عظة الأحد الثامن والعشرون للشماس سلام حداد

2

إِخوتي وأخواتي في المسيح يسوع،

ها نحن على مشارف ٱنتهاء السنة الليتورجية، ومن هنا تبدأ مسيرة الأسئلة المصيرية، وأناجيل الأيام الأخيرة، واليوم نجد شابًا غنيًّا من المؤكد أَنه مفعم بالحياة، وهو يريد خلاص نفسه مثل الكثير من الناس، ويعلم أنّ يسوع قادر على أن يُجيبَه على هذا السؤال المصيري، فأتى إلى يسوع مسرعًا، يقول له بلهفة يا معلم، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟ جواب يسوع كان تقليديًّا! إِحفظ الوصايا، أي إِعمل بها، شعر الشاب الغني أنّ هذا لا يكفي، ولو أنّه راضٍ عن الإِكتفاء بتطبيق الوصايا والشرائع لما جاء إِلى يسوع، فهو يريد أكثر من الوصايا، يريد عملاً بُطوليًّا، يريد روحًا ليُعطي للشريعة حياة.

أتخيّل أنّ هذا الشاب كان يلبس لبسًا فاخِرًا، وفي يده خاتم، وهو فخور بذلك، فجاءَه يسوع بما لم يتوقّع أن يسمع، المال! وذهب حزينًا! نعم إنّه المال الذي يجعل الإِنسان حزينًا في بعض الأحيان، من الممكن أن لا يكون المال بحد ذاته هو الذي يجعل الإنسان حزينًا، بل التمسُّك به والإِعتماد عليه، أن يكون هو مصدر الأمان، فعندما يزول، يزول معه الأمان. ذلك ما يجعل الإِنسان حزينًا فحيثُ يكونُ كنزك يكونُ قلبُك.

بالنتيجة فإنّه من الصعب على الأغنياء دخول الملكوت، نعم، من الصعب جدًّا، وهذا ما قاله يسوع، لأنّه من الصعب على الغني أن يتخلَ عن مالِه. من الممكن أن يُعطي الفقراء الكثير من الحسنات، وهذا ما فكّر به الشاب الغني، إنّه من الممكن أن يقول له يسوع أعطِ الفقراء المال، يكون له كنز في السماء، وبالتالي يربح الحياة الأبدية على حسب سؤاله، لكن المشكلة كانت في “بع كلَّ ما تملك” وهنا القلب كانَ مُتعلِّقًا بكلِّ ما يملك، فذهب حزينًا.

وهذا هو حال الأغنياء الذين تكلّم عنهم يسوع، لم يكن يومًا المال بحد ذاته شرًّا لأنّه هنالِكَ العديد من الذين يستخدمون المال طريقًا ووسيلة لخدمة الآخر، كما يقول القديس بولس: “لأَنَّ حُبَّ المالِ أَصْلُ كُلِّ شَرّ، وقَدِ ٱستَسلَمَ إِلَيه بَعضُ النَّاس فضَلُّوا عنِ الإِيمان وأَصابوا أَنفُسَهم بِأَوْجاعٍ كَثيرة”. (1طيم 6: 10- 11)  لكن القلب مع الله، القلب مع الخالق، فهؤلاء الذين كنزهم الله وكنزهم الملكوت لا خوف عليهم من المال.

السِّرّ يا إِخوتي يكمُن في نظرة الحبّ التي نظر بها يسوع إلى هذا الشاب، من المؤكد أَنّ الكثيرين من الناس واليهود خاضوا نقاشات كبيرة ومهمة مع يسوع لم نسمع أَنَّ أَحدَهم ذهب حزينًا إِلاّ هذا الشاب، وبٱعتقادي أَن ليسَ جميع الذين تجادلوا وتناقشوا مع يسوع ذهبوا سعداء، لكن لهذا الشاب رسالة “اتبعني” لم يقتصر النقاش على الحياة الأبدية التي ٱظهرها يسوع لهذا الشاب. أمام نظرة حبّ يسوع سقطنا كلُّنا بها، ولهذا نحن مجتمعين في هذا المعهد، لكن إن لم يبع “كل” ما نملك نذهب كالشاب في الحزن، أَمّا وقد تحرَّرنا فلنا سعادة يسوع، سعادة العطاء.

وبطرس الرسول يقول ليسوع: “ها نحن قد تركنا كلَّ شيء وتبعناك” نعم يا بطرس! من جواب يسوع لك فهمنا أَنَّكَ تريد المقابل، ولك هذا المقابل، مئة ضعف ولكن مع الإِضطهادات، أَلم يقول لك يومًا يا بطرس “سِر في العمق، ألم يكن السمك وفيرًا؟ ألم تذكُر أنَّك كنتَ على الشاطىء؟ لكن السير في العمق كان مخيفًا وخطيرًا، ومتعِبًا. البحَّار يحتاج لمرساة ليسير في العمق، مع المرساة يشعر بالأمان لأنّه يمكنه التوقف في العمق دون خوف، أمّا البقاء على السطح أضمن، مريح أكثر، لكن لا يوجد صيد على السطح.

هذا هو جواب الذي ينتظر جزاء خدمته، سر في العمق! سر في العمق! في العمق تكتشف الرسالة، وتكتشف الإِتكال على الله. في العمق تحتاج لمرساة ولا تحتاج لتعتمد على ذاتِك. في العمق أنتَ بحاجة إِلى عون من الآخر ومن الله. أَمّا وأنتَ على السطح فلا حاجة لمرساة. المسيحُ هو المرساة التي نعتمدُ عليها في العمق عندما لا نطلب جزاء خدمتنا، عندما نسير في العمق يسعدنا فرح الآخر ومحبة الآخر، نعرف قيمة الأمان الذي يأتي من الله وليس من الناس والمال، نعرفُ أن نؤمن حقًّا بالله. ومن الممكن أن نكتفي بمرساة المال التي تعطينا نوعًا من الأمان والراحة.

الآن في عالمٍ صعب يريد المال ولا يريدُ إِلاَّ المال، ولا يرى ضمان ألاَّ في المال، ولا معنى للسعادة إِلاَّ بالمال، يريد مِثالاً للسير في العمق، ولا مثالَ أفضلَ مِنكَ أنتَ إِن كنتَ فِعلاً ممن يسيرونَ في العُمق. أَمَّا إِذا بقيت على السطح وعلى الشاطىء فهناكَ كنزُكَ وقلبُكَ. أَقول لك يا أخي “أنتَ مِرساةُ هذا العالم الآن” العالمُ يريدُ أن يثق بك، وبثقتِكَ بالله يتجرَّأ ويسير وراءك في العمق، مرساتُك هو الله وأنت مرساة هذا العالم. بتجرُّدِكَ تكون مثالاً للعالم على الثقة بالله، والإِتكال عليه، أَمَّا إِذا لم تكن مرساة فلا رجاء في العالم لأنّ العالم على هاوية الغرق في الماديات والحياة الزائلة التي لا تُعطي إِلاّ سعادة ولذة وقتية ولا حياة فيها.

اليوم لديك رسالة يا أخي وأختي،

إِمّا الإِكتفاء بالشريعة، التي تكون صالحًا فعلاً إِذا أتممتها، ولا لوم عليك، وأن تُبرِّر نفسك أمام الله والناس، أو تتخلّى عن بعض أموالك والتي لا تتقتصر على المال فقط، وتزيد بِرَّك وتزكي نفسك. أو أن تتجاوب مع نظرة المحبة التي ينظر إِليكَ بها يسوع، وتبيع كلَّ ما تملك، وتتّكِل عليه وعلى قدرته وإِرادته في حياتك. أن تترك مصدر الأنا الذي تعتمد عليه وتلقي كلَّ ٱتكالِكَ بعد أن تبيع كلَّ أملاكِكَ كعلامة على التَّخلي والتَّجَرُّد لله. وتتبع إِرادة الله في حياتك وتلقي عليه كُلَّ هَمِّكَ. وهو يحميكَ ويحفظَكَ لأنَّه أمين في وعودِه. لا تنتظر، خُذْ قرارَكَ لأنّ فيه الجواب على حياتك الأبدية التي تُريدُها مثلَ هذا الشاب، وكُن غَنِيًّا بالله!

الشماس سلام حداد

admin

المعهد الإكليريكي للبطريركية اللاتينية / قلب البطريركية النابض

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *