رسالة القديس يعقوب الرسول

رسالة القديس يعقوب الرسول

من يعقوب عبد الله والرب يسوع المسيح إلى المشتتين من الأسباط الاثني عشر، سلام!

أنظروا يا إخوتي إلى ما يصيبكم من مختلف المحن نظركم إلى دواعي الفرح الخالص.

فأنتم تعلمون أن امتحان إيمانكم يلد الثبات،

وليكن الثبات فعالا على وجه كامل، لتكونوا كاملين سالمين لا نقص فيكم.

وإن كان أحد منكم تنقصه الحكمة فليطلبها عند الله يعطها، لأنه يعطي جميع الناس بلا حساب ولا عتاب.

فليطلبها بإيمان من غير أن يرتاب، لأن المرتاب يشبه موج البحر إذا لعبت به الريح فهاجته.

ولا يظنن ذلك الرجل أنه ينال من الرب شيئا،

فهو رجل ذو نفسين لا يقر له قرار في طرقه كلها.

ليفتخر الأخ الوضيع برفعته

والغني بضعته، لأنه كزهر العشب يزول.

فقد أشرقت الشمس واشتدت حرارتها وأيبست العشب، فسقط زهره وذهب رونقه. كذلك يذبل الغني في مساعيه.

طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة! لأنه سيخرج مزكى فينال إكليل الحياة الذي وعد به من يحبونه.

إذا جرب أحد فلا يقل: (( إن الله يجربني )). إن الله لا يجربه الشر ولا يجرب أحدا،

في حين أن لكل إنسان شهوة تجربه فتفتنه وتغويه.

والشهوة إذا حبلت ولدت الخطيئة، والخطيئة إذا تم أمرها خلفت الموت.

لا تضلوا يا إخوتي الأحباء,

فكل عطية صالحة وكل هبة كاملة تنزل من عل من عند أبي الأنوار. وهو لا تبدل فيه ولا شبه تغير.

شاء أن يلدنا بكلمة الحق لنكون كمثل باكورة لخلائقه.

لا يخفى عليكم شيء ، يا إخوتي الأحباء، ومع ذلك فعلى كل إنسان أن يكون سريعا إلى الاستماع بطيئا عن الكلام ، بطيئا عن الغضب,

لأن غضب الإنسان لا يعمل لبر الله.

فألقوا عنكم كل دنس وكل ما يفيض من شر، وتقبلوا بوداعة الكلمة المغروسة فيكم والقادرة على خلاص نفوسكم.

وكونوا ممن يعملون بهذه الكلمة، لا ممن يكتفون بسماعها فيخدعون أنفسهم.

فمن يسمع الكلمة ولا يعمل بها يشبه رجلا ينظر في المرآة صورة وجهه.

فما إن نظر إلى نفسه ومضى حتى نسي كيف كان.

وأما الذي أكب على الشريعة الكاملة، شريعة الحرية، ولزمها، لا شأن من يسمع ثم ينسى، بل شأن من يعمل، فذاك الذي سيكون سعيدا في عمله.

من ظن أنه دين ولم يلجم لسانه، بل خدع قلبه، كان تدينه باطلا.

إن التدين الطاهر النقي عند الله الآب هو افتقاد الأيتام والأرامل في شدتهم وصيانة الإنسان نفسه من العالم ليكون بلا دنس.

يا إخوتي، لا تجمعوا بين مراعاة الأشخاص والإيمان بربنا يسوع المسيح، له المجد.

فإذا دخل مجمعكم رجل بإصبعه خاتم من ذهب وعليه ثياب بهية، ودخل أيضا فقير عليه ثياب وسخة،

فالتفتم إلى صاحب الثياب البهية وقلتم له: (( اجلس أنت ههنا في الصدر ))، وقلتم للفقير: (( أنت قف )) أو (( اجلس عند موطئ قدمي ))،

أفلا تكونون قد ميزتم في أنفسكم وصرتم قضاة ساءت أفكارهم؟

إسمعوا، يا إخوتي الأحباء: أليس الله اختار الفقراء في نظر الناس فجعلهم أغنياء بالإيمان وورثة للملكوت الذي وعد به من يحبونه؟

وأنتم أهنتم الفقير! أليس الأغنياء هم الذين يظلمونكم ويسوقونكم إلى المحاكم؟

أوليس هم الذين يجدفون على الاسم الحسن الذي ذكر عليكم؟

فإذا عملتم بالشريعة السامية الني نص عليها الكتاب، وهي: (( أحبب قريبك حبك لنفسك ))، تحسنون عملا.

وأما إذا راعيتم الأشخاص فترتكبون خطيئة وتثبت الشريعة عليكم أنكم من المخالفين.

فمن حفظ الشريعة كلها وزل في أمر واحد منها أخطأ بها جميعا،

لأن الذي قال: (( لا تزن )) قال أيضا: (( لا تقتل )). فإذا لم تزن ولكنك قتلت، كنت مخالفا للشريعة.

تكلموا واعملوا مثل من سيدان بشريعة الحرية،

لأن الدينونة لا رحمة فيها لمن لم يرحم، فالرحمة تستخف بالدينونة.

ماذا ينفع، يا إخوتي، أن يقول أحد إنه يؤمن، إن لم يعمل؟ أبوسع الإيمان أن يخلصه؟

فإن كان فيكم أخ عريان أو أخت عريانة ينقصهما قوت يومهما،

وقال لهما أحدكم: ((اذهبا بسلام فاستدفئا واشبعا )) ولم تعطوهما ما يحتاج إليه الجسد، ماذا ينفع قولكم؟

وكذلك الإيمان، فإن لم يقترن بالأعمال كان ميتا في حد ذاته.

ورب قائل يقول: (( أنت لك الإيمان وأنا لي الأعمال )). فأرني إيمانك من غير أعمال، أرك أنا إيماني بأعمالي.

أنت تؤمن بأن الله أحد، فقد أحسنت. والشياطين هي أيضا تؤمن به وترتعد.

أتريد أن تعلم، أيها الأبله، أن الإيمان من غير أعمال شيء عقيم؟

أما برر أبونا إبراهيم بالأعمال إذ قرب ابنه إسحق على المذبح؟

ترى أن الإيمان ساهم في أعماله وأنه بالأعمال اكتمل الإيمان،

فتمت الآية التي ورد فيها: (( إن إبراهيم آمن بالله فحسب له ذلك برا ودعي خليل الله )).

ترون أن الإنسان يبرر بالأعمال لا بالأعمال لا بالإيمان وحده.

وهكذا راحاب البغي: أما بررت بالأعمال لأنها أضافت الرسولين، ثم صرفتهما في طريق آخر؟

فكما أن الجسد بلا روح ميت فكذلك الإيمان بلا أعمال ميت.

لا يكثرن فيكم يا إخوتي عدد المعلمين. فأنتم تعلمون أننا سنلقى في ذلك أشد دينونة.

وما أكثر ما نزل نحن جميعا. وإذا كان أحد لا يزل في كلامه، فهو إنسان كامل قادر على إلجام جميع جسده.

فحين نضع اللجام في أفواه الخيل لتخضع لنا، نقود به جسمها كله.

وانظروا أيضا إلى السفن، فإنها على ضخامتها وشدة الرياح التي تدفعها تقودها دفة صغيرة إلى حيث يشاء الربان.

وهكذا اللسان، فإنه عضو صغير ومن شأنه أن يفاخر بالأشياء العظيمة. أنظروا ما أصغر النار التي تحرق غابة كبيرة!

واللسان نار أيضا وعالم الإثم. اللسان بين أعضائنا يدنس الجسم كله ويحرق الطبيعة في سيرها ويحترق هو بنار جهنم.

تقهر الوحوش والطيور والزحافات والحيوانات البحرية على اختلاف أجناسها والنوع الإنساني يقهرها

وأما اللسان فلا يستطيع أحد من الناس أن يقهره. إنه بلية لا تضبط، ملؤه سم قاتل،

به نبارك الرب الاب وبه نلعن الناس المخلوقين على صورة الله.

من فم واحد تخرج البركة واللعنة. فيجب يا إخوتي ألا يكون الأمر كذلك.

أيفيض الينبوع بالعذب والمر من مجر ى واحد؟

أم يمكن يا إخوتي أن تثمر التينة زيتونا أو الكرمة تينا؟ إن الينبوع المالح لا يخرج الماء العذب.

أفيكم أحد ذو حكمة ودراية؟ فليظهر بحسن سيرته أن أعماله تصنع بوداعة تأتي من الحكمة

أما إذا كان في قلوبكم مرارة الحسد و المنازعة، فلا تفتخروا ولا تكذبوا على الحق.

فمثل هذه الحكمة لا تنزل من عل، وإنما هي حكمة دنيوية بشرية شيطانية.

فحيثما يكن الحسد والمنازعة، يكن الاضطراب ومختلف أعمال السوء.

وأما الحكمة التي تنزل من عل فهي طاهرة أولا، ثم مسالمة حليمة سمحة ملؤها رحمة وثمار صالحة، لا محاباة فيها ولا رياء.

ثمرة البر تزرع في السلام للذين يعملون للسلام.

من أين تأتي المخاصمات والمعارك بينكم؟ أما تأتي من أهوائكم التي تعترك في أعضائكم؟

تشتهون ولا تنالون، تقتلون وتحسدون، ولا تستطيعون الحصول على ما تريدون، فتخاصمون وتعتركون. لا تنالون لأنكم لا تسألون.

تسألون ولا تنالون لأنكم لا تحسنون السؤال لرغبتكم في الإنفاق على أهوائكم.

أيتها الزواني، ألا تعلمون أن صداقة العالم عداوة الله؟ فمن أراد أن يكون صديق العالم أقام نفسه عدو الله.

أم تحسبون أن الكتاب يقول عبثا: إن الله يشتاق شوق الغيرة إلى الروح الذي أسكنه فينا؟

بل هو يجود بنعمة أعظم، فإن الكتاب يقول: (( إن الله يكابر المتكبرين وينعم على المتواضعين )).

فاخضعوا لله وقاوموا إبليس يول عنكم هاربا.

اقتربوا من الله يقترب منكم. طهروا أيديكم أيها الخاطئون ونقوا قلوبكم يا ذوي النفسين.

أندبوا شقاءكم واحزنوا وابكوا. لينقلب ضحككم حزنا وفرحكم غما.

تواضعوا بين يدي ربكم فيرفعكم.

لا يقولن بعضكم السوء على بعض، أيها الإخوة، لأن الذي يقول السوء على أخيه أو يدين أخاه يقول السوء على الشريعة ويدين الشريعة. فإذا دنت الشريعة لم تكن لها حافظا، بل ديان.

ليس هناك إلا مشترع واحد وديان واحد، وهو القادر على أن يخلص ويهلك. فمن أنت لتدين القريب؟

يا أيها الذين يقولون: (( سنذهب اليوم أو غدا إلى هذه المدينة أو تلك فنقيم فيها سنة نتاجر ونربح ))،

أنتم لا تعلمون ما تكون حياتكم غدا. فإنكم بخار يظهر قليلا ثم يزول.

هلا قلتم: (( إن شاء الله، نعيش ونفعل هذا أو ذاك ))!

ولكنكم تباهون بصلفكم، ومثل هذه المباهاة منكرة.

فمن عرف كيف يصنع الخير ولم يصنعه ارتكب خطيئة.

يا أيها الأغنياء، ابكوا وأعولوا على ما ينزل بكم من الشقاء.

ثروتكم فسدت وثيابكم أكلها العث.

ذهبكم وفضتكم صدئا، وسيشهد الصدأ عليكم ويأكل أجسادكم كأنه نار. جمعتم كنوزا في الأيام الأخيرة.

ها إن الأجرة التي حرمتموها العملة الذين حصدوا حقولكم قد ارتفع صياحها، وإن صراخ الحصادين قد بلغ أذني رب القوات.

عشتم على الأرض في التنعم والترف وأشبعتم أهواءكم يوم التذبيح.

حكمتم على البار فقتلتموه وهولا يقاومكم.

فاصبروا أيها الإخوة إلى يوم مجيء الرب. أنظروا إلى الحارث كيف ينتظر غلة الأرض الثمينة فيصبر عليها حتى يجني باكورها ومتأخرها.

فاصبروا أنتم أيضا وثبتوا قلوبكم، فإن مجيء الرب قريب.

لا يتذمرن بعضكم على بعض، أيها الإخوة، لئلا تدانوا. هوذا الديان واقف على الأبواب.

اقتدوا أيها الإخوة بالأنبياء الذين تكلموا باسم الرب في ألمهم وصبرهم.

إننا نقول في الصابرين: طوبى لهم، وقد سمعتم بصبر أيوب وعرفتم قصد الرب. إن الرب رحمان رحيم.

وقبل كل شيء، يا إخوتي، لا تحلفوا بالسماء ولا بالأرض ولا يمينا أخرى. لتكن نعمكم نعم ولاؤكم لا، لئلا تقعوا تحت وطأة الدينونة.

هل فيكم متألم؟ فليصل! هل فيكم مسرور؟ فلينشد!

هل فيكم مريض؟ فليدع شيوخ الكنيسة، وليصلوا عليه بعد أن يمسحوه بالزيت باسم الرب.

إن صلاة الإيمان تخلص المريض، والرب يعافيه. وإذا كان قد ارتكب بعض الخطايا غفرت له.

فليعترف بعضكم لبعض بخطاياه، وليصل بعضكم لبعض كي تشفوا. صلاة البار تعمل بقوة عظيمة.

كان إيليا بشرا مثلنا فصلى طالبا بإلحاح ألا ينزل المطر، فلم ينزل على الأرض ثلاث سنوات وستة أشهر.

ثم عاد إلى الصلاة فمطرت السماء وأخرجت الأرض غلتها.

يا إخوتي، إن ضل بعضكم عن الحق ورده أحد إليه،

فاعلموا أن من رد خاطئا عن طريق ضلاله خلص نفسه من الموت وستر كثيرا من الخطايا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *