب فاستعبده من أقصى حدود مصر إلى أقصاها.

إلا أن أراضي كهنتهم لم يشترها، لأنها كانت للكهنة أرزاق من قبل فرعون، فكانوا يأكلون أرزاقهم التي أجراها لهم فرعون، ولذلك لم يبيعوا أراضيهم.

وقال يوسف للشعب: (( ها إني قد آشتريتكم اليوم أنتم وأراضيكم لفرعون. فخذوا لكم بذرا تزرعونه في الأرض.

فإذا خرجت الغلال، تعطون منها الخمس لفرعون، والأربعة الأخماس تكون لكم بذرا للحقول وطعاما لكم ولأهل منازلكم وطعاما لعيالكم )) .

قالوا: (( قد أحييتنا، فلننل حظوة في عيني سيدنا ونكون عبيدا لفرعون )).

فجعل يوسف ذلك فريضة على أرض مصر إلى هذا اليوم: أن يؤدوا الخمس لفرعون مما ليس بأراضي الكهنة فقط، فإنها لم تصر لفرعون.

وأقام إسرائيل في أرض مصر، في أرض جاسان، فتملكوا فيها ونموا كثروا جدا.

وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة، فصار كل عمره مئة وسبعا وأربعين سنة.

ولما دنا أجل إسرائيل، دعا آبنه يوسف وقال له: (( إن نلت حظوة في عينيك، فضع يدك تحت فخذي واصنع إلي رحمة ووفاء: لا تدفني بمصر،

بل إذا آضجعت مع آبائي فاحملني من مصر وآدفني في مقبرتهم )). قال: (( سأفعل كما قلت )).

فقال له: (( احلف لي! )). فحلف له يوسف. فسجد إسرائيل على رأس السرير.

وكان بعد هذه الأحداث أن قيل ليوسف: (( إن أباك مريض )). فأخذ معه آبنيه منسى وأفرائيم.

وأخبر يعقوب وقيل له: (( هوذا ابنك يوسف قادم إليك )). فأستجمع إسرائيل قواه وجلس على السرير.

وقال يعقوب ليوسف: (( إن الله القدير تراءى لي في لوز في أرض كنعان وباركني.

وقال لي: ها أنا أنميك وأكثرك وأجعلك جماعة شعوب وأعطي نسلك هذه الأرض من بعدك ملكا أبديا.

والآن فآبناك اللذان ولدا لك في أرض مصر قبل قدومي إليك إلى مصر هما لي. أفرائيم ومنسى، مثل رأوبين وشمعون، يكونان لي.

ومن ولد لك بعدهما من البنين فإنه يكون لك ويسمى باسم أخويه في ميراثه.

وأما أنا ففي عودتي من فدان ماتت بقربى راحيل في أرض كنعان، في الطريق، على مسافة من أفراته، فدفنتها هناك في طريق أفراته، وهي بيت لحم )).

ورأى إسرائيل ابني يوسف، فقال: (( من هذان؟ ))

فقال يوسف لأبيه: (( هما ابناي اللذان رزقني الله إياهما ههنا )). قال: (( أدنهما مني لأباركهما )).

وكانت عينا إسرائيل قد ثقلتا من الشيخوخة، ولم يكن يقدر أن يبصر. فأدناهما يوسف منه فقبلهما واحتضنهما.

وقال إسرائيل ليوسف: (( لم أكن أحسب أني سأرى وجهك، وهوذا قد أراني الله نسلك أيضا )).

ثم أخرجهما يوسف من بين ركبتيه وسجد بوجهه إلى الأرض.

وأخذ يوسف الاثنين، أفرائيم بيمينه إلى يسار إسرائيل، ومنسى بيساره إلى يمين إسرائيل، وأدناهما منه.

فمد إسرائيل يمناه فجعلها على رأس أفرائيم وهو الأصغر، ويساره جعلها على رأس منسى، مخالفا بين يديه، مع أن منسى كان هو البكر.

وبارك يوسف وقال: (( الله الذي سار أمامه أبواي إبراهيم وإسحق الله الذي رعاني منذ كنت إلى هذا اليوم

الملاك الذي خلصني من كل سوء يبارك الولدين. وليدعيا باسمي وبآسم أبوي إبراهيم وإسحق ولينميا كثيرا في وسط الأرض )).

ورأى يوسف أن أباه جعل يمناه على رأس أفرائيم، فساء ذلك في عينيه، فأمسك بيد أبيه لينقلها عن رأس أفرائيم إلى رأس منسى.

وقال يوسف لأبيه: (( لا هكذا، يا أبت، لأن هذا هو البكر، فأجعل يمناك على رأسه )).

فأبى أبوه وقال: (( قد عرفت، يا بنى، قد عرفت. إن هذا أيضا يكون شعبا، وهو أيضا يعظم، ولكن أخاه الأصغر يعظم أكثر منه ويكون نسله جمهور أمم )).

وباركهما في ذلك اليوم وقال: ((بكما يبارك إسرائيل ويقولون: يجعلك الله مثل أفرائيم ومثل منسى )). وهكذا قدم أفرائيم على منسى.

وقال إسرائيل ليوسف: (( هاءنذا أموت. وسيكون الله معكم ويردكم إلى أرض آبائكم.

وأنا قد أعطيتك (( شكيم )) علاوة على إخوتك، وهو الذي أخذته من يد الأموريين بسيفي وقوسي )).

ثم دعا يعقوب بنيه وقال: (( اجتمعوا لأنبئكم بما يكون لكم في لاحق الالأم.

اجتمعوا وأصغوا يا بني يعقوب أصغوا إلى إسرائيل أبيكم .

رأوبين، أنت بكري قوتي وأول رجولتي. فاضل في الشموخ، فاضل في العز.

فرت كالماء: لن تفضل لأنك علوت مضجع أبيك حينئذ دنست فراشي علي.

شمعون ولاوي أخوان سيوفهما آلات عنف.

مجلسهما لا تدخله نفسي وإلى جماعتهما لا ينضم قلبي لأنهما في سخطهما قتلا أناسا وفي هواهما عقرا ثيرانا

ملعون سخطهما فإنه شديد وغضبهما فإنه قاس . أقسمهما في يعقوب وأبددهما في إسرائيل.

يهوذا، إياك يحمد إخوتك يدك على رقبة أعدائك يسجد لك بنو أبيك.

يهوذا شبل أسد من الافتراس صعدت يا بني. جثم وربض كالأسد واللبؤة فمن ذا يقيمه؟

لا يزول الصولجان من يهوذا ولا عصا القيادة من بين قدميه إلى أن يأتي صاحبها وتطيعه الشعوب.

رابط بالجفنة جحشه وبأفضل كرمة آبن حمارته. غسل بالخمر لباسه وبدم العنب ثوبه.

عيناه أشد ظلمة من الخمر أسنانه أشد بياضا من اللبن.

زبولون سواحل البحار يسكن ومتن السفن يركب وحدوده في جوار صيدون.

يساكر حمار صلب العود رابض بين الزرائب

وقد رأى الراحة ما أجودها والأرض ما أروعها فأحنى كتفه للحمل وصار للسخرة عبدا.

دان يحكم لقومه كأحد أسباط إسرائيل.

يكون دان ثعبانا على الطريق وقرناء على السبيل. يلسع عرقوب الفرس فيسقط الراكب إلى الوراء.

خلاصك آنتظرت يا رب.

جاد يغزوه الغزاة وهو يغزو في أعقابهم.

أشير خبزه دسم وهو يعطي مآكل ملوك فاخرة.

نفتالي أيلة سارحة تلد شوادن ظريفة.

يوسف غرسة خصيبة غرسة خصيبة على عين لها أغصان تسلقت السور.

تحداه أصحاب السهام ورموه وآضطهدوه

لكن قوسه ثبتت وسواعد يديه تشددت من يدي عزيز يعقوب من آسم الراعي، حجر إسرائيل

من إله أبيك- فليعنك- ومن القدير- فليباركك-: بركات السماء من العلاء وبركات الغمر الرابض في أسفل وبركات الثديين والرحم.

بركات أبيك تفوق بركات الجبال الأزلية ومنية التلال القديمة ولتكن على رأس يوسف وعلى قمة رأس النذير بين إخوته.

بنيامين ذئب مفترس في الصباح يأكل الفريسة وفي المساء يقسم الغنيمة.

هؤلاء كلهم أسباط إسرائيل الاثنا عشر، وهذا ما قال لهم أبوهم. وباركهم: كل واحد بركته باركهم.

وأوصاهم يعقوب وقال لهم: (( أنا منضم إلى أجدادي. فادفنوني مع آبائي في المغارة التي في حقل عفرون الحثي،

المغارة التي في حقل المكفيلة، بإزاء ممرا، في أرض كنعان، والتي آشتراها إبراهيم مع الحقل من عفرون الحثي، ملك قبر .

هناك دفن إبراهيم وسارة آمرأته، وهناك دفن إسحق ورفقة أمرأته، وهناك دفنت ليئة.

شراء الحقل والمغارة التي فيه كان من بني حث )).

فلما انتهى يعقوب من وصيته لبنيه، ضم رجليه على السرير، وفاضت روحه، وأنضم إلى أجداده.

فأرتمى يوسف على وجه أبيه وبكى عليه وقبله.

وأمر خدامه الأطباء أن يحنطوا أباه، فحنط الأطباء إسرائيل.

ودام ذلك أربعين يوما، لأنه كذلك تدوم الأم التحنيط. وبكى عليه المصريون سبعين يوما.

ولما آنقضت الأم البكاء عليه، كلم يوسف بيت فرعون وقال: (( إن نلت حظوة في عيونكم، فتكلموا على مسامع فرعون وقولوا له:

إن أبي قد آستحلفني وقال لي: هاءنذا أموت، ففي قبري الذي حفرته لي في أرض كنعان، هناك ادفني. والآن دعني أصعد فأدفن أبي وأعود )).

فقال فرعون: ((اصعد فادفن أباك كما أستحلفك )).

فصعد يوسف ليدفن أباه، وصعد معه جميع حاشية فرعون شيوخ بيته، وجميع شيوخ أرض مصر،

وجميع آل يوسف وإخوته وآل أبيه، وتركوا عيالهم وغنمهم وبقرهم في أرض جاسان.

وصعدت معه مركبات وفرسان: فكان الموكب عظيما جدا.

فوصلوا إلى بيدر الشوكة الذي في عبر الأردن، وندبوه هناك ندبا عظيما وبليغا جدا، وأقام يوسف لأبيه مناحة سبعة الأم.

فرأى سكان أرض كنعان المناحة في بيدر الشوكة فقالوا: (( هذه مناحة عظيمة للمصريين )). ولذلك سمي المكان مناحة المصريين، وهي في عبر الأردن.

وصنع ليعقوب بنوه كما أوصاهم.

فحملوه إلى أرض كنعان ودفنوه في مغارة حقل المكفيلة التي اشتراها إبراهيم مع الحقل ملك قبر من عفرون الحثي، إزاء ممرا.

ثم رجع يوسف، بعد أن دفن أباه، إلى مصر هو وإخوته وسائر من صعد معه لدفن أبيه.

فلما رأى إخوة يوسف أن قد مات أبوهم، قالوا: (( لعل يوسف يحقد علينا ويكافئنا على الشر الذي فعلناه به،

فأرسلوا من قال ليوسف: (( إن أباك أوصانا قبل موته وقال:

(( كذا تقولون ليوسف: أرجو ان تغفر لإخوتك ذنبهم وخطيئتهم، فقد فعلوا بك سوءا والآن أسألك أن تصفح عن ذنب عبيد اله أبيك )). فبكى يوسف حين قيل له ذلك.

وجاء إخوته أيضا فارتموا أمامه وقالوا: (( ها نحن عبيد لك )).

فقال لهم يوسف: (( لا تخافوا. ألعلي أنا مكان الله؟

أنتم نويتم علي شرا، والله نوى به خيرا، لكي يصنع ما ترونه اليوم ليهب الحياة لشعب كثير.

والآن لا تخافوا: أنا أعولكم أنتم وعيالكم )). وعزاهم وخاطب قلوبهم.

وأقام يوسف بمصر هو وبيت أبيه. وعاش يوسف مئة وعشر سنين.

ورأى يوسف من بني أفرائيم الجيل الثالث، وقد ولد أيضا على ركبتيه بنو ماكير بن منسى.

وقال يوسف لإخوته: ((هاءنذا أموت، والله سيفتقدكم ويصعدكم من هذه الأرض إلى الأرض التي أقسم عليها لإبراهيم وإسحق ويعقوب.

وآستحلف يوسف بني إسرائيل وقال: (( إن الله سيفتقدكم، فأصعدوا عظامي من ههنا )) .

ومات يوسف وهو ابن مئة وعشر سنين. فحنطوه وجعل في تابوت بمصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *