إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا

إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا

لما أن أخذ كثير من الناس يدونون رواية الأمور التي تمت عندنا،

كما نقلها إلينا الذين كانوا منذ البدء شهود عيان للكلمة، ثم صاروا عاملين لها،

رأيت أنا أيضا، وقد تقصيتها جميعا من أصولها، أن أكتبها لك مرتبة يا تاوفيلس المكرم،

لتتيقن صحة ما تلقيت من تعليم.

كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا من فرقة أبيـا، له امرأة من بنات هارون اسمها أليصابات،

وكان كلاهما بارا عند الله، تابعا جميع وصايا الرب وأحكامه، ولا لوم عليه.

ولم يكن لهما ولد لأن أليصابات كانت عاقرا، وقد طعنا كلاهما في السن.

وبينما زكريا يقوم بالخدمة الكهنوتية أمام الله في دور فرقته،

ألقيت القرعة جريا على سنة الكهنوت، فأصابته ليدخل مقدس الرب ويحرق البخور.

وكانت جماعة الشعب كلها تصلي في خارجه عند إحراق البخور.

فتراءى له ملاك الرب قائما عن يمين مذبح البخور.

فاضطرب زكريا حين رآه واستولى عليه الخوف.

فقال له الـملاك: (( لا تخف، يا زكريا، فقد سمع دعاؤك وستلد لك امرأتك أليصابات ابنا فسمه يوحنا.

وستلقى فرحا وابتهاجا، ويفرح بمولده أناس كثيرون.

لأنه سيكون عظيما أمام الرب، ولن يشرب خمرا ولا مسكرا، ويمتلئ من الروح القدس وهو في بطن أمه،

ويرد كثيرا من بني إسرائيل إلى الرب إلههم

ويسير أمامه وفيه روح إيليا وقوته، ليعطف بقلوب الآباء على الأبناء، ويهدي العصاة إلى حكمة الأبرار، فيعد للرب شعبا متأهبا )).

فقال زكريا للـملاك: (( بم أعرف هذا وأنا شيخ كبير، وامرأتي طاعنة في السن ؟))

فأجابه الـملاك: (( أنا جبرائيل القائم لدى الله، أرسلت إليك لأكلمك وأبشرك بهذه الأمور

وستظل صامتا، فلا تستطيع الكلام إلى يوم يحدث ذلك، لأنك لم تؤمن بأقوالي وهي ستتم في أوانها )).

وكان الشعب ينتظر زكريا، متعجبا من إبطائه في الـمقدس،

فلما خرج لم يستطع أن يكلمهم، فعرفوا أنه رأى رؤيا في المقدس، وكان يخاطبهم بالإشارة، وبقي أخرس.

فلما انقضت أيام خدمته انصرف إلى بيته.

وبعد تلك الأيام حملت امرأته أليصابات، فكتمت أمرها خمسة أشهر وكانت تقول في نفسها:

(( هذا ما صنع الرب إلي يوم نظر إلي ليزيل عني العار بين الناس )) .

وفي الشهر السادس، أرسل الله الـملاك جبرائيل إلى مدينة في الجليل اسمها الناصرة،

إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم العذراء مريم.

فدخل إليها فقال: (( إفرحي، أيتها الـممتلئة نعمة، الرب معك )).

فداخلها لهذا الكلام اضطراب شديد وسألت نفسها ما معنى هذا السلام.

فقال لها الـملاك: (( لا تخافي يا مريم، فقد نلت حظوة عند الله.

فستحملين وتلدين ابنا فسميه يسوع.

سيكون عظيما وابن العلي يدعى، ويوليه الرب الإله عرش أبيه داود،

ويملك على بيت يعقوب أبد الدهر، ولن يكون لملكه نهاية ))

فقالت مريم للملاك: (( كيف يكون هذا ولا أعرف رجلا ؟))

فأجابها الـملاك: (( إن الروح القدس سينزل عليك وقدرة العلي تظللك، لذلك يكون الـمولود قدوسا وابن الله يدعى.

وها إن نسيبتك أليصابات قد حبلت هي أيضا بابن في شيخوختها، وهذا هو الشهر السادس لتلك التي كانت تدعى عاقرا.

فما من شيء يعجز الله )) .

فقالت مريم: (( أنا أمة الرب فليكن لي بحسب قولك)). وانصرف الـملاك من عندها.

وفي تلك الأيام قامت مريم فمضت مسرعة إلى الجبل إلى مدينة في يهوذا.

ودخلت بيت زكريا، فسلمت على أليصابات.

فلما سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت من الروح القدس،

فهتفت بأعلى صوتها: (( مباركة أنت في النساء ! ومباركة ثمرة بطنك !

من أين لي أن تأتيني أم ربي؟

فما إن وقع صوت سلامك في أذني حتى ارتكض الجنين ابتهاجا في بطني

فطوبى لمن آمنت: فسيتم ما بلغها من عند الرب)).

فقالت مريم: (( تعظم الرب نفسي

وتبتهج روحي بالله مخلصي

لأنه نظر إلى أمته الوضيعة. سوف تهنئني بعد اليوم جميع الأجيال

لأن القدير صنع إلي أمورا عظيمة: قدوس اسمه

ورحمته من جيل إلى جيل للذين يتقونه

كشف عن شدة ساعده فشتت الـمتكبرين في قلوبهم.

حط الأقوياء عن العروش ورفع الوضعاء.

أشبع الجياع من الخيرات والأغنياء صرفهم فارغين

نصر عبده إسرائيل ذاكرا، كما قال لآبائنا،

رحمته لإبراهيم ونسله للأبد)).

وأقامت مريم عند أليصابات نحو ثلاثة أشهر، ثم عادت إلى بيتها.

وأما أليصابات، فلما تم زمان ولادتها وضعت ابنا.

فسمع جيرانها وأقاربها بأن الرب رحمها رحمة عظيمة، ففرحوا معها.

وجاؤوا في اليوم الثامن ليختنوا الطفل وأرادوا أن يسموه زكريا باسم أبيه.

فتكلمت أمه وقالت: ((لا، بل يسمى يوحنا))

قالوا لها: (( ليس في قرابتك من يدعى بهذا الاسم)).

وسألوا أباه بالإشارة ماذا يريد أن يسمى،

فطلب لوحا وكتب (( اسمه يوحنا)) فتعجبوا كلهم.

فانفتح فمه لوقته وانطلق لسانه فتكلم وبارك الله.

فاستولى الخوف على جيرانهم أجمعين، وتحدث الناس بجميع هذه الأمور في جبال اليهودية كلها

وكان كل من يسمع بذلك يحفظه في قلبه قائلا: (( ما عسى أن يكون هذا الطفل ؟)) فإن يـد الرب كانت معه.

وامتلأ أبوه زكريا من الروح القدس فتنبأ قال:

(( تبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد شعبه وافتداه

فأقام لنا مخلصا قديرا في بيت عبده داود

كما قال بلسان أنبيائه الأطهار في الزمن القديم:

يخلصنا من أعدائنا وأيدي جميع مبغضينا

فأظهر رحمته لآبائنا وذكر عهده الـمقدس

ذاك القسم الذي أقسمه لأبينا إبراهيم بأن ينعم علينا

أن ننجو من أيدي أعدائنا فنعبده غير خائفين

بالتقوى والبر وعينه علينا، طوال أيام حياتنا.

وأنت أيها الطفل ستدعى نبي العلي لأنك تسير أمام الرب لتعد طرقه

وتعلم شعبه الخلاص بغفران خطاياهم.

تلك رحمة من حنان إلهنا بها افتقدنا الشارق من العلى

فقد ظهر للمقيمين في الظلمة وظلال الـموت ليسدد خطانا لسبيل السلام))

وكان الطفل يترعرع وتشتد روحه. وأقام في البراري إلى يوم ظهور أمره لإسرائيل.

وفي تلك الأيام، صدر أمر عن القيصر أوغسطس بإحصاء جميع أهل الـمعمور.

وجرى هذا الإحصاء الأول إذ كان قيرينيوس حاكم سورية.

فذهب جميع الناس ليكتتب كل واحد في مدينته.

وصعد يوسف أيضا من الجليل من مدينة الناصرة إلى اليهودية إلى مدينة داود التي يقال لها بيت لحم، فقد كان من بيت داود وعشيرته،

ليكتتب هو ومريم خطيبته وكانت حاملا.

وبينما هما فيها حان وقت ولادتها،

فولدت ابنها البكر، فقمطته وأضجعته في مذود لأنه لم يكن لهما موضع في الـمضافة.

وكان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البرية، يتناوبون السهر في الليل على رعيتهم.

فحضرهم ملاك الرب وأشرق مجد الرب حولهم، فخافوا خوفا شديدا.

فقال لهم الـملاك:(( لا تخافوا، ها إني أبشركم بفرح عظيم يكون فرح الشعب كله:

ولد لكم اليوم مخلص في مدينة داود، وهو الـمسيح الرب.

وإليكم هذه العلامة: ستجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود)).

وانضم إلى الـملاك بغتة جمهور الجند السماويين يسبحون الله فيقولون:

(( الـمجد لله في العلى ! والسلام في الأرض للناس فإنهم أهل رضاه ! ))

فلما انصرف الـملائكة عنهم إلى السماء، قال الرعاة بعضهم لبعض: (( هلم بنا إلى بيت لحم، فنرى ما حدث، ذاك الذي أخبرنا به الرب)).

وجاؤوا مسرعين، فوجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعا في الـمذود.

ولـما رأوا ذلك جعلوا يخبرون بما قيل لهم في ذلك الطفل.

فجميع الذين سمعوا الرعاة تعجبوا مما قالوا لهم

وكانت مريم تحفظ جميع هذه الأمور، وتتأملها في قلبها.

ورجع الرعاة وهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوا ورأوا كما قيل لهم.

ولـما انقضت ثمانية أيام فحان للطفل أن يختن، سمي يسوع، كما سماه الـملاك قبل أن يحبل بـه.

ولـما حان يوم طهورهما بحسب شريعة موسى، صعدا به إلى أورشليم ليقدماه للرب،

كما كتب في شريعة الرب من أن كل بكر ذكر ينذر للرب،

وليقربا كما ورد في شريعة الرب: زوجي يمام أو فرخي حمام.

وكان في أورشليم رجل بار تقي اسمه سمعان، ينتظر الفرج لإسرائيل، والروح القدس نازل عليه.

وكان الروح القدس قد أوحى إليه أنه لا يرى الموت قبل أن يعاين مسيح الرب.

فأتى الـهيكل بدافع من الروح. ولـما دخل بالطفل يسوع أبواه، ليؤديا عنه ما تفرضه الشريعة،

حمله على ذراعيه وبارك الله فقال:

((الآن تطلق، يا سيد، عبدك بسلام، وفقا لقولك

فقد رأت عيناي خلاصك

الذي أعددته في سبيل الشعوب كلها

نورا يتجلى للوثنيين ومجدا لشعبك إسرائيل )).

وكان أبوه وأمه يعجبان مما يقال فيه.

وباركهما سمعان، ثم قال لمريم أمه: (( ها إنه جعل لسقوط كثير من الناس وقيام كثير منهم في إسرائيل وآية معرضة للرفض.

وأنت سينفذ سيف في نفسك لتنكشف الأفكار عن قلوب كثيرة )).

وكانت هناك نبية هي حنة ابنة فانوئيل من سبط آشر، طاعنة في السن، عاشت مع زوجها سبع سنوات

ثم بقيت أرملة فبلغت الرابعة والثمانين من عمرها، لا تفارق الـهيكل، متعبدة بالصوم والصلاة ليل نهار.

فحضرت في تلك الساعة، وأخذت تحمد الله، وتحدث بأمر الطفل كل من كان ينتظر افتداء أورشليم.

ولـما أتما جميع ما تفرضه شريعة الرب، رجعا إلى الجليل إلى مدينتهما الناصرة.

وكان الطفل يترعرع ويشتد ممتلئا حكمة، وكانت نعمة الله عليه.

وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح.

فلما بلغ اثنتي عشرة سنة، صعدوا إليها جريا على السنة في العيد.

فلما انقضت أيام العيد ورجعا، بقي الصبي يسوع في أورشليم، من غير أن يعلم أبواه.

وكانا يظنان أنه في القافلة، فسارا مسيرة يوم، ثم أخذا يبحثان عنه عند الأقارب والـمعارف.

فلما لم يجداه، رجعا إلى أورشليم يبحثان عنه.

فوجداه بعد ثلاثة أيام في الـهيكل، جالسا بين المعلمين، يستمع إليهم ويسألهم.

وكان جميع سامعيه معجبين أشد الإعجاب بذكائه وجواباته.

فلما أبصراه دهشا، فقالت له أمه: (( يا بني، لم صنعت بنا ذلك؟ فأنا وأبوك نبحث عنك متلهفين))

فقال لهما: (( ولم بحثتما عني؟ ألم تعلما أنه يجب علي أن أكون عند أبي ؟))

فلم يفهما ما قال لهما.

ثم نزل معهما، وعاد إلى الناصرة، وكان طائعا لهما، وكانت أمه تحفظ تلك الأمور كلها في قلبها.

وكان يسوع يتسامى في الحكمة والقامة والحظوة عند الله والناس.

في السنة الخامسة عشرة من حكم القيصر طيباريوس، إذ كان بنطيوس بيلاطس حاكم اليهودية، وهيرودس أمير الربع على الـجليل، وفيلبس أخوه أمير الربع على ناحية إيطورية وطراخونيطس، وليسانياس أمير الربع على أبيلينة،

وحنان وقيافا عظيمي الكهنة، كانت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا في البرية

فجاء إلى ناحية الأردن كلها، ينادي بمعمودية توبة لغفران الخطايا،

على ما كتب في سفر أقوال النبي أشعيا: (( صوت مناد في البرية : أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة.

كل واد يردم وكل جبل وتل يخفض والطرق الـمنعرجة تقوم والوعرة تسهل

وكل بشر يرى خلاص الله)).

وكان يقول للجموع التي تخرج إليه لتعتمد عن يده: (( يا أولاد الأفاعي، من أراكم سبيل الـهرب من الغضب الآتي ؟

فأثمروا إذا ثمرا يدل على توبتكم، ولا تعللوا النفس قائلين: (( إن أبانا هو إبراهيم)). فإني أقول لكم إن الله قادر على أن يخرج من هذه الحجارة أبناء لإبراهيم.

هاهي ذي الفأس على أصول الشجر، فكل شجرة لا تثمر ثمرا طيبا تقطع وتلقى في النار)).

فسأله الـجموع: (( فماذا نعمل ؟))

فأجابهم: ((من كان عنده قميصان، فليقسمهما بينه وبين من لا قميص له. ومن كان عنده طعام، فليعمل كذلك)).

وأتى إليه أيضا بعض الجباة ليعتمدوا، فقالوا له: (( يا معلم، ماذا نعمل ؟))

فقال لهم: ((لا تجبوا أكثر مما فرض لكم))

وسأله أيضا بعض الـجنود: (( ونحن ماذا نعمل ؟)) فقال لهم: ((لا تتحاملوا على أحد ولا تظلموا أحدا، واقنعوا برواتبكم)).

وكان الشعب ينتظر، وكل يسأل نفسه عن يوحنا هل هو الـمسيح.

فأجاب يوحنا قال لهم أجمعين: (( أنا أعمدكم بالماء، ولكن يأتي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أفك رباط حذائه. إنه سيعمدكم في الروح القدس والنار.

بيده الـمذرى، ينقي بيدره، فيجمع القمح في أهرائه، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ ))

وكان يعظ الشعب بأقوال كثيرة غيرها فيبلغهم البشارة.

على أن أمير الربع هيرودس، وكان يوحنا يوبخه بأمره مع هيروديا امرأة أخيه وبسائر ما عمل من السيئات،

أضاف إلى ذلك كله أنه حبس يوحنا في السجن.

ولما اعتمد الشعب كله واعتمد يسوع أيضا وكان يصلي، انفتحت السماء،

ونزل الروح القدس عليه في صورة جسم كأنه حمامة، وأتى صوت من السماء يقول: ((أنت ابني الحبيب، عنك رضيت)).

وكان يسوع عند بدء رسالته، في نحو الثلاثين من عمره، وكان الناس يحسبونه ابن يوسف بن عالي،

بن متات، بن لاوي، بن ملكي، بن ينا، بن يوسف،

بن متتيا، بن عاموس، بن نحوم، بن حسلي، بن نجاي،

بن مآت، بن متتيا، بن شمعي، بن يوسف، بن يهوذا،

بن يوحنا، بن ريسا، بن زربابل، بن شألتئيل، ابن نيري،

بن ملكي، بن أدي، بن قوسام، بن ألمودام، بن عير،

بن يشوع، بن لعازر، بن يوريم، بن متات، بن لاوي،

بن شمعون، بن يهوذا، بن يوسف، بن يونان، بن ألياقيم،

بن مليا، بن منا، بن متاتا، بن ناتان، بن داود.

ابن يسى، بن عوبيد، بن بوعز، بن سلمون، بن نحشون،

بن عميناداب، بن أدمين، بن عرني، بن حصرون، بن فارص، بن يهوذا،

بن يعقوب، بن إسحق، بن إبراهيم، ابن تارح، بن ناحور،

بن سروج، بن راعو، بن فالق، بن عابر، بن شالح،

بن قينان، بن أرفكشاد، بن سام، بن نوح، ابن لامك،

بن متوشالح، بن أخنوخ، بن يارد، بن مهللئيل، بن قينان،

بن أنوش، ابن شيت، بن آدم، ابن الله.

ورجع يسوع من الأردن، وهو ممتلئ من الروح القدس، فكان يقوده الروح في البرية

أربعين يوما، وإبليس يجربه، ولم يأكل شيئا في تلك الأيام. فلما انقضت أحس بالجوع.

فقال له إبليس: (( إن كنت ابن الله، فمر هذا الحجر أن يصير رغيفا)).

فأجابه يسوع: (( مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)).

فصعد به إبليس، وأراه جميع ممالك الأرض في لحظة من الزمن،

وقال له: (( أوليك هذا السلطان كله ومجد هذه الـممالك، لأنه سلم إلي وأنا أوليه من أشاء.

فإن سجدت لي، يعود إليك ذلك كله )).

فأجابه يسوع: (( مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد)).

فمضى به إلى أورشليم، وأقامه على شرفة الـهيكل وقال له: (( إن كنت ابن الله، فألق بنفسك من ههنا إلى الأسفل،

لأنه مكتوب: يوصي ملائكته بك ليحفظوك))،

ومكتوب أيضا: ((على أيديهم يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك)).

فأجابه يسوع: (( لقد قيل: لا تجربن الرب إلـهك)).

فلما أنهى إبليس جميع ما عنده من تجربة، انصرف عنه إلى أن يحين الوقت.

وعاد يسوع إلى الجليل بقوة الروح، فانتشر خبره في الناحية كلها.

وكان يعلم في مجامعهم فيمجدونه جميعا.

وأتى الناصرة حيث نشأ، ودخل الـمجمع يوم السبت على عادته، وقام ليقرأ.

فدفع إليه سفر النبي أشعيا، ففتح السفر فوجد الـمكان المكتوب فيه:

((روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرج عن الـمظلومين

وأعلن سنة رضا عند الرب)).

ثم طوى السفر فأعاده إلى الخادم وجلس. وكانت عيون أهل الـمجمع كلهم شاخصة إليه.

فأخذ يقول لهم: ((اليوم تمت هذه الآية بمسمع منكم)).

وكانوا يشهدون له بأجمعهم، ويعجبون من كلام النعمة الذي يخرج من فمه فيقولون: ((أما هذا ابن يوسف ؟))

فقال لهم: ((لا شك أنكم تقولون لي هذا المثل: يا طبيب اشف نفسك. فاصنع ههنا في وطنك كل شيء سمعنا أنه جرى في كفرناحوم)).

وأضاف: ((الحق أقول لكم: ما من نبي يقبل في وطنه.

((وبحق أقول لكم: ((كان في إسرائيل كثير من الأرامل في أيام إيليا، حين احتبست السماء ثلاث سنوات وستة أشهر، فأصابت الأرض كلها مجاعة شديدة،

ولم يرسل إيليا إلى واحدة منهن، وإنما أرسل إلى أرملة في صرفت صيدا.

وكان في إسرائيل كثير من البرص على عهد النبي أليشاع، فلم يبرأ واحد منهم، وإنما برئ نعمان السوري)).

فثار ثائر جميع الذين في الـمجمع عند سماعهم هذا الكلام.

فقاموا ودفعوه إلى خارج الـمدينة وساقوه إلى حرف الـجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليلقوه عنه،

ولكنه مر من بينهم ومضى.

ونزل إلى كفرناحوم، وهي مدينة في الـجليل، فجعل يعلمهم يوم السبت.

فأعجبوا بتعليمه لأنه كان يتكلم بسلطان.

وكان في الـمجمع رجل فيه روح شيطان نجس، فصاح بأعلى صوته:

((آه! ما لنا ولك يا يسوع الناصري! أجئت لتهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت قدوس الله)).

فانتهره يسوع قال: ((اخرس واخرج منه!)) فصرعه الشيطان في وسط الـمجمع، وخرج منه، من غير أن يمسه بسوء.

فاستولى الرعب عليهم جميعا، وقال بعضهم لبعض: ((ما هذا الكلام؟ إنه يأمر الأرواح النجسة بسلطان وقوة فتخرج)).

فذاع صيته في كل مكان من تلك الناحية.

ثم ترك الـمجمع ودخل بيت سمعان. وكانت حماة سمعان مصابة بحمى شديدة فسألوه أن يسعفها،

فانحنى عليها، وزجر الـحمى ففارقتها، فنهضت من وقتها وأخذت تخدمهم.

وعند غروب الشمس، أخذ جميع الذين عندهم مرضى على اختلاف العلل يأتونه بهم. فكان يضع يديه على كل واحد منهم فيشفيه.

وكانت الشياطين أيضا تخرج من أناس كثيرين وهي تصيح: ((أنت ابن الله! )) فكان ينتهرها ولا يدعها تتكلم، لأنها عرفت أنه الـمسيح.

وخرج عند الصباح، وذهب إلى مكان قفر، فسعت إليه الـجموع تطلبه فأدركته، وحاولوا أن يمسكوا به لئلا يذهب عنهم،

فقال لهم: ((يجب علي أن أبشر سائر الـمدن أيضا بملكوت الله، فإني لهذا أرسلت)).

وأخذ يبشر في مجامع اليهودية.

وازدحم الـجمع عليه لسماع كلمة الله، وهو قائم على شاطئ بحيرة جناسرت.

فرأى سفينتين راسيتين عند الشاطئ، وقد نزل منهما الصيادون يغسلون الشباك.

فركب إحدى السفينتين وكانت لسمعان، فسأله أن يبعد قليلا عن البر. ثم جلس يعلم الـجموع من السفينة.

ولـما فرغ من كلامه، قال لسمعان: ((سر في العرض، وأرسلوا شباككم للصيد)).

فأجاب سمعان: (( يا معلم، تعبنا طوال الليل ولم نصب شيئا، ولكني بناء على قولك أرسل الشباك)).

وفعلوا فأصابوا من السمك شيئا كثيرا جدا، وكادت شباكهم تتمزق.

فأشاروا إلى شركائهم في السفينة الأخرى أن يأتوا ويعاونوهم. فأتوا، وملأوا كلتا السفينتين حتى كادتا تغرقان.

فلما رأى سمعان بطرس ذلك، ارتمى عند ركبتي يسوع وقال: ((يا رب، تباعد عني، إني رجل خاطئ)).

وكان الرعب قد استولى عليه وعلى أصحابه كلهم، لكثرة السمك الذي صادوه.

ومثلهم يعقوب ويوحنا ابنا زبدى، وكانا شريكي سمعان. فقال يسوع لسمعان: ((لا تخف! ستكون بعد اليوم للبشر صيادا)).

فرجعوا بالسفينتين إلى البر، وتركوا كل شيء وتبعوه.

وبينما هو في بعض تلك الـمدن، إذا برجل قد غطى البرص جسمه، فلما رأى يسوع سقط على وجهه وسأله: (( يا رب، إن شئت فأنت قادر على أن تبرئني)).

فمد يده فلمسه وقال: ((قد شئت، فابرأ)). فزال عنه البرص لوقته.

فأوصاه ألا يخبر أحدا بالأمر، بل: ((اذهب إلى الكاهن فأره نفسك، ثم قرب عن برئك ما أمر به موسى، شهادة لديهم)).

وكان خبره يتسع انتشارا، فتتوافد عليه جموع كثيرة لتسمعه وتشفى من أمراضها،

ولكنه كان يعتزل في البراري فيصلي.

وكان ذات يوم يعلم، وبين الحاضرين بعض الفريسيين ومعلمي الشريعة أتوا من جميع قرى الـجليل واليهودية ومن أورشليم. وكانت قدرة الرب تشفي الـمرضى عن يده.

وإذا أناس يحملون على سرير رجلا كان مقعدا، ويحاولون الدخول به ليضعوه أمامه.

فلم يجدوا سبيلا إلى الدخول لكثرة الزحام، فصعدوا به إلى السطح ودلوه بسريره من بين القرميد، إلى وسط الـمجلس أمام يسوع،.

فلما رأى إيمانهم قال: ((يا رجل، غفرت لك خطاياك)).

فأخذ الكتبة والفريسيون يفكرون فيقولون في أنفسهم: ((من هذا الذي يتكلم بالتجديف؟ من يقدر أن يغفر الـخطايا إلا الله وحده))!

فعلم يسوع أفكارهم فأجابهم: ((لماذا تفكرون هذا التفكير في قلوبكم؟

فأيما أيسر؟ أن يقال: غفرت لك خطاياك أم أن يقال: قم فامش.

فلكي تعلموا أن ابن الإنسان له في الأرض سلطان يغفر به الـخطايا))، ثم قال للمقعد: ((أقول لك: قم فاحمل سريرك واذهب إلى بيتك)).

فقام من وقته بمرأى منهم وحمل ما كان مضطجعا عليه ومضى إلى بيته وهو يمجد الله.

فاستولى الدهش عليهم جميعا، فمجدوا الله، وقد غلب الخوف عليهم فقالوا: ((رأينا اليوم أمورا عجيبة !)).

وخرج بعد ذلك، فأبصر عشارا اسمه لاوي، جالسا في بيت الجباية فقال له: ((اتبعني ! ))

فترك كل شيء وقام فتبعه.

وأقام له لاوي مأدبة عظيمة في بيته، وكان على المائدة معهم جماعة كثيرة من الجباة وغيرهم.

فقال الفريسيون وكتبتهم لتلاميذه متذمرين:((لماذا تأكلون وتشربون مع الجباة والخاطئين؟))

فأجاب يسوع: ((ليس الأصحاء بمحتاجين إلى طبيب، بل المرضى.

ما جئت لأدعو الأبرار، بل الخاطئين إلى التوبة )).

فقالوا له: (( إن تلاميذ يوحنا يكثرون من الصوم ويقيمون الصلوات، ومثلهم تلاميذ الفريسيين، أما تلاميذك فيأكلون ويشربون! ))

فقال لهم: ((أبوسعكم أن تصوموا أهل العرس والعريس بينهم؟

ولكن ستأتي أيام فيها يرفع العريس من بينهم، فعندئذ يصومون في تلك الأيام )).

وضرب لهم مثلا قال: (( ما من أحد يشق قطعة من ثوب جديد، فيجعلها في ثوب عتيق، لئلا يشق الجديد وتكون القطعة التي أخذت من الجديد لا تلائم العتيق.

وما من أحد يجعل الخمرة الجديدة في زقاق عتيقة، لئلا تشق الخمرة الجديدة الزقاق فتراق هي، وتتلف الزقاق.

بل يجب أن تجعل الخمرة الجديدة في زقاق جديدة.

وما من أحد إذا شرب معتقة، يرغب في الجديدة، لأنه يقول: (( المعتقة هي الطيبة ! ))

ومر يسوع في السبت من بين الزروع، فجعل تلاميذه يقلعون السنبل ويفركونه بأيديهم ثم يأكلونه.

فقال بعض الفريسيين: (( ما لكم تفعلون ما لا يحل في السبت؟ ))

فأجابهم يسوع: (( أوما قرأتم ما فعل داود حين جاع هو والذين معه،

كيف دخل بيت الله فأخذ الخبز المقدس، وأكل وأعطى منه للذين معه، مع أن أكله لا يحل إلا للكهنة وحدهم؟ )).

ثم قال لهم: (( إن ابن الإنسان سـيد السبت )).

ودخل المجمع في سبت آخر، وأخذ يعلم. وكان هناك رجل يده اليمنى شلاء.

وكان الكتبة والفريسيون يراقبونه، ليروا هل يجري الشفاء في السبت، فيجدوا ما يشكونه به.

فعلم أفكارهم، فقال للرجل ذي اليد الشلاء: (( قم فقف في وسط الجماعة! )) فقام ووقف فيه.

فقال لهم يسوع: (( أسألكم: هل يحل عمل الخير في السبت أم عمل الشر، وتخليص نفس أم إهلاكها؟ ))

ثم أجال طرفه فيهم جميعا، وقال له: (( أمدد يدك )) ففعل فعادت يده صحيحة.

فجن جنونهم وتباحثوا فيما يصنعون بيسوع.

وفي تلك الأيام ذهب إلى الجبل ليصلي، فأحيا الليل كله في الصلاة لله.

ولـما طلع الصباح دعا تلاميذه، فاختار منهم اثني عشر سماهم رسلا وهم:

سمعان وسماه بطرس، وأندراوس أخوه، ويعقوب ويوحنا، وفيلبس وبرتلماوس،

ومتى وتوما، ويعقوب بن حلفى وسمعان الذي يقال له الغيور،

ويهوذا بن يعقوب ويهوذا الإسخريوطي الذي انقلب خائنا.

ثم نزل معهم فوقف في مكان منبسط، وهناك جمع كثير من تلاميذه، وحشد كبير من الشعب من جميع اليهودية وأورشليم، وساحل صور وصيدا،

ولقد جاؤوا ليسمعوه ويبرأوا من أمراضهم. وكان الذين تخبطهم الأرواح النجسة يشفون،

وكان الجمع كله يحاول أن يلمسه، لأن قوة كانت تخرج منه فتبرئهم جميعا.

ورفع عينيه نحو تلاميذه وقال: (( طوبى لكم أيها الفقراء، فإن لكم ملكوت الله.

طوبى لكم أيها الجائعون الآن فسوف تشبعون. طوبى لكم أيها الباكون الآن فسوف تضحكون.

طوبى لكم إذا أبغضكم الناس ورذلوكم وشتموا اسمكم ونبذوه على أنه عار من أجل ابن الإنسان.

افرحوا في ذلك اليوم واهتزوا طربا، فها إن أجركم في السماء عظيم، فهكذا فعل آباؤهم بالأنبياء.

لكن الويل لكم أيها الأغنياء فقد نلتم عزاءكم.

الويل لكم أيها الشباع الآن فسوف تجوعون. الويل لكم أيها الضاحكون الآن فسوف تحزنون وتبكون.

الويل لكم إذا مدحكم جميع الناس فهكذا فعل آباؤهم بالأنبياء الكذابين.

((وأما أنتم أيها السامعون، فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، وأحسنوا إلى مبغضيكم،

وباركوا لاعنيكم، وصلوا من أجل المفترين الكذب عليكم.

من ضربك على خدك فاعرض له الآخر. ومن انتزع منك رداءك فلا تمنعه قميصك.

وكل من سألك فأعطه، ومن اغتصب مالك فلا تطالبه به.

وكما تريدون أن يعاملكم الناس فكذلك عاملوهم.

فإن أحببتم من يحبكم، فأي فضل لكم ؟ لأن الخاطئين أنفسهم يحبون من يحبهم.

وإن أحسنتم إلى من يحسن إليكم، فأي فضل لكم ؟ لأن الخاطئين أنفسهم يفعلون ذلك.

وإن أقرضتم من ترجون أن تستوفوا منه، فأي فضل لكم ؟ فهناك خاطئون يقرضون خاطئين ليستوفوا مثل قرضهم.

ولكن أحبوا أعداءكم، وأحسنوا وأقرضوا غير راجين عوضا، فيكون أجركم عظيما وتكونوا أبناء العلي، لأنه هو يلطف بناكري الجميل والأشرار.

كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم.

لا تدينوا فلا تدانوا. لا تحكموا على أحد فلا يحكم عليكم.أعفوا يعف عنكم.

أعطوا تعطوا: ستعطون في أحضانكم كيلا حسنا مركوما مهزهزا طافحا، لأنه يكال لكم بما تكيلون)).

وضرب لهم مثلا قال: ((أيستطيع الأعمى أن يقود الأعمى ؟ ألا يسقط كلاهما في حفرة ؟

ما من تلميذ أسمى من معلمه. كل تلميذ اكتمل علمه يكون مثل معلمه.

لماذا تنظر إلى القذى الذي في عين أخيك ؟ والخشبة التي في عينك أفلا تأبه لها ؟

كيف يمكنك أن تقول لأخيك: يا أخي، دعني أخرج القذى الذي في عينك، وأنت لا ترى الخشبة التي في عينك ؟ أيها المرائي، أخرج الخشبة من عينك أولا، وعندئذ تبصر فتخرج القذى الذي في عين أخيك.

ما من شجرة طيبة تثمر ثمرا خبيثا، ولا من شجرة خبيثة تثمر ثمرا طيبا.

فكل شجرة تعرف من ثمرها، لأنه من الشوك لا يجنى تين، ولا من العليق يقطف عنب.

الإنسان الطيب من الكنز الطيب في قلبه يخرج ما هو طيب، والإنسان الخبيث من كنزه الخبيث يخرج ما هو خبيث، فمن فيض قلبه يتكلم لسانه.

لماذا تدعونني: يا رب، يا رب ! ولا تعملون بما أقول ؟

كل من يأتي إلي ويسمع كلامي فيعمل به، سأبين لكم من يشبه:

يشبه رجلا بنى بيتا، فحفر وعمق الحفر، ثم وضع الأساس على الصخر. فلما فاضت المياه اندفع النهر على ذلك البيت، فلم يقو على زعزعته لأنه بني بناء محكما.

وأما الذي يسمع ولا يعمل، فإنه يشبه رجلا بنى بيتا على التراب بغير أساس، فاندفع النهر عليه فانهار لوقته، وكان خراب ذلك البيت جسيما)).

ولما أتم جميع كلامه بمسمع من الشعب، دخل كفرناحوم.

وكان لقائد مائة خادم مريض قد أشرف على الموت، وكان عزيزا عليه.

فلما سمع بيسوع، أوفد إليه بعض أعيان اليهود يسأله أن يأتي فينقذ خادمه.

ولما وصلوا إلى يسوع، سألوه بإلحاح قالوا: ((إنه يستحق أن تمنحه ذلك،

لأنه يحب أمتنا، وهو الذي بنى لنا المجمع)).

فمضى يسوع معهم. وما إن صار غير بعيد من البيت، حتى أرسل إليه قائد المائة بعض أصدقائه يقول له: ((يا رب، لا تزعج نفسك، فإني لست أهلا لأن تدخل تحت سقفي،

ولذلك لم أرني أهلا لأن أجيء إليك، ولكن قل كلمة يشف خادمي.

فأنا مرؤوس ولي جند بإمرتي، أقول لهذا: اذهب! فيذهب، وللآخر: تعال! فيأتي، ولخادمي: افعل هذا! فيفعله)).

فلما سمع يسوع ذلك، أعجب به والتفت إلى الجمع الذي يتبعه فقال: ((أقول لكم: لم أجد مثل هذا الإيمان حتى في إسرائيل)).

ورجع المرسلون إلى البيت، فوجدوا الخادم قد ردت إليه العافية.

وذهب بعدئذ إلى مدينة يقال لها نائين، وتلاميذه يسيرون معه، وجمع كثير.

فلما اقترب من باب المدينة، إذا ميت محمول، وهو ابن وحيد لأمه وهي أرملة. وكان يصحبها جمع كثير من المدينة.

فلما رآها الرب أخذته الشفقة عليها، فقال لها: ((لا تبكي! ))

ثم دنا من النعش، فلمسه فوقف حاملوه. فقال: ((يا فتى، أقول لك: قم! ))

فجلس الميت وأخذ يتكلم، فسلمه إلى أمه.

فاستولى الخوف عليهم جميعا فمجدوا الله قائلين:((قام فينا نبي عظيم، وافتقد الله شعبه! ))

وانتشر هذا الكلام في شأنه في اليهودية كلها وفي جميع النواحي المجاورة.

وأخبر يوحنا تلاميذه بهذه الأمور كلها، فدعا اثنين من تلاميذه

وأرسلهما إلى الرب يسأله: (( أأنت الآتي أم آخر ننتظر ؟))

فلما وصل الرجلان إلى يسوع قالا له: ((إن يوحنا المعمدان أوفدنا إليك يسأل: أأنت الآتي أم آخر ننتظر ؟ ))

في تلك الساعة شفى أناسا كثيرين من الأمراض والعلل والأرواح الخبيثة، ووهب البصر لكثير من العميان،

ثم أجابهما:(( اذهبا فأخبرا يوحنا بما سمعتما ورأيتما: العميان يبصرون، العرج يمشون مشيا سويا، البرص يبرأون والصم يسمعون، الموتى يقومون، الفقراء يبشرون.

وطوبى لمن لا أكون له حجر عثرة )).

ولـما انصرف رسولا يوحنا، أخذ يقول للجموع في شأن يوحنا: ((ماذا خرجتم إلى البرية تنظرون ؟ أقصبة تهزها الريح ؟

بل ماذا خرجتم ترون ؟ أرجلا يلبس الثياب الناعمة ؟ ها إن الذين يلبسون الثياب الفاخرة ويعيشون عيشة الترف يقيمون في قصور الملوك.

بل ماذا خرجتم ترون ؟ أنبيا ؟ أقول لكم: نعم، بل أفضل من نبي.

فهذا الذي كتب في شأنه: ((هاءنذا أرسل رسولي قدامك ليعد الطريق أمامك)).

أقول لكم: ليس في أولاد النساء أكبر من يوحنا، ولكن الأصغر في ملكوت الله أكبر منه.

فجميع الشعب الذي سمعه حتى الجباة أنفسهم بروا الله، فاعتمدوا عن يد يوحنا.

وأما الفريسيون وعلماء الشريعة فلم يعتمدوا عن يده فأعرضوا عن تدبير الله في أمرهم.

((فبمن أشبه أهل هذا الجيل ؟ ومن يشبهون ؟

يشبهون أولادا قاعدين في الساحة يصيح بعضهم ببعض فيقولون: (( زمرنا لكم فلم ترقصوا ندبنا فلم تبكوا)).

جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزا ولا يشرب خمرا، فقلتم: لقد جن.

وجاء ابن الإنسان يأكل ويشرب، فقلتم: هوذا رجل أكول شريب للخمر صديق للجباة والخاطئين.

ولكن الحكمة قد برها جميع بنيها)).

ودعاه أحد الفريسيين إلى الطعام عنده، فدخل بيت الفريسي وجلس إلى المائدة.

وإذا بامرأة خاطئة كانت في المدينة، علمت أنه على المائدة في بيت الفريسي، فجاءت ومعها قاروة طيب،

ووقفت من خلف عند رجليه وهي تبكي، وجعلت تبل قدميه بالدموع، وتمسحهما بشعر رأسها، وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب.

فلما رأى الفريسي الذي دعاه هذا الأمر، قال في نفسه: ((لو كان هذا الرجل نبيا، لعلم من هي المرأة التي تلمسه وما حالها: إنها خاطئة)).

فأجابه يسوع: ((يا سمعان، عندي ما أقوله لك ))فقال:((قل يا معلم)).

قال: ((كان لمداين مدينان، على أحدهما خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون.

ولم يكن بإمكانهما أن يوفيا دينهما فأعفاهما جميعا. فأيهما يكون أكثر حبا له ؟))

فأجابه سمعان: ((أظنه ذاك الذي أعفاه من الأكثر)). فقال له: ((بالصواب حكمت)).

ثم التفت إلى المرأة وقال لسمعان: ((أترى هذه المرأة ؟ إني دخلت بيتك فما سكبت على قدمي ماء. وأما هي فبالدموع بلت قدمي وبشعرها مسحتهما.

أنت ما قبلتني قبلة، وأما هي فلم تكف مذ دخلت عن تقبيل قدمي.

أنت ما دهنت رأسي بزيت معطر، أما هي فبالطيب دهنت قدمي.

فإذا قلت لك إن خطاياها الكثيرة غفرت لها، فلأنها أظهرت حبا كثيرا. وأما الذي يغفر له القليل، فإنه يظهر حبا قليلا))،

ثم قال لها:((غفرت لك خطاياك)).

فأخذ جلساؤه على الطعام يقولون في أنفسهم: ((من هذا حتى يغفر الخطايا ؟))

فقال للمرأة: ((إيمانك خلصك فاذهبي بسلام)).

وسار بعد ذلك في كل مدينة وقرية، ينادي ويبشر بملكوت الله، ومعه الاثنا عشر،

ونسوة أبرئن من أرواح خبيثة وأمراض، وهن مريم المعروفة بالمجدلية، وكان قد خرج منها سبعة شياطين،

وحنة امرأة كوزى خازن هيرودس، وسوسنة، وغيرهن كثيرات كن يساعدنهم بأموالهن.

واحتشد جمع كثير، وأقبل الناس إليه من كل مدينة، فكلمهم بمثل قال:

((خرج الزارع ليزرع زرعه. وبينما هو يزرع، وقع بعض الحب على جانب الطريق، فداسته الأقدام، وأكلته طيور السماء.

ومنه ما وقع على الصخر، فما إن نبت حتى يبس، لأنه لم يجد رطوبة.

ومنه ما وقع بين الشوك، فنبت الشوك معه فخنقه.

ومنه ما وقع على الأرض الطيبة، فنبت وأثمر مائة ضعف )) . قال هذا وصاح: (( من كان له أذنان تسمعان فليسمع ! ))

فسأله تلاميذه ما مغزى هذا المثل.

فقال: (( أنتم أعطيتم أن تعرفوا أسرار ملكوت الله. وأما سائر الناس فيكلمون بالأمثال: (( لكي ينظروا فلا يبصروا ويسمعوا فلا يفهموا )) .

(( وإليكم مغزى المثل: الزرع هو كلمة الله.

والذين على جانب الطريق هم الذين يسمعون، ثم يأتي إبليس فينتزع الكلمة من قلوبهم، لئلا يؤمنوا فيخلصوا.

والذين على الصخر هم الذين إذا سمعوا الكلمة تقبلوها فرحين، ولكن لا أصل لهم، فإنما يؤمنون إلى حين، وعند التجربة يرتدون.

والذي وقع في الشوك يمثل أولئك الذين يسمعون، فيكون لهم من الهموم والغنى وملذات الحياة الدنيا ما يخنقهم في الطريق، فلا يدرك لهم ثمر.

وأما الذي في الأرض الطيبة فيمثل الذين يسمعون الكلمة بقلب طيب كريم ويحفظونها، فيثمرون بثباتهم.

((مامن أحد يوقد سراجا ويحجبه بوعاء أو يضعه تحت سرير،بل يضعه علىمنارة ليستضيء به الداخلون.

فما من خفي إلا سيظهر، ولا من مكتوم إلا سيعلم ويعلن.

فتنبهوا كيف تسمعون! لأن من كان له شيء، يعطى، ومن ليس له شيء، ينتزع منه حتى الذي يظنه له)).

وجاءت إليه أمه وإخوته، فلم يستطيعوا الوصول إليه لكثرة الزحام.

فقيل له: (( إن أمك وإخوتك واقفون في خارج الدار يريدون أن يروك)).

فأجابهم: ((إن أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها )).

وفي أحد الأيام ركب سفينة هو وتلاميذه، فقال لهم: ((لنعبر إلى شاطئ البحيرة المقابل)). فأقلعوا.

وبينما هم سائرون نام يسوع. فهبت على البحيرة عاصفة فكاد الماء يغمرهم، وأصبحوا على خطر.

فدنوا منه فأيقظوه وقالوا:(( يا معلم ! يا معلم! لقد هلكنا)). فاستيقظ وزجر الريح والموج، فسكنا وعاد الهدوء.

فقال لهم:((أين إيمانكم ؟)) فخافوا وتعجبوا، وقال بعضهم لبعض: ((من ترى هذا حتى الرياح والأمواج يأمرها فتطيعه! )).

ثم أرسوا في ناحية الجرجسيين، وهي تقابل الشاطئ الجليلي.

ولما نزل إلى البر، تلقاه رجل من المدينة به مس من الشياطين. ولم يكن يلبس ثوبا من زمن طويل، ولا يأوي إلى بيت، بل إلى القبور.

فلما رأى يسوع، أخذ يصرخ، ثم ارتمى على قدميه وقال بأعلى صوته: ((ما لي ولك يا يسوع ابن الله العلي ؟ أسألك ألا تعذبني)).

لأنه أمر الروح النجس أن يخرج من الرجل. وكثيرا ما استحوذ عليه، فكان يحفظ مكبلا بالسلاسل والقيود، فيحطم الربط ويسوقه الشيطان إلى البراري.

فسأله يسوع: ((ما اسمك ؟)) قال: ((جيش)) لأن كثيرا من الشياطين كانوا قد دخلوا فيه.

فسألوه ألا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية.

وكان يرعى هناك في الجبل قطيع كبير من الخنازير، فسألوه أن يأذن لهم بالدخول فيها، فأذن لهم.

فخرج الشياطين من الرجل ودخلوا في الخنازير، فوثب القطيع من الجرف إلى البحيرة فغرق.

فلما رأى الرعاة ما جرى، هربوا ونقلوا الخبر إلى المدينة والمزارع.

فخرج الناس ليروا ما جرى. وجاؤوا إلى يسوع، فوجدوا الرجل الذي خرج منه الشياطين جالسا عند قدمي يسوع، لابسا صحيح العقل، فخافوا.

فأخبرهم الشهود كيف نجا الممسوس.

فسأله أهل ناحية الجرجسيين كلهم أن ينصرف عنهم، لما نالهم من الخوف الشديد. فركب السفينة ورجع من حيث أتى.

فسأله الرجل الذي خرج منه الشياطين أن يصحبه، فصرفه يسوع قال:

((ارجع إلى بيتك و حدث بكل ما صنع الله إليك)) . فمضى ينادي في المدينة كلها بكل ما صنع يسوع إليه.

ولما رجع يسوع، رحب به الجمع لأنهم كانوا كلهم ينتظرونه.

وإذا برجل اسمه يائيرس، وهو رئيس المجمع، قد جاء فارتمى على قدمي يسوع، وسأله أن يأتي بيته

لأن له ابنة وحيدة في نحو الثانية عشرة من عمرها، قد أشرفت على الموت. وبينما هو ذاهب، كانت الجموع تزحمه حتى تكاد أن تخنقه.

وكانت هناك امرأة منزوفة منذ اثنتي عشرة سنة، وكانت قد أنفقت جميع ما عندها على الأطباء، فلم يستطع أحد منهم أن يشفيها.

فدنت من خلف ولمست هدب ردائه، فوقف نزف دمها من وقته.

فقال يسوع: ((من لمسني ؟)) فلما أنكروا كلهم، قال بطرس: ((يا معلم، الجموع تزحمك وتضايقك ! ))

فقال يسوع:((قد لمسني أحدهم، لأني شعرت بقوة خرجت مني)).

فلما رأت المرأة أن أمرها لم يخف عليه، جاءت راجفة فارتمت على قدميه، وذكرت أمام الشعب كله لماذا لمسته وكيف برئت من وقتها.

فقال لها: ((يا ابنتي، إيمانك خلصك، فاذهبي بسلام)).

وبينما هو يتكلم، جاء أحد من عند رئيس المجمع فقال: (( ابنتك ماتت، فلا تزعج المعلم ))

فسمع يسوع فأجابه: ((لا تخف، آمن فحسب تخلص ابنتك )).

ولما وصل إلى البيت، لم يدع أحدا يدخل معه إلا بطرس ويوحنا ويعقوب وأبا الصبية وأمها.

وكان جميع الناس يبكون وينوحون عليها. فقال: ((لا تبكوا، لم تمت، إنما هي نائمة )).

فضحكوا منه، لعلمهم بأنها ماتت.

أما هو، فأخذ بيدها، وصاح بها: (( يا صبية، قومي! ))

فردت الروح إليها وقامت من وقتها. فأمر بأن تطعم.

فدهش أبواها، فأوصاهما ألا يخبرا أحدا بما جرى.

ودعا الاثني عشر، فأولاهم قدرة وسلطانا على جميع الشياطين، وعلى الأمراض لشفاء الناس منها.

ثم أرسلهم ليعلنوا ملكوت الله ويبرئوا المرضى.

وقال لهم: (( لا تحملوا للطريق شيئا، لا عصا ولا مزودا ولا خبزا ولا مالا، ولا يكن لأحد منكم قميصان.

وأي بيت دخلتم، فأقيموا فيه ومنه ارحلوا.

وأما الذين لا يقبلونكم،فاخرجوامن مدينتهم، وانفضوا الغبار عن أقدامكم شهادة عليهم )).

فمضوا وساروا في القرى، يبشرون ويشفون المرضى في كل مكان.

وسمع أمير الربع هيرودس بكل ما كان يجري، فحار في الأمر، لأن بعض الناس كانوا يقولون: ((إن يوحنا قام من بين الأموات )) ،

وبعضهم: (( إن إيليا ظهر )) ، وغيرهم: (( إن نبيا من الأنبياء الأولين قام )).

على أن هيرودس قال: (( أما يوحنا فقد قطعت أنا رأسه. فمن هذا الذي أسمع عنه مثل هذه الأمور؟ )) وكان يحاول أن يراه.

ولما رجع الرسل أخبروا يسوع بكل ما عملوا، فمضى بهم واعتزل وإياهم عند مدينة يقال لها بيت صيدا،

لكن الجموع علموا بالأمر فتبعوه، فاستقبلهم وكلمهم على ملكوت الله، وأبرأ الذين يحتاجون إلى الشفاء.

وأخذ النهار يميل، فدنا إليه الاثنا عشر وقالوا له: (( اصرف الجمع ليذهبوا إلى القرى والمزارع المجاورة، فيبيتوا فيها ويجدوا لهم طعاما، لأننا هنا في مكان قفر )).

فقال لــهم: (( أعطوهم أنتم ما يأكلون )). فقالوا: ((لا يزيد ما عندنا على خمسة أرغفة وسمكتين، إلا إذا مضينا نحن فاشترينا لجميع هذا الشعب طعاما)).

وكانوا نحو خمسة آلاف رجل. فقال لتلاميذه: (( أقعدوهم فئة فئة، في كل واحدة منها نحو الخمسين)).

ففعلوا فأقعدوهم جميعا.

فأخذ الأرغفة الخمسة والسمكتين، ورفع عينيه نحو السماء، ثم باركها وكسرها وجعل يناولها تلاميذه ليقدموها للجمع.

فأكلوا كلهم حتى شبعوا، ورفع ما فضل عنهم: اثنتا عشرة قفة من الكسر.

واتفق أنه كان يصلي في عزلة والتلاميذ معه فسألهم: (( من أنا في قول الجمــــوع؟ ))

فأجابوا: (( يوحنا المعمدان )). وبعضهم يقول: (( إيليا )). وبعضهم: (( نبي من الأولين قام )).

فقال لهم: (( ومن أنا في قولكم أنتم ؟ )) فأجاب بطرس: (( مسيح الله )).

فنهاهم بشدة أن يخبروا أحدا بذلك.

وقال: (( يجب على ابن الإنسان أن يعاني آلاما شديدة، وأن يرذله الشيوخ وعظماء الكهنة والكتبة، وأن يقتل ويقوم في اليوم الثالث )).

وقال للناس أجمعين: (( من أراد أن يتبعني، فليزهد في نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني.

لأن الذي يريد أن يخلص حياته يفقدها. وأما الذي يفقد حياته في سبيلي فإنه يخلصها.

فماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله، وفقد نفسه أو خسرها؟

لأن من يستحيي بي وبكلامي يستحيي به ابن الإنسان، متى جاء في مجده ومجد الآب والملائكة الأطهار.

وبحق أقول لكم: في جملة الحاضرين ههنا من لا يذوقون الموت حتى يشاهدوا ملكوت الله )).

وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام، مضى ببطرس ويوحنا ويعقوب وصعد الجبل ليصلي.

وبينما هو يصلي، تبدل منظر وجهه، وصارت ثيابه بيضا تتلألأ كالبرق.

وإذا رجلان يكلمانه، وهما موسى وإيليا،

قد تراءيا في المجد، وأخذا يتكلمان على رحيله الذي سيتم في أورشليم.

وكان بطرس واللذان معه قد أثقلهم النعاس. ولكنهم استيقظوا فعاينوا مجده والرجلين القائمين معه،

حتى إذا هما بالانصراف عنه قال بطرس ليسوع: (( يا معلم حسن أن نكون ههنا. فلو نصبنا ثلاث خيم، واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة لإيليا ! )) ولم يكن يدري ما يقول.

وبينما هو يتكلم، ظهر غمام ظللهم، فلما دخلوا في الغمام خاف التلاميذ.

وانطلق صوت من الغمام يقول: (( هذا هو ابني الذي اخترته، فله اسمعوا )).

وبينما الصوت ينطلق، بقي يسوع وحده، فالتزموا الصمت ولم يخبروا أحدا في تلك الأيام بشيء مما رأوا.

وفي الغد نزلوا من الجبل، فتلقاه جمع كثير.

وإذا رجل من الجمع قد صاح: (( يا معلم، أسألك أن تنظر إلى ابني فإنه وحيدي،

يحضره روح فيصرخ بغتة، ويخبطه حتى يزبد، ولا يفارقه إلا بعد أن يرضضه.

وقد سألت تلاميذك أن يطردوه فلم يستطيعوا )).

فأجاب يسوع: (( أيها الجيل الكافر الفاسد، حتام أبقى معكم وأحتملكم ؟ علي بابنك ! ))

وبينما هو يدنو منه صرعه الشيطان وخبطه فانتهر يسوع الروح النجس، وأبرأ الصبي ورده إلى أبيه.

فدهشوا جميعا من عظمة الله.

(( اجعلوا أنتم هذا الكلام في مسامعكم: إن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الناس )).

فلم يفهموا هذا الكلام وكان مغلقا عليهم، فما أدركوا معناه وخافوا أن يسألوه عن ذلك الأمر.

وجرى بينهم جدال فيمن تراه الأكبر فيهم.

فعلم يسوع ما يساور قلوبهم، فأخذ بيد طفل وأقامه بجانبه،

ثم قال لهم: (( من قبل هذا الطفل إكراما لاسمي فقد قبلني أنا، ومن قبلني قبل الذي أرسلني. فمن كان الأصغر فيكم جميعا فذلك هو الكبير )).

فتكلم يوحنا قال:(( يا معلم، رأينا رجلا يطرد الشياطين باسمك فأردنا أن نمنعه، لأنه لا يتبعك معنا )).

فقال له يسوع: (( لا تمنعوه، فمن لم يكن عليكم كان معكم )).

ولما حانت أيام ارتفاعه، عزم على الاتجاه إلى أورشليم.

فأرسل رسلا يتقدمونه، فذهبوا فدخلوا قرية للسامريين ليعدوا العدة لقدومه

فلم يقبلوه لأنه كان متجها إلى أورشليم.

فلما رأى ذلك تلميذاه يعقوب ويوحنا قالا: (( يا رب، أتريد أن نأمر النار فتنزل من السماء وتأكلهم؟ ))

فالتفت يسوع وانتهرهما.

فمضوا إلى قرية أخرى.

وبينما هم سائرون، قال له رجل في الطريق: ((أتبعك حيث تمضي )).

فقال له يسوع : (( إن للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكارا، وأما ابن الإنسان فليس له ما يضع عليه رأسه )).

وقال لآخر: (( اتبعني! )) فقال: (( إيذن لي أن أمضي أولا فأدفن أبي )).

فقال له: (( دع الموتى يدفنون موتاهم. وأما أنت فامض وبشر بملكوت الله )).

وقال له آخر: (( أتبعك يا رب، ولكن ائذن لي أولا أن أودع أهل بيتي )).

فقال له يسوع: ((ما من أحد يضع يده على المحراث، ثم يلتفت إلى الوراء، يصلح لملكوت الله )).

وبعد ذلك، أقام الرب اثنين وسبعين تلميذا آخرين، وأرسلهم اثنين اثنين يتقدمونه إلى كل مدينة أو مكان أوشك هو أن يذهب إليه.

وقال لهم: (( الحصاد كثير ولكن العملة قليلون، فاسألوا رب الحصاد أن يرسل عملة إلى حصاده.

اذهبوا ! فهاءنذا أرسلكم كالحملان بين الذئاب.

لا تحملوا كيس دراهم ولا مزودا ولا حذاء ولا تسلموا في الطريق على أحد.

وأي بيت دخلتم، فقولوا أولا: السلام على هذا البيت.

فإن كان فيه ابن سلام، فسلامكم يحل به، وإلا عاد إليكم.

وأقيموا في ذلك البيت تأكلون وتشربون مما عندهم، لأن العامل يستحق أجرته، ولا تنتقلوا من بيت إلى بيت.

وأية مدينة دخلتم وقبلوكم، فكلوا مما يقدم لكم.

واشفوا المرضى فيها وقولوا للناس: قد اقترب منكم ملكوت الله.

وأية مدينة دخلتم ولم يقبلوكم فاخرجوا إلى ساحاتها وقولوا:

حتى الغبار العالق بأقدامنا من مدينتكم ننفضه لكم. ولكن اعلموا بأن ملكوت الله قد اقترب.

(( أقول لكم: إن سدوم سيكون مصيرها في ذلك اليوم أخف وطأة من مصير تلك المدينة.

الويل لك يا كورزين! الويل لك يا بيت صيدا! فلو جرى في صور وصيدا ما جرى فيكما من المعجزات، لأظهرتا التوبة من زمن بعيد، فلبستا المسوح وقعدتا على الرماد.

ولكن صور وصيدا سيكون مصيرهما يوم الدينونة أخف وطأة من مصيركما.

وأنت يا كفرناحوم، أتراك ترفعين إلى السماء ؟ سيهبط بك إلى مثوى الأموات.

(( من سمع إليكم سمع إلي. ومن أعرض عنكم أعرض عني، ومن أعرض عني أعرض عن الذي أرسلني )).

ورجع التلامذة الاثنان والسبعون وقالوا فرحين: (( يا رب، حتى الشياطين تخضع لنا باسمك )).

فقال لهم: (( كنت أرى الشيطان يسقط من السماء كالبرق.

وها قد أوليتكم سلطانا تدوسون به الحيات والعقارب وكل قوة للعدو، ولن يضركم شيء.

ولكن لا تفرحوا بأن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بأن أسماءكم مكتوبة في السموات )).

في تلك الساعة تهلل بدافع من الروح القدس فقال: (( أحمدك يا أبت، رب السماء والأرض، على أنك أخفيت هذه الأشياء على الحكماء والأذكياء، وكشفتها للصغار. نعم، يا أبت، هذا ما كان رضاك.

قد سلمني أبي كل شيء، فما من أحد يعرف من الابن إلا الآب، ولا من الآب إلا الابن ومن شاء الابن أن يكشفه له )).

ثم التفت إلى التلاميذ، فقال لهم على حدة: (( طوبى للعيون التي تبصر ما أنتم تبصرون.

فإني أقول لكم إن كثيرا من الأنبياء والملوك تمنوا أن يروا ما أنتم تبصرون فلم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون فلم يسمعوا )).

وإذا أحد علماء الشريعة قد قام فقال ليحرجه: (( يا معلم، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ ))

فقال له: (( ماذا كتب في الشريعة ؟ كيف تقرأ؟ ))

فأجاب: (( أحبب الرب إلهك بكل قلبك، وكل نفسك، وكل قوتك، وكل ذهنك وأحبب قريبك حبك لنفسك )).

فقال له: ((بالصواب أجبت. اعمل هذا تحي )).

فأراد أن يزكي نفسه فقال ليسوع: (( ومن قريبـي؟ ))

فأجاب يسوع: ((كان رجل نازلا من أورشليم إلى أريحا، فوقع بأيدي اللصوص. فعروه وانهالوا عليه بالضرب. ثم مضوا وقد تركوه بين حي وميت.

فاتفق أن كاهنا كان نازلا في ذلك الطريق، فرآه فمال عنه ومضى.

وكذلك وصل لاوي إلى المكان، فرآه فمال عنه ومضى.

ووصل إليه سامري مسافر ورآه فأشفق عليه،

فدنا منه وضمد جراحه، وصب عليها زيتا وخمرا، ثم حمله على دابته وذهب به إلى فندق واعتنى بأمره.

وفي الغد أخرج دينارين، ودفعهما إلى صاحب الفندق وقال: (( اعتن بأمره، ومهما أنفقت زيادة على ذلك، أؤديه أنا إليك عند عودتي )).

فمن كان في رأيك، من هؤلاء الثلاثة، قريب الذي وقع بأيدي اللصوص؟ ))

فقال: (( الذي عامله بالرحمة )). فقال له يسوع: (( اذهب فاعمل أنت أيضا مثل ذلك )).

وبينما هم سائرون، دخل قرية فأضافته امرأة اسمها مرتا.

وكان لها أخت تدعى مريم، جلست عند قدمي الرب تستمع إلى كلامه.

وكانت مرتا مشغولة بأمور كثيرة من الخدمة، فأقبلت وقالت : (( يا رب، أما تبالي أن أختي تركتني أخدم وحدي ؟ فمرها أن تساعدني ))

فأجابها الرب: ((مرتا، مرتا، إنك في هم وارتباك بأمور كثيرة،

مع أن الحاجة إلى أمر واحد. فقد اختارت مريم النصيب الأفضل، ولن ينزع منها )).

وكان يصلي في بعض الأماكن، فلما فرغ قال له أحد تلاميذه:(( يا رب، علمنا أن نصلي كما علم يوحنا تلاميذه )).

فقال لهم: (( إذا صليتم فقولوا: أيها الآب ليقدس اسمك ليأت ملكوتك.

أرزقنا خبزنا كفاف يومنا

وأعفنا من خطايانا فإننا نعفي نحن أيضا كل من لنا عليه ولا تتركنا نتعرض للتجربة )).

وقال لهم: (( من منكم يكون له صديق فيمضي إليه عند نصف الليل، ويقول له: يا أخي، أقرضني ثلاثة أرغفة،

فقد قدم علي صديق من سفر، وليس عندي ما أقدم له،

فيجيب ذاك من الداخل: لا تزعجني، فالباب مقفل وأولادي معي في الفراش، فلا يمكنني أن أقوم فأعطيك.

أقول لكم: وإن لم يقم ويعطه لكونه صديقه، فإنه ينهض للجاجته، ويعطيه كل ما يحتاج إليه.

((وإني أقول لكم. اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يفتح لكم.

لأن كل من يسأل ينال، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له.

فأي أب منكم إذا سأله ابنه سمكة أعطاه بدل السمكة حية؟

أو سأله بيضة أعطاه عقربا ؟

فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تعطوا العطايا الصالحة لأبنائكم، فما أولى أباكم السماوي بأن يهب الروح القدس للذين يسألونه )).

وكان يطرد شيطانا أخرس. فلما خرج الشيطان تكلم الأخرس فأعجب الجموع.

على أن أناسا منهم قالوا: (( إنه ببعل زبول سيد الشياطين يطرد الشياطين )).

وطلب منه آخرون آية من السماء ليحرجوه.

فعرف قصدهم فقال لهم: (( كل مملكة تنقسم على نفسها تخرب وتنهار بيوتها بعضها على بعض.

وإذا انقسم الشيطان أيضا على نفسه فكيف تثبت مملكته ؟ فإنكم تقولون إني ببعل زبول أطرد الشياطين.

فإن كنت أنا ببعل زبول أطرد الشياطين، فبمن يطردهم أبناؤكم؟ لذلك هم الذين سيحكمون عليكم.

وأما إذا كنت بإصبع الله أطرد الشياطين، فقد وافاكم ملكوت الله.

إذا كان القوي المتسلح يحرس داره فإن أمواله في أمان.

ولكن إذا فاجأه من هو أقوى منه وغلبه، ينتزع ما كان يعتمد عليه من سلاح، ويوزع أسلابه.

(( من لم يكن معي كان علي، ومن لم يجمع معي كان مبددا.

(( إن الروح النجس، إذا خرج من الإنسان، هام في القفار يطلب الراحة فلا يجدها فيقول: أرجع إلى بيتي الذي منه خرجت.

فيأتي فيجده مكنوسا مزينا.

فيذهب ويستصحب سبعة أرواح أخبث منه، فيدخلون ويقيمون فيه، فتكون حالة ذلك الإنسان الأخيرة أسوأ من حالته الأولى )).

وبينما هو يقول ذلك، إذا امرأة رفعت صوتها من الجمع فقالت له: (( طوبى للبطن الذي حملك، وللثديين اللذين رضعتهما ! ))

فقال: (( بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويحفظها! )).

واحتشدت الجموع فأخذ يقول: (( إن هذا الجيل جيل فاسد يطلب آية، ولن يعطى سوى آية يونان.

فكما كان يونان آية لأهل نينوى، فكذلك يكون ابن الإنسان آية لهذا الجيل.

ملكة التيمن تقوم يوم الدينونة مع رجال هذا الجيل وتحكم عليهم، لأنها جاءت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وههنا أعظم من سليمان.

رجال نينوى يقومون يوم الدينونة مع هذا الجيل ويحكمون عليه، لأنهم تابوا بإنذار يونان، وههنا أعظم من يونان.

(( ما من أحد يوقد سراجا ويضعه في مخبأ أو تحت المكيال، بل على المنارة، ليستضيء به الداخلون.

سراج جسدك هو عينك. فإذا كانت عينك سليمة، كان جسدك كله نيرا. وأما إذا كانت مريضة، فجسدك كله يكون مظلما.

فانظر هل النور الذي فيك هو ظلام.

فإن جسدك كله نيرا وليس فيه جانب مظلم، كان بأجمعه نيرا كما لو أنار لك السراج بضوئه )) .

و بينما هو يقول ذلك، دعاه أحد الفريسيين إلى الغداء عنده. فدخل بيته وجلس للطعام.

ورأى الفريسي ذلك فعجب من أنه لم يغتسل أولا قبل الغداء.

فقال له الرب (( :أيها الفريسيون، أنتم الآن تطهرون ظاهر الكأس والصحفة، وباطنكم ممتلئ نهبا وخبثا.

أيها الأغبياء، أليس الذي صنع الظاهر قد صنع الباطن أيضا؟

فتصدقوا بما فيهما، يكن كل شيء لكم طاهرا.

ولكن الويل لكم أيها الفريسيون، فإنكم تؤدون عشر النعنع والسذاب وسائر البقول، وتهملون العدل ومحبة الله. فهذا ما كان يجب أن تعملوا به من دون أن تهملوا ذاك.

الويل لكم أيها الفريسيون، فإنكم تحبون صدر المجلس في المجامع وتلقي التحيات في الساحات.

الويل لكم، أنتم أشبه بالقبور التي لا علامة عليها، يمشي الناس عليها وهم لا يعلمون )).

فأجابه أحد علماء الشريعة: (( يا معلم، بقولك هذا تشتمنا نحن أيضا )).

فقال:(( الويل لكم أنتم أيضا يا علماء الشريعة، فإنكم تحملون الناس أحمالا ثقيلة، وأنتم لا تمسون هذه الأحمال بإحدى أصابعكم.

الويل لكم، فإنكم تبنون قبور الأنبياء، وآباؤكم هم الذين قتلوهم.

فأنتم تشهدون على أنكم توافقون على أعمال آبائكم: هم قتلوهم وأنتم تبنون قبورهم .

(( ولذلك قالت حكمة الله: سأرسل إليهم الأنبياء والرسل، وسيقتلون منهم ويضطهدون،

حتى يطالب هذا الجيل بدم جميع الأنبياء الذي سفك منذ إنشاء العالم،

من دم هابيل إلى دم زكريا الذي هلك بين المذبح والهيكل. أقول لكم: أجل، إنه سيطالب به هذا الجيل .

(( الويل لكم يا علماء الشريعة، قد استوليتم على مفتاح المعرفة، فلم تدخلوا أنتم، والذين أرادوا الدخول منعتموهم )).

فلما خرج من هناك، بلغ حقد الكتبة والفريسيين عليه مبلغا شديدا، فجعلوا يستدرجونه إلى الكلام على أمور كثيرة،

وهم ينصبون المكايد ليصطادوا من فمه كلمة.

واجتمع في أثناء ذلك ألوف من الناس، حتى داس بعضهم بعضا، فأخذ يقول لتلاميذه أولا:(( إياكم وخمير الفريسيين، أي الرياء.

فما من مستور إلا سيكشف، ولا من مكتوم إلا سيعلم.

فكل ما قلتموه في الظلمات سيسمع في وضح النهار، وما قلتموه في المخابئ همسا في الأذن سينادى به على السطوح.

(( وأقول لكم يا أحبائي، لا تخافوا الذين يقتلون الجسد ثم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا بعد ذلك.

ولكنني سأبين لكم من تخافون: خافوا من له القدرة بعد القتل على أن يلقي في جهنم. أقول لكم: نعم، هذا خافوه.

أما يباع خمسة عصافير بفلسين، ومع ذلك فما منها واحد ينساه الله.

بل شعر رؤوسكم نفسه معدود بأجمعه. فلا تخافوا، إنكم أثمن من العصافير جميعا.

(( وأقول لكم: كل من شهد لي أمام الناس، يشهد له ابن الإنسان أمام ملائكة الله.

ومن أنكرني أمام الناس، ينكر أمام ملائكة الله.

(( وكل من قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له. وأما من جدف على الروح القدس، فلن يغفر له.

(( وعندما تساقون إلى المجامع والحكام وأصحاب السلطة، فلا يهمنكم كيف تدافعون عن أنفسكم أو ماذا تقولون،

لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوا )).

فقال له رجل من الجمع: (( يا معلم، مر أخي بأن يقاسمني الميراث )) .

فقال له: ((يا رجل، من أقامني عليكم قاضيا أو قساما ؟ ))

ثم قال لهم: ((تبصروا واحذروا كل طمع، لأن حياة المرء، وإن اغتنى، لا تأتيه من أمواله )).

ثم ضرب لهم مثلا قال: (( رجل غني أخصبت أرضه،

فقال في نفسه: ماذا أعمل ؟ فليس لي ما أخزن فيه غلالي.

ثم قال: أعمل هذا: أهدم أهرائي وأبني أكبر منها، فأخزن فيها جميع قمحي وأرزاقي.

وأقول لنفسي: يا نفس، لك أرزاق وافرة تكفيك مؤونة سنين كثيرة، فاستريحي وكلي واشربي وتنعمي.

فقال له الله: يا غبي، في هذه الليلة تسترد نفسك منك، فلمن يكون ما أعددته ؟

فهكذا يكون مصير من يكنز لنفسه ولا يغتني عند الله )).

وقال لتلاميذه: (( لذلك أقول لكم: لا يهمكم للعيش ما تأكلون، ولا للجسد ما تلبسون،

لأن الحياة أعظم من الطعام، والجسد أعظم من اللباس.

انظروا إلى الغربان كيف لا تزرع ولا تحصد، وما من مخزن لها ولا هري، والله يرزقها، وكم أنتم أثمن من الطيور !

ومن منكم يستطيع، إذ اهتم، أن يضيف إلى حياته مقدار ذراع واحدة ؟

فإذا كنتم لا تستطيعون ولا إلى القليل سبيلا، فلماذا تكونون في هم من سائر الأمور ؟

انظروا إلى الزنابق كيف لا تغزل ولا تنسج. أقول لكم إن سليمان نفسه في كل مجده لم يلبس مثل واحدة منها.

فإذا كان العشب في الحقل، و هو يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور يلبسه الله هكذا، فما أحراكم بأن يلبسكم يا قليلي الإيمان ؟

فلا تطلبوا أنتم ما تأكلون أو ما تشربون ولا تكونوا في قلق،

فهذا كله يسعى إليه وثنيو هذا العالم، وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إليه.

بل اطلبوا ملكوته تزادوا ذلك.

(( لا تخف أيها القطيع الصغير، فقد حسن لدى أبيكم أن ينعم عليكم بالملكوت.

بيعوا أموالكم وتصدقوا بها واجعلوا لكم أكياسا لا تبلى، وكنزا في السموات لا ينفد، حيث لا سارق يدنو ولا سوس يفسد.

فحيث يكون كنزكم يكون قلبكم.

(( لتكن أوساطكم مشدودة، ولتكن سرجكم موقدة،

وكونوا مثل رجال ينتظرون رجوع سيدهم من العرس، حتى إذا جاء وقرع الباب يفتحون له من وقتهم.

طوبى لأولئك الخدم الذين إذا جاء سيدهم وجدهم ساهرين. الحق. أقول لكم إنه يشد وسطه ويجلسهم للطعام، ويدور عليهم يخدمهم.

وإذا جاء في الهزيع الثاني أو الثالث، ووجدهم على هذه الحال فطوبى لهم.

وأنتم تعلمون أنه لو عرف رب البيت في أية ساعة يأتي السارق لم يدع بيته ينقب.

فكونوا أنتم أيضا مستعدين، ففي الساعة التي لا تتوقعونها يأتي ابن الإنسان )).

فقال بطرس: (( يا رب، ألنا تضرب هذا المثل أم للناس جميعا؟ ))

فقال الرب: (( من تراه الوكيل الأمين العاقل الذي يقيمه سيده على خدمه ليعطيهم وجبتهم من الطعام في وقتها؟

طوبى لذلك الخادم الذي إذا جاء سيده وجده منصرفا إلى عمله هذا.

الحق أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله.

ولكن إذا قال ذلك الخادم في قلبه: إن سيدي يبطئ في مجيئه، وأخذ يضرب الخدم والخادمات، ويأكل ويشرب ويسكر،

فيأتي سيد ذلك الخادم في يوم لا يتوقعه وساعة لا يعلمها، فيفصله ويجزيه جزاء الكافرين.

(( فذاك الخادم الذي علم مشيئة سيده وما أعد شيئا، ولا عمل بمشيئة سيده، يضرب ضربا كثيرا.

وأما الذي لم يعلمها، وعمل ما يستوجب به الضرب، فيضرب ضربا قليلا. ومن أعطي كثيرا يطلب منه الكثير، ومن أودع كثيرا يطالب بأكثر منه.

((جئت لألقي على الأرض نارا، وما أشد رغبتي أن تكون قد اشتعلت !

وعلي أن أقبل معمودية، وما أشد ضيقي حتى تتم!

((أتظنون أني جئت لأحل السلام في الأرض ؟ أقول لكم: لا، بل الانقسام.

فيكون بعد اليوم خمسة في بيت واحد منقسمين، ثلاثة منهم على اثنين واثنان على ثلاثة:

سينقسم الناس فيكون الأب على ابنه والابن على أبيه، والأم على بنتها والبنت على أمها، والحماة على كنتها والكنة على حماتها )).

وقال أيضا للجموع: ((إذا رأيتم غمامة ترتفع في المغرب، قلتم من وقتكم: سينزل المطر، فيكون كذلك.

وإذا هبت الجنوب قلتم: سيكون الجو حارا، فيكون ذلك.

أيها المراؤون، تحسنون تفهم منظر الأرض والسماء، فكيف لا تحسنون تفهم الوقت الحاضر؟

ولم لا تحكمون بالعدل من عندكم؟

فإذا ذهبت مع خصمك إلى الحاكم، فاجتهد أن تنهي أمرك معه في الطريق، لئلا يسوقك إلى القاضي، فيسلمك القاضي إلى الشرطي، ويلقيك الشرطي في السجن.

أقول لك: لن تخرج منه حتى تؤدي آخر فلس )).

وفي ذلك الوقت حضر أناس وأخبروه خبر الجليليين الذين خلط بيلاطس دماءهم بدماء ذبائحهم.

فأجابهم: ((أتظنون هؤلاء الجليليين أكبر خطيئة من سائر الجليليين حتى أصيبوا بذلك؟

أقول لكم: لا، ولكن إن لم تتوبوا، تهلكوا بأجمعكم مثلهم.

وأولئك الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم، أتظنونهم أكبر ذنبا من سائر أهل أورشليم ؟

أقول لكم: لا ولكن إن لم تتوبوا تهلكوا بأجمعكم كذلك )).

وضرب هذا المثل: ((كان لرجل تينة مغروسة في كرمه، فجاء يطلب ثمرا عليها فلم يجد.

فقال للكرام: ((ني آتي منذ ثلاث سنوات إلى التينة هذه أطلب ثمرا عليها فلا أجد، فاقطعها! لماذا تعطل الأرض؟))

فأجابه: ((سيدي، دعها هذه السنة أيضا، حتى أقلب الأرض من حولها وألقي سمادا.

فلربما تثمر في العام المقبل وإلا فتقطعها )).

وكان يعلم في بعض المجامع يوم السبت،

وهناك امرأة قد استولى عليها روح فأمرضها منذ ثماني عشرة سنة، فكانت منحنية الظهر لا تستطيع أن تنتصب على الإطلاق.

فرآها يسوع فدعاها وقال لها: (( يا امرأة، أنت معافاة من مرضك )).

ثم وضع يديه عليها، فانتصبت من وقتها وأخذت تمجد الله.

فاستاء رئيس المجمع، لأن يسوع أجرى الشفاء في السبت، فقال للجمع: ((هناك ستة أيام يجب العمل فيها، فتعالوا واستشفوا خلالها، لا يوم السبت )).

فأجابه الرب: ((أيها المراؤون، أما يحل كل منكم يوم السبت رباط ثوره أو حماره من المذود، ويذهب به فيسقيه؟

وهذه ابنة إبرهيم قد ربطها الشيطان منذ ثماني عشرة سنة، أفما كان يجب أن تحل من هذا الرباط يوم السبت؟ ))

ولما قال ذلك، خزي جميع خصومه وابتهج الجمع كله بجميع الأعمال المجيدة التي كانت تجري عن يده.

وقال: ((ماذا يشبه ملكوت الله وبماذا أشبهه ؟

مثله كمثل حبة خردل أخذها رجل وألقاها في بستانه، فنمت وصارت شجرة تعشش طيور السماء في أغصانها )).

وقال أيضا: ((بماذا أشبه ملكوت الله ؟

مثله كمثل خميرة أخذتها امرأة، فجعلتها في ثلاثة مكاييل من الدقيق حتى اختمرت كلها )).

وكان يمر بالمدن والقرى، فيعلم فيها، وهو سائر إلى أورشليم.

فقال له رجل: ((يا رب، هل الذين يخلصون قليلون؟ ))

فقال لهم: اجتهدوا أن تدخلوا من الباب الضيق. أقول لكم إن كثيرا من الناس سيحاولون الدخول فلا يستطيعون.

((وإذا قام رب البيت وأقفل الباب،فوقفتم في خارجه وأخذتم تقرعون الباب وتقولون: يا رب افتح لنا، فيجيبكم: لا أعرف من أين أنتم،

حينئذ تقولون: لقد أكلنا وشربنا أمامك، ولقد علمت في ساحاتنا.

فيقول لكم: لا أعرف من أين أنتم. إليكم عني يا فاعلي السوء جميعا!

فهناك البكاء وصريف الأسنان، إذ ترون إبرهيم وإسحق ويعقوب وجميع الأنبياء في ملكوت الله، وترون أنفسكم في خارجه مطرودين.

وسوف يأتي الناس من المشرق والمغرب، ومن الشمال والجنوب، فيجلسون على المائدة في ملكوت الله.

فهناك آخرون يصيرون أولين وأولون يصيرون آخرين )).

في تلك الساعة دنا بعض الفريسيين فقالوا له: ((اخرج فاذهب من هنا، لأن هيرودس يريد أن يقتلك )).

فقال لهم: ((اذهبوا فقولوا لهذا الثعلب: ها إني أطرد الشياطين وأجري الشفاء اليوم وغدا، وفي اليوم الثالث ينتهي أمري.

ولكن يجب علي أن أسير اليوم وغدا واليوم الذي بعدهما لأنه لا ينبغي لنبي أن يهلك في خارج أورشليم.

أورشليم أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها! كم مرة أردت أن أجمع أبناءك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها! فلم تريدوا.

ها هوذا بيتكم يترك لكم. وإني أقول لكم: لا ترونني حتى يأتي يوم تقولون فيه: ((تبارك الآتي باسم الرب ! ))

ودخل يوم السبت بيت أحد رؤساء الفريسيين ليتناول الطعام، وكانوا يراقبونه.

وإذا أمامه رجل به استسقاء

فقال يسوع لعلماء الشريعة وللفريسيين: ((أيحل الشفاء في السبت أم لا؟ ))

فلم يجيبوا بشيء. فأخذ بيده وأبرأه وصرفه.

ثم قال لهم: ((من منكم يقع ابنه أو ثوره في بئر فلا يخرجه منها لوقته يوم السبت ؟ ))

فلم يجدوا جوابا عن ذلك.

وضرب للمدعوين مثلا، وقد رأى كيف يتخيرون المقاعد الأولى، قال لهم:

((إذا دعيت إلى عرس، فلا تجلس في المقعد الأول، فلربما دعي من هو أكرم منك،

فيأتي الذي دعاك ودعاه فيقول لك: أخل الموضع لهذا. فتقوم خجلا وتتخذ الموضع الأخير.

ولكن إذا دعيت فامض إلى المقعد الأخير، واجلس فيه، حتى إذا جاء الذي دعاك، قال لك: قم إلى فوق، يا أخي. فيعظم شأنك في نظر جميع جلسائك على الطعام.

فمن رفع نفسه وضع، ومن وضع نفسه رفع )).

وقال أيضا للذي دعاه: ((إذا صنعت غداء أو عشاء، فلا تدع أصدقاءك ولا إخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء، لئلا يدعوك هم أيضا فتنال المكافأة على صنيعك.

ولكن إذا أقمت مأدبة فادع الفقراء والكسحان والعرجان والعميان.

فطوبى لك إذ ذاك لأنهم ليس بإمكانهم أن يكافئوك فتكافأ في قيامة الأبرار )).

وسمع ذلك الكلام أحد الجلساء على الطعام فقال له: ((طوبى لمن يتناول الطعام في ملكوت الله )).

فقال له: ((صنع رجل عشاء فاخرا، ودعا إليه كثيرا من الناس.

ثم أرسل خادمه ساعة العشاء يقول للمدعوين: تعالوا، فقد أعد العشاء.

فجعلوا كلهم يعتذرون الواحد بعد الآخر. قال له الأول: قد اشتريت حقلا فلا بد لي أن أذهب فأراه، أسألك أن تعذرني.

وقال آخر: قد اشتريت خمسة فدادين، وأنا ذاهب لأجربها، أسألك أن تعذرني.

وقال آخر: قد تزوجت فلا أستطيع المجيء.

فرجع الخادم وأخبر سيده بذلك، فغضب رب البيت وقال لخادمه: اخرج على عجل إلى ساحات المدينة وشوارعها، وأت إلى هنا بالفقراء والكسحان والعميان والعرجان.

فقال الخادم: سيدي، قد أجري ما أمرت به ولا يزال هناك مكان فارغ.

فقال السيد للخادم: اخرج إلى الطرق والأماكن المسيجة، وأرغم من فيها على الدخول، حتى يمتلئ بيتي،

فإني أقول لكم: لن يذوق عشائي أحد من أولئك المدعوين )).

وكانت جموع كثيرة تسير معه فالتفت وقال لهم:

((من أتى إلي ولم يفضلني على أبيه وأمه وامرأته وبنيه وإخوته وأخواته، بل على نفسه أيضا، لا يستطيع أن يكون لي تلميذا

ومن لم يحمل صليبه ويتبعني، لا يستطيع أن يكون لي تلميذا.

فمن منكم، إذا أراد أن يبني برجا، لا يجلس قبل ذلك ويحسب النفقة، ليرى هل بإمكانه أن يتمه،

مخافة أن يضع الأساس ولا يقدر على الإتمام، فيأخذ جميع الناظرين إليه يسخرون منه

ويقولون: هذا الرجل شرع في بناء ولم يقدر على إتمامه.

أم أي ملك يسير إلى محاربة ملك آخر، ولا يجلس قبل ذلك فيفكر ليرى هل يستطيع أن يلقى بعشرة آلاف من يزحف إليه بعشرين ألفا؟

وإلا أرسل وفدا، مادام ذلك الملك بعيدا عنه، يسأله عن شروط الصلح.

وهكذا كل واحد منكم لا يتخلى عن جميع أمواله لا يستطيع أن يكون لي تلميذا.

((إن الملح شيء جيد، ولكن إذا فسد الملح نفسه فأي شيء يطيبه؟

إنه لا يصلح للأرض ولا للزبل، بل يطرح في خارج الدار. من كان له أذنان تسمعان فليسمع! )).

وكان الجباة والخاطئون يدنون منه جميعا ليستمعوا إليه.

فكان الفريسيون والكتبة يتذمرون فيقولون: ((هذا الرجل يستقبل الخاطئين ويأكل معهم! ))

فضرب لهم هذا المثل قال:

((أي امرئ منكم إذا كان له مائة خروف فأضاع واحدا منها، لا يترك التسعة والتسعين في البرية، ويسعى إلى الضال حتى يجده؟

فإذا وجده حمله على كتفيه فرحا،

ورجع به إلى البيت ودعا الأصدقاء والجيران وقال لهم: إفرحوا معي، فقد وجدت خروفي الضال!

أقول لكم: هكذا يكون الفرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر منه بتسعة وتسعين من الأبرار لا يحتاجون إلى التوبة.

((أم أية امرأة إذا كان عندها عشرة دراهم، فأضاعت درهما واحدا، لا توقد سراجا وتكنس البيت وتجد في البحث عنه حتى تجده ؟

فإذا وجدته دعت الصديقات والجارات وقالت: إفرحن معي، فقد وجدت درهمي الذي أضعته!

أقول لكم: هكذا يفرح ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب )).

وقال: ((كان لرجل ابنان.

فقال أصغرهما لأبيه: يا أبت أعطني النصيب الذي يعود علي من المال. فقسم ماله بينهما.

وبعد بضعة أيام جمع الابن الأصغر كل شيء له، وسافر إلى بلد بعيد، فبدد ماله هناك في عيشة إسراف.

فلما أنفق كل شيء، أصابت ذلك البلد مجاعة شديدة، فأخذ يشكو العوز.

ثم ذهب فالتحق برجل من أهل ذلك البلد، فأرسله إلى حقوله يرعى الخنازير.

وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، فلا يعطيه أحد.

فرجع إلى نفسه وقال: كم أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك هنا جوعا!

أقوم وأمضي إلى أبي فأقول له: يا أبت إني خطئت إلى السماء وإليك.

ولست أهلا بعد ذلك لأن أدعى لك ابنا، فاجعلني كأحد أجرائك.

فقام ومضى إلى أبيه. وكان لم يزل بعيدا إذ رآه أبوه، فتحركت أحشاؤه وأسرع فألقى بنفسه على عنقه وقبله طويلا.

فقال له الابن: يا أبت، إني خطئت إلى السماء وإليك، ولست أهلا بعد ذلك لأن أدعى لك ابنا.

فقال الأب لخدمه: أسرعوا فأتوا بأفخر حلة وألبسوه، واجعلوا في إصبعه خاتما وفي قدميه حذاء،

وأتوا بالعجل المسمن واذبحوه فنأكل ونتنعم،

لأن ابني هذا كان ميتا فعاش، وكان ضالا فوجد. فأخذوا يتنعمون.

وكان ابنه الأكبر في الحقل، فلما رجع واقترب من الدار، سمع غناء ورقصا.

فدعا أحد الخدم واستخبر ما عسى أن يكون ذلك.

فقال له: قدم أخوك فذبح أبوك العجل المسمن لأنه لقيه سالما.

فغضب وأبى أن يدخل. فخرج إليه أبوه يسأله أن يدخل،

فأجاب أباه: ها إني أخدمك منذ سنين طوال، وما عصيت لك أمرا قط، فما أعطيتني جديا واحدا لأتنعم به مع أصدقائي.

ولما قدم ابنك هذا الذي أكل مالك مع البغايا ذبحت له العجل المسمن!

فقال له: يا بني، أنت معي دائما أبدا، وجميع ما هو لي فهو لك.

ولكن قد وجب أن نتنعم ونفرح، لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش، وكان ضالا فوجد )).

وقال أيضا لتلاميذه: ((كان رجل غني وكان له وكيل فشكي إليه بأنه يبذر أمواله .

فدعاه وقال له: ما هذا الذي أسمع عنك ؟ أد حساب وكالتك، فلا يمكنك بعد اليوم أن تكون لي وكيلا.

فقال الوكيل في نفسه: ماذا أعمل ؟ فإن سيدي يسترد الوكالة مني، وأنا لا أقوى على الفلاحة، وأخجل بالاستعطاء.

قد عرفت ماذا أعمل حتى إذا نزعت عن الوكالة، يكون هناك من يقبلونني في بيوتهم.

فدعا مديني سيده واحدا بعد الآخر وقال للأول: كم عليك لسيدي ؟

قال: مائة كيل زيتا: فقال له: إليك صكك، فاجلس واكتب على عجل: خمسين.

ثم قال لآخر: وأنت كم عليك ؟ قال: مائة كيل قمحا. قال له: إليك صكك، فاكتب: ثمانين.

فأثنى السيد على الوكيل الخائن، لأنه كان فطنا في تصرفه. وذلك أن أبناء هذه الدنيا أكثر فطنة مع أشباههم من أبناء النور.

((وأنا أقول لكم: اتخذوا لكم أصدقاء بالمال الحرام، حتى إذا فقد قبلوكم في المساكن الأبدية.

من كان أمينا على القليل، كان أمينا على الكثير أيضا. ومن كان خائنا في القليل كان خائنا في الكثير أيضا.

فإذا لم تكونوا أمناء على المال الحرام،فعلى الخير الحق من يأتمنكم ؟

وإذا لم تكونوا أمناء على ما ليس لكم، فمن يعطيكم ما لكم؟

((ما من خادم يستطيع أن يعمل لسيدين، لأنه إما أن يبغض أحدهما ويحب الآخر، وإما أن يلزم أحدهما ويزدري الآخر. فأنتم لا تستطيعون أن تعملوا لله وللمال )).

وكان الفريسيون، وهم محبون للمال، يسمعون هذا كله ويهزأون به.

فقال لهم: ((أنتم تزكون أنفسكم في نظر الناس، لكن الله عالم بما في قلوبكم، لأن الرفيع عند الناس رجس في نظر الله.

((دام عهد الشريعة والأنبياء حتى يوحنا، ومن ذلك الحين يبشر بملكوت الله، وكل امرئ ملزم بدخوله.

(( لأن تزول السماء والأرض أيسر من أن تسقط نقطة واحدة من الشريعة.

((كل من طلق امرأته وتزوج غيرها فقد زنى، ومن تزوج التي طلقها زوجها فقد زنى.

((كان رجل غني يلبس الأرجوان والكتان الناعم، ويتنعم كل يوم تنعما فاخرا.

وكان رجل فقير اسمه لعازر ملقى عند بابه قد غطت القروح جسمه.

وكان يشتهي أن يشبع من فتات مائدة الغني. غير أن الكلاب كانت تأتي فتلحس قروحه.

ومات الفقير فحملته الملائكة إلى حضن إبراهيم. ثم مات الغني ودفن.

فرفع عينيه وهو في مثوى الأموات يقاسي العذاب، فرأى إبراهيم عن بعد ولعازر في أحضانه.

فنادى: يا أبت إبراهيم ارحمني فأرسل لعازر ليبل طرف إصبعه في الماء ويبرد لساني، فإني معذب في هذا اللهيب.

فقال إبراهيم: يا بني، تذكر أنك نلت خيراتك في حياتك ونال لعازر البلايا. أما اليوم فهو ههنا يعزى وأنت تعذب.

ومع هذا كله، فبيننا وبينكم أقيمت هوة عميقة، لكيلا يستطيع الذين يريدون الاجتياز من هنا إليكم أن يفعلوا ولكيلا يعبر من هناك إلينا.

فقال: أسألك إذا يا أبت أن ترسله إلى بيت أبي،

فإن لي خمسة إخوة. فلينذرهم لئلا يصيروا هم أيضا إلى مكان العذاب هذا.

فقال إبراهيم: عندهم موسى والأنبياء، فليستمعوا إليهم.

فقال: لا يا أبت إبراهيم، ولكن إذا مضى إليهم واحد من الأموات يتوبون.

فقال له: إن لم يستمعوا إلى موسى والأنبياء، لا يقتنعوا ولو قام واحد من الأموات )).

وقال لتلاميذه: (( لا محالة من وجود أسباب العثرات ولكن الويل لمن تأتي عن يده.

فلأن تعلق الرحى في عنقه ويلقى في البحر أولى به من أن يكون حجر عثرة لأحد هؤلاء الصغار.

فخذوا الحذر لأنفسكم.

وإذا خطئ إليك سبع مرات في اليوم، ورجع إليك سبع مرات فقال: أنا تائب، فاغفر له )).

وقال الرسل للرب: ((زدنا إيمانا ))

فقال الرب: (( إذا كان لكم إيمان بمقدار حبة خردل، قلتم لهذه التوتة: انقلعي وانغرسي في البحر، فأطاعتكم.

(( من منكم له خادم يحرث أو يرعى، إذا رجع من الحقل، يقول له: تعال فاجلس للطعام!

ألا يقول له: أعدد لي العشاء، واشدد وسطك واخدمني حتى آكل وأشرب، ثم تأكل أنت بعد ذلك وتشرب.

أتراه يشكر للخادم أنه فعل ما أمر به ؟

وهكذا أنتم، إذا فعلتم جميع ما أمرتم به فقولوا: نحن خدم لا خير فيهم، وما كان يجب علينا أن نفعله فعلناه )).

وبينما هو سائر إلى أورشليم، مر بالسامرة والجليل.

وعند دخوله بعض القرى، لقيه عشرة من البرص، فوقفوا عن بعد،

ورفعوا أصواتهم قالوا: (( رحماك يا يسوع أيها المعلم! ))

فلما رآهم قال لهم: (( امضوا إلى الكهنة فأروهم أنفسكم )). وبينما هم ذاهبون برئوا.

فلما رأى واحد منهم أنه قد برئ، رجع وهو يمجد الله بأعلى صوته،

وسقط على وجهه عند قدمي يسوع يشكره، وكان سامريا.

فقال يسوع: (( أليس العشرة قد برئوا ؟ فأين التسعة ؟

أما كان فيهم من يرجع ويمجد الله سوى هذا الغريب؟ ))

ثم قال له: (( قم فامض، إيمانك خلصك )).

وسأله الفريسيون متى يأتي ملكوت الله. فأجابهم: (( لا يأتي ملكوت الله على وجه يراقب.

ولن يقال: ها هوذا هنا، أو ها هوذا هناك. فها إن ملكوت الله بينكم )).

وقال للتلاميذ: (( ستأتي أيام تشتهون فيها أن تروا يوما واحدا من أيام ابن الإنسان ولن تروا.

وسيقال لكم: هاهوذا هناك، هاهوذا هنا، فلا تذهبوا ولا تندفعوا.

فكما أن البرق يبرق فيلمع من أفق إلى أفق آخر، فكذلك ابن الإنسان يوم مجيئه.

ولكن يجب عليه قبل ذلك أن يعاني آلاما شديدة، وأن يرذله هذا الجيل.

وكما حدث في أيام نوح، فكذلك يحدث في أيام ابن الإنسان:

كان الناس يأكلون ويشربون، والرجال يتزوجون والنساء يزوجن، إلى يوم دخل نوح السفينة، فجاء الطوفان وأهلكهم أجمعين.

وكما حدث في أيام لوط، إذ كانوا يأكلون ويشربون، ويشترون ويبيعون، ويغرسون ويبنون،

ولكن يوم خرج لوط من سدوم، أمطر الله نارا وكبريتا من السماء فأهلكهم أجمعين،

فكذلك يكون الأمر يوم يظهر ابن الإنسان.

فمن كان في ذلك اليوم على السطح وأمتعته في البيت، فلا ينـزل ليأخذها. ومن كان في الحقل فلا يرتد إلى الوراء.

تذكروا امرأة لوط !

من أراد أن يحفظ حياته يفقدها، ومن فقد حياته يخلصها.

أقول لكم: سيكون في تلك الليلة رجلان على سرير واحد، فيقبض أحدهما ويترك الآخر.

وتكون امرأتان تطحنان معا، فتقبض إحداهما وتترك الأخرى ))

فسألوه: (( أين، يا رب؟ )) فقال لهم: (( حيث تكون الجيفة تتجمع النسور )).

وضرب لهم مثلا في وجوب المداومة على الصلاة من غير ملل،

قال: (( كان في إحدى المدن قاض لا يخاف الله ولا يهاب الناس.

وكان في تلك المدينة أرملة تأتيه فتقول: أنصفني من خصمي،

فأبى عليها ذلك مدة طويلة، ثم قال في نفسه: أنا لا أخاف الله ولا أهاب الناس،

ولكن هذه الأرملة تزعجني، فسأنصفها لئلا تظل تأتي وتصدع رأسي )).

ثم قال الرب: (( اسمعوا ما قال القاضي الظالم.

أفما ينصف الله مختاريه الذين ينادونه نهارا وليلا وهو يتمهل في أمرهم؟

أقول لكم: إنه يسرع إلى إنصافهم. ولكن، متى جاء ابن الإنسان، أفتراه يجد الإيمان على الأرض؟ ))

وضرب أيضا هذا المثل لقوم كانوا متيقنين أنهم أبرار، ويحتقرون سائر الناس:

(( صعد رجلان إلى الهيكل ليصليا، أحدهما فريسي والآخر جاب.

فانتصب الفريسي قائما يصلي فيقول في نفسه: (( اللهم، شكرا لك لأني لست كسائر الناس السراقين الظالمين الفاسقين، ولا مثل هذا الجابي.

إني أصوم مرتين في الأسبوع، وأؤدي عشر كل ما أقتني )).

أما الجابي فوقف بعيدا لا يريد ولا أن يرفع عينيه نحو السماء، بل كان يقرع صدره ويقول: (( اللهم ارحمني أنا الخاطئ ! ))

أقول لكم إن هذا نزل إلى بيته مبرورا وأما ذاك فلا. فكل من رفع نفسه وضع، ومن وضع نفسه رفع ))

وأتوه بالأطفال أيضا ليضع يديه عليهم. فلما رأى التلاميذ ذلك انتهروهم.

فدعا يسوع الأطفال إليه وقال: (( دعوا الأطفال يأتون إلي، لا تمنعوهم، فلأمثال هؤلاء ملكوت الله.

الحق أقول لكم: من لم يقبل ملكوت الله مثل الطفل لا يدخله )).

وسأله أحد الوجهاء: (( أيها المعلم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية ؟ ))

فقال له يسوع: (( لم تدعوني صالحا ؟ لا صالح إلا الله وحده.

أنت تعرف الوصايا: لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك )).

فقال: (( هذا كله حفظته منذ صباي ! ))

فلما سمع يسوع ذلك قال له: واحدة تنقصك بعد: بع جميع ما تملك ووزعه على الفقراء، فيكون لك كنز في السموات، وتعال فاتبعني )).

فلما سمع ذلك اغتم لأنه كان غنيا جدا.

فلما رأى يسوع ما كان منه قال: (( ما أعسر دخول ملكوت الله على ذوي المال.

فلأن يدخل الجمل في ثقب الإبرة أيسر من أن يدخل الغني ملكوت الله )).

فقال السامعون: (( فمن يقدر أن يخلص ؟ ))

فقال: (( ما يعجز الناس فإن الله عليه قدير )).

فقال له بطرس: (( ها قد تركنا نحن ما عندنا وتبعناك )).

فقال لهم: (( الحق أقول لكم: ما من أحد ترك بيتا أو امرأة أو إخوة أو والدين أو بنين من أجل ملكوت الله،

إلا نال في هذه الدنيا أضعافا، ونال في الآخرة الحياة الأبدية )).

ومضى بالاثني عشر فقال لهم: (( ها نحن صاعدون إلى أورشليم، فيتم جميع ما كتب الأنبياء في شأن ابن الإنسان:

فسيسلم إلى الوثنيين فيسخرون منه ويشتمونه، ويبصقون عليه،

ويجلدونه فيقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم )).

فلم يفهموا شيئا من ذلك، وكان هذا الكلام مغلقا عليهم، فلم يدركوا ما قيل.

واقترب من أريحا، وكان رجل أعمى جالسا على جانب الطريق يستعطي.

فلما سمع صوت جمع يمر بالـمكان، استخبر عن ذلك ما عسى أن يكون.

فأخبروه أن يسوع الناصري مار من هناك.

فأخذ يصيح فيقول: (( رحماك يا يسوع ابن داود! ))

فانتهره الذين يسيرون في المقدمة ليسكت. فصاح أشد الصياح قال: (( رحماك يا ابن داود! ))

فوقف يسوع وأمر بأن يؤتى به. فلما دنا سأله:

(( ماذا تريد أن أصنع لك )) فقال: (( يا رب، أن أبصر )).

فقال له يسوع: (( أبصر، إيمانك خلصك! ))

فأبصر من وقته وتبعه وهو يمجد الله، ورأى الشعب بأجمعه ما جرى فسبح الله.

ودخل أريحا وأخذ يجتازها.

فإذا رجل يدعى زكا وهو رئيس للعشارين غني

قد جاء يحاول أن يرى من هو يسوع، فلم يستطع لكثرة الزحام، لأنه كان قصير القامة،

فتقدم مسرعا وصعد جميزة ليراه، لأنه أوشك أن يمر بها.

فلما وصل يسوع إلى ذلك المكان، رفع طرفه وقال له: (( يا زكا انزل على عجل، فيجب علي أن أقيم اليوم في بيتك )).

فنزل على عجل وأضافه مسرورا.

فلما رأوا ذلك قالوا كلهم متذمرين: (( دخل منزل رجل خاطئ ليبيت عنده! ))

فوقف زكا فقال للرب: (( يا رب، ها إني أعطي الفقراء نصف أموالي، وإذا كنت ظلمت أحدا شيئا، أرده عليه أربعة أضعاف )).

فقال يسوع فيه: (( اليوم حصل الخلاص لهذا البيت، فهو أيضا ابن إبراهيم.

لأن ابن الإنسان جاء ليبحث عن الهالك فيخلصه )).

وبينما هم يصغون إلى هذا الكلام، أضاف إليه مثلا لأنه قرب من، أورشليم، وكانوا يظنون أن ملكوت الله يوشك أن يظهر في ذلك الحين،

قال: (( ذهب رجل شريف النسب إلى بلد بعيد، ليحصل على الملك ثم يعود.

فدعا عشرة خدام له، وأعطاهم عشرة أمناء وقال لهم: تاجروا بها إلى أن أعود.

وكان أهل بلده يبغضونه، فأرسلوا وفدا في إثره يقولون: لا نريد هذا ملكا علينا.

فلما رجع بعد ما حصل على الـملك أمر بأن يدعى هؤلاء الخدم الذين أعطاهم المال، ليعلم ما بلغ مكسب كل منهم.

فمثل الأول أمامه وقال: يا مولاي، ربح مناك عشرة أمناء.

فقال له: أحسنت أيها الخادم الصالح، كنت أمينا على القليل، فليكن لك السلطان على عشر مدن.

وجاء الثاني فقال: يا مولاي، ربح مناك خمسة أمناء.

فقال لهذا أيضا: وأنت كن على خمس مدن.

وجاء الآخر فقال: يا مولاي، هوذا مناك قد حفظته في منديل

لأني خفتك، فأنت رجل شديد، تأخذ ما لم تستودع وتحصد ما لم تزرع.

فقال له: بكلام فمك أدينك أيها الخادم الشرير ! عرفتني رجلا شديدا، آخذ ما لم أستودع وأحصد ما لم أزرع،

فلماذا لم تضع مالي في بعض المصارف؟ وكنت في عودتي أسترده مع الفائدة.

ثم قال للحاضرين: خذوا منه المنا وأعطوه صاحب الأمناء العشرة.

فقالوا له: يا مولانا، عنده عشرة أمناء.

أقول لكم: كل من كان له شيء، يعطى. ومن ليس له شيء ينتزع منه حتى الذي له.

أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوني ملكا عليهم، فأتوا بهم إلى هنا، واضربوا أعناقهم أمامي )).

قال هذا ثم تقدم صاعدا إلى أورشليم.

ولما قرب من بيت فاجي وبيت عنيا عند الجبل الذي يقال له جبل الزيتون، أرسل اثنين من تلاميذه،

وقال لهما: ((اذهبا إلى القرية التي تجاهكما، تجدا عندما تدخلانها جحشا مربوطا ما ركبه أحد قط، فحلا رباطه وأتيا به.

فإن سألكما سائل: لم تحلان رباطه ؟ فقولا: لأن الرب محتاج إليه )).

فذهب المرسلان فوجدا كما قال لهما.

وبينما هما يحلان رباط الجحش، قال لهما أصحابه: ((لم تحلان رباط الجحش ؟ ))

فقالا: ((لأن الرب محتاج إليه )).

فجاءا بالجحش إلى يسوع،ووضعا ردائيهما عليه وأركبا يسوع.

فسار والناس يبسطون أرديتهم على الطريق.

ولما قرب من منحدر جبل الزيتون، أخذ جماعة التلاميذ كلها، وقد استولى عليهم الفرح، يسبحون الله بأعلى أصواتهم على جميع ما شاهدوا من المعجزات،

فكانوا يقولون: ((تبارك الآتي، الملك باسم الرب! السلام في السماء ! والمجد في العلى! ))

فقال له بعض الفريسيين من الجمع: ((يا معلم انتهر تلاميذك! ))

فأجاب: ((أقول لكم: لو سكت هؤلاء، لهتفت الحجارة! )).

ولما اقترب فرأى المدينة بكى عليها

وقال: ((ليتك عرفت أنت أيضا في هذا اليوم طريق السلام! ولكنه حجب عن عينيك

فسوف تأتيك أيام يلفك أعداؤك بالمتاريس، ويحاصرونك ويضيقون عليك الخناق من كل جهة،

ويدمرونك وأبناءك فيك ، ولا يتركون فيك حجرا على حجر، لأنك لم تعرفي وقت افتقاد الله لك )).

ودخل الهيكل فأخذ يطرد الباعة

ويقول لهم: ((مكتوب: سيكون بيتي بيت صلاة، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص ! ))

وكان يعلم كل يوم في الهيكل، وكان عظماء الكهنة والكتبة يحاولون أن يهلكوه، وكذلك أعيان الشعب،

فلا يهتدون إلى ما يفعلون، لأن الشعب كله كان مولعا بالاستماع إليه.

وكان ذات يوم يعلم الشعب في الهيكل ويبشره، فأقبل عظماء الكهنة والكتبة والشيوخ

وقالوا له: ((قل لنا: بأي سلطان تعمل هذه الأعمال ؟، بل من أولاك هذا السلطان؟ ))

فأجابهم يسوع: ((وأنا أسألكم سؤالا واحدا، فقولوا لي:

أمن السماء جاءت معمودية يوحنا أم من الناس؟ ))

فتباحثوا فيما بينهم قائلين : ((إن قلنا من السماء، يقول: فلماذا لم تؤمنوا به ؟

وإن قلنا: من الناس، فالشعب كله يرجمنا، لأنه موقن أن يوحنا نبي )).

فأجابوا أنهم لا يعلمون من أين جاءت.

فقال لهم يسوع: ((وأنا لا أقول لكم بأي سلطان أعمل هذه الأعمال )).

وأخذ يضرب للشعب هذا المثل قال: ((غرس رجل كرما فآجره بعض الكرامين وسافر مدة طويلة.

فلما حان وقت الثمر، أرسل خادما إلى الكرامين، ليؤدوا إليه نصيبه من ثمر الكرم، فضربه الكرامون وصرفوه فارغ اليدين.

فأرسل خادما آخر، وذاك أيضا ضربوه وأهانوه وصرفوه فارغ اليدين.

فأرسل خادما ثالثا، وذاك أيضا جرحوه وطردوه.

فقال رب الكرم: ((ماذا أصنع؟ سأرسل ابني الحبيب لعلهم يهابونه )).

فلما رآه الكرامون تشاوروا فيما بينهم قائلين: هوذا الوارث! فلنقتله ليعود الميراث إلينا )).

فألقوه في خارج الكرم وقتلوه. فماذا يفعل بهم رب الكرم ؟

سيأتي ويهلك هؤلاء الكرامين ويعطي الكرم لآخرين )). فلما سمعوا ذلك قالوا: ((حاش ! ))

فحدق إليهم وقال: ((فما معنى هذه الآية: الحجر الذي رذله البناؤون هو الذي صار رأس الزاوية.

كل من وقع على ذلك الحجر تهشم ومن وقع عليه هذا الحجر حطمه ))؟

فحاول الكتبة وعظماء الكهنة أن يبسطوا أيديهم إليه في تلك الساعة، لكنهم خافوا الشعب، فقد أدركوا أنه بهم عرض في هذا المثل.

فترصدوه وأرسلوا جواسيس يظهرون أنهم من أهل الورع، ليأخذوه بكلمة فيسلموه إلى قضاء الحاكم وسلطته.

فسألوه ((يا معلم، نحن نعلم أنك على صواب في كلامك وتعليمك، لا تحابي أحدا، بل تعلم سبيل الله بالحق.

أيحل لنا أن ندفع الجزية إلى قيصر أم لا؟ ))

ففطن لمكرهم فقال لهم:

((أروني دينارا! لمن الصورة التي عليه والكتابة ؟ )) فقالوا: ((لقيصر )).

فقال لهم: ((أدوا إذا لقيصر ما لقيصر، ولله ما لله )).

فلم يستطيعوا أن يأخذوه بكلمة أمام الشعب، وتعجبوا من جوابه فسكتوا.

ودنا بعض الصدوقيين، وهم الذين يقولون بأنه لا قيامة، فسألوه:

((يا معلم، إن موسى كتب علينا: إذا مات لامرئ أخ له امرأة وليس له ولد، فليأخذ أخوه المرأة ويقم نسلا لأخيه.

وكان هناك سبعة إخوة، فأخذ الأول امرأة ثم مات وليس له ولد.

فأخذها الثاني

ثم الثالث، وهكذا أخذها السبعة وماتوا ولم يخلفوا نسلا.

وآخر الأمر ماتت المرأة أيضا.

فهذه المرأة في القيامة لأيهم تكون زوجة، لأن السبعة اتخذوها امرأة )) ؟

فقال لهم يسوع: ((إن الرجال من أبناء هذه الدنيا يتزوجون والنساء يزوجن.

أما الذين وجدوا أهلا لأن يكون لهم نصيب في الآخرة والقيامة من بين الأموات، فلا الرجال منهم يتزوجون، ولا النساء يزوجن.

فلا يمكن بعد ذلك أن يموتوا، لأنهم أمثال الملائكة، وهم أبناء الله لكونهم أبناء القيامة.

وأما أن الأموات يقومون، فقد أشار موسى نفسه إلى ذلك في الكلام على العليقة، إذ دعا الرب إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب.

فما كان إله أموات، بل إله أحياء، فهم جميعا عنده أحياء )).

فأجاب بعض الكتبة: ((أحسنت يا معلم! ))

ولم يجترئوا بعد ذلك أن يسألوه عن شيء.

وقال لهم: ((كيف يقول الناس إن المسيح هو ابن داود ؟

فداود نفسه يقول في سفر المزامير: ((قال الرب لربي: اجلس عن يميني

حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك )).

فداود يدعوه ربا، فكيف يكون ابنه؟ )).

وقال لتلاميذه بمسمع من الشعب كله:

((إياكم والكتبة، فإنهم يرغبون في المشي بالجبب، ويحبون تلقي التحيات في الساحات، وصدور المجالس في المجامع، والمقاعد الأولى في المآدب.

يأكلون بيوت الأرامل وهم يظهرون أنهم يطيلون الصلاة. هؤلاء سينالهم العقاب الأشد )).

ورفع طرفه فرأى الذين يلقون هباتهم في الخزانة، وكانوا من الأغنياء.

ورأى أرملة مسكينة تلقي فيها فلسين.

فقال: ((بحق أقول لكم إن هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر منهم جميعا،

لأن هؤلاء كلهم ألقوا في الهبات من الفاضل عن حاجاتهم، وأما هي فإنها من حاجتها ألقت جميع ما تملك لمعيشتها )).

وقال بعضهم في الهيكل إنه مزين بالحجارة الحسنة وتحف النذور، فقال:

((هذا الذي تنظرون إليه ستأتي أيام لن يترك منه حجر على حجر من غير أن ينقض )).

فسألوه: ((يا معلم، ومتى تكون هذه، وما تكون العلامة أن هذه كلها توشك أن تحدث؟ ))

فقال: ((إياكم أن يضلكم أحد ! فسوف يأتي كثير من الناس منتحلين اسمي فيقولون: أنا هو! قد حان الوقت!فلا تتبعوهم.

وإذا سمعتم بالحروب والفتن فلا تفزعوا، فإنه لابد من حدوثها أولا، ولكن لا تكون النهاية عندئذ )).

ثم قال لهم: ((ستقوم أمة على أمة، ومملكة على مملكة،

وتحدث زلازل شديدة ومجاعات وأوبئة في أماكن كثيرة، وستحدث أيضا مخاوف تأتي من السماء وعلامات عظيمة.

((وقبل هذا كله يبسط الناس أيديهم إليكم، ويضطهدونكم، ويسلمونكم إلى المجامع والسجون، وتساقون إلى الملوك والحكام من أجل اسمي.

فيتاح لكم أن تؤدوا الشهادة.

فاجعلوا في قلوبكم أن ليس عليكم أن تعدوا الدفاع عن أنفسكم.

فسأوتيكم أنا من الكلام والحكمة ما يعجز جميع خصومكم عن مقاومته أو الرد عليه.

وسيسلمكم الوالدون والإخوة والأقارب والأصدقاء أنفسهم، ويميتون أناسا منكم،

ويبغضكم جميع الناس من أجل اسمي.

ولن تفقد شعرة من رؤوسكم.

إنكم بثباتكم تكتسبون أنفسكم.

((فإذا رأيتم أورشليم قد حاصرتها الجيوش، فاعلموا أن خرابها قد اقترب.

فمن كان يومئذ في اليهودية فليهرب إلى الجبال، ومن كان في وسط المدينة فليخرج منها، ومن كان في الحقول فلا يدخلها،

لأن هذه الأيام أيام نقمة يتم فيها جميع ما كتب.

الويل للحوامل والمرضعات في تلك الأيام، فستنزل الشدة بهذا البلد وينزل الغضب على هذا الشعب،

فيسقطون قتلى بحد السيف ويؤخذون أسرى إلى جميع الأمم، وتدوس أورشليم أقدام الوثنيين إلى أن ينقضي عهد الوثنيين.

((وستظهر علامات في الشمس والقمر والنجوم، وينال الأمم كرب في الأرض وقلق من عجيج البحر وجيشانه،

وتزهق نفوس الناس من الخوف ومن توقع ما ينزل بالعالم، لأن أجرام السماء تتزعزع،

وحينئذ يرى الناس ابن الإنسان آتيا في الغمام في تمام العزة والجلال.

وإذا أخذت تحدث هذه الأمور، فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن افتداءكم يقترب )).

وضرب لهم مثلا قال: ((انظروا إلى التينة وسائر الأشجار.

فما إن تخرج براعمها حتى تعرفوا بأنفسكم من نظركم إليها أن الصيف قريب.

وكذلك أنتم إذا رأيتم هذه الأمور تحدث، فاعلموا أن ملكوت الله قريب.

الحق أقول لكم: لن يزول هذا الجيل حتى يحدث كل شيء.

السماء والأرض تزولان وكلامي لن يزول.

((فاحذروا أن يثقل قلوبكم السكر والقصوف وهموم الحياة الدنيا، فيباغتكم ذلك اليوم

كأنه الفخ، لأنه يطبق على جميع من يسكنون وجه الأرض كلها.

فاسهروا مواظبين على الصلاة، لكي توجدوا أهلا للنجاة من جميع هذه الأمور التي ستحدث، وللثبات لدى ابن الإنسان)).

وكان في النهار يعلم في الهيكل، ثم يخرج فيبيت ليلا في الجبل الذي يقال له جبل الزيتون.

وكان الشعب كله يأتي إليه بكرة في الهيكل ليستمع إليه.

وقرب عيد الفطير الذي يقال له الفصح.

وكان عظماء الكهنة والكتبة يبحثون كيف يقتلون يسوع، لأنهم كانوا يخافون الشعب.

فدخل الشيطان في يهوذا المعروف بالإسخريوطي، وهو من جملة الاثني عشر.

فمضى وفاوض عظماء الكهنة وقادة الحرس ليرى كيف يسلمه إليهم.

ففرحوا واتفقوا أن يعطوه شيئا من الفضة.

فرضي وأخذ يترقب فرصة ليسلمه إليهم بمعزل عن الجمع.

وجاء يوم الفطير، وفيه يجب ذبح حمل الفصح.

فأرسل بطرس ويوحنا وقال لهما: (( اذهبا فأعدا لنا الفصح لنأكله )).

فقالا له: (( أين تريد أن نعده؟ ))

فقال لهما: (( إذا دخلتما المدينة يلقاكما رجل يحمل جرة ماء، فاتبعاه إلى البيت الذي يدخله،

وقولا لرب البيت: يقول المعلم: أين الغرفة التي آكل فيها الفصح مع تلاميذي ؟

فيريكما علية كبيرة مفروشة، فأعداه هناك )).

فذهبا فوجدا كما قال لهما، فأعدا الفصح.

فلما أتت الساعة جلس هو والرسل للطعام.

فقال لهم: (( اشتهيت شهوة شديدة أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم.

فإني أقول لكم: لا آكله بعد اليوم حتى يتم في ملكوت الله )).

ثم تناول كأسا وشكر وقال: (( خذوا هذا واقتسموه بينكم،

فإني أقول لكم: لن أشرب بعد اليوم من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله )).

ثم أخذ خبزا وشكر وكسره وناولهم إياه وقال: (( هذا هو جسدي يبذل من أجلكم. إصنعوا هذا لذكري )).

وصنع مثل ذلك على الكأس بعد العشاء فقال: (( هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يراق من أجلكم.

((ومع ذلك فها إن يد الذي يسلمني هي على المائدة معي،

فابن الإنسان ماض كما قضي بذلك، ولكن الويل لذلك الإنسان الذي يسلم عن يده! ))

فأخذوا يتساءلون من تراه منهم يفعل ذلك.

ووقع بينهم جدال في من يعد أكبرهم.

فقال لهم: (( إن ملوك الأمم يسودونها، وأصحاب السلطة فيها يريدون أن يدعوا محسنين.

أما أنتم فليس الأمر فيكم كذلك، بل ليكن الأكبر فيكم كأنه الأصغر، والمترئس كأنه الخادم.

فمن الأكبر ؟ أمن جلس للطعام أم الذي يخدم؟ أما هو الجالس للطعام ؟ ومع ذلك فأنا بينكم كالذي يخدم.

أنتم الذين ثبتوا معي في محني،

وأنا أوصي لكم بالملكوت كما أوصى لي أبي به،

فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي، وتجلسون على العروش لتدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر )).

وقال الرب: (( سمعان سمعان، هوذا الشيطان قد طلبكم ليغربلكم كما تغربل الحنطة.

ولكني دعوت لك ألا تفقد إيمانك. وأنت ثبت إخوانك متى رجعت )).

فقال له (( يا رب، إني لعازم أن أمضي معك إلى السجن وإلى الموت )).

فأجابه: (( أقول لك يا بطرس: لا يصيح الديك اليوم حتى تنكر ثلاث مرات أنك تعرفني )).

وقال لهم: (( حين أرسلتكم بلا كيس دراهم ولا مزود ولا حذاء، فهل أعوزكم شيء )) قالوا: (( لا )).

فقال لهم: (( أما الآن فمن كان عنده كيس دراهم فليأخذه. وكذلك من كان عنده مزود. ومن لم يكن عنده سيف فليبع رداءه ويشتره.

فإني أقول لكم: يجب أن تتم في هذه الآية: وأحصي مع المجرمين. فإن أمري ينتهي )).

فقالوا: (( يا رب، ههنا سيفان. )) فقال لهم: (( كفى )).

ثم خرج فذهب على عادته إلى جبل الزيتون، وتبعه تلاميذه.

ولما وصل إلى ذلك المكان قال لهم: (( صلوا لئلا تقعوا في التجربة )).

ثم ابتعد عنهم مقدار رمية حجر وجثا يصلي فيقول:

((يا أبت، إن شئت فاصرف عني هذه الكأس… ولكن لا مشيئتي، بل مشيئتك! ))

وتراءى له ملاك من السماء يشدد عزيمته.

وأخذه الجهد فأمعن في الصلاة، وصار عرقه كقطرات دم متخثر تتساقط على الأرض.

ثم قام عن الصلاة فرجع إلى تلاميذه، فوجدهم نائمين من الحزن.

فقال لهم: (( ما بالكم نائمين ؟ قوموا فصلوا لئلا تقعوا في التجربة )).

وبينما هو يتكلم إذا عصابة يتقدمها المدعو يهوذا أحد الاثني عشر، فدنا من يسوع ليقبله.

فقال له يسوع: (( يا يهوذا أبقبلة تسلم ابن الإنسان ؟ ))

فلما رأى الذين حوله ما أوشك أن يحدث قالوا: (( يا رب، أنضرب بالسيف ؟ ))

وضرب أحدهم خادم عظيم الكهنة فقطع أذنه اليمنى.

فأجاب يسوع: (( دعوهم! كفى! )). ولمس أذنه فأبرأه

ثم قال يسوع للذين قصدوا إليه من عظماء الكهنة وقادة حرس الهيكل والشيوخ: (( أعلى لص خرجتم تحملون السيوف والعصي ؟

كنت كل يوم معكم في الهيكل، فلم تبسطوا أيديكم إلي، ولكن هذه ساعتكم ! وهذا سلطان الظلام! ))

فقبضوا عليه وساقوه فدخلوا به دار عظيم الكهنة، وكان بطرس يتبع عن بعد.

وأوقدوا نارا في ساحة الدار في وسطها، وقعدوا معا وقعد بطرس بينهم.

فرأته جارية قاعدا عند اللهب، فتفرست فيه وقالت (( وهذا أيضا كان معه! ))

فأنكر قال: (( يا امرأة، إني لا أعرفه )).

وبعد قليل رآه رجل فقال: (( أنت أيضا منهم ! )) فقال بطرس: (( يا رجل، لست منهم )).

ومضى نحو ساعة فقال آخر مؤكدا: (( حقا، هذا أيضا كان معه، فهو جليلي )).

فقال بطرس: (( يا رجل، لا أدري ما تقول )). وبينما هو يتكلم، إذا بديك يصيح.

فالتفت الرب ونظر إلى بطرس، فتذكر بطرس كلام الرب إذ قال له: (( قبل أن يصيح الديك اليوم، تنكرني ثلاث مرات )).

فخرج من الدار وبكى بكاء مرأ.

وكان الرجال الذين يحرسون يسوع يسخرون منه ويضربونه

ويقنعون وجهه فيسألونه: (( تنبأ! من ضربك ؟ ))

وأوسعوه غير ذلك من الشتائم.

ولما طلع الصباح، احتشدت جماعة شيوخ الشعب من عظماء كهنة وكتبة، فاستحضروه إلى مجلسهم

وقالوا: (( إن كنت المسيح فقل لنا ! )) فقال لهم: (( لو قلت لكم لما صدقتم،

ولو سألتكم لما أجبتم.

ولكن ابن الإنسان سيجلس بعد اليوم عن يمين الله القدير )).

فقالوا جميعا (( أفأنت ابن الله إذا ؟ )) فقال لهم: (( أنتم تقولون إني هو )) ،

فقالوا: (( ما حاجتنا بعد ذلك إلى الشهادة ؟ فقد سمعنا نحن بأنفسنا كلاما من فمه )).

ثم قامت جماعتهم كلها فساقوه إلى بيلاطس

وأخذوا يتهمونه قالوا: (( وجدنا هذا الرجل يفتن أمتنا، وينهى عن دفع الجزية إلى قيصر، ويقول إنه المسيح الملك )).

فسأل بيلاطس: (( أأنت ملك اليهود ؟ )) فأجاب: (( هو ما تقول ))

فقال بيلاطس لعظماء الكهنة والجموع: (( لا أجد في هذا الرجل سببا لاتهامه )).

فقالوا ملحين: (( إنه يثير الشعب بتعليمه في اليهودية كلها، من الجليل إلى ههنا. ))

فلما سمع بيلاطس سأل هل الرجل جليلي.

فلما عرف أنه من ولاية هيرودس أرسله إلى هيرودس، وكان هو أيضا في أورشليم في تلك الأيام.

فلما رأى هيرودس يسوع سر سرورا عظيما، لأنه كان يتمنى من زمن بعيد أن يراه لما يسمع عنه، ويرجو أن يشهد آية يأتي بها.

فسأله بكلام كثير، أما هو فلم يجبه بشيء.

وكان عظماء الكهنة والكتبة يتهمونه بعنف.

فاحتقره هيرودس وجنوده، وسخر منه فألبسه ثوبا براقا، ورده إلى بيلاطس.

وتصادق هيرودس وبيلاطس يومئذ وكانا قبلا متعاديين.

فدعا بيلاطس عظماء الكهنة والرؤساء والشعب

وقال لهم: ((أحضرتم لدي هذا الرجل على أنه يفتن الشعب. وها قد حققت في الأمر بمحضر منكم، فلم أجد على هذا الرجل شيئا مما تتهمونه به،

ولا هيرودس، لأنه رده إلينا. فهو إذا لم يفعل ما يستوجب به الموت

فسأعاقبه ثم أطلقه )).

فصاحوا بأجمعهم: ((أعدم هذا وأطلق لنا برأبا ! ))

وكان ذاك قد ألقي في السجن لفتنة حدثت في المدينة وجريمة قتل.

فخاطبهم بيلاطس ثانية لرغبته في إطلاق يسوع.

فصاحوا: ((اصلبه، اصلبه! ))

فقال لهم ثالثة. ((فأي شر فعل هذا الرجل ؟ لم أجد سببا يستوجب به الموت، فسأعاقبه ثم أطلقه((.

فألحوا عليه بأعلى أصواتهم طالبين أن يصلب، واشتد صياحهم.

فقضى بيلاطس بإجابة طلبهم.

فأطلق من كان قد ألقي في السجن لفتنة وجريمة قتل، ذاك الذي طلبوه، وأسلم يسوع إلى مشيئتهم.

وبينما هم ذاهبون به، أمسكوا سمعان، وهو رجل قيريني كان آتيا من الريف، فجعلوا عليه الصليب ليحمله خلف يسوع.

وتبعه جمع كثير من الشعب، ومن نساء كن يضربن الصدور وينحن عليه.

فالتفت يسوع إليهن فقال: ((يا بنات أورشليم، لا تبكين علي، بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن.

فها هي ذي أيام تأتي يقول الناس فيها: طوبى للعواقر والبطون التي لم تلد والثدي التي لم ترضع.

وعندئذ يأخذ الناس يقولون للجبال: أسقطي علينا وللتلال: غطينا

فإذا كان يفعل ذلك بالشجرة الخضراء، فأيا يكون مصير الشجرة اليابسة ؟ ))

وسيق أيضا آخران مجرمان ليقتلا معه.

ولما وصلوا إلى المكان المعروف بالجمجمة، صلبوه فيه والمجرمين، أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال.

فقال يسوع: ((يا أبت اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ما يفعلون )). ثم اقتسموا ثيابه مقترعين عليها.

ووقف الشعب هناك ينظر، والرؤساء يهزأون فيقولون: ((خلص غيره فليخلص نفسه، إن كان مسيح الله المختار ! ))

وسخر منه الجنود أيضا، فدنوا وقربوا إليه خلا وقالوا:

((إن كنت ملك اليهود فخلص نفسك! ((

وكان أيضا فوقه كتابة خط فيها: ((هذا ملك اليهود )).

وأخذ أحد المجرمين المعلقين على الصليب يشتمه فيقول: ((ألست المسيح ؟ فخلص نفسك وخلصنا! ))

فانتهره الآخر قال: ((أوما تخاف الله وأنت تعاني العقاب نفسه!

أما نحن فعقابنا عدل، لأننا نلقى ما تستوجبه أعمالنا. أما هو فلم يعمل سوءا )).

ثم قال: ((أذكرني يا يسوع إذا ما جئت في ملكوتك )).

فقال له: ((الحق أقول لك: ستكون اليوم معي في الفردوس )).

وكانت الساعة نحو الظهر، فخيم الظلام على الأرض كلها حتى الثالثة،

لأن الشمس قد احتجبت. وانشق حجاب المقدس من الوسط.

فصاح يسوع بأعلى صوته قال: (( يا أبت، في يديك أجعل روحي! (( قال هذا ولفظ الروح.

فلما رأى قائد المائة ما حدث، مجد الله وقال: ((حقا هذا الرجل كان بارا! ))

وكذلك الجماهير التي احتشدت، لترى ذلك المشهد فعاينت ما حدث، رجعت جميعا وهي تقرع الصدور.

ووقف عن بعد جميع أصدقائه والنسوة اللواتي تبعنه من الجليل، وكانوا ينظرون إلى تلك الأمور.

وجاء رجل اسمه يوسف، وهو عضو في المجلس، وامرؤ صالح بار

لم يوافقهم على قصدهم ولا عملهم، وكان من الرامة وهي مدينة لليهود، وكان ينتظر ملكوت الله،

فذهب إلى بيلاطس وطلب جثمان يسوع.

ثم أنزله عن الصليب ولفه في كتان، ووضعه في قبر حفر في الصخر لم يكن قد وضع فيه أحد.

وكان اليوم يوم التهيئة وقد بدت أضواء السبت.

وكان النسوة اللواتي جئن من الجليل مع يسوع يتبعن يوسف، فأبصرن القبر وكيف وضع فيه جثمانه.

ثم رجعن وأعددن طيبا وحنوطا، واسترحن راحة السبت على ما تقضي به الوصية.

وعند فجر يوم الأحد جئن إلى القبر، وهن يحملن الطيب الذي أعددنه.

فوجدن الحجر قد دحرج عن القبر.

فدخلن فلم يجدن جثمان الرب يسوع.

وبينما هن في حيرة من ذلك، إذ حضرهن رجلان عليهما ثياب براقة،

فخفن ونكسن وجوههن نحو الأرض، فقالا لهن: ((لماذا تبحثن عن الحي بين الأموات ؟

إنه ليس ههنا، بل قام. أذكرن كيف كلمكن إذ كان لا يزال في الجليل،

فقال: يجب على ابن الإنسان أن يسلم إلى أيدي الخاطئين، ويصلب ويقوم في اليوم الثالث )).

فذكرن كلامه.

ورجعن من القبر، فأخبرن الأحد عشر والآخرين جميعا بهذه الأمور كلها،

وهن مريم المجدلية وحنة ومريم أم يعقوب، وسائر النسوة اللواتي معهن أخبرن الرسل بتلك الأمور.

فبدت لهم هذه الأقوال أشبه بالهذيان ولم يصدقوهن.

غير أن بطرس قام فأسرع إلى القبر وانحنى، فلم ير إلا اللفائف، فانصرف إلى بيته متعجبا مما جرى.

وإذا باثنين منهم كانا ذاهبين، في ذلك اليوم نفسه، إلى قرية اسمها عماوس، تبعد نحو ستين غلوة من أورشليم.

وكانا يتحدثان بجميع هذه الأمور التي جرت.

وبينما هما يتحدثان ويتجادلان، إذا يسوع نفسه قد دنا منهما وأخذ يسير معهما،

على أن أعينهما حجبت عن معرفته.

فقال لهما: ((ما هذا الكلام الذي يدور بينكما وأنتما سائران ؟ )) فوقفا مكتئبين.

وأجابه أحدهما واسمه قلاوبا: ((أأنت وحدك نازل في أورشليم ولا تعلم الأمور التي جرت فيها هذه الأيام؟ ))

فقال لهما: ((ما هي؟ )) قالا له: ((ما يختص بيسوع الناصري، وكان نبيا مقتدرا على العمل والقول عند الله والشعب كله،

كيف أسلمه عظماء كهنتنا ورؤساؤنا ليحكم عليه بالموت، وكيف صلبوه.

وكنا نحن نرجو أنه هو الذي سيفتدي إسرائيل ومع ذلك كله فهذا هو اليوم الثالث مذ جرت تلك الأمور.

غير أن نسوة منا قد حيرننا، فإنهن بكرن إلى القبر

فلم يجدن جثمانه فرجعن وقلن إنهن أبصرن في رؤية ملائكة قالوا إنه حي.

فذهب بعض أصحابنا إلى القبر، فوجدوا الحال على ما قالت النسوة. أما هو فلم يروه )).

فقال لهما: ((يا قليلي الفهم وبطيئي القلب عن الإيمان بكل ما تكلم به الأنبياء.

أما كان يجب على المسيح أن يعاني تلك الآلام فيدخل في مجده ؟ ))

فبدأ من موسى وجميع الأنبياء يفسر لهما جميع الكتب ما يختص به.

ولما قربوا من القرية التي يقصدانها، تظاهر أنه ماض إلى مكان أبعد.

فألحا عليه قالا: (( أمكث معنا، فقد حان المساء ومال النهار )). فدخل ليمكث معهما.

ولما جلس معهما للطعام أخذ الخبز وبارك ثم كسره وناولهما.

فانفتحت أعينهما وعرفاه فغاب عنهما.

فقال أحدهما للآخر: ((أما كان قلبنا متقدا في صدرنا، حين كان يحدثنا في الطريق ويشرح لنا الكتب ؟ ))

وقاما في تلك الساعة نفسها ورجعا إلى أورشليم، فوجدا الأحد عشر والذين معهم مجتمعين،

وكانوا يقولون إن الرب قام حقا وتراءى لسمعان.

فرويا ما حدث في الطريق، وكيف عرفاه عند كسر الخبز.

وبينما هما يتكلمان إذا به يقوم بينهم ويقول لهم: (( السلام عليكم! ))

فأخذهم الفزع والخوف وظنوا أنهم يرون روحا.

فقال لهم: (( ما بالكم مضطربين، ولم ثارت الشكوك في قلوبكم؟

أنظروا إلى يدي وقدمي. أنا هو بنفسي. إلمسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم ولا عظم كما ترون لي )).

قال هذا وأراهم يديه قدميه

غير أنهم لم يصدقوا من الفرح وظلوا يتعجبون، فقال لهم: (( أعندكم ههنا ما يؤكل ؟ ))

فناولوه قطعة سمك مشوي.

فأخذها وأكلها بمرأى منهم.

ثم قال لهم: (( ذلك كلامي الذي قلته لكم إذ كنت معكم وهو أنه يجب أن يتم كل ما كتب في شأني، في شريعة موسى وكتب الأنبياء والمزامير )).

وحينئذ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب،

وقال لهم: (( كتب أن المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث،

وتعلن باسمه التوبة وغفران الخطايا لجميع الأمم، ابتداء من أورشليم.

وأنتم شهود على هذه الأمور.

وإني أرسل إليكم ما وعد به أبي. فامكثوا أنتم في المدينة إلى أن تلبسوا قوة من العلى )) .

ثم خرج بهم إلى القرب من بيت عنيا، ورفع يديه فباركهم.

وبينما هو يباركهم انفصل عنهم ورفع إلى السماء.

فسجدوا له، ثم رجعوا إلى أورشليم وهم في فرح عظيم.

وكانوا يلازمون الهيكل يباركون الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *