أربعاء الرماد

أربعاء الرماد

الأب منويل بدر – ألمانيا

يوم أربعاء الرّماد تبدأ الكنيسة فترة ما نسميها اليوم بزمن التوبة وفي الماضي كانت تعرف بزمن الصوم الأربعيني لأن الصوم كان العنصر الأساسي والأهم في هذه الأربعين يوما ، علما بأن الكنيسة لم تلغ هذه التسمية رسميّا كأنّها غلطت في الماضي بفرض الصوم علينا ، حاشا وكلاّ . بل هي تركّز اليوم على العنصر الأهم وهو مكافحة السّيئات وإظهار إرادة التّملّك على الذّات للسيطرة عليها .

ففي الزّمان الماضي كان الكثير من الناس ، قبل كل شي الخطاة المعروفون والّذين كانوا يريدون الرّجوع عن خطئهم والتعويض عنه ، الّذين لم تكن تسمح لهم الكنيسة بالاعتراف إلاّ مرّة واحدة في الحياة ، فكانوا يؤجّلونها إلى ما قبل موتهم ، يستقبلون أربعاء الّرماد بفرح وارتياح كاملين ، إذ كانت الكنيسة تسمح لهم أن ينقطعوا عن العالم ومغرياته ، فيمضون الأربعين يوما هذه ، كعلامة تغيير في حياتهم ، بالصلاة والصوم والتوبة ، ليشعروا بنوح من ارتياح الضمير . وكعلامة لبداية التوبة الصادقة ، كانت الكنيسة ترشّ رؤوسهم بالرّماد ويلبسون بالمقابل الملابس القاسية ليعذّبوا أجسادهم ، حتى في وقت راحتهم وخلودهم إلى النوم ، ندما على خطاياهم ، كما فعل أهل نينوى وملكها نبوكدنصّر بعد تهديد النبي يوناس لهم وتيمّنا بيوحنا الّذي كان يظهر وعليه لباس من وبر الجمل وعلى وسطه زنّار من جلد”(متى 3:3 ). فما كان إنسان يخجل من الظهور تائبا أمام الّلــه وأمام الشعب ، إذ كان يؤكّد بذلك عزمه على الرّجوع عن مسلكه المشين .

لقد مارس العالم هذا النّوع من الصّوم القاسي لمئات السّنين إلى أن طرأت ظروف اجتماعية جديدة مع بداية الثّورة الصّناعيّة الجديدة المضنية ، الّتي ما عادت تسمح للآنسات بالاستغناء عن الطعام للقيام بواجباته في مكان عمله ، كالالتزام بالحضور إلى العمل المنتظم لتبقى المصانع دائمة الإنتاج ، ثمّ احتراما لقيمة الإنسان ، تخلّت الكنيسة عن هذه العادات المذلّة وراحت تنصح بالالتزام بالصّوم الرّوحي ، الّذي يدلّ على امتلاك النفس والتّغلّب على الشهوات الجسدّية . الكنيسة راحت تنصح منذ أواخر القرن العشرين بجعل الصوم الإجباري الذّي كان معروفا وممارسا لعصور طويلة اختياريا : من له المقدرة على المحافظة على الصوم تحت ظروف العمل الشّاق والوظائف المهنيّة الاجتماعية الحاليّة فلا حرج.، لكن الأهم من ذلك هو التركيز على الصّوم الرّوحي ، الّذي أمره الّلــه على لسان ألأنبياء يوئيل وأشعيا :”توبوا إليّ بكلّ قلوبكم . إحفظوا ألسنتكم من السؤ . أطعموا الجياع ..أعتقوا قيود السّجناء .. هذا هو الصّوم الّذي أريده” ..

هذا وهناك بعض الّديانات الّتي لا تزال متمسّكة بفرض الصوم على أتباعها لما فيه من حسنات صحّية وروحيّة أيضا . في ديانتنا نحن بقي من الصوم الإلزامي يومان فقط ، هما أول يوم (الذي يحمل اسم أربعاء الّرماد)، وهو يحدّد خطوة الانطلاق إلى عيد الفصح الّذي هو أساس إيماننا , ثم يوم الجمعة العظيمة ، يوم موت المسيح على الصليب . لهذين اليومين احتفظت الكنيسة بحقّها وقوانينها لتقول كلمة الحق في ما يجب أن نمتنع عنه من مأكولات ونمارسه من أعمال روحيّة دينيّة تكميلا للصوم ، وذلك إكراما وتكريما للّــه الخالق الّذي له كل الحق للخضوع لواصاياه وتعليماته. لمساعدتنا في فهم ما لنا وما علينا.

الكنيسة بتغيير قانون الصوم ركّزت أكثر على معناه الروحي فهي بتسميته الآن “زمن التوبة” أعطت له طابعا روحيّا دينيّا، وهذا أقرب إلى الواقع ، بمعنى أنّ الصوم هو ليس الهدف وإنّما الدافع للتّوجّه إلى الّلــه الّذي يساعدنا في كفاحنا للتوقّف عن اقتراف الشّر والتوبة هي العزم على ترك المسار الخاطئ الّذي سلكتاه في الماضي وهو الأهم.

إنّ التوبة واجب ديني لا يقتصر على فئة معيّنة وحقبة زمنيّة محدودة بل هي واجب جماعي لأننا جميعنا بحاجة إلى التوبة عن خطايانا ومسالكنا الخاطئة. كلّنا سقطنا في الخطيئة يقول بولس إلى أهل روما!.

تبدأ الكنيسة هذا الزمن بوضع الرّماد على جبيننا . والجبين هو مركز الفهم والإرادة . والمقصود منه هو أن نفهم أنّ وقت خلاصنا قد اقترب وأن علينا أن نريد جدّيا الخلاص الّذي يقدّمه لنا الّلــه في آخر هذه الحقبة بموت ابنه عنّا لفدائنا. إذا ما شاركنا في امتلاك نفوسنا ووضعنا حدّا لبعض عاداتنا الغير مرضية في حياتنا اليوميّة. فمثلا عندما نقول للأطفال : هذه المدّة يجب أن تخفّفوا من أكل الشوكولاتا وشرب الكوكاكولا يستغربون من هذه النصيحة لأنهم لا يفهمون(أو لأنّه لا يقال لهم) لماذا ؟. كذاك الناضجون ، فهم حينما يقال لهم : اليوم نبدأ الصوم فلا بدّ من الامتناع عن هذا أو ذاك…. يستغربون من هذا الكلام ويفتكرون أن الصيام قائم فقط على الامتناع والحرمان. هذا خطأ ونقص في التربية الدّينيّة . فلو نشأ الإنسان أو لو سمع منذ الطفولة أن الصيام ليس حرمان وامتناع من أجل الامتناع بالذّات وإنّما تغيير نمط حياة روتينيّة وذلك بإظهار الناحية الإيجابيّة في حياتنا وإبراز قوّة الإرادة لتحاشي هذا أو ذاك أو حذفه من حياتي فهذا يعني الوصول إلى الحرّية الصالحة الّتي تنقذني من عبودية ما بتحكّم بحياتي : مثلا التدخين المفرط ، بمعنى أن الّدخان الأزرق يستعبدني لا أنا الّذي يستعبده . فإن جاء المساء وما كان عندي إلاّ سيجارة فلا أستطيع الرّكود إلى نوم هادي بل أبقى مشغول البال أتململ ساعات وأتقلّب أخرى منزعجا في فراشي لا يهدأ لي بال حتى يطلع الفجر وأوّل ما أقوم به هو شراء كمّيات من السجاير حتّى لا أقع مرّة ثانية في مثل هذا المأزق . فأيهما أفضل؟ وما نقوله عن الدّخان نقوله أيضا عن المسكرات والمنكرات ، إذ كلّها تستعبدني ، وأنا لست حرّا في حياتي فأيهما الصّواب :أن أعيش مستعبدا أو أستعبد أنا هذا الضعف فيّ وأصل إلى حرّية داخليّة بإرادتي؟ هذا الحدث لا علاقة له بالأخلاق الأدبيّة ولكنه يدلّ على ضعف الروح أمام الجسد وشهواته . فهذا هو الوقت الّذي نحاول فيه أن يتسلّط الروح على ضعف الجسد فينا :”الروح مستعد وأمّا الجسد فضعيف” وأن نعطي للروح والقوّة الدّاخليّة المجال ليحررنا من العادات السيئة الّتي تتحكّم فينا. فلا نعود نسأل ماذا نحتاج لنصل إلى السعادة المؤقّتة ، وإنما كيف نجد الرّاحة الدّاخليّة والاطمئنان حتّى ولو نقصنا الدّخان الأزرق في جيبنا.

من المحبّذ أن نقوم بممارسات دينيّة تساعدنا على الرّجوع إلى الحياة البسيطة بالصلاة وقراءة التوراة تيمّنا بالمؤمنين في الّديانات الأخرى كالإسلام واليهودية . فإن أكثر الصائمين في هذه الدّيانات يمضون وقتا لا يستهان به في قراءة كتبهم المقدّسة ويمكن أن يكونوا مثالا لنا. كما ولا ننسى أن إعفائنا من الصوم الإلزامي في هذا الزمن المقدّس يلزمنا بالتالي بواجب الإحسان أي الصّدقة بكميّة مال مادّية لمساعدة الفقراء والمحتاجين والمعوزين ، مقابل ما نسمح به لأنفسنا من التنعّم بمأكولات ومشروبات شهيّة(هي لا محرّمة مبدئيا ولا ممنوعة ولكن الكتب المقدّسة توصي بالحسنة والإحسان الطوعي بالمال مؤاساة للفقراء والمحتاجين والمعوزين فيكون لنا نصيب في السّماء كما قال المسيح :”اكنزوا لكم كنوزا في السماء…. إذ كل ما تفعلونه لأحد من هؤلاء فلي تفعلونه”. هل ننسى أن الصدقة والزكاة في الإسلام هي أحد مقوّماته الخمسة في شهر الصيام المعروف برمضان. إن المقاسمة تبعث على السرور، عندما أعرف أنّه لا شيء يعوزني بينما جاري وأخي في المسيح لا يملك شيئا يسدّ به جوعه اليومي.. فمن لا يحنّ قلبه ويساعد؟.

زمن التوبة هذا الّذي نبتدئه اليوم هو زمن النعمة والرحمة الّتي يمنحها الّلــه لطالبيها . تمشّيا مع بداية كرازة المسيح العلنيّة التي أوّل ما ابتدأها بالمناداة إلى التوبة :”توبوا فقد اقترب منكم ملكوت الّلــه” . نعم من أراد أن يقابل المسيح ، عليه أن يمارس التوبة والصّدقة. من أراد الحصول على ملكوت الّلــه عليه أن يسير ويأخذ الطّريق الّذي يؤدّي إلى الملكوت وإلاّ لما كان من الضروري التذكير بشيء لا يهمّنا . لقد خلقتنا لك يا رب ولن يستريح قلبنا إلاّ فيك ، قال القدّيس أغسطينس.

admin

المعهد الإكليريكي للبطريركية اللاتينية / قلب البطريركية النابض

You may also like...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *