انجيل ربنا يسوع المسيح للقديس مرقس

انجيل ربنا يسوع المسيح للقديس مرقس

بدء بشارة يسوع المسيح آبن الله:

كتب في سفر النبي أشعيا: ((هاءنذا أرسل رسولي قدامك ليعد طريقك.

صوت مناد في البرية: أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة)).

تم ذلك يوم ظهر يوحنا المعمدان في البرية، ينادي بمعمودية توبة لغفران الخطايا.

وكانت تخرج إليه بلاد اليهودية كلها وجميع أهل أورشليم، فيعتمدون عن يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم.

وكان يوحنا يلبس وبر الإبل، وزنارا من جلد حول وسطه. وكان يأكل الجراد والعسل البري

وكان يعلن فيقول: (( يأتي بعدي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أنحني فأفك رباط حذائه .

أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فيعمدكم بالروح القدس)).

وفي تلك الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل ، وآعتمد عن يد يوحنا في الأردن.

وبينما هو خارج من الماء رأى السموات تنشق، والروح ينزل عليه كأنه حمامة.

وانطلق صوت من السموات يقول: ((أنت ابني الحبيب، عنك رضيت)).

وأخرجه الروح عندئذ إلى البرية،

فأقام فيها أربعين يوما يجربه الشيطان وكان مع الوحوش، وكان الملائكة يخدمونه.

وبعد اعتقال يوحنا، جاء يسوع إلى الجليل يعلن بشارة الله، فيقول:

(( تم الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالبشارة)).

وكان يسوع سائرا على شاطئ بحر الجليل، فرأى سمعان وأخاه أندراوس يلقيان الشبكة في البحر، لأنهما كانا صيادين.

فقال لهما: (( اتبعاني أجعلكما صيادي بشر)).

فتركا الشباك لوقتهما وتبعاه.

وتقدم قليلا فرأى يعقوب بن زبدى وأخاه يوحنا، وهما أيضا في السفينة يصلحان الشباك.

فدعاهما لوقته فتركا أباهما زبدى في السفينة مع الأجراء وتبعاه.

ودخلوا كفرناحوم. وما إن أتى السبت حتى دخل المجمع وأخذ يعلم.

فأعجبوا بتعليمه، لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان، لا مثل الكتبة.

وكان في مجمعهم رجل فيه روح نجس، فصاح :

((ما لنا ولك يا يسوع الناصري؟ أجئت لتهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت قدوس الله)).

فانتهره يسوع قال:(( اخرس واخرج منه!))

فخبطه الروح النجس، وصرخ صرخة شديدة، وخرج منه،

فدهشوا جميعا حتى أخذوا يتساءلون: ((ما هذا ؟ إنه لتعليم جديد يلقى بسلطان ! حتى الأرواح النجسة يأمرها فتطيعه !))

وذاع ذكره لوقته في كل مكان من ناحية الجليل بأسرها.

ولما خرجوا من المجمع، جاؤوا إلى بيت سمعان وأندراوس ومعهم يعقوب ويوحنا.

وكانت حماة سمعان في الفراش محمومة، فأخبروه بأمرها.

فدنا منها فأخذ بيدها وأنهضها، ففارقتها الحمى، وأخذت تخدمهم.

وعند المساء بعد غروب الشمس، أخذ الناس يحملون إليه جميع المرضى والممسوسين.

واحتشدت المدينة بأجمعها على الباب.

فشفى كثيرا من المرضى المصابين بمختلف العلل، وطرد كثيرا من الشياطين، ولم يدع الشياطين تتكلم لأنها عرفته.

وقام قبل الفجر مبكرا، فخرج وذهب إلى مكان قفر، وأخذ يصلي هناك.

فانطلق سمعان وأصحابه يبحثون عنه،

فوجدوه. وقالوا له: ((جميع الناس يطلبونك)).

فقال لهم: (( لنذهب إلى مكان آخر، إلى القرى المجاورة، لأبشر فيها أيضا، فإني لهذا خرجت)).

وسار في الجليل كله، يبشر في مجامعهم ويطرد الشياطين.

وأتاه أبرص يتوسل إليه، فجثا وقال له:((إن شئت فأنت قادر على أن تبرئني)).

فأشفق عليه يسوع ومد يده فلمسه وقال له: ((قد شئت فابرأ))

فزال عنه البرص لوقته وبرئ.

فصرفه يسوع بعد ما أنذره بلهجة شديدة

فقال له:((إياك أن تخبر أحدا بشيء، بل اذهب إلى الكاهن فأره نفسك، ثم قرب عن برئك ما أمر به موسى، شهادة لديهم)).

أما هو، فانصرف وأخذ ينادي بأعلى صوته ويذيع الخبر، فصار يسوع لا يستطيع أن يدخل مدينة علانية، بل كان يقيم في ظاهرها في أماكن مقفرة، والناس يأتونه من كل مكان.

وعاد بعد بضعة أيام إلى كفرناحوم، فسمع الناس أنه في البيت.

فآجتمع منهم عدد كثير، ولم يبق موضع خاليا حتى عند الباب، فألقى إليهم كلمة الله،

فأتوه بمقعد يحمله أربعة رجال.

فلم يستطيعوا الوصول به إليه لكثرة الزحام. فنبشوا عن السقف فوق المكان الذي هو فيه، ونقبوه. ثم دلوا الفراش الذي كان عليه المقعد.

فلما رأى يسوع إيمانهم، قال للمقعد:((يا بني، غفرت لك خطاياك)).

وكان بين الحاضرين هناك بعض الكتبة، فقالوا في قلوبهم:

((ما بال هذا الرجل يتكلم بذلك ؟ إنه ليجدف. فمن يقدر أن يغفر الخطايا إلا الله وحده ؟))

فعلم يسوع عندئذ في سره أنهم يقولون ذلك في أنفسهم، فسألهم: ((لماذا تقولون هذا في قلوبكم ؟

فأيما أيسر ؟ أن يقال للمقعد: غفرت لك خطاياك، أم أن يقال: قم فاحمل فراشك وآمش ؟

فلكي تعلموا أن ابن الإنسان له سلطان يغفر به الخطايا في الأرض))، ثم قال للمقعد:

((أقول لك: قم فاحمل فراشك واذهب إلى بيتك)).

فقام فحمل فراشه لوقته، وخرج بمرأى من جميع الناس، حتى دهشوا جميعا ومجدوا الله وقالوا: ((ما رأينا مثل هذا قط)).

وخرج ثانية إلى شاطئ البحر، فأتاه الجمع كله، فأخذ يعلمهم.

ثم رأى وهو سائر لاوي بن حلفى جالسا في بيت الجباية، فقال له: ((اتبعني !)) فقام فتبعه.

وجلس يسوع للطعام عنده، وجلس معه ومع تلاميذه كثير من الجباة والخاطئين، فقد كان هناك كثير من الناس. وكانوا يتبعونه.

فلما رأى الكتبة من الفريسيين أنه يأكل مع الخاطئين والجباة، قالوا لتلاميذه: ((أيأكل مع الجباة والخاطئين ؟))

فسمع يسوع كلامهم، فقال لهم: ((ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب، بل المرضى. ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخاطئين)).

وكان تلاميذ يوحنا والفريسيون صائمين، فأتاه بعض الناس وقالوا له: ((لماذا يصوم تلاميذ يوحنا وتلاميذ الفريسيين، وتلاميذك لا يصومون ؟))

فقال لهم يسوع: ((أيستطيع أهل العرس أن يصوموا والعريس بينهم ؟ فمادام العريس بينهم، لا يستطيعون أن يصوموا.

ولكن ستأتي أيام فيها يرفع العريس من بينهم. فعندئذ يصومون في ذلك اليوم.

ما من أحد يرقع ثوبا عتيقا بقطعة من نسيج خام، لئلا تأخذ القطعة الجديدة على مقدارها من الثوب وهو عتيق، فيصير الخرق أسوأ.

وما من أحد يجعل الخمرة الجديدة في زقاق عتيقة، لئلا تشق الخمر الزقاق، فتتلف الخمر والزقاق معا. ولكن للخمرة الجديدة زقاق جديدة)).

ومر يسوع في السبت من بين الزروع، فأخذ تلاميذه يقلعون السنبل وهم سائرون.

فقال له الفريسيون: ((أنظر ! لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل ؟))

فقال لهم: ((أما قرأتم قط ما فعل داود، حين احتاج فجاع هو والذين معه ؟

كيف دخل بيت الله على عهد عظيم الكهنة أبياتار، فأكل الخبز المقدس، وأعطى منه للذين معه، وأكله لا يحل إلا للكهنة)).

وقال لهم: ((إن السبت جعل للإنسان، وما جعل الإنسان للسبت.

فابن الإنسان سيد السبت أيضا)).

ودخل ثانية بعض المجامع وكان فيه رجل يده شلاء.

وكانوا يراقبونه ليروا هل يشفيه في السبت ومرادهم أن يشكوه.

فقال للرجل ذي اليد الشلاء: ((قم في وسط الجماعة)).

ثم قال لهم: ((أعمل الخير يحل في السبت أم عمل الشر ؟ أتخليص نفس أم قتلها ؟)) فظلوا صامتين.

فأجال طرفه فيهم مغضبا مغتما لقساوة قلوبهم، ثم قال للرجل: ((امدد يدك)). فمدها فعادت يده صحيحة.

فخرج الفريسيون وتآمروا عليه لوقتهم مع الهيرودسيين ليهلكوه.

فانصرف يسوع إلى البحر ومعه تلاميذه، وتبعه حشد كبير من الجليل، وجمع كثير من اليهودية،

ومن أورشليم وأدوم وعبر الأردن ونواحي صور وصيدا، وقد سمعوا بما يصنع فجاؤوا إليه.

فأمر تلاميذه بأن يجعلوا له زورقا يلازمه، مخافة أن يضايقه الجمع،

لأنه شفى كثيرا من الناس، حتى أصبح كل من به علة يتهافت عليه ليلمسه.

وكانت الأرواح النجسة، إذا رأته، ترتمي على قدميه وتصيح: ((أنت ابن الله !))

فكان ينهاها بشدة عن كشف أمره.

وصعد الجبل ودعا الذين أرادهم هو فأقبلوا إليه.

فأقام منهم اثني عشر لكي يصحبوه، فيرسلهم يبشرون،

ولهم سلطان يطردون به الشياطين.

فأقام الاثني عشر: سمعان ولقبه بطرس،

ويعقوب ابن زبدى ويوحنا أخو يعقوب، ولقبهما بوانرجس، أي : ابني الرعد،

وأندراوس وفيلبس وبرتلماوس، ومتى وتوما، ويعقوب بن حلفى وتداوس وسمعان الغيور،

ويهوذا الإسخريوطي ذاك الذي أسلمه.

وجاء إلى البيت، فعاد الجمع إلى الآزدحام، حتى لم يستطيعوا أن يتناولوا طعاما.

وبلغ الخبر ذويه فخرجوا ليمسكوه، لأنهم كانوا يقولون: ((إنه ضائع الرشد)).

وكان الكتبة الذين نزلوا من أورشليم يقولون: ((إن فيه بعل زبول، و إنه بسيد الشياطين يطرد الشياطين)).

فدعاهم وكلمهم بالأمثال قال: ((كيف يستطيع الشيطان أن يطرد الشيطان ؟

فإذا انقسمت مملكة على نفسها فلا تستطيع تلك المملكة أن تثبت.

وإذا انقسم بيت على نفسه، فلا يستطيع ذلك البيت أن يثبت.

وإذا ثار الشيطان على نفسه فانقسم فلا يستطيع أن يثبت، بل ينتهي أمره.

فما من أحد يستطيع أن يدخل بيت الرجل القوي وينهب أمتعته، إذا لم يوثق ذلك الرجل القوي أولا، فعندئذ ينهب بيته.

((الحق أقول لكم إن كل شيء يغفر لبني البشر من خطيئة وتجديف مهما بلغ تجديفهم.

وأما من جدف على الروح القدس، فلا غفران له أبدا، بل هو مذنب بخطيئة للأبد)).

ذلك بأنهم قالوا إن فيه روحا نجسا.

وجاءت أمه وإخوته فوقفوا في خارج الدار، وأرسلوا إليه من يدعوه.

وكان الجمع جالسا حوله فقالوا له: ((إن أمك وإخوتك في خارج الدار يطلبونك)).

فأجابهم: ((من أمي وإخوتي ؟))

ثم أجال طرفه في الجالسين حوله وقال: ((هؤلاء هم أمي وإخوتي،

لأن من يعمل بمشيئة الله هو أخي وأختي وأمي)).

وعاد إلى التعليم بجانب البحر، فازدحم عليه جمع كثير جدا، حتى إنه ركب سفينة في البحر وجلس فيها، والجمع كله قائم في البر على ساحل البحر.

فعلمهم بالأمثال أشياء كثيرة. وقال لهم في تعليمه:

((إسمعوا ! هوذا الزارع خرج ليزرع.

وبينما هو يزرع، وقع بعض الحب على جانب الطريق، فجاءت الطيور فأكلته.

ووقع بعضه الآخر على أرض حجرة لم يكن فيها تراب كثير، فنبت من وقته لأن ترابه لم يكن عميقا.

فلما أشرقت الشمس احترق، ولم يكن له أصل فيبس.

ووقع بعضه الآخر في الشوك، فارتفع الشوك وخنقه فلم يثمر.

ووقعت الحبات الأخرى على الأرض الطيبة، فارتفعت ونمت وأثمرت، بعضها ثلاثين، وبعضها ستين، وبعضها مائة)).

وقال: ((من كان له أذنان تسمعان فليسمع !)).

فلما اعتزل الجمع، سأله الذين حوله مع الاثني عشر عن الأمثال.

فقال لهم: ((أنتم أعطيتم سر ملكوت الله. وأما سائر الناس فكل شيء يلقى إليهم بالأمثال

فينظرون نظرا ولا يبصرون ويسمعون سماعا ولا يفهمون لئلا يرجعوا فيغفر لهم)).

وقال لهم((أما تفهمون هذا المثل ؟ فكيف تفهمون سائر الأمثال ؟

الزارع يزرع كلمة الله.

فمن كانوا بجانب الطريق حيث زرعت الكلمة، فهم الذين يسمعونها فيأتي الشيطان لوقته ويذهب بالكلمة المزروعة فيهم.

وهؤلاء هم الذين زرعوا في الأرض الحجرة، فإذا سمعوا الكلمة قبلوها من وقتهم فرحين،

ولكن لا أصل لهم في أنفسهم، فلا يثبتون على حالة. فإذا حدثت بعد ذلك شدة أو اضطهاد من أجل الكلمة، عثروا لوقتهم.

وبعضهم الآخر زرعوا في الشوك، فهؤلاء هم الذين يسمعون الكلمة،

ولكن هموم الحياة الدنيا وفتنة الغنى وسائر الشهوات تداخلهم فتخنق الكلمة، فلا تخرج ثمرا.

وهؤلاء هم الذين زرعوا في الأرض الطيبة، فهم الذين يسمعون الكلمة ويتقبلونها فيثمرون الواحد ثلاثين ضعفا والآخر ستين وغيره مائة)).

وقال لهم: ((أيأتي السراج ليوضع تحت المكيال أو تحت السرير ؟ ألا يأتي ليوضع على المنارة ؟

فما من خفي إلا سيظهر، ولا من مكتوم إلا سيعلن.

من كان له أذنان تسمعان فليسمع !)).

وقال لهم: ((انتبهوا لما تسمعون ! فبما تكيلون يكال لكم وتزادون.

لأن من كان له شيء، يعطى. ومن ليس له شيء، ينتزع منه حتى الذي له)).

وقال((مثل ملكوت الله كمثل رجل يلقي البذر في الأرض.

فسواء نام أو قام ليل نهار، فالبذر ينبت وينمي، وهو لا يدري كيف يكون ذلك.

فالأرض من نفسها تخرج العشب أولا، ثم السنبل، ثم القمح الذي يملأ السنبل.

فما إن يدرك الثمر حتى يعمل فيه المنجل، لأن الحصاد قد حان)).

وقال: ((بماذا نشبه ملكوت الله، أو بأي مثل نمثله؟

إنه مثل حبة خردل: فهي، حين تزرع في الأرض، أصغر سائر البزور التي في الأرض.

فإذا زرعت، ارتفعت وصارت أكبر البقول كلها، وأرسلت أغصانا كبيرة، حتى إن طيور السماء تستطيع أن تعشش في ظلها)).

وكان يكلمهم بأمثال كثيرة كهذه، ليلقي إليهم كلمة الله، على قدر ما كانوا يستطيعون أن يسمعوها.

ولم يكلمهم من دون مثل، فإذا انفرد بتلاميذه فسر لهم كل شيء.

وقال لهم في ذلك اليوم نفسه عند المساء((لنعبر إلى الشاطئ المقابل)).

فتركوا الجمع وساروا به وهو في السفينة، وكان معه سفن أخرى.

فعصفت ريح شديدة وأخذت الأمواج تندفع على السفينة حتى كادت تمتلئ.

وكان هو في مؤخرها نائما على الوسادة، فأيقظوه وقالوا له: ((يا معلم، أما تبالي أننا نهلك ؟))

فاستيقظ وزجر الريح وقال للبحر: ((اسكت ! اخرس!)) فسكنت الريح وحدث هدوء تام

ثم قال لهم ((ما لكم خائفين هذا الخوف ؟ أإلى الآن لا إيمان لكم ؟))

فخافوا خوفا شديدا وقال بعضهم لبعض: ((من ترى هذا حتى تطيعه الريح والبحر ؟)).

ووصلوا إلى الشاطئ الآخر من البحر إلى ناحية الجراسيين.

وما إن نزل من السفينة حتى تلقاه رجل فيه روح نجس قد خرج من القبور.

وكان يقيم في القبور، ولا يقدر أحد أن يضبطه حتى بسلسلة.

فكثيرا ما ربط بالقيود والسلاسل فقطع السلاسل وكسر القيود. ولم يكن أحد يقوى على قمعه.

وكان طوال الليل والنهار في القبور والجبال، يصيح ويرضض جسمه بالحجارة.

فلما رأى يسوع عن بعد أسرع إليه وسجد له

وصاح بأعلى صوته: ((ما لي ولك، يا يسوع ابن الله العلي أستحلفك بالله لا تعذبني )).

لأن يسوع قال له: (( أيها الروح النجس، اخرج من الرجل)).

فسأله: ((ما اسمك ؟)) فقال له: ((اسمي جيش، لأننا كثيرون)).

ثم سأله ملحا ألا يرسلهم إلى خارج الناحية.

وكان يرعى هناك في سفح الجبل قطيع كبير من الخنازير.

فتوسلت إليه الأرواح النجسة قالت: ((أرسلنا إلى الخنازير فندخل فيها))،

فأذن لها. فخرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير، فوثب القطيع من الجرف إلى البحر، وعدده نحو ألفين، فغرقت الخنازير في البحر.

فهرب الرعاة ونقلوا الخبر إلى المدينة والمزارع، فجاء الناس ليروا ما جرى.

فلما وصلوا إلى يسوع، شاهدوا الرجل الذي كان ممسوسا جالسا لابسا صحيح العقل، ذاك الذي كان فيه جيش من الشياطين، فخافوا.

فأخبرهم الشهود بما جرى للممسوس وبخبر الخنازير.

فأخذوا يسألون يسوع أن ينصرف عن بلدهم.

وبينما هو يركب السفينة، سأله الذي كان ممسوسا أن يصحبه.

فلم يأذن له، بل قال له: ((اذهب إلى بيتك إلى ذويك، وأخبرهم بكل ما صنع الرب إليك وبرحمته لك)).

فمضى وأخذ ينادي في المدن العشر بكل ما صنع يسوع إليه، وكان جميع الناس يتعجبون.

ورجع يسوع في السفينة إلى الشاطئ المقابل، فازدحم عليه جمع كثير، وهو على شاطئ البحر.

فجاء أحد رؤساء المجمع اسمه يائيرس. فلما رآه ارتمى على قدميه،

وسأله ملحا قال: ((ابنتي الصغيرة مشرفة على الموت. فتعال وضع يديك عليها لتبرأ وتحيا)).

فذهب معه وتبعه جمع كثير يزحمه.

وكانت هناك امرأة منزوفة منذ اثنتي عشرة سنة،

قد عانت كثيرا من أطباء كثيرين، وأنفقت كل ما عندها فلم تستفد شيئا، بل صارت من سيئ إلى أسوأ.

فلما سمعت بأخبار يسوع، جاءت بين الجمع من خلف ولمست رداءه،

لأنها قالت في نفسها: ((إن لمست ولو ثيابه برئت)).

فجف مسيل دمها لوقته، وأحست في جسمها أنها برئت من علتها.

وشعر يسوع لوقته بالقوة التي خرجت منه، فالتفت إلى الجمع وقال: ((من لمس ثيابي ؟))

فقال له تلاميذه: ((ترى الجمع يزحمك وتقول: من لمسني ؟))

فأجال طرفه ليرى التي فعلت ذلك.

فخافت المرأة وارتجفت لعلمها بما حدث لها، فجاءت وارتمت على قدميه واعترفت بالحقيقة كلها.

فقال لها: ((يا ابنتي، إيمانك خلصك، فاذهبي بسلام، وتعافي من علتك)).

وبينما هو يتكلم، وصل أناس من عند رئيس المجمع يقولون: ((ابنتك ماتت فلم تزعج المعلم ؟))

فلم يبال يسوع بهذا الكلام، بل قال لرئيس المجمع: ((لا تخف، آمن فقط)).

ولم يدع أحدا يصحبه إلا بطرس ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب.

ولما وصلوا إلى دار رئيس المجمع، شهد ضجيجا وأناسا يبكون ويعولون.

فدخل وقال لهم: ((لماذا تضجون وتبكون ؟ لم تمت الصبية، وإنما هي نائمة))،

فضحكوا منه. أما هو فأخرجهم جميعا وسار بأبي الصبية وأمها والذين كانوا معه ودخل إلى حيث كانت الصبية.

فأخذ بيد الصبية وقال لها: ((طليتا قوم !))أي: يا صبية أقول لك: قومي.

فقامت الصبية لوقتها وأخذت تمشي، وكانت ابنة اثنتي عشرة سنة. فدهشوا أشد الدهش،

فأوصاهم مشددا عليهم ألا يعلم أحد بذلك، وأمرهم أن يطعموها.

وانصرف من هناك وجاء إلى وطنه يتبعه تلاميذه.

ولما أتى السبت أخذ يعلم في المجمع، فدهش كثير من الذين سمعوه، وقالوا: ((من أين له هذا ؟ وما هذه الحكمة التي أعطيها حتى إن المعجزات المبينة تجري عن يديه ؟

أليس هذا النجار ابن مريم، أخا يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان ؟ أو ليست أخواته عندنا ههنا ؟))وكان لهم حجر عثرة.

فقال لهم يسوع: ((لا يزدرى نبي إلا في وطنه وأقاربه وبيته)).

ولم يستطع أن يجري هناك شيئا من المعجزات، سوى أنه وضع يديه على بعض المرضى فشفاهم.

وكان يتعجب من عدم إيمانهم. ثم سار في القرى المجاورة يعلم.

ودعا الآثني عشر وأخذ يرسلهم اثنين اثنين، وأولاهم سلطانا على الأرواح النجسة.

وأوصاهم ألا يأخذوا للطريق شيئا سوى عصا: لا خبزا ولا مزودا ولا نقدا من نحاس في زنارهم،

بل: ليشدوا النعال على أقدامهم، ((ولا تلبسوا قميصين)).

وقال لهم: ((وحيثما دخلتم بيتا، فأقيموا فيه إلى أن ترحلوا.

وإن لم يقبلكم مكان ولم يستمع فيه الناس إليكم، فارحلوا عنه نافضين الغبار من تحت أقدامكم شهادة عليهم)).

فمضوا يدعون الناس إلى التوبة،

وطردوا كثيرا من الشياطين، ومسحوا بالزيت كثيرا من المرضى فشفوهم.

وسمع الملك هيرودس بأخباره، لأن اسمه أصبح مشهورا، وكان أناس يقولون: ((إن يوحنا المعمدان قام من بين الأموات، ولذلك تعمل فيه القدرة على إجراء المعجزات))

وقال آخرون: ((إنه إيليا)). وقال غيرهم: ((إنه نبي كسائر الأنبياء)).

فلما سمع هيرودس قال: ((هذا يوحنا الذي قطعت أنا رأسه قد قام)).

ذلك بأن هيرودس هذا كان قد أرسل إلى يوحنا من أمسكه وأوثقه في السجن، من أجل هيروديا امرأة أخيه فيلبس لأنه تزوجها.

فكان يوحنا يقول لهيرودس: ((لا يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك)).

وكانت هيروديا ناقمة عليه تريد قتله فلا تستطيع،

لأن هيرودس كان يهاب يوحنا لعلمه أنه رجل بار قديس. وكان يحميه. وإذا استمع إليه، وقع في حيرة كبيرة، وكان مع ذلك يسره الإصغاء إليه.

وجاء يوم موافق إذ أقام هيرودس في ذكرى مولده مأدبة للأشراف والقواد وأعيان الجليل.

فدخلت ابنة هيروديا هذه ورقصت، فأعجبت هيرودس وجلساءه. فقال الملك للصبية: ((اطلبي مني ما شئت أعطك)).

وأقسم لها: ((لأعطينك كل ما تطلبين مني، ولو نصف مملكتي)).

فخرجت وسألت أمها: ((ماذا أطلب ؟)) فقالت: ((رأس يوحنا المعمدان)).

فدخلت مسرعة إلى الملك وطلبت فقالت: ((أريد أن تعطيني في هذه الساعة على طبق رأس يوحنا المعمدان)).

فاغتم الملك، ولكنه من أجل أيمانه ومراعاة لجلسائه، لم يشأ أن يرد طلبها.

فأرسل الملك من وقته حاجبا وأمره بأن يأتي برأسه. فمضى وقطع رأسه في السجن،

وأتى برأس يوحنا على طبق، فأعطاه للصبية والصبية أعطته لأمها.

وبلغ الخبر تلاميذه، فجاؤوا فحملوا جثمانه ووضعوه في قبر.

واجتمع الرسل عند يسوع، وأخبروه بجميع ما عملوا وعلموا.

فقال لهم: ((تعالوا أنتم إلى مكان قفر تعتزلون فيه، واستريحوا قليلا)). لأن القادمين والذاهبين كانوا كثيرين حتى لم تكن لهم فرصة لتناول الطعام.

فمضوا في السفينة إلى مكان قفر يعتزلون فيه.

فرآهم الناس ذاهبين، وعرفهم كثير منهم، فأسرعوا سيرا على الأقدام من جميع المدن وسبقوهم إلى ذلك المكان.

فلما نزل إلى البر رأى جمعا كثيرا، فأخذته الشفقة عليهم، لأنهم كانوا كغنم لا راعي لها، وأخذ يعلمهم أشياء كثيرة.

وفات الوقت، فدنا إليه تلاميذه وقالوا: ((المكان قفر وقد فات الوقت،

فاصرفهم ليذهبوا إلى المزارع والقرى المجاورة، فيشتروا لهم ما يأكلون)).

فأجابهم: ((أعطوهم أنتم ما يأكلون)). فقالوا له: ((أنذهب فنشتري خبزا بمائتي دينار ونعطيهم ليأكلوا ؟))

فقال لهم: ((كم رغيفا عندكم ؟ اذهبوا فانظروا)). فتحققوا ما عندهم، ثم قالوا: ((خمسة وسمكتان)).

فأمرهم بأن يقعدوا الناس كلهم فئة فئة على العشب الأخضر.

فقعدوا أفواجا منها مائة ومنها خمسون.

فأخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين ورفع عينيه نحو السماء، وبارك وكسر الأرغفة، ثم جعل يناولها التلاميذ ليقدموها للناس، وقسم السمكتين عليهم جميعا.

فأكلوا كلهم حتى شبعوا.

ورفعوا اثنتي عشرة قفة ممتلئة من الكسر وفضلات السمكتين.

وكان الآكلون من الأرغفة خمسة آلاف رجل.

وأجبر تلاميذه لوقته أن يركبوا السفينة، ويتقدموه إلى الشاطئ المقابل نحو بيت صيدا، حتى يصرف الجمع.

فلما صرفهم ذهب إلى الجبل ليصلي.

وعند المساء، كانت السفينة في عرض البحر، وهو وحده في البر.

ورآهم يجهدون في التجديف، لأن الريح كانت مخالفة لهم، فجاء إليهم عند آخر الليل ماشيا على البحر وكاد يجاوزهم.

فلما رأوه ماشيا على البحر، ظنوه خيالا فصرخوا

لأنهم رأوه كلهم فاضطربوا. فكلمهم من وقته قال لهم: ((ثقوا. أنا هو، لا تخافوا)).

وصعد السفينة إليهم فسكنت الريح، فدهشوا غاية الدهش،

لأنهم لم يفهموا ما جرى على الأرغفة، بل كانت قلوبهم قاسية.

وعبروا حتى بلغوا أرض جناسرت فأرسوا.

وما إن نزلوا من السفينة حتى عرفه الناس.

فطافوا بتلك الناحية كلها، وجعلوا يحملون المرضى على فرشهم إلى كل مكان يسمعون أنه فيه.

وحيثما كان يدخل، سواء دخل القرى أو المدن أو المزارع، كانوا يضعون المرضى في الساحات، ويسألونه أن يدعهم يلمسون ولو هدب ردائه. وكان جميع الذين يلمسونه يشفون.

واجتمع لديه الفريسيون وبعض الكتبة الآتين من أورشليم،

فرأوا بعض تلاميذه يتناولون الطعام بأيد نجسة، أي غير مغسولة

(لأن الفريسيين واليهود عامة لا يأكلون إلا بعد أن يغسلوا أيديهم حتى المرفق، تمسكا بسنة الشيوخ.

وإذا رجعوا من السوق، لا يأكلون إلا بعد أن يغتسلوا بإتقان. وهناك أشياء أخرى كثيرة من السنة يتمسكون بها، كغسل الكؤوس والجرار وآنية النحاس).

فسأله الفريسيون والكتبة: ((لم لا يجري تلاميذك على سنة الشيوخ، بل يتناولون الطعام بأيد نجسة ؟))

فقال لهم: ((أيها المراؤون، أحسن أشعيا في نبوءته عنكم، كما ورد في الكتاب: ((هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فبعيد مني.

إنهم بالباطل يعبدونني فليس ما يعلمون من المذاهب سوى أحكام بشرية)).

إنكم تهملون وصية الله وتتمسكون بسنة البشر)).

وقال لهم: ((إنكم تحسنون نقض وصية الله لتقيموا سنتكم !

فقد قال موسى: ((أكرم أباك وأمك))، و((من لعن أباه أو أمه، فليمت موتا)).

وأما أنتم فتقولون: إذا قال أحد لأبيه أو أمه : كل شيء قد أساعدك به جعلته قربانا،

فإنكم لا تدعونه يساعد أباه أو أمه أي مساعدة

فتنقضون كلام الله بسنتكم التي تتناقلونها. وهناك أشياء كثيرة مثل ذلك تفعلون)).

ودعا الجمع ثانية وقال لهم: ((أصغوا إلي كلكم وافهموا:

ما من شيء خارج عن الإنسان إذا دخل الإنسان ينجسه. ولكن ما يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان)).

ولما دخل البيت مبتعدا عن الجمع، سأله تلاميذه عن المثل،

فقال لهم: ((أهكذا أنتم أيضا لا فهم لكم ؟ ألا تدركون أن ما يدخل الإنسان من الخارج لا ينجسه،

لأنه لا يدخل إلى القلب، بل إلى الجوف، ثم يذهب في الخلاء)). وفي قوله ذلك جعل الأطعمة كلها طاهرة.

وقال: ((ما يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان،

لأنه من باطن الناس، من قلوبهم، تنبعث المقاصد السيئة والفحش والسرقة والقتل

والزنى والطمع والخبث والمكر والفجور والحسد والشتم والكبرياء والغباوة.

جميع هذه المنكرات تخرج من باطن الإنسان فتنجسه)).

ومضى من هناك ، وذهب إلى نواحي صور، فدخل بيتا، وكان لا يريد أن يعلم به أحد، فلم يستطع أن يخفي أمره.

فقد سمعت به وقتئذ امرأة لها ابنة صغيرة فيها روح نجس، فجاءت وارتمت على قدميه.

وكانت المرأة وثنية من أصل سوري فينيقي. فسألته أن يطرد الشيطان عن ابنتها.

فقال لها: ((دعي البنين أولا يشبعون، فلا يحسن أن يؤخذ خبز البنين، فيلقى إلى صغار الكلاب)).

فأجابت: ((نعم، يا رب، ولكن صغار الكلاب تأكل تحت المائدة من فتات الأطفال)).

فقال لها: ((من أجل قولك هذا، اذهبي، فقد خرج الشيطان من ابنتك)).

فرجعت إلى بيتها، فوجدت ابنتها ملقاة على السرير وقد خرج منها الشيطان.

وانصرف من أراضي صور ومر بصيدا قاصدا إلى بحر الجليل، ومجتازا أراضي المدن العشر.

فجاؤوه بأصم معقود اللسان، وسألوه أن يضع يده عليه.

فانفرد به عن الجمع، وجعل إصبعيه في أذنيه، ثم تفل ولمس لسانه.

ورفع عينيه نحو السماء وتنهد وقال له: ((إفتح!)) أي: انفتح.

فانفتح مسمعاه وانحلت عقدة لسانه، فتكلم بلسان طليق.

وأوصاهم ألا يخبروا أحدا. فكان كلما أكثر من توصيتهم، أكثروا من إذاعة خبره.

وكانوا يقولون وهم في غاية الإعجاب: ((قد أبدع في أعماله كلها، إذ جعل الصم يسمعون والخرس يتكلمون !)).

وفي تلك الأيام احتشد أيضا جمع كثير، ولم يكن عندهم ما يأكلون، فدعا تلاميذه وقال لهم:

((أشفق على هذا الجمع، فإنهم منذ ثلاثة أيام يلازمونني، وليس عندهم ما يأكلون.

وإن صرفتهم إلى بيوتهم صائمين، خارت قواهم في الطريق، ومنهم من جاء من مكان بعيد)).

فأجابه تلاميذه: ((من أين لأحد أن يشبع هؤلاء من الخبز ههنا في مكان قفر ؟))

فسألهم: ((كم رغيفا عندكم؟))قالوا: ((سبعة)).

فأمر الجمع بالقعود على الأرض، ثم أخذ الأرغفة السبعة وشكر وكسرها، ثم جعل يناول تلاميذه ليقدموها، فقدموها للجمع.

وكان عندهم بعض سمكات صغار، فباركها وأمر بتقديمها أيضا.

فأكلوا حتى شبعوا، ورفعوا مما فضل من الكسر سبع سلال.

وكانوا نحو أربعة آلاف. فصرفهم،

وركب السفينة عندئذ مع تلاميذه، وجاء إلى نواحي دلمانوتا.

فأقبل الفريسيون وأخذوا يجادلونه فطلبوا آية من السماء ليحرجوه.

فتنهد من أعماق نفسه وقال: ((ما بال هذا الجيل يطلب آية ؟ الحق أقول لكم: لن يعطى هذا الجيل آية !))

ثم تركهم وعاد إلى السفينة فركبها وانصرف إلى الشاطئ المقابل.

فنسي التلاميذ أن يأخذوا خبزا ولم يكن عندهم في السفينة سوى رغيف واحد.

وأخذ يسوع يوصيهم فيقول: ((تبصروا واحذروا خمير الفريسيين وخمير هيرودس !))

فجعلوا يتجادلون لأنه لا خبز عندهم.

فشعر يسوع بأمرهم فقال لهم: ((ما بالكم تتجادلون لأنه لا خبز عندكم ؟ ألم تدركوا حتى الآن وتفهموا ؟ ألكم قلوب قاسية ؟

ألكم عيون ولا تبصرون، وآذان ولا تسمعون ؟ ألا تذكرون،

إذ كسرت الأرغفة الخمسة للخمسة الآلاف، كم قفة مملوءة كسرا رفعتم ؟((قالوا له: ((اثنتي عشرة))،

((وإذ كسرت الأرغفة السبعة للأربعة الآلاف، كم سلة من الكسر رفعتم ؟))قالوا: ((سبعا)).

فقال لهم: ((ألم تفهموا حتى الآن؟)).

ووصلوا إلى بيت صيدا فأتوه بأعمى، وسألوه أن يضع يديه عليه.

فأخذ بيد الأعمى، وقاده إلى خارج القرية، ثم تفل في عينيه، ووضع يديه عليه وسأله: ((أتبصر شيئا ؟))

ففتح عينيه وقال: ((أبصر الناس فأراهم كأنهم أشجار وهم يمشون)).

فوضع يديه ثانية على عينيه، فأبصر وعاد صحيحا يرى كل شيء واضحا.

فأرسله إلى بيته وقال له: ((حتى القرية لا تدخلها)).

وذهب يسوع وتلاميذه إلى قرى قيصرية فيلبس، فسأل في الطريق تلاميذه: ((من أنا في قول الناس ؟))

فأجابوه: ((يوحنا المعمدان. وبعضهم يقول: إيليا، وبعضهم الآخر: أحد الأنبياء)).

فسألهم: ((ومن أنا، في قولكم أنتم ؟)) فأجاب بطرس: ((أنت المسيح)).

فنهاهم أن يخبروا أحدا بأمره.

وبدأ يعلمهم أن ابن الإنسان يجب عليه أن يعاني آلاما شديدة، وأن يرذله الشيوخ وعظماء الكهنة والكتبة، وأن يقتل، وأن يقوم بعد ثلاثة أيام.

وكان يقول هذا الكلام صراحة. فانفرد به بطرس وجعل يعاتبه.

فالتفت فرأى تلاميذه فزجر بطرس قال: ((إنسحب ! ورائي ! يا شيطان، لأن أفكارك ليست أفكار الله، بل أفكار البشر)).

ودعا الجمع وتلاميذه وقال لهم: ((من أراد أن يتبعني، فليزهد في نفسه ويحمل صليبه ويتبعني.

لأن الذي يريد أن يخلص حياته يفقدها، وأما الذي يفقد حياته في سبيلي وسبيل البشارة فإنه يخلصها.

فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه ؟

وماذا يعطي الإنسان بدلا لنفسه ؟

لأن من يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ يستحيي به ابن الإنسان، متى جاء في مجد أبيه ومعه الملائكة الأطهار)).

وقال لهم: ((الحق أقول لكم: في جملة الحاضرين ههنا من لا يذوقون الموت، حتى يشاهدوا ملكوت الله آتيا بقوة)).

وبعد ستة أيام مضى يسوع ببطرس ويعقوب ويوحنا فانفرد بهم وحدهم على جبل عال، وتجلى بمرأى منهم.

فتلألأت ثيابه ناصعة البياض، حتى ليعجز أي قصار في الأرض أن يأتي بمثل بياضها.

وتراءى لهم إيليا مع موسى، وكانا يكلمان يسوع.

فخاطب بطرس يسوع قال: ((رابي، حسن أن نكون ههنا. فلو نصبنا ثلاث خيم، واحدة لك، وواحدة لموسى، وواحدة لإيليا)).

فلم يكن يدري ماذا يقول، لما استولى عليهم من الخوف.

وظهر غمام قد ظللهم، وانطلق صوت من الغمام يقول:((هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا)).

فأجالوا الطرف فورا في ما حولهم، فلم يروا معهم إلا يسوع وحده.

وبينما هم نازلون من الجبل أوصاهم ألا يخبروا أحدا بما رأوا، إلا متى قام ابن الإنسان من بين الأموات.

فحفظوا هذا الأمر وأخذوا يتساءلون ما معنى ((القيامة من بين الأموات)).

وسألوه: ((لماذا يقول الكتبة إنه يجب أن يأتي إيليا أولا ؟)).

فقال لهم: ((إن إيليا يأتي أولا ويصلح كل شيء. فكيف كتب في شأن ابن الإنسان أنه سيعاني آلاما شديدة ويزدرى ؟

على أني أقول لكم إن إيليا قد أتى، وصنعوا به كل ما أرادوا كما كتب في شأنه)).

ولما لحقوا بالتلاميذ، رأوا جمعا كثيرا حولهم وبعض الكتبة يجادلونهم.

فما إن أبصره الجمع حتى دهشوا كلهم وسارعوا إلى السلام عليه.

فسألهم: ((فيم تجادلونهم ؟))

فأجابه رجل من الجمع: ((يا معلم، أتيتك بابن لي فيه روح أبكم،

حيثما أخذه يصرعه، فيزبد الصبي ويصرف بأسنانه وييبس. وقد سألت تلاميذك أن يطردوه، فلم يقدروا)).

فأجابهم: ((أيها الجيل الكافر، حتام أبقى معكم ؟ وإلام أحتملكم ؟ علي به !)).

فأتوه به. فما إن رآه الروح حتى خبطه، فوقع إلى الأرض يتمرغ ويزبد.

فسأل أباه: ((منذ كم يحدث له هذا ؟))قال: ((منذ طفولته.

وكثيرا ما ألقاه في النار أو في الماء ليهلكه. فإذا كنت تستطيع شيئا، فأشفق علينا وأغثنا)).

فقال له يسوع: ((إذا كنت تستطيع ! كل شيء ممكن للذي يؤمن)).

فصاح أبو الصبي لوقته: ((آمنت، فشدد إيماني الضعيف !))

ورأى يسوع الجمع يزدحمون، فانتهر الروح النجس وقال له: ((أيها الروح الأخرس الأصم، أنا آمرك، أخرج منه، ولا تعد إليه)).

فصرخ وخبطه خبطا عنيفا وخرج منه. فعاد الصبي كالميت، حتى قال جميع الناس: ((لقد مات)).

فأخذ يسوع بيده وأنهضه فقام.

ولما دخل البيت، انفرد به تلاميذه وسألوه: ((لماذا لم نستطع نحن أن نطرده ؟))

فقال لهم: ((إن هذا الجنس لا يمكن إخراجه إلا بالصلاة)).

ومضوا من هناك فمروا بالجليل، ولم يرد أن يعلم به أحد،

لأنه كان يعلم تلاميذه فيقول لهم: ((إن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الناس، فيقتلونه وبعد قتله بثلاثة أيام يقوم)).

فلم يفهموا هذا الكلام، وخافوا أن يسألوه.

وجاؤوا إلى كفرناحوم. فلما دخل البيت سألهم: ((فيم كنتم تتجادلون في الطريق ؟))

فظلوا صامتين، لأنهم كانوا في الطريق يتجادلون فيمن هو الأكبر.

فجلس ودعا الاثني عشر وقال لهم:((من أراد أن يكون أول القوم، فليكن آخرهم جميعا وخادمهم)).

ثم أخذ بيد طفل فأقامه بينهم وضمه إلى صدره وقال لهم:

(( من قبل واحدا من أمثال هؤلاء الأطفال إكراما لاسمي فقد قبلني أنا ومن قبلني فلم يقبلني أنا، بل الذي أرسلني)).

قال له يوحنا: ((يا معلم، رأينا رجلا يطرد الشياطين باسمك، فأردنا أن نمنعه لأنه لا يتبعنا)).

فقال يسوع: ((لا تمنعوه، فما من أحد يجري معجزة باسمي يستطيع بعدها أن يسيء القول في.

ومن لم يكن علينا كان معنا.

((ومن سقاكم كأس ماء على أنكم للمسيح، فالحق أقول لكم إن أجره لن يضيع)).

((ومن كان حجر عثرة لهؤلاء الصغار المؤمنين، فأولى به أن تعلق الرحى في عنقه ويلقى في البحر

فإذا كانت يدك حجر عثرة لك فاقطعها، فلأن تدخل الحياة وأنت أقطع اليد خير لك من أن يكون لك يدان وتذهب إلى جهنم، إلى نار لا تطفأ.

وإذا كانت رجلك حجر عثرة لك فاقطعها، فلأن تدخل الحياة وأنت أقطع الرجل خير لك من أن يكون لك رجلان وتلقى في جهنم.

وإذا كانت عينك حجر عثرة لك فاقلعها فلأن تدخل ملكوت الله وأنت أعور خير لك من أن يكون لك عينان وتلقى في جهنم،

حيث لا يموت دودهم ولا تطفأ النار.

لأن كل امرئ سيملح بالنار.

الملح شيء جيد، فإذا صار الملح بلا ملوحة، فبأي شيء تملحونه؟ فليكن فيكم ملح وليسالم بعضكم بعضا)).

ومضى من هناك، فجاء بلاد اليهودية عند عبر الأردن فاحتشدت لديه الجموع مرة أخرى. فأخذ يعلمهم أيضا على عادته.

فدنا بعض الفريسيين وسألوه ليحرجوه هل يحل للزوج أن يطلق امرأته.

فأجابهم: ((بماذا أوصاكم موسى ؟))

قالوا: ((إن موسى رخص أن يكتب لها كتاب طلاق وتسرح)).

فقال لهم يسوع: ((من أجل قساوة قلوبكم كتب لكم هذه الوصية.

فمنذ بدء الخليقة ((جعلهما الله ذكرا وأنثى.

ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته.

ويصير الاثنان جسدا واحدا)). ((فلا يكونان اثنين بعد ذلك، بل جسد واحد.

فما جمعه الله فلا يفرقنه الإنسان)).

وسأله التلاميذ في البيت أيضا عن ذلك،

فقال لهم: ((من طلق امرأته وتزوج غيرها فقد زنى عليها.

وإن طلقت المرأة زوجها وتزوجت غيره فقد زنت)).

وأتوه بأطفال ليضع يديه عليهم، فانتهرهم التلاميذ.

ورأى يسوع ذلك فاستاء وقال لهم: ((دعوا الأطفال يأتون إلي، لا تمنعوهم، فلأمثال هؤلاء ملكوت الله.

الحق أقول لكم: من لم يقبل ملكوت الله مثل الطفل، لا يدخله)).

ثم ضمهم إلى صدره ووضع يديه عليهم فباركهم.

وبينما هو خارج إلى الطريق، أسرع إليه رجل فجثا له وسأله: ((أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية ؟))

فقال له يسوع: ((لم تدعوني صالحا ؟ لا صالح إلا الله وحده.

أنت تعرف الوصايا: ((لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور، لا تظلم، أكرم أباك وأمك)).

فقال له: ((يا معلم هذا كله حفظته منذ صباي)).

فحدق إليه يسوع فأحبه فقال له: ((واحدة تنقصك: اذهب فبع ما تملك وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني)).

فاغتم لهذا الكلام وانصرف حزينا، لأنه كان ذا مال كثير.

فأجال يسوع طرفه وقال لتلاميذه: ((ما أعسر دخول ملكوت الله على ذوي المال)).

فدهش تلاميذه لكلامه فأعاد يسوع لهم الكلام قال: ((يا بني، ما أعسر دخول ملكوت الله !

لأن يمر الجمل من ثقب الإبرة أيسر من أن يدخل الغني ملكوت الله)).

فاشتد دهشهم وقال بعضهم لبعض: ((فمن يقدر أن يخلص؟))

فحدق إليهم يسوع وقال: ((هذا شيء يعجز الناس ولا يعجز الله، فإن الله على كل شيء قدير)).

وأخذ بطرس يقول له: ((ها قد تركنا نحن كل شيء وتبعناك)).

فقال يسوع: ((الحق أقول لكم: ما من أحد ترك بيتا أو إخوة أو أخوات أو أما أو أبا أو بنين أو حقولا من أجلي وأجل البشارة

إلا نال الآن في هذه الدنيا مائة ضعف من البيوت والإخوة والأخوات والأمهات والبنين والحقول مع الاضطهادات، ونال في الآخرة الحياة الأبدية.

وكثير من الأولين يصيرون آخرين، والآخرون يصيرون أولين)).

وكانوا سائرين في الطريق صاعدين إلى أورشليم، وكان يسوع يتقدمهم، وقد أخذهم الدهش. أما الذين يتبعونه فكانوا خائفين. فمضى بالاثني عشر مرة أخرى، وأخذ ينبئهم بما سيحدث له

قال: ((ها نحن صاعدون إلى أورشليم، فابن الإنسان يسلم إلى عظماء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت، ويسلمونه إلى الوثنيين،

فيسخرون منه، ويبصقون عليه ويجلدونه ويقتلونه، وبعد ثلاثة أيام يقوم)).

ودنا إليه يعقوب ويوحنا ابنا زبدى، فقالا له: ((يا معلم، نريد أن تصنع لنا ما نسألك)).

فقال لهما: ((ماذا تريدان أن أصنع لكما؟))

قالا له: ((امنحنا أن يجلس أحدنا عن يمينك، والآخر عن شمالك في مجدك)).

فقال لهما يسوع: ((إنكما لا تعلمان ما تسألان. أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سأشربها، أو تقبلا المعمودية التي سأقبلها ؟))

فقالا له: ((نستطيع)). فقال لهما يسوع: ((إن الكأس التي أشربها سوف تشربانها، والمعمودية التي أقبلها سوف تقبلانها.

وأما الجلوس عن يميني أو شمالي، فليس لي أن أمنحه، وإنما هو للذين أعد لهم)).

فلما سمع العشرة ذلك الكلام استاؤوا من يعقوب ويوحنا

فدعاهم يسوع وقال لهم: ((تعلمون أن الذين يعدون رؤساء الأمم يسودونها، وأن أكابرها يتسلطون عليها.

فليس الأمر فيكم كذلك. بل من أراد أن يكون كبيرا فيكم، فليكن لكم خادما.

ومن أراد أن يكون الأول فيكم، فليكن لأجمعكم عبدا.

لأن ابن الإنسان لم يأت ليخدم، بل ليخدم ويفدي بنفسه جماعة الناس)).

ووصلوا إلى أريحا. وبينما هو خارج من أريحا، ومعه تلاميذه وجمع كثير، كان ابن طيماوس (برطيماوس)، وهو شحاذ أعمى، جالسا على جانب الطريق.

فلما سمع بأنه يسوع الناصري، أخذ يصيح: ((رحماك، يا ابن داود، يا يسوع !))

فانتهره أناس كثيرون ليسكت، فصاح أشد الصياح: ((رحماك، يا ابن داود !)).

فوقف يسوع وقال: ((ادعوه)). فدعوا الأعمى قالوا له: ((تشدد وقم فإنه يدعوك)).

فألقى عنه رداءه ووثب وجاء إلى يسوع.

فقال له يسوع: ((ماذا تريد أن أصنع لك ؟)) قال له الأعمى: ((رابوني، أن أبصر)).

فقال له يسوع: ((اذهب ! إيمانك خلصك)). فأبصر من وقته وتبعه في الطريق.

ولما قربوا من أورشليم ووصلوا إلى بيت فاجي وبيت عنيا، عند جبل الزيتون، أرسل اثنين من تلاميذه

وقال لهما: ((إذهبا إلى القرية التي تجاهكما، فما إن تدخلانها حتى تجدا جحشا مربوطا ما ركبه أحد، فحلا رباطه وأتيا به.

فإن قال لكما قائل: لم تفعلان هذا ؟ فقولا: الرب محتاج إليه، ثم يعيده إلى هنا بعد قليل)).

فذهبا، فوجدا جحشا مربوطا عند باب على الطريق، فحلا رباطه.

فقال لهما بعض الذين كانوا هناك: ((ما بالكما تحلان رباط الجحش ؟))

فقالا لهم: كما أمرهما يسوع فتركوهما.

فجاءا بالجحش إلى يسوع، ووضعا ردائيهما عليه فركبه.

وبسط كثير من الناس أرديتهم على الطريق، وفرش آخرون أغصانا قطعوها من الحقول.

وكان الذين يتقدمونه والذين يتبعونه يهتفون: ((هوشعنا ! تبارك الآتي باسم الرب؛

تباركت المملكة الآتية، مملكة أبينا داود ! هوشعنا في العلى !))

ودخل أورشليم فالهيكل، وأجال طرفه في كل شيء فيه. وكان المساء قد أقبل، فخرج إل بيت عنيا ومعه الاثنا عشر.

ولما خرجوا في الغد من بيت عنيا أحس بالجوع.

ورأى عن بعد تينة مورقة، فقصدها عساه أن يجد عليها ثمرا. فلما وصل إليها، لم يجد عليها غير الورق، لأن الوقت لم يكن وقت التين.

فخاطبها قال: ((لا يأكلن أحد ثمرا منك للأبد !)). وسمع تلاميذه ما قال.

ووصلوا إلى أورشليم، فدخل الهيكل، وأخذ يطرد الذين يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب طاولات الصيارفة ومقاعد باعة الحمام،

ولم يدع حامل متاع يمر من داخل الهيكل.

وأخذ يعلمهم فيقول: ((ألم يكتب: بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الأمم وأنتم جعلتموه مغارة لصوص)).

فسمع عظماء الكهنة والكتبة، فجعلوا يبحثون كيف يهلكونه، وكانوا يخافونه لأن الجمع كله كان معجبا بتعليمه.

وعند المساء مضى هو وتلاميذه إلى خارج المدينة.

وبينما هم مارون في الصباح، رأوا التينة قد يبست من أصلها.

فتذكر بطرس كلامه فقال له: ((رابي، انظر، إن التينة التي لعنتها قد يبست)).

فأجابهم يسوع: ((آمنوا بالله.

الحق أقول لكم: من قال لهذا الجبل: قم فاهبط في البحر، وهو لا يشك في قلبه، بل يؤمن بأن ما يقوله سيحدث، كان له هذا.

ولذلك أقول لكم: كل شيء تطلبونه في الصلاة، آمنوا بأنكم قد نلتموه، يكن لكم.

وإذا قمتم للصلاة، وكان لكم شيء على أحد فاغفروا له، لكي يغفر لكم أيضا أبوكم الذي في السموات زلاتكم)).

وعادوا إلى أورشليم. وبينما هو يتمشى في الهيكل، جاء إليه عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ

فقالوا له: ((بأي سلطان تعمل هذه الأعمال بل من أولاك ذاك السلطان لتعمل هذه الأعمال؟))

فقال لهم يسوع: ((أسألكم سؤالا واحدا فأجيبوني، ثم أقول لكم بأي سلطان أعمل هذه الأعمال.

أمن السماء جاءت معمودية يوحنا أم من الناس؟ أجيبوني)).

فتباحثوا قائلين: ((إن قلنا: من السماء، يقول: فلماذا لم تؤمنوا به ؟

أفنقول من الناس؟))، وكانوا يخافون الجمع، لأن الناس كلهم كانوا يعدون يوحنا نبيا حقا.

فأجابوا يسوع: ((لا ندري)). فقال لهم يسوع: ((وأنا لا أقول لكم بأي سلطان أعمل هذه الأعمال)).

وأخذ يكلمهم بالأمثال قال: ((غرس رجل كرما فسيجه، وحفر فيه معصرة وبنى برجا، وآجره بعض الكرامين ثم سافر.

فلما حان وقت الثمر، أرسل خادما إلى الكرامين، ليأخذ منهم نصيبه من ثمر الكرم.

فأمسكوه وضربوه، وأرجعوه فارغ اليدين.

فأرسل إليهم خادما آخر، وهذا أيضا شجوا رأسه وأهانوه.

فأرسل آخر، وهذا أيضا قتلوه. ثم أرسل كثيرين غيرهم، فضربوا بعضهم وقتلوا بعضهم.

فبقي عنده واحد وهو ابنه الحبيب. فأرسله إليهم آخر الأمر وقال:((سيهابون، ابني)).

فقال أولئك الكرموان بعضهم لبعض: ((هوذا الوارث، هلم نقتله، فيكون الميراث لنا)).

فأمسكوه وقتلوه وألقوه في خارج الكرم.

فماذا يفعل رب الكرم ؟ يأتي ويهلك الكرامين، ويعطي الكرم لآخرين.

أوما قرأتم هذه الآية: ((الحجر الذي رذله البناؤون هو الذي صار رأس الزاوية.

من عند الرب كان ذلك وهو عجب في أعيننا))

فحاولوا أن يمسكوه، ولكنهم خافوا الجمع، وكانوا قد أدركوا أنه يعرض بهم في هذا المثل، فتركوه وانصرفوا.

وأرسلوا إليه أناسا من الفريسيين والهيرودسيين ليصطادوه بكلمة.

فأتوه وقالوا له: ((يا معلم، نحن نعلم أنك صادق لا تبالي بأحد، لأنك لا تراعي مقام الناس، بل تعلم سبيل الله بالحق. أيحل دفع الجزية إلى قيصر أم لا ؟ أندفعها أم لا ندفعها ؟))

ففطن لريائهم فقال لهم((لماذا تحاولون إحراجي ؟ هاتوا دينارا لأراه)).

فأتوه به. فقال لهم: ((لمن الصورة هذه والكتابة ؟)) قالوا: ((لقيصر)).

فقال لهم: ((أدوا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله)). فعجبوا له أشد العجب.

وأتاه بعض الصدوقيين، وهم الذين يقولون بأنه لا قيامة، فسألوه:

((يا معلم، إن موسى كتب علينا: ((إذا مات لامرئ أخ فترك امرأته ولم يخلف ولدا، فليأخذ أخوه المرأة ويقم نسلا لأخيه)).

كان هناك سبعة إخوة، فأخذ الأول امرأة ثم مات ولم يخلف نسلا.

فأخذها الثاني ثم مات ولم يخلف نسلا وكذلك الثالث.

ولم يخلف السبعة نسلا. ثم ماتت المرأة من بعدهم جميعا.

ففي القيامة حين يقومون لأي منهم تكون امرأة ؟ ، فقد اتخذها السبعة امرأة)).

فقال لهم يسوع: ((أوما أنتم في ضلال، لأنكم لا تعرفون الكتب ولا قدرة الله ؟

فعندما يقوم الناس من بين الأموات، فلا الرجال يتزوجون، ولا النساء يزوجن، بل يكونون مثل الملائكة في السموات.

وأما أن الأموات يقومون، أفما قرأتم في كتاب موسى، عند ذكر العليقة، كيف كلمه الله فقال: ((أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب.

وما كان إله أموات، بل إله أحياء، فأنتم في ضلال كبير)).

ودنا إليه أحد الكتبة، وكان قد سمعهم يجادلونه، ورأى أنه أحسن الرد عليهم، فسأله: ((ما الوصية الأولى في الوصايا كلها ؟))

فأجاب يسوع(( الوصية الأولى هي: ((اسمع يا إسرائيل: إن الرب إلهنا هو الرب الأحد.

فأحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك وكل قوتك)).

والثانية هي: ((أحبب قريبك حبك لنفسك)). ولا وصية أخرى أكبر من هاتين)).

فقال له الكاتب: ((أحسنت يا معلم، لقد أصبت إذ قلت: إنه الأحد وليس من دونه آخر،

وأن يحبه الإنسان يكل قلبه وكل عقله وكل قوته، وأن يحب قريبه حبه لنفسه، أفضل من كل محرقة وذبيحة)).

فلما رأى يسوع أنه أجاب بفطنة قال له: ((لست بعيدا من ملكوت الله)). ولم يجرؤ أحد بعدئذ أن يسأله عن شيء.

وتكلم يسوع وهو يعلم في الهيكل قال: ((كيف يقول الكتبة إن المسيح هو ابن داود؟

وداود نفسه قال بوحي من الروح القدس: (( قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك تحت قدميك)).

فداود نفسه يدعوه ربا، فكيف يكون ابنه؟))وكان من الناس جمع كثير يصغي إليه مسرورا .

وقال في تعليمه: ((إياكم والكتبة، فإنهم يحبون المشي بالجبب، وتلقي التحيات في الساحات

وصدور المجالس في المجامع، والمقاعد الأولى في المآدب.

يأكلون بيوت الأرامل، وهم يظهرون أنهم يطيلون الصلاة. هؤلاء سينالهم العقاب الأشد)).

وجلس يسوع قبالة الخزانة ينظر كيف يلقي الجمع في الخزانة نقودا من نحاس. فألقى كثير من الأغنياء شيئا كثيرا.

وجاءت أرملة فقيرة فألقت عشرين، أي فلسا.

فدعا تلاميذه وقال لهم: (( الحق أقول لكم إن هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة،

لأنهم كلهم ألقوا من الفاضل عن حاجاتهم، وأما هي فإنها من حاجتها ألقت جميع ما تملك، كل رزقها)).

وبينما هو خارج من الهيكل قال له أحد تلاميذه: ((يا معلم انظر! يا لها من حجارة ويا لها من أبنية ))

فقال له: يسوع: ((أترى هذه الأبنية العظيمة ؟ لن يترك هنا حجر على حجر من غير أن ينقض)).

وبينما هو جالس في جبل الزيتون قبالة الهيكل، انفرد به بطرس ويعقوب ويوحنا وأندراوس وسألوه:

((قل لنا متى تكون هذه الأمور، وما تكون العلامة أن هذه كلها توشك أن تنتهي)).

فأخذ يسوع يقول لهم: ((إياكم أن يضلكم أحد.

فسوف يأتي كثير من الناس منتحلين اسمي فيقولون: أنا هو! ويضلون أناسا كثيرين.

فإذا سمعتم بالحروب وبإشاعات عن الحروب فلا تفزعوا، فإنه لابد من حدوثها، ولكن لا تكون النهاية عندئذ.

فستقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة، وتحدث زلازل في أماكن كثيرة، وتحدث مجاعات، وهذا بدء المخاض.

فخذوا حذركم. ستسلمون إلى المجالس والمجامع، وتجلدون، وتمثلون أمام الحكام والملوك من أجلي شهادة لديهم.

ويجب قبل ذلك أن تعلن البشارة إلى جميع الأمم.

فإذا ساقوكم ليسلموكم، فلا تهتموا من قبل بماذا تتكلمون، بل تكلموا بما يلقى إليكم في تلك الساعة، لأنكم لستم أنتم المتكلمين، بل الروح القدس.

سيسلم الأخ أخاه إلى الموت، والأب ابنه، ويثور الأبناء على والديهم ويميتونهم،

ويبغضكم جميع الناس من أجل اسمي. والذي يثبت إلى النهاية، فذاك الذي يخلص.

وإذا رأيتم المخرب الشنيع قائما حيث لا ينبغي أن يكون، (ليفهم القارئ) فمن كان يومئذ في اليهودية فليهرب إلى الجبال.

ومن كان على السطح، فلا ينزل ولا يدخل بيته ليأخذ منه شيئا.

ومن كان في الحقل، فلا يرتد إلى الوراء ليأخذ رداءه.

الويل للحوامل والمرضعات في تلك الأيام.

صلوا لئلا يحدث ذلك في الشتاء.

فستكون تلك الأيام أيام شدة لم يحدث مثلها منذ بدء الخليقة التي خلقها الله إلى اليوم ولن يحدث.

ولو لم يقصر الرب تلك الأيام، لما نجا أحد من البشر. ولكن من أجل المختارين الذين اختارهم قصر تلك الأيام.

وعندئذ إذا قال لكم أحد من الناس: ((ها هوذا المسيح هنا، ها هوذا هناك )) فلا تصدقوه.

فسيظهر مسحاء دجالون وأنبياء كذابون يأتون بآيات وأعاجيب، ليضلوا المختارين لو أمكن الأمر.

أما أنتم فاحذروا، فقد أنبأتكم بكل شيء.

وفي تلك الأيام بعد هذه الشدة، تظلم الشمس والقمر لا يرسل ضوءه،

وتتساقط النجوم من السماء، وتتزعزع القوات في السموات.

وحينئذ يرى الناس ابن الإنسان آتيا في الغمام في تمام العزة والجلال.

وحينئذ يرسل ملائكته ويجمع الذين اختارهم من جهات الرياح الأربع، من أقصى الأرض إلى أقصى السماء.

((من التينة خذوا العبرة: فإذا لانت أغصانها ونبتت أوراقها، علمتم أن الصيف قريب.

وكذلك أنتم إذا رأيتم هذه الأمور تحدث، فاعلموا أن ابن الإنسان قريب على الأبواب.

الحق أقول لكم: لن يزول هذا الجيل حتى تحدث هذه الأمور كلها.

السماء والأرض تزولان وكلامي لن يزول.

((وأما ذلك اليوم أو تلك الساعة فما من أحد يعلمها: لا الملائكة في السماء، ولا الابن، إلا الآب.

فاحذروا واسهروا، لأنكم لا تعلمون متى يكون الوقت.

فمثل ذلك كمثل رجل سافر وترك بيته، وفوض الأمر إلى خدمه، كل واحد وعمله، وأوصى البواب بالسهر.

فاسهروا إذا، لأنكم لا تعلمون متى يأتي رب البيت: أفي المساء أم في منتصف الليل أم عند صياح الديك أم في الصباح،

لئلا يأتي بغتة فيجدكم نائمين.

وما أقوله لكم أقوله للناس أجمعين: اسهروا )).

وكان الفصح والفطير بعد يومين. وكان عظماء الكهنة والكتبة يبحثون كيف يمسكونه بحيلة فيقتلونه،

لأنهم قالوا: ((لا في حفلة العيد، لئلا يحدث اضطراب في الشعب)).

وبينما هو في بيت عنيا عند سمعان الأبرص، وقد جلس للطعام، جاءت امرأة ومعها قارورة من طيب الناردين الخالص الثمين، فكسرت القارورة وأفاضته على رأسه.

فاستاء بعضهم وقالوا فيما بينهم: (( لم هذا الإسراف في الطيب ؟

فقد كان يمكن أن يباع هذا الطيب بأكثر من ثلاثمائة دينار فتعطى للفقراء)). وأخذوا يدمدمون عليها.

فقال يسوع: (( دعوها، لماذا تزعجونها ؟ فقد عملت لي عملا صالحا.

أما الفقراء فهم عندكم دائما أبدا، ومتى شئتم، أمكنكم أن تحسنوا إليهم. وأما أنا فلست عندكم دائما أبدا.

وقد عملت ما في وسعها، فطيبت جسدي سالفا للدفن.

الحق أقول لكم: حيثما تعلن البشارة في العالم كله، يحدث أيضا بما صنعت هذه، إحياء لذكرها)).

وذهب يهوذا الإسخريوطي، أحد الاثني عشر، إلى عظماء الكهنة ليسلمه إليهم.

ففرحوا لسماع ذلك، ووعدوه بأن يعطوه شيئا من الفضة، فأخذ يطلب كيف يسلمه في الوقت الموافق.

وفي أول يوم من الفطير، وفيه يذبح حمل الفصح، قال له تلاميذه: ((إلى أين تريد أن نمضي فنعد لك لتأكل الفصح ؟))

فأرسل اثنين من تلاميذه وقال لهما: ((اذهبا إلى المدينة، فيلقاكما رجل يحمل جرة ماء فاتبعاه،

وحيثما دخل فقولا لرب البيت: يقول المعلم: أين غرفتي التي آكل فيها الفصح مع تلاميذي ؟

فيريكما علية كبيرة مفروشة مهيأة، فأعداه لنا هناك)).

فذهب التلميذان وأتيا المدينة، فوجدا كما قال لهما وأعدا الفصح.

ولما كان المساء، جاء مع الاثني عشر.

وبينما هم جالسون إلى المائدة يأكلون، قال يسوع: (( الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني، وهو يأكل معي)).

فأخذوا يشعرون بالحزن ويسألونه الواحد بعد الآخر: ((أأنا هو ؟))

فقال لهم: ((إنه واحد من الاثني عشر، وهو يغمس يده في الصحفة معي.

فابن الإنسان ماض كما كتب في شأنه، ولكن الويل لذلك الإنسان الذي يسلم ابن الإنسان عن يده. فلو لم يولد ذلك الإنسان لكان خيرا له)).

وبينما هم يأكلون، أخذ خبزا وبارك، ثم كسره وناولهم وقال: ((خذوا، هذا هو جسدي)).

ثم أخذ كأسا وشكر وناولهم، فشربوا منها كلهم،

وقال لهم: ((هذا هو دمي دم العهد يراق من أجل جماعة الناس.

الحق أقول لكم: لن أشرب بعد الآن من عصير الكرمة، حتى ذلك اليوم الذي فيه أشربه جديدا في ملكوت الله)).

ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون.

وقال لهم يسوع: ستعثرون بأجمعكم، لأنه كتب: ((سأضرب الراعي فتتبدد الخراف)).

ولكن، بعد قيامتي، أتقدمكم إلى الجليل)).

فقال له بطرس: ((ولو عثروا بأجمعهم فأنا لن أعثر)).

فقال له يسوع: ((الحق أقول لك إنك اليوم في هذه الليلة، قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات)).

فقال مؤكدا: ((لست بناكرك وإن وجب علي أن أموت معك)). وهكذا قالوا كلهم.

ووصلوا إلى ضيعة اسمها جتسمانية، فقال لتلاميذه: ((أقعدوا هنا بينما أصلي)).

ثم مضى ببطرس ويعقوب ويوحنا، وجعل يشعر بالرهبة والكآبة.

فقال لهم: ((نفسي حزينة حتى الموت. أمكثوا هنا واسهروا)).

ثم أبعد قليلا ووقع إلى الأرض يصلي لتبتعد عنه الساعة، إن أمكن الأمر،

قال: ((أبا، يا أبت، إنك على كل شيء قدير، فاصرف عني هذه الكأس. ولكن لا ما أنا أشاء، بل ما أنت تشاء)).

ثم رجع فوجدهم نائمين، فقال لبطرس: ((يا سمعان، أتنام ؟ ألم تقو على السهر ساعة واحدة ؟

اسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة. الروح مندفع، وأما الجسد فضعيف)).

ثم مضى ثانية يصلي فيردد الكلام نفسه.

ورجع أيضا فوجدهم نائمين لأن النعاس أثقل أعينهم، ولم يدروا بماذا يجيبونه.

ورجع ثالثة فقال لهم: ((ناموا الآن واستريحوا ! قضي الأمر وأتت الساعة. ها إن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الخاطئين.

قوموا ننطلق، ها إن الذي يسلمني قد اقترب)).

وبينما هو يتكلم، إذ وصل يهوذا أحد الاثني عشر، ومعه عصابة تحمل السيوف والعصي، أرسلها عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ.

وكان الذي يسلمه قد جعل لهم علامة إذ قال: ((هو ذاك الذي أقبله، فأمسكوه وسوقوه محفوظا)).

وما إن وصل حتى دنا منه فقال له: ((رابي !)) وقبله.

فبسطوا أيديهم إليه وأمسكوه.

فاستل أحد الحاضرين سيفه، وضرب خادم عظيم الكهنة فقطع أذنه.

فقال لهم يسوع: ((أعلى لص خرجتم تحملون السيوف والعصي لتقبضوا علي ؟

كنت كل يوم بينكم أعلم في الهيكل فلم تمسكوني، وإنما حدث هذا لتتم الكتب))

فتركوه كلهم وهربوا.

وتبعه شاب يستر عريه بإزار فأمسكوه.

فتخلى عن الإزار وهرب عريانا.

وذهبوا بيسوع إلى عظيم الكهنة، فاجتمع عظماء الكهنة والشيوخ والكتبة كلهم.

وتبعه بطرس عن بعد إلى دار عظيم الكهنة فدخلها. وجلس مع الخدم يستدفئ عند النار.

وكان عظماء الكهنة والمجلس كافة يطلبون شهادة على يسوع للحكم عليه بالموت، فلم يجدوا.

ذلك بأن أناسا كثيرين كانوا يشهدون عليه زورا فلا تتفق شهاداتهم.

فقام بعضهم وشهدوا عليه زورا قالوا:

((نحن سمعناه يقول: :إني سأنقض هذا الهيكل الذي صنعته الأيدي، وأبني في ثلاثة أيام هيكلا آخر لم تصنعه الأيدي)).

ولا على هذا اتفقت شهاداتهم.

فقام عظيم الكهنة في وسط المجلس وسأل يسوع: ((أما تجيب بشيء ؟ ما هذا الذي يشهد به هؤلاء عليك ؟))

فظل صامتا لا يجيب بشيء. فسأله عظيم الكهنة ثانية قال له: ((أأنت المسيح ابن المبارك ؟))

فقال يسوع: ((أنا هو. وسوف ترون ابن الإنسان جالسا عن يمين القدير، وآتيا في غمام السماء)).

فشق عظيم الكهنة ثيابه وقال: ((ما حاجتنا بعد ذلك إلى الشهود؟

لقد سمعتم التجديف، فما رأيكم ؟)) فأجمعوا على الحكم بأنه يستوجب الموت.

وأخذ بعضهم يبصقون عليه، ويقنعون وجهه ويلطمونه ويقولون: ((تنبأ !)) وانهال الخدم عليه باللطم.

وبينما بطرس في الأسفل، في ساحة الدار، جاءت جارية من جواري عظيم الكهنة،

فرأت بطرس يستدفئ فتفرست فيه وقالت: ((أنت أيضا كنت مع الناصري، مع يسوع)).

فأنكر قال: ((لا أدري ولا أفهم ما تقولين)). ومضى إلى خارج الدار نحو الدهليز،

فرأته الجارية فأخذت تقول ثانيا للحاضرين: ((هذا منهم!))

فأنكر ثانيا. وبعد قليل، قال الحاضرون أيضا لبطرس: ((حقا أنت منهم لأنك جليلي)).

فأخذ يلعن ويحلف: ((إني لا أعرف هذا الرجل الذي تعنونه)).

فصاح الديك عندئذ مرة ثانية، فتذكر بطرس الكلمة التي قالها يسوع: ((قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرني ثلاث مرات)). فخرج على عجل وأخذ يبكي.

وما إن كان الفجر حتى اجتمع عظماء الكهنة للشورى مع الشيوخ والكتبة والمجلس كله، ثم أوثقوا يسوع وساقوه وسلموه إلى بيلاطس.

فسأله بيلاطس: ((أأنت ملك اليهود ؟ )) فأجابه: ((هو ما تقول)).

وكان عظماء الكهنة يتهمونه اتهامات كثيرة.

فسأله بيلاطس ثانية: ((أما تجيب بشيء ؟ أنظر ما أكثر ما يشهدون به عليك)).

ولكن يسوع لم يجب بشيء بعد ذلك حتى تعجب بيلاطس.

وكان في كل عيد يطلق لهم سجينا أي واحد طلبوا.

وكان رجل يدعى برأبا مسجونا مع المشاغبين الذين ارتكبوا جريمة القتل في الفتنة.

فصعد الجمع وأخذوا يطلبون ما كان من عادته أن يمنحهم.

فأجابهم بيلاطس: ((أتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود ؟))

لأنه كان يعلم أن عظماء الكهنة من حسدهم أسلموه.

فأثار عظماء الكهنة الجمع لكي يطلق لهم بالأحرى برأبا.

فتكلم بيلاطس ثانيا قال لهم: ((فماذا أفعل بالذي تدعونه ملك اليهود ؟))

فعادوا للصياح: ((اصلبه !))

فقال لهم بيلاطس: ((فما الذي فعل من الشر ؟)) فازدادوا صياحا: ((اصلبه!))

وأراد بيلاطس أن يرضي الجمع فأطلق لهم برأبا، وبعد ما جلد يسوع أسلمه ليصلب.

فساقه الجنود إلى داخل الدار، دار الحاكم، ودعوا الكتيبة كلها،

وألبسوه أرجوانا، وكللوه بإكليل ضفروه من الشوك،

وأخذوا يحيونه فيقولون: ((السلام عليك يا ملك اليهود!))

ويضربونه بقصبة على رأسه ويبصقون عليه، ويجثون له ساجدين.

وبعد ما سخروا منه نزعوا عنه الأرجوان، وألبسوه ثيابه وخرجوا به ليصلبوه.

وسخروا لحمل صليبه أحد المارة سمعان القيرنيي أبا الإسكندر وروفس، وكان آتيا من الريف.

وساروا به إلى المكان المعروف بالجلجثة، أي مكان الجمجمة.

وقدموا إليه خمرا ممزوجة بمر فلم يتناولها.

ثم صلبوه واقتسموا ثيابه، مقترعين عليها ليعرفوا ما يأخذ كل منهم.

وكانت الساعة التاسعة حين صلبوه.

وكتب في عنوان علة الحكم عليه: ((ملك اليهود)).

وصلبوا معه لصين، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله.

وكان المارة يشتمونه وهم يهزون رؤوسهم ويقولون: ((يا أيها الذي ينقض الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيام،

خلص نفسك فانزل عن الصليب)).

وكذلك كان عظماء الكهنة والكتبة يسخرون فيقول بعضهم لبعض: ((خلص غيره من الناس، ولا يقدر أن يخلص نفسه !

فلينزل الآن المسيح ملك إسرائيل عن الصليب، لنرى ونؤمن)). وكان اللذان صلبا معه هما أيضا يعيرانه.

ولما كان الظهر خيم الظلام على الأرض كلها حتى الساعة الثالثة.

وفي الساعة الثالثة صرخ يسوع صرخة شديدة، قال: ((ألوي ألوي، لما شبقتاني؟)) أي: إلهي إلهي، لماذا تركتني ؟

فسمع بعض الحاضرين فقالوا: ((ها إنه يدعو إيليا !))

فأسرع بعضهم إلى إسفنجة وبللها بالخل وجعلها على طرف قصبة وسقاه، وهو يقول: ((دعونا ننظر هل يأتي إيليا فينزله)).

وصرخ يسوع صرخة شديدة ولفظ الروح.

فانشق حجاب المقدس شطرين من الأعلى إلى الأسفل.

فلما رأى قائد المائة الواقف تجاهه أنه لفظ الروح هكذا، قال: ((كان هذا الرجل ابن الله حقا !))

وكان أيضا هناك بعض النساء ينظرن عن بعد، منهن مريم المجدلية، ومريم أم يعقوب الصغير ويوسى، وسالومة،

وهن اللواتي تبعنه وخدمنه حين كان في الجليل، وغيرهن كثيرات صعدن معه إلى أورشليم.

وكان المساء قد أقبل، ولما كان ذلك اليوم يوم التهيئة، أي الذي قبل السبت،

جاء يوسف الرامي، وهو عضو وجيه في المجلس، وكان هو أيضا ينتظر ملكوت الله، فحملته الجرأة على أن يدخل إلى بيلاطس ويطلب جثمان يسوع.

فتعجب بيلاطس أن يكون قد مات. فدعا قائد المائة وسأله هل مات منذ وقت طويل.

فلما تحقق الخبر من القائد، سمح بالجثمان ليوسف.

فاشترى يوسف كتانا ثم أنزل يسوع عن الصليب، فلفه في الكتان ووضعه في قبر حفر في الصخر، ثم دحرج حجرا على باب القبر.

وكانت مريم المجدلية ومريم أم يوسى تنظران أين وضع.

ولما انقضى السبت اشترت مريم المجدلية ومريم أم يعقوب وسالومة طيبا ليأتين فيطيبنه.

وعند فجر الأحد جئن إلى القبر وقد طلعت الشمس.

وكان يقول بعضهن لبعض: ((من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر ؟))

فنظرن فرأين أن الحجر قد دحرج، وكان كبيرا جدا.

فدخلن القبر فأبصرن شابا جالسا عن اليمين عليه حلة بيضاء فارتعبن.

فقال لهن: ((لا ترتعبن ! أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. إنه قام وليس ههنا، وهذا هو المكان الذي كانوا قد وضعوه فيه.

فاذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس: إنه يتقدمكم إلى الجليل، وهناك ترونه كما قال لكم)).

فخرجن من القبر وهربن، لما أخذهن من الرعدة والدهش، ولم يقلن لأحد شيئا لأنهن كن خائفات.

قام يسوع فجر الأحد، فتراءى أولا لمريم المجدلية، تلك التي طرد منها سبعة شياطين.

فمضت وأخبرت الذين صحبوه، وكانوا في حزن ونحيب.

فلما سمعوا أنه حي وأنها شاهدته لم يصدقوا.

وتراءى بعد ذلك بهيئة أخرى لاثنين منهم كانا في الطريق، ذاهبين إلى الريف،

فرجعا وأخبرا الآخرين، فلم يصدقوهما أيضا.

وتراءى آخر الأمر للأحد عشر أنفسهم، وهم على الطعام، فوبخهم بعدم إيمانهم وقساوة قلوبهم، لأنهم لم يصدقوا الذين شاهدوه بعد ما قام.

وقال لهم: ((اذهبوا في العالم كله، وأعلنوا البشارة إلى الخلق أجمعين.

فمن آمن واعتمد يخلص، ومن لم يؤمن يحكم عليه.

والذين يؤمنون تصحبهم هذه الآيات: فباسمي يطردون الشياطين، ويتكلمون بلغات لا يعرفونها،

ويمسكون الحيات بأيديهم، وإن شربوا شرابا قاتلا لا يؤذيهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيتعافون)).

وبعد ما كلمهم الرب يسوع، رفع إلى السماء، وجلس عن يمين الله.

فذهب أولئك يبشرون في كل مكان، والرب يعمل معهم ويؤيد كلمته بما يصحبها من الآيات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *