انجيل ربنا يسوع المسيح للقديس متى

انجيل ربنا يسوع المسيح للقديس متى

نسب يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم :

إبراهيم ولد إسحق وإسحق ولد يعقوب ويعقوب ولد يهوذا وإخوته

ويهوذا ولد فارص وزارح من تامار وفارص ولد حصرون وحصرون ولد أرام

وأرام ولد عميناداب وعميناداب ولد نحشون ونحشون ولد سلمون

وسلمون ولد بوعز من راحاب وبوعز ولد عوبيد من راعوت وعوبيد ولد يسى

ويسى ولد الملك داود وداود ولد سليمان من أرملة أوريا

وسليمان ولد رحبعام ورحبعام ولد أبيا وأبيا ولد آسا

وآسا ولد يوشافاط ويوشافاط ولد يورام ويورام ولد عوزيا

وعوزيا ولد يوتام ويوتام ولد آحاز وآحاز ولد حزقيا

وحزقيا ولد منسى ومنسى ولد آمون وآمون ولد يوشيا

ويوشيا ولد يكنيا وإخوته عند الجلاء إلى بابل

وبعد الجلاء إلى بابل يكنيا ولد شألتئيل وشألتئيل ولد زربابل

وزربابل ولد أبيهود وأبيهود ولد ألياقيم وألياقيم ولد عازور

وعازور ولد صادوق وصادوق ولد آخيم وآخيم ولد أليهود

وأليهود ولد ألعازر وألعازر ولد متان ومتان ولد يعقوب

ويعقوب ولد يوسف زوج مريم التي ولد منها يسوع وهو الذي يقال له المسيح.

فمجموع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلا، ومن داود إلى الجلاء إلى بابل أربعة عشر جيلا، ومن الجلاء إلى بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا.

أما أصل يسوع المسيح فكان أن مريم أمه، لما كانت مخطوبة ليوسف، وجدت قبل أن يتساكنا حاملا من الروح القدس.

وكان يوسف زوجها بارا، فلم يرد أن يشهر أمرها، فعزم على أن يطلقها سرا.

وما نوى ذلك حتى تراءى له ملاك الرب في الحلم وقال له: ((يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأتي بامرأتك مريم إلى بيتك. فإن الذي كون فيها هو من الروح القدس،

وستلد ابنا فسمه يسوع، لأنه هو الذي يخلص شعبه من خطاياهم )).

وكان هذا كله ليتم ما قال الرب على لسان النبي:

((ها إن العذراء تحمل فتلد ابنا يسمونه عمانوئيل ))أي ((الله معنا )).

فلما قام يوسف من النوم، فعل كما أمره ملاك الرب فأتى بامرأته إلى بيته،

على أنه لم يعرفها حتى ولدت ابنا فسماه يسوع.

ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية، في أيام الملك هيرودس، إذا مجوس قدموا أورشليم من المشرق

وقالوا: ((أين ملك اليهود الذي ولد؟ فقد رأينا نجمه في المشرق، فجئنا لنسجد له )).

فلما بلغ الخبر الملك هيرودس، اضطرب واضطربت معه أورشليم كلها.

فجمع عظماء الكهنة وكتبة الشعب كلهم واستخبرهم أين يولد المسيح.

فقالوا له: ((في بيت لحم اليهودية، فقد أوحي إلى النبي فكتب:

((وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا لست أصغر ولايات يهوذا فمنك يخرج الوالي الذي يرعى شعبي إسرائيل )).

فدعا هيرودس المجوس سرا وتحقق منهم في أي وقت ظهر النجم.

ثم أرسلهم إلى بيت لحم وقال: ((اذهبوا فابحثوا عن الطفل بحثا دقيقا، فإذا وجدتموه فأخبروني لأذهب أنا أيضا وأسجد له )).

فلما سمعوا كلام الملك ذهبوا. وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى بلغ المكان الذي فيه الطفل فوقف فوقه.

فلما أبصروا النجم فرحوا فرحا عظيما جدا.

ودخلوا البيت فرأوا الطفل مع أمه مريم. فجثوا له ساجدين، ثم فتحوا حقائبهم وأهدوا إليه ذهبا وبخورا ومرا.

ثم أوحي إليهم في الحلم ألا يرجعوا إلى هيرودس، فانصرفوا في طريق آخر إلى بلادهم.

وكان بعد انصرافهم أن تراءى ملاك الرب ليوسف في الحلم وقال له: (( قم فخذ الطفل وأمه واهرب إلى مصر وأقم هناك حتى أعلمك، لأن هيرودس سيبحث عن الطفل ليهلكه )).

فقام فأخذ الطفل وأمه ليلا ولجأ إلى مصر.

فأقام هناك إلى وفاة هيرودس، ليتم ما قال الرب على لسان النبي: ((من مصر دعوت ابني )).

فلما رأى هيرودس أن المجوس سخروا منه، استشاط غضبا وأرسل فقتل كل طفل في بيت لحم وجميع أراضيها، من ابن سنتين فما دون ذلك، بحسب الوقت الذي تحققه من المجوس.

فتم ما قال الرب على لسان النبي إرميا:

((صوت سمع في الرامة بكاء ونحيب شديد راحيل تبكي على بنيها وقد أبت أن تتعزى لأنهم زالوا عن الوجود )).

وما إن توفي هيرودس حتى تراءى ملاك الرب في الحلم ليوسف في مصر

وقال له: ((قم فخذ الطفل وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل، فقد مات من كان يريد إهلاك الطفل )).

فقام فأخذ الطفل وأمه ودخل أرض إسرائيل.

لكنه سمع أن أرخلاوس خلف أباه هيرودس على اليهودية، فخاف أن يذهب إليها. فأوحي إليه في الحلم، فلجأ إلى ناحية الجليل.

وجاء مدينة يقال لها الناصرة فسكن فيها، ليتم ما قيل على لسان الأنبياء: إنه يدعى ناصريا.

في تلك الأيام، ظهر يوحنا المعمدان ينادي في برية اليهودية فيقول:

((توبوا، قد اقترب ملكوت السموات )).

فهو الذي عناه النبي أشعيا بقوله: ((صوت مناد في البرية: أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة )).

وكان على يوحنا هذا لباس من وبر الإبل، وحول وسطه زنار من جلد. وكان طعامه الجراد والعسل البري.

وكانت تخرج إليه أورشليم وجميع اليهودية وناحية الأردن كلها،

فيعتمدون عن يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم.

ورأى كثيرا من الفريسيين والصدوقيين يقبلون على معموديته، فقال لهم: ((يا أولاد الأفاعي، من أراكم سبيل الهرب من الغضب الآتي؟

فأثمروا إذا ثمرا يدل على توبتكم،

ولا يخطر لكم أن تعللوا النفس فتقولوا ((إن أبانا هو إبراهيم )). فإني أقول لكم إن الله قادر على أن يخرج من هذه الحجارة أبناء لإبراهيم.

هاهي ذي الفأس على أصول الشجر، فكل شجرة لا تثمر ثمرا طيبا تقطع وتلقى في النار.

أنا أعمدكم في الماء من أجل التوبة، وأما الآتي بعدي فهو أقوى مني، من لست أهلا لأن أخلع نعليه. إنه سيعمدكم في الروح القدس والنار.

بيده المذرى ينقي بيدره فيجمع قمحه في الأهراء، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ )).

في ذلك الوقت ظهر يسوع وقد أتى من الجليل إلى الأردن، قاصدا يوحنا ليعتمد عن يده.

فجعل يوحنا يمانعه فيقول: ((أنا أحتاج إلى الاعتماد عن يدك، أوأنت تأتي إلي؟ ))

فأجابه يسوع: ((دعني الآن وما أريد، فهكذا يحسن بنا أن نتم كل بر )). فتركه وما أراد.

واعتمد يسوع وخرج لوقته من الماء، فإذا السموات قد انفتحت فرأى روح الله يهبط كأنه حمامة وينزل عليه.

وإذا صوت من السموات يقول: ((هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت )).

ثم سار الروح بيسوع إلى البرية ليجربه إبليس.

فصام أربعين يوما وأربعين ليلة حتى جاع.

فدنا منه المجرب وقال له: ((إن كنت ابن الله، فمر أن تصير هذه الحجارة أرغفة )).

فأجابه: ((مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله )).

فمضى به إبليس إلى المدينة المقدسة وأقامه على شرفة الهيكل،

وقال له: ((إن كنت ابن الله فألق بنفسك إلى الأسفل، لأنه مكتوب: ((يوصي ملائكته بك فعلى أيديهم يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك )).

فقال له يسوع ((مكتوب أيضا: لا تجربن الرب إلهك )).

ثم مضى به إبليس إلى جبل عال جدا وأراه جميع ممالك الدنيا ومجدها،

وقال له: ((أعطيك هذا كله إن جثوت لي سـاجدا )).

فقال له يسوع: ((اذهب، يا شيطان! لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد واياه وحده تعبد )).

ثم تركه إبليس، وإذا بملائكة قد دنوا منه وأخذوا يخدمونه.

وبلغ يسوع خبر اعتقال يوحنا، فلجأ إلى الجليل.

ثم ترك الناصرة وجاء كفرناحوم على شاطئ البحر في بلاد زبولون ونفتالي فسكن فيها،

ليتم ما قيل على لسان النبي أشعيا:

((أرض زبولون وأرض نفتالي طريق البحر، عبر الأردن، جليل الأمم.

الشعب المقيم في الظلمة أبصر نورا عظيما والمقيمون في بقعة الموت وظلاله أشرق عليهم النور )).

وبدأ يسوع من ذلك الحين ينادي فيقول: ((توبوا ، قد اقترب ملكوت السموات )).

وكان يسوع سائرا على شاطئ بحر الجليل، فرأى أخوين هما سمعان الذي يقال له بطرس وأندراوس أخوه يلقيان الشبكة في البحر، لأنهما كانا صيادين.

فقال لهما: ((اتبعاني أجعلكما صيادي بشر )).

فتركا الشباك من ذلك الحين وتبعاه.

ثم مضى في طريقه فرأى أخوين آخرين، هما يعقوب بن زبدى ويوحنا أخوه، مع أبيهما زبدى في السفينة يصلحان شباكهما، فدعاهما

فتركا السفينة وأباهما من ذلك الحين وتبعاه.

وكان يسير في الجليل كله، يعلم في مجامعهم ويعلن بشارة الملكوت، ويشفي الشعب من كل مرض وعلة.

فشاع ذكره في سورية كلها، فأتوه بجميع المرضى المصابين بمختلف العلل والأوجاع: من الممسوسين والذين يصرعون في رأس الهلال والمقعدين فشفاهم.

فتبعته جموع كثيرة من الجليل والمدن العشر وأورشليم واليهودية وعبر الأردن.

فلما رأى الجموع، صعد الجبل وجلس، فدنا إليه تلاميذه

فشرع يعلمهم قال:

((طوبى لفقراء الروح فإن لهم ملكوت السموات.

طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض.

طوبى للمحزونين، فإنهم يعزون.

طوبى للجياع والعطاش إلى البر فإنهم يشبعون.

طوبى للرحماء، فإنهم يرحمون.

طوبى لأطهار القلوب فإنهم يشاهدون الله.

طوبى للساعين إلى السلام فإنهم أبناء الله يدعون.

طوبى للمضطهدين على البر فإن لهم ملكوت السموات.

طوبى لكم، إذا شتموكم واضطهدوكم وافتروا عليكم كل كذب من أجلي،

افرحوا وابتهجوا: إن أجركم في السموات عظيم، فهكذا اضطهدوا الأنبياء من قبلكم.

((أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فأي شيء يملحه؟ إنه لا يصلح بعد ذلك إلا لأن يطرح في خارج الدار فيدوسه الناس.

((أنتم نور العالم. لا تخفى مدينة قائمة على جبل،

ولا يوقد سراج ويوضع تحت المكيال، بل على المنارة، فيضيء لجميع الذين في البيت.

هكذا فليضئ نوركم للناس، ليروا أعمالكم الصالحة، فيمجدوا أباكم الذي في السموات.

((لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة أو الأنبياء ما جئت لأبطل، بل لأكمل.

الحق أقول لكم: لن يزول حرف أو نقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء، أو تزول السماء والأرض.

فمن خالف وصية من أصغر تلك الوصايا وعلم الناس أن يفعلوا مثله، عد الصغير في ملكوت السموات. وأما الذي يعمل بها ويعلمها فذاك يعد كبيرا في ملكوت السموات.

((فإني أقول لكم: إن لم يزد بركم على بر الكتبة والفريسيين، لا تدخلوا ملكوت السموات.

سـمعتم أنه قيل للأولين : ((لاتقتل، فإن من يقتل يستوجب حكم القضـاء )).

أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب حكم القضاء، ومن قال لأخيه: ((يا أحمق ))استوجب حكم المجلس، ومن قال له: ((يا جاهل ))استوجب نار جهنم.

فإذا كنت تقرب قربانك إلى المذبح وذكرت هناك أن لأخيك عليك شيئا،

فدع قربانك هناك عند المذبح، واذهب أولا فصالح أخاك، ثم عد فقرب قربانك.

سارع إلى إرضاء خصمك ما دمت معه في الطريق، لئلا يسلمك الخصم إلى القاضي والقاضي إلى الشرطي، فتلقى في السجن.

الحق أقول لك: لن تخرج منه حتى تؤدي آخر فلس.

((سمعتم أنه قيل: ((لا تزن )).

أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة بشهوة، زنى بها في قلبه.

فإذا كانت عينك اليمنى حجر عثرة لك، فاقلعها وألقها عنك، فلأن يهلك عضو من أعضائك خير لك من أن يلقى جسدك كله في جهنم.

وإذا كانت يدك اليمنى حجر عثرة لك، فاقطعها وألقها عنك، فلأن يهلك عضو من أعضائك خير لك من أن يذهب جسدك كله إلى جهنم.

((وقد قيل: ((من طلق امرأته، فليعطها كتاب طلاق )).

أما أنا فأقول لكم: من طلق امرأته، إلا في حالة الفحشاء عرضها للزنى، ومن تزوج مطلقة فقد زنى.

((سمعتم أيضا أنه قيل للأولين: ((لا تحنث، بل أوف للرب بأيمانك ))،

أما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا أبدا، لا بالسماء فهي عرش الله،

ولا بالأرض فهي موطئ قدميه، ولا بأورشليم فهي مدينة الملك العظيم.

ولا تحلف برأسك فأنت لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة منه بيضاء أو سوداء.

فليكن كلامكم : نعم نعم، ولا لا.فما زاد على ذلك كان من الشرير.

((سمعتم أنه قيل: ((العين بالعين والسن بالسن ))

أما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشرير، بل من لطمك على خدك الأيمن فاعرض له الآخر.

ومن أراد أن يحاكمك ليأخذ قميصك، فاترك له رداءك أيضا.

ومن سخرك أن تسير معه ميلا واحدا. فسر معه ميلين.

من سألك فأعطه، ومن استقرضك فلا تعرض عنه.

((سمعتم أنه قيل: ((أحبب قريبك وأبغض عدوك )).

أما أنا فأقول لكم : أحبوا أعداءكم وصلوا من أجل مضطهديكم،

لتصيروا بني أبيكم الذي في السموات، لأنه يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينزل المطر على الأبرار والفجار.

فإن أحببتم من يحبكم، فأي أجر لكم؟ أوليس الجباة يفعلون ذلك؟

وإن سلمتم على إخوانكم وحدهم، فأي زيادة فعلتم؟ أوليس الوثنيون يفعلون ذلك؟

فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل.

((إياكم أن تعملوا بركم بمرأى من الناس لكي ينظروا إليكم، فلا يكون لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات.

فإذا تصدقت فلا ينفخ أمامك في البوق، كما يفعل المراؤون في المجامع والشوارع ليعظم الناس شأنهم. الحق أقول لكم إنهم أخذوا أجرهم.

أما أنت، فإذا تصدقت، فلا تعلم شمالك ما تفعل يمينك،

لتكون صدقتك في الخفية، وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك.

((وإذا صليتم،فلا تكونوا كالمرائين،فإنهم يحبون الصلاة قائمين في المجامع وملتقى الشوارع، ليراهم الناس. الحق أقول لكم إنهم أخذوا أجرهم.

أما أنت، فإذا صليت فادخل حجرتك وأغلق عليك بابها وصل إلى أبيك الذي في الخفية، وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك.

وإذا صليتم فلا تكرروا الكلام عبثا مثل الوثنيين، فهم يظنون أنهم إذا أكثروا الكلام يستجاب لهم.

فلا تتشبهوا بهم، لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه.

((فصلوا أنتم هذه الصلاة: أبانا الذي في السموات ليقدس اسمك

ليأت ملكوتك ليكن ما تشاء في الأرض كما في السماء.

أرزقنا اليوم خبز يومنا

وأعفنا مما علينا فقد أعفينا نحن أيضا من لنا عليه

ولا تتركنا نتعرض للتجربة بل نجنا من الشرير

فإن تغفروا للناس زلاتهم يغفر لكم أبوكم السماوي

وإن لم تغفروا للناس لا يغفر لكم أبوكم زلاتكم.

((وإذا صمتم فلا تعبسوا كالمرائين،فإنهم يكلحون وجوههم، ليظهر للناس أنهم صائمون. الحق أقول لكم إنهم أخذوا أجرهم.

أما أنت، فإذا صمت، فادهن رأسك واغسل وجهك،

لكيلا يظهر للناس أنك صائم، بل لأبيك الذي في الخفية، وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك.

((ولا تكنزوا لأنفسكم كنوزا في الأرض، حيث يفسد السوس والصدأ، وينقب السارقون فيسرقون.

بل اكنزوا لأنفسكم كنوزا في السماء، حيث لا يفسد السوس والعث، ولا ينقب السارقون فيسرقوا.

فحيث يكون كنزك يكون قلبك.

((سراج الجسد هو العين. فإن كانت عينك سليمة، كان جسدك كله نيرا .

وإن كانت عينك مريضة، كان جسدك كله مظلما. فإذا كان النور الذي فيك ظلاما، فيا له من ظلام!

((ما من أحد يستطيع أن يعمل لسيدين، لأنه إما أن يبغض أحدهما ويحب الآخر، وإما أن يلزم أحدهما ويزدري الآخر. لا تستطيعون أن تعملوا لله وللمال.

((لذلك أقول لكم: لا يهمكم للعيش ما تأكلون و لا للجسد ما تلبسون. أليست الحياة أعظم من الطعام، والجسد أعظم من اللباس ؟

أنظروا إلى طيور السماء كيف لا تزرع و لا تحصد ولا تخزن في الأهراء، وأبوكم السماوي يرزقها. أفلستم أنتم أثمن منها كثيرا؟

ومن منكم ، إذا اهتم، يستطيع أن يضيف إلى حياته مقدار ذراع واحدة؟

((ولماذا يهمكم اللباس؟ إعتبروا بزنابق الحقل كيف تنمو، فلا تجهد ولا تغزل.

أقول لكم إن سليمان نفسه في كل مجده لم يلبس مثل واحدة منها.

فإذا كان عشب الحقل، وهو يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور، يلبسه الله هكذا، فما أحراه بأن يلبسكم، يا قليلي الإيمان!

((فلا تهتموا فتقولوا: ماذا نأكل؟ أوماذا نشرب؟ أو ماذا نلبس؟

فهذا كله يسعى إليه الوثنيون، وأبوكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا كله.

فاطلبوا أولا ملكوته وبره تزادوا هذا كله.

لا يهمكم أمر الغد، فالغد يهتم بنفسه. ولكل يوم من العناء ما يكفيه.

((لا تدينوا لئلا تدانوا،

فكما تدينون تدانون، ويكال لكم بما تكيلون.

لماذا تنظر إلى القذى الذي في عين أخيك؟ والخشبة التي في عينك أفلا تأبه لها ؟

بل كيف تقول لأخيك: ((دعني أخرج القذى من عينك ؟وها هي ذي الخشبة في عينك.

أيها المرائي، أخرج الخشبة من عينك أولا، وعندئذ تبصر فتخرج القذى من عين أخيك.

((لا تعطوا الكلاب ما هو مقدس، ولا تلقوا لؤلؤكم إلى الخنازير، لئلا تدوسه بأرجلها، ثم ترتد إليكم فتمزقكم.

((إسألوا تعطوا ، أطلبوا تجدوا، إقرعوا يفتح لكم.

لأن كل من يسأل ينال، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له.

من منكم إذا سأله ابنه رغيفا أعطاه حجرا،

أو سأله سمكة أعطاه حية؟

فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأبنائكم، فما أولى أباكم الذي في السموات بأن يعطي ما هو صالح للذين يسألونه!

((فكل ما أردتم أن يفعل الناس لكم، افعلوه أنتم لهم: هذه هي الشريعة والأنبياء.

((أدخلوا من الباب الضيق. فإن الباب رحب والطريق المؤدي إلى الهلاك واسع، والذين يسلكونه كثيرون.

ما أضيق الباب وأحرج الطريق المؤدي إلى الحياة، والذين يهتدون إليه قليلون.

((إياكم والأنبياء الكذابين، فإنهم يأتونكم في لباس الخراف، وهم في باطنهم ذئاب خاطفة.

من ثمارهم تعرفونهم. أيجنى من الشوك عنب أو من العليق تين؟

كذلك كل شجرة طيبة تثمر ثمارا طيبة، والشجرة الخبيثة تثمر ثمارا خبيثة.

فليس للشجرة الطيبة أن تثمر ثمارا خبيثة، ولا للشجرة الخبيثة أن تثمر ثمارا طيبة.

وكل شجرة لاتثمر ثمرا طيبا تقطع وتلقى في النار.

فمن ثمارهم تعرفونهم.

((ليس من يقول لي ((يا رب، يا رب ))يدخل ملكوت السموات، بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات.

فسوف يقول لي كثير من الناس في ذلك اليوم: ((يا رب، يا رب، أما باسمك تنبأنا؟ وباسمك طردنا الشياطين؟ وباسمك أتينا بالمعجزات الكثيرة؟

فأقول لهم علانية: ((ما عرفتكم قط. إليكم عني أيها الأثمة! ))

فمثل من يسمع كلامي هذا فيعمل به كمثل رجل عاقل بنى بيته على الصخر.

فنزل المطر وسالت الأودية وعصفت الرياح، فثارت على ذلك البيت فلم يسقط، لأن أساسه على الصخر.

ومثل من سمع كلامي هذا فلم يعمل به كمثل رجل جاهل بنى بيته على الرمل.

فنزل المطر وسالت الأودية وعصفت الرياح، فضربت ذلك البيت فسقط، وكان سقوطه شديدا )).

ولما أتم يسوع هذا الكلام، أعجبت الجموع بتعليمه،

لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان، لا مثل كتبتهم.

ولما نزل من الجبل، تبعته جموع كثيرة.

وإذا أبرص يدنو منه فيسجد له ويقول: ((يا رب، إن شئت فأنت قادر على أن تبرئني )).

فمد يسوع يده فلمسه وقال: ((قد شئت فابرا! ))فبرئ من برصه لوقته.

فقال له يسوع: ((إياك أن تخبر أحدا بالأمر، بل اذهب إلى الكاهن فأره نفسك، ثم قرب ما أمر به موسى من قربان، شهادة لديهم )).

ودخل كفرناحوم، فدنا منه قائد مائة يتوسل إليه

فيقول: ((يا رب، إن خادمي ملقى على الفراش في بيتي مقعدا يعاني أشد الآلام )).

فقال له : ((أأذهب أنا لأشفيه ؟ )).

فأجاب قائد المائة: ((يا رب، لست أهلا لأن تدخل تحت سقفي، ولكن يكفي أن تقول كلمة فيبرأ خادمي.

فأنا مرؤوس ولي جند بإمرتي، أقول لهذا: اذهب ! فيذهب، وللآخر: تعال ! فيأتي، ولخادمي: افعل هذا ! فيفعله )).

فلما سمع يسوع كلامه، أعجب به وقال للذين يتبعونه: ((الحق أقول لكم: لم أجد مثل هذا الإيمان في أحد من إسرائيل.

أقول لكم: سوف يأتي أناس كثيرون من المشرق والمغرب، فيجالسون إبراهيم وإسحق ويعقوب على المائدة في ملكوت السموات،

وأما بنو الملكوت فيلقون في الظلمة البرانية، وهناك البكاء وصريف الأسنان )) ))

ثم قال يسوع لقائد المائة: ((اذهب، وليكن لك بحسب ما آمنت )). فبرئ الخادم في تلك الساعة.

وجاء يسوع إلى بيت بطرس، فرأى حماته ملقاة على الفراش محمومة.

فلمس يدها ففارقتها الحمى، فنهضت وأخذت تخدمه.

ولما كان المساء، أتوه بكثير من الممسوسين، فطرد الأرواح بكلمة منه، وشفى جميع المرضى،

ليتم ما قيل على لسان النبي أشعيا: ((هو الذي أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا )).

ورأى يسوع جموعا كثيرة حوله.فأمر بالعبور إلى الشاطئ المقابل.

فدنا منه كاتب وقال له: ((يا معلم، أتبعك حيث تمضي )).

فقال له يسوع: ((إن للثعالب، أوجرة، ولطيور السماء أوكارا، وأما ابن الإنسان فليس له ما يضع عليه رأسه )).

وقال له آخر من التلاميذ: ((يا رب، إيذن لي أن أمضي أولا فأدفن أبي )).

فقال له يسوع: ((اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم )).

وركب السفينة فتبعه تلاميذه.

وإذا البحر قد اضطرب اضطرابا شديدا حتى كادت الأمواج تغمر السفينة. وأما هو فكان نائما.

فدنوا منه وأيقظوه وقالوا له: ((يا رب، نجنا، لقد هلكنا )).

فقال لهم: ((مالكم خائفين، يا قليلي الإيمان؟ ))ثم قام فزجر الرياح والبحر، فحدث هدوء تام.

فتعجب الناس وقالوا: ((من هذا حتى تطيعه الرياح والبحر؟ )).

ولما بلغ الشاطئ الآخر في ناحية الجدريين، تلقاه رجلان ممسوسان خرجا من القبور، وكانا شرسين جدا حتى لا يستطيع أحد أن يمر من تلك الطريق.

فأخذا يصيحان: ((ما لنا ولك، يا ابن الله؟ أجئت إلى هنا لتعذبنا قبل الأوان؟ ))

وكان يرعى على مسافة منهما قطيع كبير من الخنازير.

فتوسل إليه الشياطين قالوا: ((إن طردتنا فأرسلنا إلى قطيع الخنازير )).

فقال لهم: ((اذهبوا )). فخرجوا ودخلوا في الخنازير، فإذا القطيع كله يثب من الجرف إلى البحر فتهلك الخنازير في الماء.

فهرب الرعاة وذهبوا إلى المدينة، وأخبروا بكل ما حدث وبما جرى للممسوسين.

فخرجت المدينة كلها إلى لقاء يسوع. ولما رأوه سألوه أن يغادر بلدهم.

فركب السفينة وعبر البحيرة وجاء إلى مدينته.

فإذا أناس يأتونه بمقعد ملقىعلى سرير. فلما رأى يسوع إيمانهم، قال للمقعد: ((ثق يا بني، غفرت لك خطاياك )).

فقال بعض الكتبة في أنفسهم: ((إن هذا ليجدف )).

فعلم يسوع أفكارهم فقال: ((لماذا تفكرون السوء في قلوبكم؟

فأيما أيسر؟ أن يقال: غفرت لك خطاياك، أم أن يقال: قم فامش؟

فلكي تعلموا أن ابن الإنسان له في الأرض سلطان يغفر به الخطايا ))، ثم قال للمقعد: ((قم فاحمل سريرك واذهب إلى بيتك )).

فقام ومضى إلى بيته.

فلما رأت الجموع ذلك، خافوا ومجدوا الله الذي أولى الناس مثل هذا السلطان.

ومضى يسوع فرأى في طريقه رجلا جالسا في بيت الجباية يقال له متى، فقال له: ((اتبعني! ))فقام فتبعه.

وبينما هو على الطعام في البيت، جاء كثير من الجباة والخاطئين، فجالسوا يسوع وتلاميذه.

فلما رأى الفريسيون ذلك، قالوا لتلاميذه: ((لماذا يأكل معلمكم مع الجباة والخاطئين؟ ))

فسمع يسوع كلامهم فقال: ((ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب، بل المرضى.

فهلا تتعلمون معنى هذه الآية: ((إنما أريد الرحمة لا الذبيحة ))، فإني ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخاطئين )).

فدنا إليه تلاميذ يوحنا وقالوا له ((لماذا نصوم نحن و الفريسيون و تلاميذك لا يصومون؟ ))

فقال لهم يسوع: ((أيستطيع أهل العرس أن يحزنوا ما دام العريس بينهم؟ ولكن ستأتي أيام فيها يرفع العريس من بينهم، فحينئذ يصومون.

ما من أحد يجعل في ثوب عتيق قطعة من نسيج خام، لأنها تأخذ من الثوب على مقدارها، فيصير الخرق أسوأ.

ولا تجعل الخمرة الجديدة في زقاق عتيقة، لئلا تنشق الزقاق فتراق الخمر وتتلف الزقاق، بل تجعل الخمرة الجديدة في زقاق جديدة، فتسلم جميعا )).

وبينما هو يكلمهم، أتى بعض الوجهاء فسجد له وقال: ((ابنتي توفيت الساعة، ولكن تعال وضع يدك عليها تحي )).

فقام يسوع فتبعه هو و تلاميذه.

وإذا امرأة منزوفة منذ اثنتي عشرة سنة تدنو من خلف، وتلمس هدب ردائه،

لأنها قالت في نفسها: ((يكفي أن ألمس رداءه فأبرأ )).

فالتفت يسوع فرآها فقال: ((ثقي يا ابنتي، إيمانك أبرأك )). فبرئت المرأة في تلك الساعة.

ولما وصل يسوع إلى بيت الوجيه ورأى الزمارين والجمع في ضجيج، قال:

((انصرفوا! فالصبية لم تمت، وإنما هي نائمة ))، فضحكوا منه.

فلما أخرج الجمع، دخل وأخذ بيد الصبية فنهضت.

وذاع الخبر في تلك الأرض كلها.

ومضى يسوع في طريقه فتبعه أعميان يصيحان: ((رحماك يا ابن داود! ))

فلما دخل البيت دنا منه الأعميان. فقال لهما يسوع: أتؤمنان بأني قادر على ذلك؟ ))فقالا له: ((نعم، يا رب )).

فلمس أعينهما وقال: ((فليكن لكما بحسب إيمانكما )).

فانفتحت أعينهما. فأنذرهما يسوع بلهجة شديدة قال: ((إياكما أن يعلم أحد ))

ولكنهما خرجا فشهراه في تلك الأرض كلها.

وما إن خرجا حتى أتوه بأخرس ممسوس.

فلما طرد الشيطان تكلم الأخرس، فأعجب الجموع وقالوا: ((لم ير مثل هذا قط في إسرائيل! ))

أما الفريسيون فقالوا: ((إنه بسيد الشياطين يطرد الشياطين )).

وكان يسوع يسير في جميع المدن والقرى يعلم في مجامعهم ويعلن بشارة الملكوت ويشفي الناس من كل مرض وعلة.

ورأى الجموع فأخذته الشفقة عليهم، لأنهم كانوا تعبين رازحين، كغنم لا راعي لها.

فقال لتلاميذه: ((الحصاد كثير ولكن العملة قليلون.

فاسألوا رب الحصاد أن يرسل عملة إلى حصاده )).

ودعا تلاميذه الاثني عشر، فأولاهم سلطانا يطردون به الأرواح النجسة ويشفون الناس من كل مرض وعلة.

وهذه أسماء الرسل الاثني عشر: أولهم سمعان الذي يقال له بطرس، وأندراوس أخوه، فيعقوب بن زبدى ويوحنا أخوه،

ففيلبس وبرتلماوس، فتوما ومتى الجابي، فيعقوب بن حلفى وتداوس،

فسمعان الغيور ويهوذا الإسخريوطي ذاك الذي أسلمه.

هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قال: ((لاتسلكوا طريقا إلى الوثنيين ولا تدخلوا مدينة للسامريين،

بل اذهبوا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل،

وأعلنوا في الطريق أن قد اقترب ملكوت السموات.

اشفوا المرضى، وأقيموا الموتى، وأبرئوا البرص، واطردوا الشياطين.أخذتم مجانا فمجانا أعطوا.

لا تقتنوا نقودا من ذهب ولا من فضة ولا من نحاس في زنانيركم،

ولا مزودا للطريق ولا قميصين ولا حذاء ولا عصا، لأن العامل يستحق طعامه.

وأية مدينة أو قرية دخلتم، فاستخبروا عمن فيها أهل لاستقبالكم، وأقيموا عنده إلى أن ترحلوا.

وإذا دخلتم البيت فسلموا عليه.

فإن كان هذا البيت أهلا، فليحل سلامكم فيه، وإن لم يكن أهلا، فليعد سلامكم إليكم .

وإن لم يقبلوكم ولم يستمعوا إلى كلامكم، فاخرجوا من ذاك البيت أو تلك المدينة، نافضين الغبار عن أقدامكم.

الحق أقول لكم إن أرض سدوم وعمورة سيكون مصيرها يوم الدينونة أخف وطأة من مصير تلك المدينة.

((هاءنذا أرسلكم كالخراف بين الذئاب: فكونوا كالحيات حاذقين وكالحمام ساذجين.

احذروا الناس، فسيسلمونكم إلى المجالس، ويجلدونكم في مجامعهم،

وتساقون إلى الحكام والملوك من أجلي، لتشهدوا لديهم ولدى الوثنيين.

فلا يهمكم حين يسلمونكم كيف تتكلمون أو ماذا تقولون، فسيلقى إليكم في تلك الساعة ما تتكلمون به.

فلستم أنتم المتكلمين، بل روح أبيكم يتكلم بلسانكم.

سيسلم الأخ أخاه إلى الموت،والأب ابنه، ويثور الأبناء على والديهم ويميتونهم،

ويبغضكم جميع الناس من أجل اسمي. والذي يثبت إلى النهاية فذاك الذي يخلص.

وإذا طاردوكم في مدينة فاهربوا إلى غيرها. الحق أقول لكم: لن تنهوا التجوال في مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان.

((ما من تلميذ أسمى من معلمه، وما من خادم أسمى من سيده.

فحسب التلميذ أن يصير كمعلمه والخادم كسيده، فإذا لقبوا رب البيت ببعل زبول، فما أحراهم بأن يقولوا ذلك في أهل بيته؟

((لا تخافوهم إذا ! فما من مستور إلا سيكشف، ولا من مكتوم إلا سيعلم.

والذي أقوله لكم في الظلمات،قولوه في وضح النهار. والذي تسمعونه يهمس في آذانكم، نادوا به على السطوح.

((لا تخافوا الذين يقتلون الجسد ولا يستطيعون قتل النفس، بل خافوا الذي يقدر على أن يهلك النفس والجسد جميعا في جهنم.

أما يباع عصفوران بفلس؟ ومع ذلك لا يسقط واحد منهما إلى الأرض بغير علم أبيكم.

أما أنتم، فشعر رؤوسكم نفسه معدود بأجمعه.

لا تخافوا، أنتم أثمن من العصافير جميعا.

((من شهد لي أمام الناس، أشهد له أمام أبي الذي في السموات.

ومن أنكرني أمام الناس، أنكره أمام أبي الذي في السموات.

((لا تظنوا أني جئت لأحمل السلام إلى الأرض، ما جئت لأحمل سلاما بل سيفا:

جئت لأفرق بين المرء وأبيه والبنت وأمها، والكنة وحماتها.

فيكون أعداء الإنسان أهل بيته.

((من كان أبوه أو أمه أحب إليه مني، فليس أهلا لي. ومن كان ابنه أو ابنته أحب إليه مني، فليس أهلا لي.

ومن لم يحمل صليبه ويتبعني، فليس أهلا لي.

من حفظ حياته يفقدها، ومن فقد حياته في سبيلي يحفظها.

من قبلكم قبلني أنا، ومن قبلني قبل الذي أرسلني.

من قبل نبيا لأنه نبي فأجر نبي ينال، ومن قبل صديقا لأنه صديق فأجر صديق ينال

ومن سقى أحد هؤلاء الصغار، ولو كأس ماء بارد لأنه تلميذ، فالحق أقول لكم إن أجره لن يضيع )).

ولما أتم يسوع وصاياه لتلاميذه الاثني عشر، ذهب من هناك ليعلم ويبشر في مدنهم.

وسمع يوحنا وهو في السجن بأعمال المسيح، فأرسل تلاميذه يسأله بلسانهم:

((أأنت الآتي، أم آخر ننتظر؟ ))

فأجابهم يسوع: ((اذهبوا فأخبروا يوحنا بما تسمعون وترون:

العميان يبصرون والعرج يمشون مشيا سويا، البرص يبرأون والصم يسمعون، الموتى يقومون والفقراء يبشرون،

وطوبى لمن لا أكون له حجر عثرة )).

فلما انصرفوا، أخذ يسوع يقول للجموع في شأن يوحنا: ((ماذا خرجتم إلى البرية تنظرون؟ أقصبة تهزهاالريح؟

بل ماذا خرجتم ترون؟ أرجلا يلبس الثياب الناعمة؟ ها إن الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في قصور الملوك.

بل ماذا خرجتم ترون؟ أنبيا ؟ أقول لكم: نعم، بل أفضل من نبي.

فهذا الذي كتب في شأنه: ((هاءنذا أرسل رسولي قدامك ليعد الطريق أمامك )).

الحق أقول لكم: لم يظهر في أولاد النساء أكبر من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السموات أكبر منه.

فمنذ أيام يوحنا المعمدان إلى اليوم ملكوت السموات يؤخذ بالجهاد، والمجاهدون يختطفونه.

فجميع الأنبياء قد تنبأوا، وكذلك الشريعة، حتى يوحنا.

فإن شئتم أن تفهموا، فهو إيليا الذي سيأتي.

من كان له أذنان فليسمع !

فبمن أشبه هذا الجيل؟ يشبه أولادا قاعدين في الساحات يصيحون بأصحابهم:

((زمرنا لكم فلم ترقصوا ندبنا لكم فلم تضربوا صدوركم )).

جاء يوحنا لا يأكل و لا يشرب فقالوا: لقد جن.

جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فقالوا: هوذا رجل أكول شريب للخمر صديق للجباة والخاطئين. إلا أن الحكمة زكتها أعمالها )).

ثم أخذ يعنف المدن التي جرت فيها أكثر معجزاته بأنها ما تابت فقال:

((الويل لك يا كورزين! الويل لك يا بيت صيدا ! فلو جرى في صور وصيدا ما جرى فيكما من المعجزات، لتابتا توبة بالمسح والرماد من زمن بعيد.

على أني أقول لكم: إن صور وصيدا سيكون مصيرهما يوم الدينونة أخف وطأة من مصيركما.

وأنت، يا كفرناحوم، أتراك ترفعين إلى السماء؟سيهبط بك إلى مثوى الأموات. فلو جرى في سدوم ما جرى فيك من المعجزات، لبقيت إلى اليوم.

على أني أقول لكم: إن أرض سدوم سيكون مصيرها يوم الدينونة أخف وطأة من مصيرك )).

في ذلك الوقت تكلم يسوع فقال: ((أحمدك يا أبت، رب السموات والأرض، على أنك أخفيت هذه الأشياء على الحكماء والأذكياء، وكشفتها للصغار.

نعم ياأبت، هذا ما كان رضاك.

قد سلمني أبي كل شيء، فما من أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا من أحد يعرف الآب إلا الابن ومن شاء الابن أن يكشفه له.

تعالوا إلي جميعا أيها المرهقون المثقلون، وأناأريحكم.

احملوا نيري وتتلمذوا لي فإني وديع متواضع القلب، تجدوا الراحة لنفوسكم،

لأن نيري لطيف وحملي خفيف )).

في ذلك الوقت مر يسوع في السبت من بين الزروع، فجاع تلاميذه، فأخذوا يقلعون السنبل ويأكلون.

فرآهم الفريسيون فقالوا له: ((ها إن تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبت ))

فقال لهم: ((أما قرأتم ما فعل داود حين جاع هو والذين معه؟

كيف دخل بيت الله، وكيف أكلوا الخبز المقدس، وأكله لا يحل له ولا للذين معه، بل للكهنة وحدهم؟

أوما قرأتم في الشريعة أن الكهنة في السبت يستبيحون حرمة السبت في الهيكل ولا ذنب عليهم؟

فأقول لكم إن ههنا أعظم من الهيكل.

ولو فهمتم معنى هذه الآية: إنما أريد الرحمة لا الذبيحة، لما حكمتم على من لا ذنب عليهم.

فابن الإنسان سيد السبت )).

وذهب من هناك فدخل مجمعهم.

فإذا رجل يده شلاء، فسألوه: ((أيحل الشفاء في السبت؟ ))ومرادهم أن يشكوه.

فقال لهم: ((من منكم، إذا لم يكن له إلا خروف واحد ووقع في حفرة يوم السبت، لا يمسكه فيخرجه؟

وكم الإنسان أفضل من الخروف! لذلك يحل فعل الخير في السبت )).

ثم قال للرجل: ((أمدد يدك ))فمدها فعادت صحيحة كالأخرى.

فخرج الفريسيون يتآمرون عليه ليهلكوه.

فعلم يسوع فانصرف من هناك، وتبعه خلق كثير فشفاهم جميعا

ونهاهم عن كشف أمره

ليتم ما قيل على لسان النبي أشعيا:

((هوذا عبدي الذي اخترته حبيبي الذي عنه رضيت. سأجعل روحي عليه فيبشر الأمم بالحق.

لن يخاصم ولن يصيح ولن يسمع أحد صوته في الساحات.

القصبة المرضوضة لن يكسرها والفتيلة المدخنة لن يطفئها حتى يسير بالحق إلى النصر.

وفي اسمه تجعل الأمم رجاءها )).

وأتوه برجل ممسوس أعمى أخرس، فشفاه حتى إن الأخرس تكلم وأبصر.

فدهش الجموع كلهم وقالوا: ((أترى هذا آبن داود؟ ))

وسمع الفريسيون كلامهم فقالوا: ((إن هذا لا يطرد الشياطين إلا ببعل زبول سيد الشياطين )).

فعلم يسوع أفكارهم فقال لهم: ((كل مملكة تنقسم على نفسها تخرب، وكل مدينة أو بيت ينقسم على نفسه لا يثبت.

فإن كان الشيطان يطرد الشيطان، فقد انقسم على نفسه، فكيف تثبت مملكته ؟

وإن كنت أنا ببعل زبول أطرد الشياطين، فبمن يطردهم أبناؤكم ؟ لذلك هم الذين سيحكمون عليكم.

وأما إذا كنت أنا بروح الله أطرد الشياطين، فقد وافاكم ملكوت الله.

((أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت الرجل القوي وينهب أمتعته، إذا لم يوثق ذلك الرجل القوي أولا؟ وعندئذ ينهب بيته.

((من لم يكن معي كان علي، ومن لم يجمع معي كان مبددا.

لذلك أقول لكم: كل خطيئة وتجديف يغفر للناس، وأما التجديف على الروح، فلن يغفر.

ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، أما من قال على الروح القدس، فلن يغفر له لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة.

((إجعلوا الشجرة طيبة يأت ثمرها طيبا. واجعلوا الشجرة خبيثة يأت ثمرها خبيثا. فمن الثمر تعرف الشجرة.

يا أولاد الأفاعي، كيف لكم أن تقولوا كلاما طيبا وأنتم خبثاء؟ فمن فيض القلب يتكلم اللسان.

الإنسان الطيب من كنزه الطيب يخرج الطيب. والإنسان الخبيث من كنزه الخبيث يخرج الخبيث.

((أقول لكم إن كل كلمة باطلة يقولها الناس يحاسبون عليها يوم الدينونة.

لأنك تزكى بكلامك و بكلامك يحكم عليك )).

وكلمه بعض الكتبة و الفريسيين فقالوا: ((يا معلم، نريد أن نرى منك آية )).

فأجابهم: ((جيل فاسد فاسق يطالب بآية، ولن يعطى سوى آية النبي يونان.

فكما بقي يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، فكذلك يبقى ابن الإنسان في جوف الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال.

رجال نينوى يقومون يوم الدينونة مع هذا الجيل ويحكمون عليه، لأنهم تابوا بإنذار يونان، وههنا أعظم من يونان.

ملكة التيمن تقوم يوم الدينونة مع هذا الجيل وتحكم عليه، لأنها جاءت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وههنا أعظم من سليمان.

((إن الروح النجس، إذا خرج من الإنسان، هام في القفار يطلب الراحة فلا يجدها،

فيقول: ((أرجع إلى بيتي الذي منه خرجت )). فيأتي فيجده خاليا مكنوسا مزينا.

فيذهب ويستصحب سبعة أرواح أخبث منه، فيدخلون ويقيمون فيه، فتكون حالة ذلك الإنسان الأخيرة أسوأ من حالته الأولى. وهكذا يكون مصير هذا الجيل الفاسد )).

وبينما هو يكلم الجموع، إذا أمه وإخوته قد وقفوا في خارج الدار يريدون أن يكلموه،

فقال له بعضهم: ((إن أمك وإخوتك واقفون في خارج الدار يريدون أن يكلموك )).

فأجاب الذي قال له ذلك: ((من أمي ومن إخوتي؟ ))

ثم أشار بيده إلى تلاميذه وقال: ((هؤلاء هم أمي وإخوتي.

لأن من يعمل بمشيئة أبي الذي في السموات هو أخي وأختي وأمي )).

في ذلك اليوم خرج يسوع من البيت، وجلس بجانب البحر.

فازدحمت عليه جموع كثيرة، حتى إنه ركب سفينة وجلس، والجمع كله قائم على الشاطئ.

فكلمهم بالأمثال على أمور كثيرة قال: ((هوذا الزارع قد خرج ليزرع.

وبينما هو يزرع، وقع بعض الحب على جانب الطريق، فجاءت الطيور فأكلته.

ووقع بعضه الآخر على أرض حجرة لم يكن له فيها تراب كثير، فنبت من وقته لأن ترابه لم يكن عميقا.

فلما أشرقت الشمس احترق، ولم يكن له أصل فيبس.

ووقع بعضه الآخر على الشوك فارتفع الشوك فخنقه.

ووقع بعضه الآخر على الأرض الطيبة فأثمر، بعضه مائة، وبعضه ستين، وبعضه ثلاثين.

فمن كان له أذنان فليسمع ! )).

فدنا تلاميذه وقالواله: ((لماذا تكلمهم بالأمثال؟ ))

فأجابهم: ((لأنكم أعطيتم أنتم أن تعرفوا أسرار ملكوت السموات، وأما أولئك فلم يعطوا ذلك.

لأن من كان له شيء، يعطى فيفيض. ومن ليس له شيء، ينتزع منه حتى الذي له.

وإنما أكلمهم بالأمثال لأنهم ينظرون ولا يبصرون، ولأنهم يسمعون ولا يسمعون ولا هم يفهمون.

وفيهم تتم نبوءة أشعيا حيث قال: ((تسمعون سماعا ولا تفهمون وتنظرون نظرا ولا تبصرون.

فقد غلظ قلب هذا الشعب وأصموا آذانهم وأغمضوا عيونهم لئلا يبصروا بعيونهم ويسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ويرجعوا. أفأشفيهم؟ )).

وأما أنتم، فطوبى لعيونكم لأنها تبصر، ولآذانكم لأنها تسمع.

الحق أقول لكم إن كثيرا من الأنبياء والصديقين تمنوا أن يروا ما تبصرون فلم يروا، وأن يسمعوا ما تسمعون فلم يسمعوا.

((فاسمعوا أنتم مثل الزارع:

كل من سمع كلمة الملكوت ولم يفهمها، يأتي الشرير ويخطف ما زرع في قلبه: فهذا هو الذي زرع في جانب الطريق.

وأما الذي زرع في الأرض الحجرة، فهو الذي يسمع الكلمة ويتقبلها لوقته فرحا،

ولكن لا أصل له في نفسه، فلا يثبت على حالة. فإذا حدثت شدة أو اضطهاد من أجل الكلمة عثر لوقته.

وأما الذي زرع في الشوك فهوالذي يسمع الكلمة،ويكون له من هم الحياة الدنيا وفتنة الغنى ما يخنق الكلمة فلا تخرج ثمرا.

وأما الذي زرع في الأرض الطيبة، فهو الذي يسمع الكلمة ويفهمها فيثمر ويعطي بعضه مائة، وبعضه ستين، وبعضه ثلاثين )).

وضرب لهم مثلا آخر قال: ((مثل ملكوت السموات كمثل رجل زرع زرعا طيبا في حقله.

وبينما الناس نائمون، جاء عدوه فزرع بعده بين القمح زؤانا وانصرف.

فلما نمى النبت و أخرج سنبله، ظهر معه الزؤان.

فجاء رب البيت خدمه وقالواله: ((يا رب، ألم تزرع زرعا طيبا في حقلك ؟ فمن أين جاءه الزؤان ؟ ))

فقال لهم: ((أحد الأعداء فعل ذلك ))فقال له الخدم: ((أفتريد أن نذهب فنجمعه؟ ))

فقال: ((لا، مخافة أن تقلعوا القمح وأنتم تجمعون الزؤان،

فدعوهما ينبتان معا إلى يوم الحصاد، حتى إذا أتى وقت الحصاد، أقول للحصادين: اجمعوا الزؤان أولا واربطوه حزما ليحرق.وأما القمح فاجمعوه وأتوا به إلى أهرائي )).

وضرب لهم مثلا آخر قال: ((مثل ملكوت السموات كمثل حبة خردل أخذها رجل فزرعها في حقله.

هي أصغر البزور كلها، فإذا نمت كانت أكبر البقول، بل صارت شجرة حتى إن طيور السماء تأتي فتعشش في أغصانها )).

وأورد لهم مثلا آخر قال: ((مثل ملكوت السموات كمثل خميرة أخذتها امرأة، فجعلتها في ثلاثة مكاييل من الدقيق حتى اختمرت كلها )).

هذا كله قاله يسوع للجموع بالأمثال، ولم يقل لهم شيئا من دون مثل،

ليتم ما قيل على لسان النبي: ((أتكلم بالأمثال وأعلن ما كان خفيا منذ إنشاء العالم )).

ثم ترك الجموع ورجع إلى البيت. فدنا منه تلاميذه وقالوا له: ((فسر لنا مثل زؤان الحقل )).

فأجابهم: ((الذي يزرع الزرع الطيب هو ابن الإنسان،

والحقل هو العالم والزرع الطيب بنو الملكوت، والزؤان بنو الشرير،

والعدو الذي زرعه هو إبليس، والحصاد هو نهاية العالم، والحصادون هم الملائكة.

فكما أن الزؤان يجمع ويحرق في النار، فكذلك يكون عند نهاية العالم:

يرسل ابن الإنسان ملائكته، فيجمعون مسببي العثرات والأثمة كافة، فيخرجونهم من ملكوته،

ويقذفون بهم في أتون النار، فهناك البكاء وصريف الأسنان.

والصديقون يشعون حينئذ كالشمس في ملكوت أبيهم. فمن كان له أذنان فليسمع !

((مثل ملكوت السموات كمثل كنز دفن في حقل وجده رجل فأعاد دفنه، ثم مضى لشدة فرحه فباع جميع ما يملك واشترى ذلك الحقل.

((ومثل ملكوت السموات كمثل تاجر كان يطلب اللؤلؤ الكريم،

فوجد لؤلؤة ثمينة، فمضى وباع جميع ما يملك واشتراها.

((ومثل ملكوت السموات كمثل شبكة ألقيت في البحر فجمعت من كل جنس.

فلما امتلأت أخرجها الصيادون إلى الشاطئ وجلسوا فجمعوا الطيب في سلال وطرحوا الخبيث.

وكذلك يكون عند نهاية العالم:يأتي الملائكة فيفصلون الأشرار عن الأخيار،

ويقذفون بهم في أتون النار. فهناك البكاء وصريف الأسنان.

((أفهمتم هذا كله ؟ ))قالوا له: ((نعم )).

فقال لهم: ((لذلك كل كاتب تتلمذ لملكوت السموات يشبه رب بيت يخرج من كنزه كل جديد وقديم )).

ولما أتم يسوع هذه الأمثال ذهب من هناك

وجاء إلى وطنه، وأخذ يعلم الناس في مجمعهم، حتى دهشوا وقالوا: ((من أين له هذه الحكمة وتلك المعجزات؟

أليس هذا ابن النجار؟ أليست أمه تدعى مريم، وإخوته يعقوب ويوسف وسمعان ويهوذا ؟

أوليس جميع أخواته عندنا؟ فمن أين له كل هذا؟ ))

وكان لهم حجر عثرة. فقال لهم يسوع: ((لا يزدرى نبي إلا في وطنه وبيته )).

ولم يكثر من المعجزات هناك لعدم إيمانهم.

في ذلك الوقت سمع أمير الربع هيرودس بذكر يسوع،

فقال لحاشيته: ((هذا يوحنا المعمدان، إنه قام من بين الأموات، ولذلك تعمل فيه القدرة على إجراء المعجزات )).

ذلك بأن هيرودس كان قد أمسك يوحنا، فأوثقه ووضعه في السجن من أجل هيروديا امرأة أخيه فيلبس،

لأن يوحنا كان يقول له: ((إنها لا تحل لك )).

وأراد أن يقتله فخاف الشعب لأنهم كانوا يعدونه نبيا.

ولما احتفل هيرودس بذكرى مولده رقصت ابنة هيروديا في الحفل، فأعجبت هيرودس،

فوعدها مؤكدا وعده بيمين أن يعطيها أي شيء تطلبه.

فلقنتها أمها فقالت: ((أعطني ههنا على طبق رأس يوحنا المعمدان )).

فاغتم الملك ولكنه أمر بإعطائها إياه من أجل أيمانه ومراعاة لجلسائه.

وأرسل فقطع رأس يوحنا في السجن.

وأتي بالرأس على طبق فأعطي للصبية، فحملته إلى أمها.

وأتى تلاميذ يوحنا فحملوا الجثمان ودفنوه، ثم ذهبوا فأخبروا يسوع.

فلما سمع يسوع، انصرف من هناك في سفينة إلى مكان قفر يعتزل فيه. فعرف الجموع ذلك فتبعوه من المدن سيرا على الأقدام.

فلما نزل إلى البر رأى جمعا كثيرا، فأخذته الشفقة عليهم، فشفى مرضاهم.

ولما كان المساء، دنا إليه تلاميذه وقالوا له: ((المكان قفر وقد فات الوقت، فاصرف الجموع ليذهبواإلى القرى فيشتروا لهم طعاما )).

فقال لهم يسوع ((لا حاجة بهم إلى الذهاب. أعطوهم أنتم ما يأكلون )).

فقالوا له: ((ليس عندنا ههنا غير خمسة أرغفة وسمكتين )).

فقال: ((علي بها )).

ثم أمر الجموع بالقعود على العشب، وأخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين، ورفع عينيه نحو السماء، وبارك وكسر الأرغفة، وناولها تلاميذه، والتلاميذ ناولوها الجموع.

فأكلوا كلهم حتى شبعوا، ورفعوا ما فضل من الكسر: اثنتي عشرة قفة ممتلئة.

وكان الآكلون خمسة آلاف رجل، ما عدا النساء والأولاد.

وأجبر التلاميذ لوقته أن يركبوا السفينة ويتقدموه إلى الشاطئ المقابل حتى يصرف الجموع.

ولما صرفهم صعد الجبل ليصلي في العزلة.وكان في المساء وحده هناك.

وأما السفينة فقد ابتعدت عدة غلوات من البر، وكانت الأمواج تلطمها، لأن الريح كانت مخالفة لها.

فعند آخر الليل، جاء إليهم ماشيا على البحر.

فلما رآه التلاميذ ماشيا على البحر، اضطربوا وقالوا: ((هذا خيال! ))ومن خوفهم صرخوا.

فبادرهم يسوع بقوله: ((ثقوا. أنا هو، لا تخافوا! ))

فأجابه بطرس: ((يا رب، إن كنت إياه، فمرني أن آتي إليك على الماء )).

فقال له: ((تعال! ))فنزل بطرس من السفينة ومشى على الماء آتيا إلى يسوع.

ولكنه خاف عندما رأى شدة الريح، فأخذ يغرق، فصرخ: ((يا رب، نجني! ))

فمد يسوع يده لوقته وأمسكه وهو يقول له: ((يا قليل الإيمان، لماذا شككت؟ ))

ولما ركبا السفينة، سكنت الريح،

فسجد له الذين في السفينة وقالوا: ((أنت ابن الله حقا ! )).

وعبروا حتى بلغوا البر عند جناسرت.

فعرفه أهل تلك البلدة، فأرسلوا بالخبر إلى تلك الناحية كلها، فأتوه بجميع المرضى،

وأخذوا يسألونه أن يدعهم يلمسون هدب ردائه فحسب، وجميع الذين لمسوه نالوا الشفاء.

ودنا إلى يسوع بعض الفريسيين و الكتبة من أورشليم، فقالوا له:

((لم يخالف تلاميذك سنة الشيوخ؟ فهم لا يغسلون أيديهم عند تناول الطعام )).

فأجابهم: ((لم تخالفون أنتم وصية الله من أجل سنتكم؟

فقد قال الله: ((أكرم أباك وأمك ))، و ((من لعن أباه أو أمه فليمت موتا )).

وأما أنتم فتقولون: من قال لأبيه أو أمه: كل شيء قد أساعدك به جعلته قربانا،

فلن يلزمه أن يكرم أباه. لقد نقضتم كلام الله من أجل سنتكم.

أيها المراؤون، أحسن أشعيا في نبؤءته عنكم إذ قال:

((هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فبعيد مني.

إنهم بالباطل يعبدونني فليس ما يعلمون من المذاهب سوى أحكام بشرية )).

ثم دعا الجمع وقال لهم: ((اسمعوا وافهموا !

ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان، بل ما يخرج من الفم هو الذي ينجس الإنسان )).

فدنا التلاميذ وقالوا له: ((أتعلم أن الفريسيين صدموا عندما سمعوا هذا الكلام ؟ ))

فأجابهم: ((كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يقلع.

دعوهم وشأنهم! إنهم عميان يقودون عميانا. وإذا كان الأعمى يقود الأعمى، سقط كلاهما في حفرة )).

فقال له بطرس: ((فسر لنا المثل )).

فأجابه: ((أوأنتم حتى الآن لا فهم لكم؟

ألا تدركون أن ما يدخل الفم ينزل إلى الجوف، ثم يخرج في الخلاء ؟

وأما الذي يخرج من الفم، فإنه ينبعث من القلب، وهو الذي ينجس الإنسان.

فمن القلب تنبعث المقاصد السيئة والقتل والزنى والفحش والسرقة وشهادة الزور والشتائم.

تلك هي الأشياء التي تنجس الإنسان. أما الأكل بأيد غير مغسولة فلا ينجس الإنسان )).

ثم خرج يسوع من هناك وذهب إلى نواحي صور وصيدا.

وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك البلاد تصيح: ((رحماك يا رب ! يا ابن داود، إن ابنتي يتخبطها الشيطان تخبطا شديدا )).

فلم يجبها بكلمة. فدنا تلاميذه يتوسلون إليه فقالوا: ((اصرفها، فإنها تتبعنا بصياحها )).

فأجاب: ((لم أرسل إلا إلى الخراف الضالة من بيت إسرائيل )).

ولكنها جاءت فسجدت له وقالت: ((أغثني يا رب! ))

فأجابها: ((لا يحسن أن يؤخذ خبز البنين فيلقى إلى صغار الكلاب )).

فقالت: ((نعم، يا رب ! فصغار الكلاب نفسها تأكل من الفتات الذي يتساقط عن موائد أصحابها )).

فأجابها يسوع: ((ما أعظم إيمانك أيتها المرأة، فليكن لك ما تريدين )). فشفيت ابنتها في تلك الساعة.

ثم ذهب يسوع من هناك وجاء إلى شاطئ بحر الجليل، فصعد الجبل وجلس هنالك.

فأتت إليه جموع كثيرة ومعهم عرج وعمي وكسحان وخرس وغيرهم كثيرون، فطرحوهم عند قدميه فشفاهم.

فتعجب الجموع لما رأوا الخرس يتكلمون والكسحان يصحون والعرج يمشون مشيا سويا والعمي يبصرون. فمجدوا إله إسرائيل.

فدعا يسوع تلاميذه وقال لهم: ((أشفق على هذا الجمع، فإنهم منذ ثلاثة أيام يلازمونني وليس عندهم ما يأكلون. فلا أريد أن أصرفهم صائمين لئلا تخور قواهم في الطريق )).

فقال له التلاميذ: ((من أين لنا في مكان قفر من الخبز ما يشبع مثل هذا الجمع ؟ ))

فقال لهم يسوع: ((كم رغيفا عندكم ؟ ))قالوا له: ((سبعة وبعض سمكات صغار )).

فأمر الجمع بالقعود على الأرض.

ثم أخذ الأرغفة السبعة والسمكات، وشكر وكسرها وناولها تلاميذه، والتلاميذ ناولوها الجموع.

فأكلوا كلهم حتى شبعوا، ورفعوا ما فضل من الكسر: سبع سلال ممتلئة.

وكان الآكلون أربعة آلاف رجل، ما عدا النساء والأولاد.

ثم صرف الجموع وركب السفينة وجاء إلى أرض مجدان.

ودنا الفريسيون والصدوقيون يريدون أن يحرجوه، فسألوه أن يريهم آية من السماء.

فأجابهم: ((عند الغروب تقولون: صحو، لأن السماء حمراء كالنار.

وعند الفجر: اليوم مطر، لأن السماء حمراء مغبرة. فمنظر السماء تحسنون تفسيره، وأما آيات الأوقات فلا تستطيعون لها تفسيرا.

جيل فاسد فاسق يطالب بآية ولن يعطى سوى آية يونان )). ثم تركهم ومضى.

وعبر التلاميذ إلى الشاطئ المقابل، وقد نسوا أن يأخذوا خبزا.

فقال لهم يسوع: ((تبصروا واحذروا خمير الفريسيين والصدوقيين )).

فقالوا في أنفسهم: ((ما أخذنا خبزا! ))

فشعر يسوع بأمرهم فقال لهم: ((يا قليلي الإيمان، لماذا تقولون في أنفسكم إنه ليس عندكم خبز؟

ألم تدركوا حتى الآن ؟ أما تذكرون الأرغفة الخمسة للخمسة الآلاف وكم قفة رفعتم؟

والأرغفة السبعة للأربعة الآلاف وكم سلة رفعتم؟

كيف لا تدركون أني لم أكلمكم على الخبز؟ فاحذروا خمير الفريسيين والصدوقيين )).

ففهموا عندئذ أنه لم يأمرهم أن يحذروا خمير الخبز، بل تعليم الفريسيين والصدوقيين.

ولما وصل يسوع إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل تلاميذه: ((من ابن الإنسان في قول الناس؟ ))

فقالوا: ((بعضهم يقول: هو يوحنا المعمدان، وبعضهم الآخر يقول: هو إيليا، وغيرهم يقول: هو إرميا أو أحد الأنبياء )).

فقال لهم: ((ومن أنا في قولكم أنتم؟ ))

فأجاب سمعان بطرس: ((أنت المسيح ابن الله الحي )).

فأجابه يسوع: ((طوبى لك يا سمعان بن يونا، فليس اللحم والدم كشفا لك هذا، بل أبي الذي في السموات.

وأنا أقول لك: أنت صخر وعلى الصخر هذا سأبني كنيستي، فلن يقوى عليها سلطان الموت.

وسأعطيك مفاتيح ملكوت السموات. فما ربطته في الأرض ربط في السموات. وما حللته في الأرض حل في السموات )).

ثم أوصى تلاميذه بألا يخبروا أحدا بأنه المسيح )).

وبدأ يسوع من ذلك الحين يظهر لتلاميذه أنه يجب عليه أن يذهب إلى أورشليم ويعاني آلاما شديدة من الشيوخ وعظماء الكهنة والكتبة ويقتل ويقوم في اليوم الثالث.

فانفرد به بطرس وجعل يعاتبه فيقول: ((حاش لك يا رب ! لن يصيبك هذا! )).

فالتفت وقال لبطرس: ((إنسحب! ورائي! يا شيطان، فأنت لي حجر عثرة، لأن أفكارك ليست أفكار الله، بل أفكار البشر )).

ثم قال يسوع لتلاميذه: ((من أراد أن يتبعني، فليزهد في نفسه ويحمل صليبه ويتبعني،

لأن الذي يريد أن يخلص حياته يفقدها، وأما الذي يفقد حياته في سبيلي فإنه يجدها.

ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ وماذا يعطي الإنسان بدلا لنفسه؟

((فسوف يأتي ابن الإنسان في مجد أبيه ومعه ملائكته، فيجازي يومئذ كل امرئ على قدر أعماله.

الحق أقول لكم: من الحاضرين ههنا من لا يذوقون الموت حتى يشاهدوا ابن الإنسان آتيا في ملكوته )).

وبعد ستة أيام مضى يسوع ببطرس ويعقوب وأخيه يوحنا، فانفرد بهم على جبل عال،

وتجلى بمرأى منهم، فأشع وجهه كالشمس، وتلألأت ثيابه كالنور.

وإذا موسى وإيليا قد تراءيا لهم يكلمانه.

فخاطب بطرس يسوع قال: ((يا رب، حسن أن نكون ههنا. فإن شئت، نصبت ههنا ثلاث خيم: واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة لإيليا )).

وبينما هو يتكلم إذا غمام نير قد ظللهم، وإذا صوت من الغمام يقول: ((هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت، فله اسمعوا )).

فلما سمع التلاميذ ذلك، سقطوا على وجوههم، وقد استولى عليهم خوف شديد.

فدنا يسوع ولمسهم وقال لهم: ((قوموا، لا تخافوا )).

فرفعوا أنظارهم، فلم يروا إلا يسوع وحده.

وبينما هم نازلون من الجبل، أوصاهم يسوع قال: ((لا تخبروا أحدا بهذه الرؤيا إلى أن يقوم ابن الإنسان من بين الأموات )).

فسأله التلاميذ: ((فلماذا يقول الكتبة إنه يجب أن يأتي إيليا أولا؟ ))

فأجابهم: ((إن إيليا آت وسيصلح كل شيء.

ولكن أقول لكم إن إيليا قد أتى، فلم يعرفوه، بل صنعوا به كل ما أرادوا. وكذلك ابن الإنسان سيعاني منهم الآلام )).

ففهم التلاميذ أنه كلمهم على يوحنا المعمدان.

ولما لحقوا بالجمع، دنا منه رجل فجثا له وقال:

((يا رب، أشفق على ابني، فإنه يصرع في رأس الهلال، وهو يعاني آلاما شديدة: فكثيرا ما يقع في النار وكثيرا ما يقع في الماء.

وقد أتيت به تلاميذك، فلم يستطيعوا أن يشفوه )).

فأجاب يسوع: ((أيها الجيل الكافر الفاسد، حتام أبقى معكم ؟ وإلام أحتملكم؟ علي به إلى هنا! ))

وانتهره يسوع فخرج منه الشيطان، فشفي الطفل في تلك الساعة.

فدنا التلاميذ من يسوع وقالوا له فيما بينهم: ((لماذا لم نستطع نحن أن نطرده؟ ))

فقال لهم: ((لقلة إيمانكم. الحق أقول لكم: إن كان لكم من الإيمان قدر حبة خردل قلتم لهذا الجبل: انتقل من هنا إلى هناك، فينتقل، وما أعجزكم شيء.

وهذا الجنس من الشيطان لا يخرج إلا بالصلاة والصوم )).

وكانوا مجتمعين في الجليل، فقال لهم يسوع: ((إن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الناس،

فيقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم )). فحزنوا حزنا شديدا.

ولما وصلوا إلى كفرناحوم، دنا جباة الدرهمين إلى بطرس وقالوا له: ((أما يؤدي معلمكم الدرهمين؟ ))

قال: ((بلى )). فلما دخل البيت، بادره يسوع بقوله: ((ما رأيك، يا سمعان؟ ممن يأخذ ملوك الأرض الخراج أو الجزية؟ أمن بنيهم أم من الغرباء؟ ))

فقال: ((من الغرباء )). فقال له يسوع: ((فالبنون معفون إذا.

ولكن لا أريد أن نكون لهم حجر عثرة، فاذهب إلى البحر وألق الشص، وأمسك أول سمكة تخرج وافتح فاها تجد فيه إستارا، فخذه وأده لهم عني وعنك )).

وفي تلك الساعة دنا التلاميذ إلى يسوع وسألوه: ((من تراه الأكبر في ملكوت السموات؟ ))

فدعا طفلا فأقامه بينهم

وقال: ((الحق أقول لكم: إن لم ترجعوا فتصيروا مثل الأطفال، لا تدخلوا ملكوت السموات.

فمن وضع نفسه وصار مثل هذا الطفل، فذاك هو الأكبر في ملكوت السموات.

ومن قبل طفلا مثله إكراما لاسمي، فقد قبلني أنا.

((وأما الذي يكون حجر عثرة لأحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فأولى به أن تعلق الرحى في عنقه ويلقى في عرض البحر.

الويل للعالم من أسباب العثرات! ولابد من وجودها، ولكن الويل للذي يكون حجر عثرة!

فإذا كانت يدك أو رجلك حجر عثرة لك، فاقطعها وألقها عنك، فلأن تدخل الحياة وأنت أقطع اليد أو أقطع الرجل خير لك من أن يكون لك يدان أو رجلان وتلقى في النار الأبدية.

وإذا كانت عينك حجر عثرة لك، فاقلعها وألقها عنك، فلأن تدخل الحياة وأنت أعور خير لك من أن يكون لك عينان وتلقى في جهنم النار.

((إياكم أن تحتقروا أحدا من هؤلاء الصغار.

أقول لكم إن ملائكتهم في السموات يشاهدون أبدا وجه أبي الذي في السموات.

((ما رأيكم؟ إذا كان لرجل مائة خروف فضل واحد منها، أفلا يدع التسعة والتسعين في الجبال، ويمضي في طلب الضال؟

وإذا تم له أن يجده فالحق أقول لكم إنه يفرح به أكثر منه بالتسعة والتسعين التي لم تضل.

وهكذا لا يشاء أبوكم الذي في السموات أن يهلك واحد من هؤلاء الصغار.

((إذا خطئ أخوك، فاذهب إليه وانفرد به ووبخه. فإذا سمع لك، فقد ربحت أخاك.

وإن لم يسمع لك فخذ معك رجلا أو رجلين، لكي يحكم في كل قضية بناء على كلام شاهدين أو ثلاثة.

فإن لم يسمع لهما، فأخبر الكنيسة بأمره. وإن لم يسمع للكنيسة أيضا، فليكن عندك كالوثني والجابي.

((الحق أقول لكم: ما ربطتم في الأرض ربط في السماء، وما حللتم في الأرض حل في السماء )).

((وأقول لكم: إذا اتفق اثنان منكم في الأرض على طلب أي حاجة كانت، حصلا عليها من أبي الذي في السموات.

فحيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كنت هناك بينهم )).

فدنا بطرس وقال له: ((يا رب، كم مرة يخطأ إلي أخي وأغفر له؟ أسبع مرات؟ ))

فقال له يسوع: ((لا أقول لك: سبع مرات، بل سبعين مرة سبع مرات.

((لذلك مثل ملكوت السموات كمثل ملك أراد أن يحاسب خدمه.

فلما شرع في محاسبتهم أتي بواحد منهم عليه عشرة آلاف وزنة.

ولم يكن عنده ما يؤدي به دينه، فأمر مولاه أن يباع هو وامرأته وأولاده وجميع ما يملك ليؤدى دينه.

فجثا له الخادم ساجدا وقال: ((أمهلني أؤد لك كل شيء )).

فأشفق مولى ذلك الخادم وأطلقه وأعفاه من الدين.

ولما خرج ذلك الخادم لقي خادما من أصحابه مدينا له بمائة دينار. فأخذ بعنقه يخنقه وهو يقول له: ((أد ما عليك )).

فجثا صاحبه يتوسل إليه فيقول: ((أمهلني أؤده لك )).

فلم يرض، بل ذهب به وألقاه في السجن إلى أن يؤدي دينه.

وشهد أصحابه ما جرى فاغتموا كثيرا، فمضوا وأخبروا مولاهم بكل ما جرى.

فدعاه مولاه وقال له: ((أيها الخادم الشرير، ذاك الدين كله أعفيتك منه، لأنك سألتني.

أفما كان يجب عليك أنت أيضا أن ترحم صاحبك كما رحمتك أنا؟ ))

وغضب مولاه فدفعه إلى الجلادين، حتى يؤدي له كل دينه.

فهكذا يفعل بكم أبي السماوي، إن لم يغفر كل واحد منكم لأخيه من صميم قلبه )).

ولما أتم يسوع هذا الكلام، ترك الجليل وجاء بلاد اليهودية عند عبر الأردن.

فتبعته جموع كثيرة، فشفاهم هناك.

فدنا إليه بعض الفريسيين وقالواله ليحرجوه: ((أيحل لأحد أن يطلق امرأته لأية علة كانت؟ ))

فأجاب: ((أما قرأتم أن الخالق منذ البدء جعلهما ذكرا وأنثى

وقال: لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته ويصير الاثنان جسدا واحدا.

فلا يكونان اثنين بعد ذلك، بل جسد واحد. فما جمعه الله فلا يفرقنه الإنسان )).

فقالوا له: ((فلماذا أمر موسى أن تعطى كتاب طلاق وتسرح؟ ))

قال لهم: ((من أجل قساوة قلوبكم رخص لكم موسى في طلاق نسائكم، ولم يكن الأمر منذ البدء هكذا.

أما أنا فأقول لكم: من طلق امرأته، إلا لفحشاء، وتزوج غيرها فقد زنى )).

فقال له التلاميذ: ((إذا كانت حالة الرجل مع المرأة هكذا، فلا خير في الزواج )).

فقال لهم: ((هذا الكلام لا يفهمه الناس كلهم، بل الذين أنعم عليهم بذلك.

فهناك خصيان ولدوا من بطون أمهاتهم على هذه الحال، وهناك خصيان خصاهم الناس، وهناك خصيان خصوا أنفسهم من أجل ملكوت السموات. فمن استطاع أن يفهم فليفهم! )).

وأتوه بأطفال ليضع يديه عليهم ويصلي، فانتهرهم التلاميذ.

فقال يسوع: ((دعوا الأطفال، لا تمنعوهم أن يأتوا إلي، فإن لأمثال هؤلاء ملكوت السموات )).

ثم وضع يديه عليهم ومضى في طريقه.

وإذا برجل يدنو فيقول له: ((يا معلم، ماذا أعمل من صالح لأنال الحياة الأبدية ؟ ))

فقال له: ((لماذا تسألني عن الصالح؟ إنما الصالح واحد. فإذا أردت أن تدخل الحياة، فاحفظ الوصايا )).

قال له: ((أي وصايا ؟ ))فقال يسوع: ((لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد بالزور.

أكرم أباك وأمك ))و ((أحبب قريبك حبك لنفسك )).

قال له الشاب: ((هذا كله قد حفظته، فماذا ينقصني ؟ ))

قال له يسوع: ((إذا أردت أن تكون كاملا، فاذهب وبع أموالك وأعطها للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني )).

فلما سمع الشاب هذا الكلام، انصرف حزينا لأنه كان ذا مال كثير.

فقال يسوع لتلاميذه: ((الحق أقول لكم: يعسر على الغني أن يدخل ملكوت السموات.

وأقول لكم: لأن يمر الجمل من ثقب الإبرة أيسر من أن يدخل الغني ملكوت الله )).

فلما سمع التلاميذ هذا الكلام دهشوا دهشا شديدا وقالوا: ((من تراه يقدر أن يخلص؟ ))

فحدق إليهم يسوع وقال لهم: ((أما الناس فهذا شيء يعجزهم، وأما الله فإنه على كل شيء قدير )).

فقال له بطرس: ((ها قد تركنا نحن كل شيء وتبعناك، فماذا يكون مصيرنا ؟ ))

فقال لهم يسوع: ((الحق أقول لكم: أنتم الذين تبعوني، متى جلس ابن الإنسان على عرش مجده عندما يجدد كل شيء، تجلسون أنتم أيضا على اثني عشر عرشا، لتدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر.

وكل من ترك بيوتا أو إخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو بنين أو حقولا لأجل اسمي، ينال مائة ضعف ويرث الحياة الأبدية.

((وكثير من الأولين يصيرون آخرين، ومن الآخرين أولين.

((فمثل ملكوت السموات كمثل رب بيت خرج عند الفجر ليستأجر عملة لكرمه.

فاتفق مع العملة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه.

ثم خرج نحو الساعة التاسعة، فرأى عملة آخرين قائمين في الساحة بطالين.

فقال لهم: ((اذهبوا أنتم أيضا إلى كرمي، وسأعطيكم ما كان عدلا ))،

فذهبوا. وخرج أيضا نحو الظهر ثم نحو الثالثة بعد الظهر، ففعل مثل ذلك.

وخرج نحو الخامسة بعد الظهر، فلقي أناسا آخرين قائمين هناك، فقال لهم: لماذا قمتم ههنا طوال النهار بطالين؟ ))

قالوا له: ((لم يستأجرنا أحد )). قال لهم: ((اذهبوا أنتم أيضا إلى كرمي )).

ولما جاء المساء قال صاحب الكرم لوكيله: ((أدع العملة وادفع لهم الأجرة، مبتدئا بالآخرين منتهيا بالأولين )).

فجاء أصحاب الساعة الخامسة بعد الظهر وأخذ كل منهم دينارا.

ثم جاء الأولون، فظنوا أنهم سيأخذون أكثر من هؤلاء، فأخذ كل منهم أيضا دينارا.

وكانوا يأخذونه ويقولون متذمرين على رب البيت:

((هؤلاء الذين أتوا آخرا لم يعملوا غير ساعة واحدة، فساويتهم بنا نحن الذين احتملنا ثقل النهار وحره الشديد )).

فأجاب واحدا منهم: ((يا صديقي، ما ظلمتك، ألم تتفق معي على دينار؟

خذ ما لك وانصرف. فهذا الذي أتى آخرا أريد أن أعطيه مثلك:

ألا يجوز لي أن أتصرف بمالي كما أشاء؟ أم عينك حسود لأني كريم؟ ))

فهكذا يصير الآخرون أولين والأولون آخرين )).

وأوشك يسوع أن يصعد إلى أورشليم، فانفرد بالاثني عشر، وقال لهم في الطريق:

((ها نحن صاعدون إلى أورشليم، فابن الإنسان يسلم إلى عظماء الكهنة والكتبة، فيحكمون عليه بالموت

ويسلمونه إلى الوثنيين، ليسخروا منه ويجلدوه ويصلبوه،وفي اليوم الثالث يقوم )).

فدنت إليه أم ابني زبدى ومعها ابناها، وسجدت له تسأله حاجة.

فقال لها: ((ماذا تريدين؟ ))قالت: ((مر أن يجلس ابناي هذان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك في ملكوتك )).

فأجاب يسوع: ((إنكما لا تعلمان ما تسألان: أتستطيعان أن تشربا الكأس التي سأشربها؟ ))قالا له: ((نستطيع )).

فقال لهما: ((أما كأسي فسوف تشربانها، وأما الجلوس عن يميني وعن شمالي، فليس لي أن أمنحه، بل هو للذين أعده لهم أبي )).

وسمع العشرة ذلك الكلام فاستاؤوا من الأخوين.

فدعاهم يسوع إليه وقال لهم: ((تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونها، وأن أكابرها يتسلطون عليها.

فلا يكن هذا فيكم، بل من أراد أن يكون كبيرا فيكم، فليكن لكم خادما.

ومن أراد أن يكون الأول فيكم، فليكن لكم عبدا:

هكذا ابن الإنسان لم يأت ليخدم، بل ليخدم ويفدي بنفسه جماعة الناس )).

وبينما هم خارجون من أريحا، تبعه جمع كثير.

وإذا أعميان جالسان على جانب الطريق، فلما سمعا أن يسوع مار من هناك صاحا: ((رحماك، يا رب، يا ابن داود! ))

فانتهرهما الجمع ليسكتا. فصاحا أشد الصياح: ((رحماك يا رب، يا ابن داود! ))

فوقف يسوع ودعاهما وقال: ((ماذا تريدان أن أصنع لكما؟ ))،

قالا له: ((يا رب، أن تفتح أعيننا )).

فأشفق يسوع عليهما، ولمس أعينهما، فأبصرا لوقتهما وتبعاه.

ولما قربوا من أروشليم، ووصلوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون، حينئذ أرسل يسوع تلميذين

وقال لهما: ((اذهبا إلى القرية التي تجاهكما، تجدا أتانا مربوطة وجحشا معها، فحلا رباطها و أتياني بهما.

فإن قال لكما قائل شيئا، فأجيبا: ((الرب محتاج إليهما ))، فيرسلهما لوقته )).

وإنما حدث هذا ليتم ما قيل على لسان النبي:

((قولوا لبنت صهيون: هوذا ملكك آتيا إليك وديعا راكبا على أتان وجحش ابن دابة )).

فذهب التلميذان وفعلا كما أمرهما يسوع

وأتيا بالأتان والجحش. ثم وضعا عليهما ردائيهما، فركب يسوع.

وكان من الناس جمع كثير، فبسطوا أرديتهم على الطريق، وقطع غيرهم أغصان الشجر، ففرشوا بها الطريق.

وكانت الجموع التي تتقدمه والتي تتبعه تهتف: ((هوشعنا لابن داود! تبارك الآتي باسم الرب! هوشعنا في العلى ! ))

ولما دخل أورشليم ضجت المدينة كلها وسألت: ((من هذا ؟ ))

فأجابت الجموع: ((هذا النبي يسوع من ناصرة الجليل )).

ثم دخل يسوع الهيكل وطرد جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل، فقلب طاولات الصيارفة ومقاعد باعة الحمام،

وقال لهم: ((مكتوب: ((بيتي بيت صلاة يدعى وأنتم تجعلونه مغارة لصوص )).

ودنا إليه عميان وعرج في الهيكل فشفاهم.

فلما رأى عظماء الكهنة والكتبة ما أتى به من الأمور العجيبة، ورأوا الأطفال يهتفون في الهيكل: ((هوشعنا لابن داود! ))، استاؤوا

فقالوا له: ((أتسمع ما يقول هؤلاء؟ ))فقال لهم يسوع: ((نعم، أما قرأتم قط: ))على ألسنة الصغار والرضع أعددت لنفسك تسبيحا؟ ))

ثم تركهم وخرج من المدينة إلى بيت عنيا فبات فيها.

وبينما هو راجع إلى المدينة عند الفجر، أحس بالجوع.

فرأى تينة عند الطريق فذهب إليها، فلم يجد عليها غير الورق. فقال لها: ((لا يخرجن منك ثمر للأبد )). فيبست التينة من وقتها.

فلما رأى التلاميذ ذلك، تعجبوا وقالوا: ((كيف يبست التينة من وقتها ؟ ))

فأجابهم يسوع: ((الحق أقول لكم: إن كان لكم إيمان ولم تشكوا، لا تفعلون ما فعلت بالتينة فحسب، بل كنتم إذا قلتم لهذا الجبل: قم فاهبط في البحر، يكون ذلك.

فكل شيء تطلبونه وأنتم تصلون بإيمان تنالونه )).

ودخل الهيكل، فدنا إليه عظماء الكهنة وشيوخ الشعب وهو يعلم وقالوا له: ((بأي سلطان تعمل هذه الأعمال؟ ومن أولاك هذا السلطان؟ ))

فأجابهم يسوع: ((وأنا أسألكم سؤالا واحدا، إن أجبتموني عنه، قلت لكم بأي سلطان أعمل هذه الأعمال:

من أين جاءت معمودية يوحنا: أمن السماء أم من الناس؟ ))فقالوا في أنفسهم: ((إن قلنا: من السماء، يقول لنا: فلماذا لم تؤمنوا به؟

وإن قلنا من الناس، نخاف الجمع، لأنهم كلهم يعدون يوحنا نبيا )).

فأجابوا يسوع: ((لا ندري )). فقال لهم: ((وأنا لا أقول لكم بأي سلطان أعمل هذه الأعمال )).

((ما رأيكم؟ كان لرجل ابنان. فدنا من الأول وقال له: ((يا بني، اذهب اليوم واعمل في الكرم )).

فأجابه: ((لا أريد )). ولكنه ندم بعد ذلك فذهب.

ودنا من الآخر وقال له مثل ذلك. فأجاب: ((ها إني ذاهب يا سيد! ))ولكنه لم يذهب.

فأيهما عمل بمشيئة أبيه؟ ))فقالوا: ((الأول )). قال لهم يسوع: ((الحق أقول لكم: إن الجباة والبغايا يتقدمونكم إلى ملكوت الله.

فقد جاءكم يوحنا سالكا طريق البر، فلم تؤمنوا به، وأما العشارون والبغايا فآمنوا به. وأنتم رأيتم ذلك، فلم تندموا آخر الأمر فتؤمنوا به.

((إسمعوا مثلا آخر: غرس رب بيت كرما فسيجه، وحفر فيه معصرة وبنى برجا، وآجره بعض الكرامين ثم سافر.

فلما حان وقت الثمر، أرسل خدمه إلى الكرامين، ليأخذوا ثمره.

فأمسك الكرامون خدمه فضربوا أحدهم، وقتلوا غيره ورجموا الآخر.

فأرسل أيضا خدما آخرين أكثر عددا من الأولين، ففعلوا بهم مثل ذلك.

فأرسل إليهم ابنه آخر الأمر وقال: ((سيهابون، ابني )).

فلما رأى الكرامون الابن، قال بعضهم لبعض: ((هوذا الوارث، هلم نقتله، ونأخذ ميراثه )).

فأمسكوه وألقوه في خارج الكرم وقتلوه.

فماذا يفعل رب الكرم بأولئك الكرامين عند عودته؟ ))

قالوا له: ((يهلك هؤلاء الأشرار شر هلاك، ويؤجر الكرم كرامين آخرين يؤدون إليه الثمر في وقته )).

قال لهم يسوع: ((أما قرأتم قط في الكتب: ((الحجر الذي رذله البناؤون هو الذي صار رأس الزاوية. من عند الرب كان ذلك وهو عجب في أعيننا )).

لذلك أقول لكم: ((إن ملكوت الله سينزع منكم، ويعطى لأمة تثمر ثمره.

من وقع على هذا الحجر تهشم، ومن وقع عليه هذا الحجر حطمه )).

فلما سمع عظماء الكهنة و الفريسيون أمثاله، أدركوا أنه يعرض بهم في كلامه

فحاولوا أن يمسكوه، ولكنهم خافوا الجموع لأنها كانت تعده نبيا.

وكلمهم يسوع بالأمثال مرة أخرى قال:

((مثل ملكوت السموات كمثل ملك أقام وليمة في عرس ابنه.

فأرسل خدمه ليخبروا المدعوين إلى العرس فأبوا أن يأتوا.

فأرسل خدما آخرين وأوعز إليهم أن ((قولوا للمدعوين: ها قد أعددت وليمتي فذبحت ثيراني والسمان من ماشيتي،وأعد كل شيء فتعالوا إلى العرس )).

ولكنهم لم يبالوا، فمنهم من ذهب إلى حقله، ومنهم من ذهب إلى تجارته.

وأمسك الآخرون خدمه فشتموهم وقتلوهم.

فغضب الملك وأرسل جنوده، فأهلك هؤلاء القتلة، وأحرق مدينتهم.

ثم قال لخدمه: ((الوليمة معدة ولكن المدعوين غير مستحقين،

فاذهبوا إلى مفارق الطرق وادعوا إلى العرس كل من تجدونه )).

فخرج أولئك الخدم إلى الطرق، فجمعوا كل من وجدوا من أشرار وأخيار، فامتلأت ردهة العرس بالجالسين للطعام.

ودخل الملك لينظر الجالسين للطعام، فرأى هناك رجلا لم يكن لابسا لباس العرس،

فقال له: ((يا صديقي، كيف دخلت إلى هنا، وليس عليك لباس العرس ))؟ فلم يجب بشيء.

فقال الملك للخدم: ((شدوا يديه ورجليه، وألقوه في الظلمة البرانية. فهناك البكاء وصريف الأسنان )).

لأن جماعة الناس مدعوون، ولكن القليلين هم المختارون )).

فذهب الفريسيون وعقدوا مجلس شورى ليصطادوه بكلمة.

ثم أرسلوا إليه تلاميذهم والهيرودسيين يقولون له: ((يا معلم، نحن نعلم أنك صادق، تعلم سبيل الله بالحق، ولا تبالي بأحد، لأنك لا تراعي مقام الناس.

فقل لنا ما رأيك: ((أيحل دفع الجزية إلى قيصر أم لا ؟ ))

فشعر يسوع بخبثهم فقال: ((لماذا تحاولون إحراجي، أيها المراؤون!

أروني نقد الجزية )). فأتوه بدينار.

فقال لهم: ((لمن الصورة هذه والكتابة؟ ))

قالوا: ((لقيصر )). فقال لهم: ((أدوا إذا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله )).

فلما سمعوا هذا الكلام تعجبوا وتركوه وانصرفوا.

في ذلك اليوم دنا إليه بعض الصدوقيين، وهم الذين يقولون بأنه لا قيامة وسألوه:

((يا معلم، قال موسى: إن مات أحد ليس له ولد، فليتزوج أخوه امرأته ويقم نسلا لأخيه.

وكان عندنا سبعة إخوة، فتزوج الأول وتوفي ولم يكن له نسل فترك امرأته لأخيه.

ومثله الثاني والثالث حتى السابع.

ثم ماتت المرأة من بعدهم جميعا.

ففي القيامة لأي من السبعة تكون امرأة؟ فقد كانت لهم جميعا )).

فأجابهم يسوع: ((أنتم في ضلال لأنكم لا تعرفون الكتب ولا قدرة الله.

ففي القيامة لا الرجال يتزوجون، ولا النساء يزوجن، بل يكونون مثل الملائكة في السماء.

وأما قيامة الأموات، أفما قرأتم ما قال الله لكم:

((أنا إله إبراهيم، وإله إسحق، وإله يعقوب )). وما كان إله أموات، بل إله أحياء )).

وسمعت الجموع كلامه، فأعجبت بتعليمه.

وبلغ الفريسيين أنه أفحم الصدوقيين فاجتمعوا معا.

فسأله واحد منهم ليحرجه:

((يا معلم، ما هي الوصية الكبرى في الشريعة ؟ ))

فقال له: ((أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك.

تلك هي الوصية الكبرى والأولى.

والثانية مثلها: أحبب قريبك حبك لنفسك.

بهاتين الوصيتين ترتبط الشريعة كلها والأنبياء )).

وبينما الفريسيون مجتمعون سألهم يسوع:

((ما رأيكم في المسيح ؟ ابن من هو؟ ((قالوا له: ((ابن داود ((.

قال لهم: ((فكيف يدعوه داود ربا بوحي من الروح فيقول:

((قال الرب لربي: إجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك تحت قدميك )).

فإذا كان داود يدعوه ربا، فكيف يكون ابنه؟ ))

فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة، ولا جرؤ أحد منذ ذلك اليوم أن يسأله عن شيء.

وكلم يسوع الجموع وتلاميذه قال:

((إن الكتبة و الفريسيين على كرسي موسى جالسون،

فافعلوا ما يقولون لكم واحفظوه. ولكن أفعالهم لا تفعلوا، لأنهم يقولون ولا يفعلون:

يحزمون أحمالا ثقيلة ويلقونها على أكتاف الناس، ولكنهم يأبون تحريكها بطرف الإصبع.

وجميع أعمالهم يعملونها لينظر الناس إليهم: يعرضون عصائبهم ويطولون أهدابهم

ويحبون المقعد الأول في المآدب، وصدور المجالس في المجامع،

وتلقي التحيات في الساحات، وأن يدعوهم الناس ((رابي )).

((أما أنتم فلا تدعوا أحدا يدعوكم ((رابي ))، لأن لكم معلما واحدا وأنتم جميعا إخوة.

ولا تدعوا أحدا أبا لكم في الأرض، لأن لكم أبا واحدا هو الآب السماوي.

ولا تدعوا أحدا يدعوكم مرشدا، لأن لكم مرشدا واحدا وهو المسيح.

وليكن أكبركم خادما لكم.

فمن رفع نفسه وضع، ومن وضع نفسه رفع.

((الويل لكم أيها الكتبة و الفريسيون المراؤون، فإنكم تقفلون ملكوت السموات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون، و لا الذين يريدون الدخول تدعونهم يدخلون.

((الويل لكم أيها الكتبة و الفريسيون المراؤون، فإنكم تقفلون ملكوت السموات في وجوه الناس، فلا أنتم تدخلون، و لا الذين يريدون الدخول تدعونهم يدخلون.

الويل لكم أيها الكتبة و الفريسيون المراؤون، فإنكم تجوبون البحر والبر لتكسبوا دخيلا واحدا، فإذا أصبح دخيلا، جعلتموه يستوجب جهنم ضعف ما أنتم تستحقون.

الويل لكم أيها القادة العميان، فإنكم تقولون: ((من حلف بالمقدس فليس هذا بشيء، ومن حلف بذهب المقدس فهو ملزم )).

أيها الجهال العميان، أيما أعظم ؟ الذهب أم المقدس الذي قدس الذهب؟

وتقولون: ((من حلف بالمذبح فليس هذا بشيء، ومن حلف بالقربان الذي على المذبح فهو ملزم )).

أيها العميان، أيما أعظم؟ القربان أم المذبح الذي يقدس القربان؟

فمن حلف بالمذبح حلف به وبكل ما عليه،

ومن حلف بالمقدس حلف به وبالساكن فيه،

ومن حلف بالسماء حلف بعرش الله وبالجالس عليه.

الويل لكم أيها الكتبة و الفريسيون المراؤون فإنكم تؤدون عشر النعنع والشمرة والكمون، بعدما أهملتم أهم ما في الشريعة: العدل والرحمة والأمانة. فهذا ما كان يجب أن تعملوا به من دون أن تهملوا ذاك.

أيها القادة العميان، يا أيها الذين يصفون الماء من البعوضة ويبتلعون الجمل.

الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، فإنكم تطهرون ظاهر الكأس والصحن، وداخلهما ممتلئ من حصيلة النهب والطمع.

أيها الفريسي الأعمى، طهر أولا داخل الكأس، ليصير الظاهر أيضا طاهرا.

الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، فإنكم أشبه بالقبور المكلسة، يبدو ظاهرها جميلا، وأما داخلها فممتلئ من عظام الموتى وكل نجاسة.

وكذلك أنتم، تبدون في ظاهركم للناس أبرارا، وأما باطنكم فممتلئ رياء وإثما.

الويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون، فإنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون ضرائح الصديقين

وتقولون: لو عشنا في أيام آبائنا، لما شاركناهم في دم الأنبياء.

فأنتم تشهدون على أنفسكم بأنكم أبناء قتلة الأنبياء.

فاملأوا أنتم مكيال آبائكم.

أيها الحيات أولاد الأفاعي، كيف لكم أن تهربوا من عقاب جهنم؟

من أجل ذلك هاءنذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فبعضهم تقتلون وتصلبون، وبعضهم في مجامعكم تجلدون ومن مدينة إلى مدينة تطاردون،

حتى يقع عليكم كل دم زكي سفك في الأرض، من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن بركيا الذي قتلتموه بين المقدس والمذبح.

الحق أقول لكم: إن هذا كله سيقع على هذا الجيل.

أورشليم أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم مرة أردت أن أجمع أبناءك، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها! فلم تريدوا.

هوذا بيتكم يترك لكم قفرا.

فإني أقول لكم: لا ترونني بعد اليوم حتى تقولوا: ((تبارك الآتي باسم الرب )).

وخرج يسوع من الهيكل، فدنا إليه تلاميذه، وهو سائر، يستوقفون نظره على أبنية الهيكل.

فأجابهم: ((أترون هذا كله؟ الحق أقول لكم: لن يترك هنا حجر على حجر، من غير أن ينقض )).

وبينما هو جالس في جبل الزيتون، دنا منه تلاميذه فانفردوا به وسألوه: ((قل لنا متى تكون هذه الأمور وما علامة مجيئك ونهاية العالم؟ )).

فأجابهم يسوع: ((إياكم أن يضلكم أحد!

فسوف يأتي كثير من الناس منتحلين اسمي يقولون: ((أنا هو المسيح ))ويضلون أناسا كثيرين.

وستسمعون بالحروب وبإشاعات عن الحروب. فإياكم أن تفزعوا، فلا بد من حدوثها، ولكن لا تكون النهاية عندئذ

فستقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة، وتحدث مجاعات وزلازل في أماكن كثيرة.

وهذا كله بدء المخاض.

((وستسلمون عندئذ إلى الضيق وتقتلون، ويبغضكم جميع الوثنيين من أجل اسمي.

فيعثر أناس كثيرون. ويسلم بعضهم بعضا ويتباغضون.

ويظهر كثير من الأنبياء الكذابين ويضلون أناسا كثيرين.

ويزداد الإثم، فتفتر المحبة في أكثر الناس

والذي يثبت إلى النهاية فذاك الذي يخلص.

وستعلن بشارة الملكوت هذه في المعمور كله شهادة لدى الوثنيين أجمعين، وحينئذ تأتي النهاية.

((فإذا رأيتم المخرب الشنيع الذي تكلم عليه النبي دانيال قائما في المكان المقدس (ليفهم القارئ)،

فليهرب إلى الجبال من كان عندئذ في اليهودية.

ومن كان على السطح، فلا ينزل ليأخذ ما في بيته.

ومن كان في الحقل، فلا يرتد إلى الوراء ليأخذ رداءه.

الويل للحوامل والمرضعات في تلك الأيام.

صلوا لئلا يكون هربكم في الشتاء أو في السبت.

فستحدث عندئذ شدة عظيمة لم يحدث مثلها منذ بدء الخليقة إلى اليوم، ولن يحدث.

ولو لم تقصر تلك الأيام، لما نجا أحد من البشر. ولكن من أجل المختارين، ستقصر تلك الأيام.

فإذا قال لكم عندئذ أحد من الناس: ((ها هوذا المسيح هنا ))بل ((هنا ))، فلا تصدقوه.

فسيظهر مسحاء دجالون وأنبياء كذابون، يأتون بآيات عظيمة وأعاجيب حتى إنهم يضلون المختارين أنفسهم لو أمكن الأمر.

فها إني قد أنبأتكم.

((فإن قيل لكم: ((ها هوذا في البرية ))، فلا تخرجوا إليها، أو ها هوذا في المخابئ، فلا تصدقوا.

وكما أن البرق يخرج من المشرق ويلمع حتى المغرب، فكذلك يكون مجيء ابن الإنسان.

وحيث تكون الجيفة تتجمع النسور.

وعلى أثر الشدة في تلك الأيام، تظلم الشمس، والقمر لا يرسل ضوءه، وتتساقط النجوم من السماء، وتتزعزع قوات السموات.

وتظهر عندئذ في السماء آية ابن الإنسان. فتنتحب جميع قبائل الأرض، وترى ابن الإنسان آتيا على غمام السماء في تمام العزة والجلال.

ويرسل ملائكته ومعهم البوق الكبير، فيجمعون الذين اختارهم من جهات الرياح الأربع، من أطراف السموات إلى أطرافها الأخرى.

((من التينة خذوا العبرة: فإذا لانت أغصانها ونبتت أوراقها، علمتم أن الصيف قريب.

وكذلك أنتم، إذا رأيتم هذه الأمور كلها، فاعلموا أن ابن الإنسان قريب على الأبواب.

الحق أقول لكم: لن يزول هذا الجيل حتى تحدث هذه الأمور كلها.

السماء والأرض تزولان، وكلامي لن يزول.

فأما ذلك اليوم وتلك الساعة، فما من أحد يعلمها، لا ملائكة السموات ولا الابن إلا الآب وحده.

((وكما كان الأمر في أيام نوح، فكذلك يكون عند مجيء ابن الإنسان.

فكما كان الناس، في الأيام التي تقدمت الطوفان، يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوجون بناتهم، إلى يوم دخل نوح السفينة،

وما كانوا يتوقعون شيئا، حتى جاء الطوفان فجرفهم أجمعين، فكذلك يكون مجيء ابن الإنسان:

يكون عندئذ رجلان في الحقل، فيقبض أحدهما ويترك الآخر.

وتكون امرأتان تطحنان بالرحى فتقبض إحداهما وتترك الأخرى.

فاسهروا إذا، لأنكم لا تعلمون أي يوم يأتي ربكم.

وتعلمون أنه لو عرف رب البيت أي ساعة من الليل يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ينقب.

لذلك كونوا أنتم أيضا مستعدين، ففي الساعة التي لا تتوقعونها يأتي ابن الإنسان.

((فمن تراه الخادم الأمين العاقل، الذي أقامه سيده على أهل بيته، ليعطيهم الطعام في وقته؟

طوبى لذلك الخادم الذي إذا جاء سيده وجده منصرفا إلى عمله هذا!

الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله.

أما إذا قال الخادم الشرير هذا في قلبه: ((إن سيدي يبطئ ))،

وأخذ يضرب أصحابه، ويأكل ويشرب مع السكيرين،

فيأتي سيد ذلك الخادم في يوم لا يتوقعه، وساعة لا يعلمها،

فيفصله ويجزيه جزاء المنافقين، وهناك البكاء وصريف الأسنان.

((عندئذ يكون مثل ملكوت السموات كمثل عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس،

خمس منهن جاهلات، وخمس عاقلات.

فأخذت الجاهلات مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتا.

وأما العاقلات، فأخذن مع مصابيحهن زيتا في آنية.

وأبطأ العريس، فنعسن جميعا ونمن.

وعند نصف الليل، علا الصياح: ((هوذا العريس! فاخرجن للقائه! ))

فقام أولئك العذارى جميعا وهيأن مصابيحهن.

فقالت الجاهلات للعاقلات: ((أعطيننا من زيتكن، فإن مصابيحنا تنطفئ )).

فأجابت العاقلات: ((لعله غير كاف لنا ولكن، فالأولى أن تذهبن إلى الباعة وتشترين لكن )).

وبينما هن ذاهبات ليشترين، وصل العريس، فدخلت معه المستعدات إلى ردهة العرس وأغلق الباب.

وجاءت آخر الأمر سائر العذراى فقلن: ((يا رب، يا رب، افتح لنا )).

فأجاب: ((الحق أقول لكن: إني لا أعرفكن! ))

فاسهروا إذا، لأنكم لا تعلمون اليوم ولا الساعة.

((فمثل ذلك كمثل رجل أراد السفر، فدعا خدمه وسلم إليهم أمواله.

فأعطى أحدهم خمس وزنات والثاني وزنتين والآخر وزنة واحدة، كلا منهم على قدر طاقته، وسافر.

فأسرع الذي أخذ الوزنات الخمس إلى المتاجرة بها فربح خمس وزنات غيرها.

و كذلك الذي أخذ الوزنتين فربح وزنتين غيرهما.

وأما الذي أخذ الوزنة الواحدة، فإنه ذهب وحفر حفرة في الأرض ودفن مال سيده.

وبعد مدة طويلة، رجع سيد أولئك الخدم وحاسبهم.

فدنا الذي أخذ الوزنات الخمس، وأدى معها خمس وزنات وقال: ((يا سيد، سلمت إلي خمس وزنات، فإليك معها خمس وزنات ربحتها )).

فقال له سيده: ((أحسنت أيها الخادم الصالح الأمين! كنت أمينا على القليل، فسأقيمك على الكثير: أدخل نعيم سيدك )).

ثم دنا الذي أخذ الوزنتين فقال: ((يا سيد، سلمت إلي وزنتين، فإليك معهما وزنتين ربحتهما )).

فقال له سيده: ((أحسنت أيها الخادم الصالح الأمين! كنت أمينا على القليل، فسأقيمك على الكثير: أدخل نعيم سيدك )).

ثم دنا الذي أخذ الوزنة الواحدة فقال: ((يا سيد، عرفتك رجلا شديدا تحصد من حيث لم تزرع، وتجمع من حيث لم توزع،

فخفت وذهبت فدفنت وزنتك في الأرض، فإليك مالك )).

فأجابه سيده: ((أيها الخادم الشرير الكسلان! عرفتني أحصد من حيث لم أزرع، وأجمع من حيث لم أوزع،

فكان عليك أن تضع مالي عند أصحاب المصارف، وكنت في عودتي أسترد مالي مع الفائدة.

فخذوا منه الوزنة وأعطوها للذي معه الوزنات العشر:

لأن كل من كان له شيء، يعطى فيفيض. ومن ليس له شيء، ينتزع منه حتى الذي له.

وذلك الخادم الذي لا خير فيه، ألقوه في الظلمة البرانية. فهناك البكاء وصريف الأسنان.

((وإذا جاء ابن الإنسان في مجده، تواكبه جميع الملائكة، يجلس على عرش مجده،

وتحشر لديه جميع الأمم، فيفصل بعضهم عن بعض، كما يفصل الراعي الخراف عن الجداء.

فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن شماله.

ثم يقول الملك للذين عن يمينه: ((تعالوا، يا من باركهم أبي، فرثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء العالم:

لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريبا فآويتموني،

وعريانا فكسوتموني، ومريضا فعدتموني، وسجينا فجئتم إلي )).

فيجيبه الأبرار: ((يا رب، متى رأيناك جائعا فأطعمناك أو عطشان فسقيناك ؟

ومتى رأيناك غريبا فآويناك أو عريانا فكسوناك ؟

ومتى رأيناك مريضا أو سجينا فجئنا إليك؟ ))

فيجيبهم الملك: ((الحق أقول لكم: كلما صنعتم شيئا من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه )).

ثم يقول للذين عن الشمال: ((إليكم عني، أيها الملاعين، إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته:

لأني جعت فما أطعمتموني، وعطشت فما سقيتموني،

وكنت غريبا فما آويتموني، وعريانا فما كسوتموني، ومريضا وسجينا فما زرتموني )).

فيجيبه هؤلاء أيضا: ((يا رب، متى رأيناك جائعا أو عطشان، غريبا أو عريانا، مريضا أو سجينا، وما أسعفناك؟ ))

فيجيبهم: ((الحق أقول لكم: أيما مرة لم تصنعوا ذلك لواحد من هؤلاء الصغار فلي لم تصنعوه )).

فيذهب هؤلاء إلى العذاب الأبدي، والأبرار إلى الحياة الأبدية )).

ولما أتم يسوع هذا الكلام كله، قال لتلاميذه:

((تعلمون أن الفصح يقع بعد يومين، فابن الإنسان يسلم ليصلب )).

واجتمع حينئذ عظماء الكهنة وشيوخ الشعب في دار عظيم الكهنة، وكان يدعى قيافا.

فأجمعوا على أن يمسكوا يسوع بحيلة ويقتلوه،

ولكنهم قالوا: ((لا في حفلة العيد، لئلا يحدث اضطراب في الشعب )).

وكان يسوع في بيت عنيا عند سمعان الأبرص.

فدنت منه امرأة ومعها قارورة طيب غالي الثمن، فأفاضته على رأسه وهو على الطعام.

فلما رأى التلاميذ ذلك، استاؤوا فقالوا: ((لم هذا الإسراف؟

فقد كان يمكن أن يباع غاليا، فيعطى الفقراء ثمنه )).

فشعر يسوع بأمرهم فقال لهم: ((لماذا تزعجون هذه المرأة ؟ فقد عملت لي عملا صالحا.

أما الفقراء فهم عندكم دائما أبدا، وأما أنا فلست عندكم دائما أبدا.

وإذا كانت قد أفاضت هذا الطيب على جسدي، فلأجل دفني صنعت ذلك.

الحق أقول لكم: حيثما تعلن هذه البشارة في العالم كله، يحدث بما صنعت إحياء لذكرها )).

فذهب أحد الاثني عشر، ذاك الذي يقال له يهوذا الإسخريوطي، إلى عظماء الكهنة

وقال لهم: ((ماذا تعطوني وأنا أسلمه إليكم؟ ))فجعلوا له ثلاثين من الفضة.

وأخذ من ذلك الحين يطلب فرصة ليسلمه.

وفي أول يوم من الفطير، دنا التلاميذ إلى يسوع وقالوا له: ((أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح؟ ))

فقال: ((اذهبوا إلى المدينة إلى فلان وقولوا له: يقول المعلم: إن أجلي قريب، وعندك أقيم الفصح مع تلاميذي )).

ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع وأعدوا الفصح.

ولما كان المساء، جلس للطعام مع الاثني عشر.

وبينما هم يأكلون، قال: ((الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني )).

فحزنوا حزنا شديدا، وأخذ يسأله كل منهم: ((أأنا هو، يا رب؟ ))

فأجاب: ((الذي غمس يده في الصحفة معي هو الذي يسلمني.

إن ابن الإنسان ماض، كما كتب في شأنه، ولكن الويل لذلك الإنسان الذي يسلم ابن الإنسان عن يده. فلو لم يولد ذلك الإنسان لكان خيرا له )).

فأجاب يهوذا الذي سيسلمه: ((أأنا هو، رابي؟ ))فقال له: ((هو ما تقول )).

وبينما هم يأكلون، أخذ يسوع خبزا وبارك ثم كسره وناوله تلاميذه وقال: ((خذوا فكلوا، هذا هو جسدي )).

ثم أخذ كأسا وشكر وناولهم إياها قائلا: ((اشربوا منها كلكم

فهذا هو دمي، دم العهد يراق من أجل جماعة الناس لغفران الخطايا.

أقول لكم: لن أشرب بعد الآن من عصير الكرمة هذا حتى ذلك اليوم الذي فيه أشربه معكم جديدا في ملكوت أبي )).

ثم سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون.

فقال لهم يسوع: ((سأكون لكم جميعا حجر عثرة في هذه الليلة، فقد كتب: ((سأضرب الراعي فتتبدد خراف القطيع )).

ولكن بعد قيامتي أتقدمكم إلى الجليل )).

فأجاب بطرس: ((إذا كنت لهم جميعا حجر عثرة، فلن تكون لي أنا حجر عثرة )).

فقال له يسوع: ((الحق أقول لك: في هذه الليلة، قبل أن يصيح الديك، تنكرني ثلاث مرات )).

فقال له بطرس: ((لست بناكرك وإن وجب علي أن أموت معك )). وهكذا قال التلاميذ كلهم.

ثم جاء يسوع معهم إلى ضيعة يقال لها جتسمانية، فقال للتلاميذ: ((أمكثوا هنا، ريثما أمضي وأصلي هناك )).

ومضى ببطرس وابني زبدى، وجعل يشعر بالحزن والكآبة.

فقال لهم: ((نفسي حزينة حتى الموت. أمكثوا هنا واسهروا معي )).

ثم أبعد قليلا وسقط على وجهه يصلي فيقول: ((يا أبت، إن أمكن الأمر، فلتبتعد عني هذه الكأس، ولكن لا كما أنا أشاء، بل كما أنت تشاء! ))

ثم رجع إلى التلاميذ فوجدهم نائمين، فقال لبطرس: ((أهكذا لم تقووا على السهر معي ساعة واحدة!

إسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة. الروح مندفع وأما الجسد فضعيف )).

ثم مضى ثانية وصلى فقال: ((يا أبت، إذا لم يكن ممكنا أن تبتعد عني هذه الكأس أو أشربها، فليكن ما تشاء )).

ثم رجع فوجدهم نائمين، لأن النعاس أثقل أعينهم.

فتركهم ومضى مرة أخرى وصلى ثالثة فردد الكلام نفسه.

ثم رجع إلى التلاميذ وقال لهم: ((ناموا الآن واستريحوا. ها قد اقتربت الساعة التي فيها يسلم ابن الإنسان إلى أيدي الخاطئين.

قوموا ننطلق! ها قد اقترب الذي يسلمني )).

وبينما هو يتكلم، إذا بيهوذا، أحد الاثني عشر، قد وصل ومعه عصابة كثيرة العدد تحمل السيوف والعصي، أرسلها عظماء الكهنة وشيوخ الشعب.

وكان الذي أسلمه قد جعل لهم علامة إذ قال: ((هو ذاك الذي أقبله، فأمسكوه )).

ودنا من وقته إلى يسوع وقال: ((السلام عليك، ((رابي ))، وقبله.

فقال له يسوع: ((يا صديقي، إفعل ما جئت له )). فدنوا وبسطوا أيديهم إلى يسوع وأمسكوه.

وإذا واحد من الذين مع يسوع قد مد يده إلى سيفه، فاستله وضرب خادم عظيم الكهنة، فقطع أذنه.

فقال له يسوع: ((إغمد سيفك، فكل من يأخذ بالسيف بالسيف يهلك.

أوتظن أنه لا يمكنني أن أسأل أبي، فيمدني الساعة بأكثر من اثني عشر فيلقا من الملائكة؟

ولكن كيف تتم الكتب التي تقول إن هذا ما يجب أن يحدث؟ )).

في تلك الساعة قال يسوع للجموع: ((أعلى لص خرجتم تحملون السيوف والعصي لتقبضوا علي؟ كنت كل يوم أجلس في الهيكل أعلم، فلم تمسكوني.

وإنما حدث ذلك كله لتتم كتب الأنبياء )). فتركه التلاميذ كلهم وهربوا.

وأما الذين أمسكوا يسوع، فإنهم ذهبوا به إلى قيافا عظيم الكهنة، وقد اجتمع عنده الكتبة والشيوخ.

وتبعه بطرس عن بعد إلى دار عظيم الكهنة، فدخلها وجلس مع الخدم ليرى الخاتمة.

وكان عظماء الكهنة والمجلس كافة يطلبون شهادة زور على يسوع ليحكموا عليه بالموت،

فلم يجدوا، مع أنه مثل بين أيديهم من شهود الزور عدد كثير. ومثل آخر الأمر شاهدان

فقالا: ((هذا الرجل قال: إني لقادر على نقض هيكل الله وبنائه في ثلاثة أيام )).

فقام عظيم الكهنة وقال له: ((أما تجيب بشيء؟ ما هذا الذي يشهد به هذان عليك؟ ))

فظل يسوع صامتا. فقال له عظيم الكهنة: ((أستحلفك بالله الحي لتقولن لنا هل أنت المسيح ابن الله ))

فقال له يسوع: ((هو ما تقول، وأنا أقول لكم: سترون بعد اليوم ابن الإنسان جالسا عن يمين القدير وآتيا على غمام السماء )).

فشق عظيم الكهنة ثيابه وقال: ((لقد جدف، فما حاجتنا بعد ذلك إلى الشهود؟ ها قد سمعتم التجديف.

فما رأيكم؟ ))فأجابوه: ((يستوجب الموت )).

فبصقوا في وجهه ولكموه، ومنهم من لطمه،

وقالوا: ((تنبأ لنا أيها المسيح. من ضربك؟ )).

وكان بطرس جالسا في خارج الدار، في ساحتها فدنت إليه جارية وقالت: ((وأنت أيضا كنت مع يسوع الجليلي )).

فأنكر أمام جميع الحاضرين قال: ((لا أدري ما تقولين )).

ثم مضى إلى الباب الكبير، فرأته جارية أخرى فقالت لمن كانوا هناك: ((هذا الرجل كان مع يسوع الناصري! ))

فأنكر ثانيا وحلف قال: ((إني لا أعرف هذا الرجل )).

وبعد قليل دنا الحاضرون وقالوا لبطرس: ((حقا أنت أيضا منهم، فإن لهجتك تفضح أمرك )).

فأخذ يلعن ويحلف قال: ((إني لا أعرف هذا الرجل )). فصاح الديك عندئذ،

فتذكر بطرس كلمة يسوع إذ قال: ((قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات ))، فخرج من ساحة الدار وبكى بكاء مرا.

ولما كان الفجر، عقد جميع عظماء الكهنة وشيوخ الشعب مجلس شورى في أمر يسوع ليحكموا عليه بالموت.

ثم أوثقوه وساقوه وسلموه إلى الحاكم بيلاطس.

فلما رأى يهوذا الذي أسلمه أن قد حكم عليه، ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى عظماء الكهنة والشيوخ

وقال: ((خطئت إذ أسلمت دما بريئا )). فقالوا له: ((ما لنا ولهذا الأمر؟ أنت وشأنك فيه )).

فألقى الفضة عند المقدس وانصرف، ثم ذهب فشنق نفسه.

فأخذ عظماء الكهنة الفضة وقالوا: ((لا يحل وضعها في الخزانة لأنها ثمن دم )).

فتشاوروا واشتروا بها حقل الخزاف مقبرة للغرباء.

ولهذا يقال لذلك الحقل إلى اليوم حقل الدم.

فتم ما قيل على لسان النبي إرميا: ((وأخذوا الثلاثين من الفضة وهي ثمن المثمن ثمنه بها بنو إسرائيل

وأدوها عن حقل الخزاف. هكذا أمرني الرب )).

ومثل يسوع في حضرة الحاكم، فسأله الحاكم: ((أأنت ملك اليهود؟ ))فقال يسوع: ((هو ما تقول )).

وكان عظماء الكهنة والشيوخ يتهمونه فلا يجيب بشيء.

فقال له بيلاطس: ((أما تسمع بكم من الأمور يشهدون عليك؟ ))

فلم يجبه عن أي منها حتى تعجب الحاكم كثيرا.

وكان من عادة الحاكم في كل عيد أن يطلق للجمع سجينا، أي واحد أرادوا.

وكان عندهم إذ ذاك سجين شهير يقال له يسوع برأبا.

فبينما هم مجتمعون، قال لهم بيلاطس: ((من تريدون أن أطلق لكم ؟ أيسوع برأبا أم يسوع الذي يقال له المسيح؟ ))

وكان يعلم أنهم من حسدهم أسلموه.

وبينما هو جالس على كرسي القضاء، أرسلت إليه امرأته تقول: ((دعك وهذا البار، لأني عانيت اليوم في الحلم آلاما شديدة بسببه )).

ولكن عظماء الكهنة والشيوخ أقنعوا الجموع بأن يطلبوا برأبا ويهلكوا يسوع.

فقال لهم الحاكم: ((أيهما تريدون أن أطلق لكم؟ ))فقالوا: ((برأبا )).

قال لهم بيلاطس: ((فماذا أفعل بيسوع الذي يقال له المسيح؟ ))قالوا جميعا: ((ليصلب! ))

قال لهم: ((فأي شر فعل؟ )). فبالغوا في الصياح: ((ليصلب! ))

فلما رأى بيلاطس أنه لم يستفد شيئا، بل ازداد الاضطراب، أخذ ماء وغسل يديه بمرأى من الجمع وقال: ((أنا بريء من هذا الدم، أنتم وشأنكم فيه )).

فأجاب الشعب بأجمعه: ((دمه علينا وعلى أولادنا! ))

فأطلق لهم برأبا، أما يسوع فجلده، ثم أسلمه ليصلب.

فمضى جنود الحاكم بيسوع إلى دار الحاكم وجمعوا عليه الكتيبة كلها،

فجردوه من ثيابه وجعلوا عليه رداء قرمزيا،

وضفروا إكليلا من شوك ووضعوه على رأسه، وجعلوا في يمينه قصبة، ثم جثوا أمامه وسخروا منه فقالوا: ((السلام عليك يا ملك اليهود )).

وبصقوا عليه وأخذوا القصبة وجعلوا يضربونه بها على رأسه.

وبعد ما سخروا منه نزعوا عنه الرداء، وألبسوه ثيابه وساقوه ليصلب.

وبينما هم خارجون، صادفوا رجلا قيرينيا اسمه سمعان، فسخروه أن يحمل صليب يسوع.

ولما وصلوا إلى المكان الذي يقال له جلجثة، أي مكان الجمجمة،

ناولوه خمرا ممزوجة بمرارة ليشربها. فذاقها وأبى أن يشربها.

فصلبوه ثم اقتسموا ثيابه مقترعين عليها.

وجلسوا هناك يحرسونه.

ووضعوا فوق رأسه علة الحكم عليه كتب فيها: ((هذا يسوع ملك اليهود )).

ثم صلب معه لصان، أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال.

وكان المارة يشتمونه وهم يهزون رؤوسهم

ويقولون: ((يا أيها الذي ينقض الهيكل ويبنيه في ثلاثة أيام، خلص نفسك إن كنت ابن الله، فانزل عن الصليب )).

وكذلك كان عظماء الكهنة يسخرون فيقولون مع الكتبة والشيوخ:

((خلص غيره، ولا يقدر أن يخلص نفسه! هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به.

إتكل على الله، فلينقذه الآن، إن كان راضيا عنه، فقد قال: أنا ابن الله )).

وكان اللصان المصلوبان معه هما أيضا يعيرانه مثل ذلك.

وخيم الظلام على الأرض كلها من الظهر إلى الساعة الثالثة،

ونحو الساعة الثالثة صرخ يسوع صرخة شديدة قال: ((إيلي إيلي لما شبقتاني؟ ))أي: ((إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟ )).

فسمع بعض الحاضرين هناك فقالوا: إنه يدعو إيليا.

فأسرع واحد منهم لوقته وأخذ إسفنجة فبللها بالخل، وجعلها على طرف قصبة وسقاه.

فقال سائر الحاضرين: ((دعنا ننظر هل يأتي إيليا فيخلصه! ))

وصرخ أيضا يسوع صرخة شديدة، ولفظ الروح.

وإذا حجاب المقدس قد انشق شطرين من الأعلى إلى الأسفل، وزلزلت الأرض وتصدعت الصخور،

وتفتحت القبور، فقام كثير من أجساد القديسين الراقدين،

وخرجوا من القبور بعد قيامته، فدخلوا المدينة المقدسة وتراءوا لأناس كثيرين.

وأما قائد المائة والرجال الذين كانوا معه يحرسون يسوع، فإنهم لما رأوا الزلزال وما حدث، خافوا خوفا شديدا وقالوا: ((كان هذا ابن الله حقا )).

وكان هناك كثير من النساء ينظرن عن بعد، وهن اللواتي تبعن يسوع من الجليل ليخدمنه،

منهن مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسف، وأم ابني زبدى.

وجاء عند المساء رجل غني من الرامة اسمه يوسف وكان هو أيضا قد تتلمذ ليسوع.

فذهب إلى بيلاطس وطلب جثمان يسوع. فأمر بيلاطس بأن يسلم إليه.

فأخذ يوسف الجثمان ولفه في كتان خالص،

ووضعه في قبر له جديد كان قد حفره في الصخر، ثم دحرج حجرا كبيرا على باب القبر وانصرف.

وكانت هناك مريم المجدلية ومريم الأخرى جالستين تجاه القبر.

وفي الغد، أي بعد يوم التهيئة للسبت، ذهب عظماء الكهنة و الفريسيون معا إلى بيلاطس

وقالوا له: يا سيد، تذكرنا أن ذاك المضلل قال إذ كان حيا: سأقوم بعد ثلاثة أيام.

فمر بأن يحفظ القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه فيسرقوه ويقولوا للشعب: قام من بين الأموات، فيكون التضليل الآخر أسوأ من الأول )).

فقال لهم بيلاطس: ((عندكم حرس، فاذهبوا واحفظوه كما ترون )).

فذهبوا وحفظوا القبر، فختموا الحجر وأقاموا عليه حرسا.

ولما انقضى السبت وطلع فجر يوم الأحد، جاءت مريم المجدلية ومريم الأخرى تنظران القبر.

فإذا زلزال شديد قد حدث. ذلك بأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء إلى الحجر فدحرجه وجلس عليه.

وكان منظره كالبرق ولباسه أبيض كالثلج.

فارتعد الحرس خوفا منه وصاروا كالأموات.

فقال الملاك للمرأتين: ((لا تخافا أنتما. أنا أعلم أنكما تطلبان يسوع المصلوب.

إنه ليس ههنا، فقد قام كما قال. تعاليا فانظرا الموضع الذي كان قد وضع فيه.

وأسرعا في الذهاب إلى تلاميذه وقولا لهم: إنه قام من بين الأموات، وها هوذا يتقدمكم إلى الجليل، فهناك ترونه. ها إني قد بلغتكما )).

فتركتا القبر مسرعتين وهما في خوف وفرح عظيم، وبادرتا إلى التلاميذ تحملان البشرى.

وإذا يسوع قد جاء للقائهما فقال لهما: ((السلام عليكما ! ))فتقدمتا وأمسكتا قدميه ساجدتين له.

فقال لهما يسوع: ((لا تخافا ! إذهبا فبلغا إخوتي أن يمضوا إلى الجليل، فهناك يرونني )).

وبينما هما ذاهبتان جاء بعض رجال الحرس إلى المدينة، وأخبروا عظماء الكهنة بكل ما حدث.

فاجتمعوا هم والشيوخ، وبعدما تشاوروا أعطوا الجنود مالا كثيرا،

وقالوا لهم: ((قولوا إن تلاميذه جاؤوا ليلا فسرقوه ونحن نائمون.

وإذا بلغ الخبر إلى الحاكم، أرضيناه ودفعنا الأذى عنكم )).

فأخذوا المال وفعلوا كما لقنوهم، فانتشرت هذه الرواية بين اليهود إلى اليوم.

وأما التلاميذ الأحد عشر، فذهبوا إلى الجليل، إلى الجبل الذي أمرهم يسوع أن يذهبوا إليه.

فلما رأوه سجدوا له، ولكن بعضهم ارتابوا.

فدنا يسوع وكلمهم قال: ((إني أوليت كل سلطان في السماء والأرض.

فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس،

وعلموهم أن يحفظوا كل ما أوصيتكم به، وهاءنذا معكم طوال الأيام إلى نهاية العالم )).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *