أحد الثالوث الأقدس

أحد الثالوث الأقدس

“هل كان مثل هذا الأمر العظيم أو هل سُمع بمثله؟” (تث 4: 32)

تحتفل الكنيسة في هذا الأحد الأوّل بعد العنصرة بتحديد عقيدة الثالوث الأقدس، أي بتحديد قانون الإيمان كما أقرّه مجمع نيقية في السنة 325م. لا ترد عبارة الثالوث الأقدس لا في الكتاب المقدّس ولا في قانون الإيمان، وإنّما ترد الأسماء الثلاثة: الآب، الابن، الروح القدس.

أذكر جيّدًا حين قالت لي صديقة مقرّبة: لم نجعل إيماننا معقّدًا بعقائد لا تُفهم؟ وما الّذي يتغير في حياتنا إن أقرّينا عقيدة الثالوث أم لم نقرّها، أفلا يكفي أن نسعى إلى معرفة إرادة الله وإلى طاعتها؟ ولم بذل الوقت والجهد وحتّى الدماء في سبيل أفكار لا سبيل لنا للبرهان عليها ولا حتّى لفهمها؟ لم أجب في حينها، لأنّ تساؤلاتها لم تكن فضولاً ولا اعتراضًا، بل كانت صرخة صلاة إلى إله محتجب، يتقاتل باسمه الناس ويحبسونه في تحزّباتهم، يعترفون بسيادته لفظًا ويجعلون من بيته مغارة لصوص، ومن شريعته سببًا للحكم على الآخرين، ومن احتجابه حجّة للتسلّط والهيمنة والتلاعب بالضمائر والعقول. سؤال صديقتي كان كصرخة النبيّ: ليتك تشقّ السماوات وتنزل (أشعيا 63: 19) لأنّ كلامنا عن الله صار كلامًا لا يغذّي ولا يشبع، مملّ ومعقّد ولو أجبتها ببراهين العقل والكتاب لهزّت كتفيها ومضت بائسة.

لستُ أشكّ في أهمّيّة التفكير في الإيمان، ولكنّ ما نؤمن به ليس أوّلاً عقائد ولا براهين، ولا هو مشاعر سطحيّة ولا تديّن وتقوى وتنفيذ وصايا، ولا حلال وحرام ولا مسموح وممنوع. الإيمان رهان، رهان على أنّ لحياتنا قيمة ومعنى، على أنّ الله خلقنا بكلمته وما يزال يخلقنا بإصغائنا لكلمته، وهذه الكلمة الخالقة تقول الحقّ ولا تكذب، وتقول الحبّ ولا تتعب. إيماننا رهان على أنّنا قادرون على الحبّ الإلهيّ، قادرون على تخطّي الأنانيّة وعلى التغلّب على الموت وكلّ خوف. والعبادة عند الله ليست ذبائح وتقدمات، ولا هي تنفيذ أوامر وحقوق وواجبات. كلّ هذا يسمّيه الكتاب المقدّس “العبادة القديمة” وهي غير العبادة بالروح والحقّ الّتي يريدها الآب. ما يخبره الكتاب المقدّس هو أمر عظيم لم يُسمع بمثله، وهو أنّ الله لا يطلب عبوديّة الإنسان ليثبت ربوبيّته، بل إنّ الله المحتجب يتمجّد ويظهر مجده بأن يصير الإنسان مثله قادرًا على الحبّ مجّانًا بدون مقابل. هذا ما تسمّيه الكنيسة التأليه: الله يعطي الإنسان كل شيء، يشاركه في كلّ شيء، يشاركه في ألوهيّته. كما يقول الآباء: صار الله إنسانًا ليصير الإنسان الله.

ما علاقة كلّ هذا بعقيدة الثالوث؟ لم يخترع الآباء عقيدة الثالوث طلبًا للفلسفة أو للتعقيد، بل لأنّهم قرأوا الكتاب المقدّس على ضوء قيامة المسيح وتعليم الرسل وفهموا معنى الآية: “إنّما أريد الرحمة لا الذبيحة، معرفة الله أكثر من المحرقات” (هوشع 6: 6)، فهموا أنّ المسيح إنّما أتى ليعطينا الروح القدس الّذي هو روح الله نفسه، هذا الروح الّذي يجعلنا شركاء في الطبيعة الإلهيّة كما يقول مار بطرس (1بط1: 4)، ويملؤنا بكلّ ما في الله من كمال كما يقول مار بولس (أفسس 3: 19). فأساس إيماننا لا بأعمال نقوم بها أو صلوات نرفعها لنرضي بها آلهة خلقناها على مثالنا، بل بقبول الروح الّذي يعطيه يسوع لمن يؤمن به، وهو روح الله. فأساس إيماننا أنّ الله لم يرسل لنا نبيًّا يحمل أوامر للتنفيذ، بل أرسل لنا من هو كلمته بالذات، من هو مثله في الأزليّة والألوهيّة، من هو منه، لأنّ ما يحمله هذا الرسول ليست تعاليم بشريّة ولا قاعدة مسموحات وممنوعات، بل يحمل لنا روح الله نفسه، وهذا الروح يؤلّهنا إن قبلناه. فإن لم يكن الرسول مؤلّهًا والروح الّذي يحمله كذلك مؤلّهًا، فإيماننا باطل ورجاؤنا باطل. أقول إلى صديقتي: لو لم يكشف الله عن نفسه لكنّا أسرى الخوف، وعبيدًا لا يعرفون ماذا يريد سيّدهم، أمّا وقد كشف لنا الله عن نفسه بابنه الوحيد، وأعطانا به روح البنوّة، فنحن نحمل إلى العالم خبرًا سارًّا لم يسمع بمثله من قبل. ومن شدّة الفرح وبفيض الشكر، تنسكب فينا العبادة الروحيّة أعمالاً صالحة وصلوات وطقوس ووصايا هي ليست أوامر للتنفيذ بل وعود تتحقّق فينا يومًا بعد يوم.

بقلم الأب داني يونس اليسوعيّ

أنت عارفٌ بما فيَّ يا رب

من كتاب الاعترافات للقديس أغسطينس الأسقف

أنت عارفٌ بما فيَّ يا رب

سوف أعْرِفُكَ يا من تَعرِفُني، سوف أعرفُك كما تَعرِفُني. ادخُلْ إلى نفسي يا كيانَ نفسي، واسكُنْ فيها واملِكْ عليها، واجعَلْها مِلكًا لكَ، منزَّهةً عن كلِّ عيب. ذاك هو رجائي، ولهذا أتكلَّمُ، وبهذا الرجاءِ فرحْتُ فرحًا لا يشوبُه أيُّ غمٍّ. أمّا ما سواكَ من خيراتِ الدنيا، فبقدرِ اهتمامِنا بها وتحسُّرِنا عليها يجبُ أن يكونَ عدمُ اكتراثِنا لها وعدمُ التحسُّرِ عليها. أنتَ قد أحبَبْتَ الحقَّ، لأنَّ مَن يعمَلِ الحقَّ يُقبِلْ إلى النور. ولذا فإني أريدُ أن أعملَ الحقّ، في قلبي أولا وفي اعترافاتي هذه أمامَكَ، ثم أمامَ الشهودِ الكثيرين على ما أكتبُه الآن.

أمامَ عينَيْكَ، يا ربُّ، تنكشفُ أعماقُ النفسِ البشريّة. فأيُّ شيءٍ يَخفَى عليكَ حتى لو لم أعترفْ به؟ قد أُخفِيكَ أنتَ عن نفسي، ولكني لن أقوَى على إخفاءِ نفسي أمامَك. والآن وقد شهِدَتْ زفَراتي على ما في نفسي من كراهيةٍ لنفسي، فقد أصبحتَ أنتَ نوري وفرحي وحبِّي ورغبتي. ولذا فإنِّي أخجلُ من نفسي وأطرحُها جانبًا، وفيكَ، وحدَكَ، أبتغي رضى نفسي ورضاكَ.

كشَفْتُ لكَ، يا ربُّ، عن نفسي مهما كانَتْ حالةُ نفسي. وقلتُ لكَ لأيَّةِ غايةٍ أعترفُ لكَ. لم أفعَلْ ذلك بالألفاظِ والأصواتِ المنطلقةِ من الجسد، بل  بكلامِ النفسِ وهتافِ الفكرِ الذي تعرِفُه أذُنُكَ: إنْ كنْتُ شرِّيرًا فَاعترافي لكَ هو غمٌّ وكَرْبٌ وكَدَر، وإنْ كنْتُ صالحًا فاعترافي هو إقراري بأنَّ الصلاحَ الذي فيَّ ليس منَّي، “لأنَّكَ أنتَ تُبارِكُ البارَّ”، يا رب (مزمور 5: 13)، بعدَ أن تُبَرِّرَه وتطهِّرَه حينَ يكونُ خاطئًا (ر. روما 4: 5). اعترافي إليكَ، يا إلهي، هو اعترافٌ صامتٌ وصارخٌ في الوقتِ نفسِه: كلُّ ضجيجٍ من حولي يصمُتُ، وأمَّا قلبي فإنَّه يصرُخُ إليكَ.

أنتَ يا ربُّ تحاكمُني، لأنَّه وإن كان “لا يَعرِفُ ما في الإنسانِ غيرُ روحِ الإنسانِ الذي فيه” (1 قورنتس 2: 11)، إلا أنَّ في الإنسانِ أشياءَ لا يُدركُها حتى روحُ الإنسان الذي فيه. أمّا أنتَ، يا ربُّ، فتعرفُها، لأنَّكَ أنتَ خالقُه، ولهذا تعرفُ كلَّ ما فيه. وأنا الحقيرَ أمامَكَ، ومعَ كوني ورؤيتي نفسي أمامَك مثلَ الترابِ والرماد، إلا أني أعرفُ عنكَ ما لا أعرفُ عن نفسي.

“نحنُ اليومَ نَرَى في مِرآةٍ رؤيةً مُلتَبِسَةً، لا وَجهًا لِوَجهٍ” (1 قورنتس 13: 12). ولهذا ما دمتُ في غربةِ هذه الأرضِ بعيدًا عنك، فأنا أقرَبُ إلى ذاتي منِّي إليك. ولكني أعلمُ عنكَ أنَّكَ لا تقبلُ الفساد، وأمّا أنا فلا أدري حتى متى سوف أظلُّ صامدًا في وجهِ التجارب؟ رجائي يعتمدُ على أنَّك أنتَ أمين، “ولَن تَإذَاً في أن نُجرَّبَ فوقَ طاقتِنا، بل تؤتينا مع التجربةِ وسيلةَ الخروجِ منها بالقدرةِ على تحمُّلِها” (ر. 1 قورنتس 10: 13).

إنّي أعترفُ أمامَكَ، يا ربُّ، بكلِّ ما أعرِف عن نفسي وبما لا أعرِفُ. ما أعرفُه، بفضلِ نورِكَ أعرفُه، وما أجهلُه سوف يبقى لي مجهولاً إلى أن تتحوَّلَ الظلُماتُ وتصيرَ مثلَ ضياءِ النهارِ أمامَ وجهِكَ.

عيد العنصرة السعيد

عيد العنصرة السعيد

غلاطية 5: 16 – 25

وأَقول: اسلُكوا سَبيلَ الرُّوح فَلا تَقْضوا شَهوَةَ الجَسَد، لأَنَّ الجَسَدَ يَشتَهي ما يُخالِفُ الرُّوح، والرُّوحَ يَشتَهي ما ُخالِفُ الجَسَد: كِلاهُما يُقاوِمُ الآخَرَ حتَّى إِنَّكم تَعمَلونَ ما لا تُريدون. ولكن إِذا كانَ الرُّوح يَقودُكم، فلَستُم في حُكْمِ الشَّريعة.    وأَمَّا أَعمالُ الجَسَد فإِنَّها ظاهِرَة، وهي الزِّنى والدَّعارةُ والفُجوروعِبادةُ الأَوثانِ والسِّحرُ والعَداوات والخِصامُ والحَسَدُ والسُّخطُ والمُنازَعاتُ والشِّقاقُ والتَّشيُّع والحَسَدُ والسُّكْرُ والقَصْفُ وما أَشبَه. وأُنبِّهُكم، كما نَبَّهتُكم مِن قَبْلُ، على أَنَّ الَّذينَ يَعمَلونَ مِثلَ هذِه الأَعمال لا يَرِثونَ مَلَكوتَ الله. أَمَّا ثَمَرُ الرُّوح فهو المَحبَةُ والفَرَحُ والسَّلام والصَّبرُ واللُّطْفُ وكَرَمُ الأَخْلاق والإِيمانُ والوَداعةُ والعَفاف. وهذهِ الأَشياءُ ما مِن شَريعةٍ تتَعرَّضُ لَها. إِنَّ الَّذينَ هم لِلمَسيحِ يَسوعَ قد صَلَبوا الجَسَدَ وما فيه مِن أَهْواءٍ وشَهَوات. فإِذا كُنَّا نَحْيا حَياةَ الرُّوح، فلْنَسِرْ أَيضًا سيرَةَ الرُّوح.

أعمال الرسل 2: 1-11. 

ولَمَّا أَتى اليَومُ الخَمْسون، كانوا مُجتَمِعينَ كُلُّهم في مَكانٍ واحِد، فانْطَلَقَ مِنَ السَّماءِ بَغتَةً دَوِيٌّ كَريحٍ عاصِفَة، فمَلأَ جَوانِبَ البَيتِ الَّذي كانوا فيه، وظَهَرَت لَهم أَلسِنَةٌ كأَنَّها مِن نارٍ قدِ انقَسَمت فوقَفَ على كُلٍّ مِنهُم لِسان، فامتَلأُوا جَميعًا مِنَ الرُّوحِ القُدس، وأَخذوا يتكلَّمونَ بِلُغاتٍ غَيرِ لُغَتِهِم، على ما وَهَبَ لهُمُ الرُّوحُ القُدُسُ أن َتَكَلَّموا.

يوحنّا 15: 26-27. 16: 12-15 

في ذلك الزمان، وقبل أن ينتقل يسوع من هذا العالم إلى أبيه، قال لتلاميذه: «متى جاء المؤيد، الذي أرسله اليكم من لدن الآب، روح الحق المنبثق من الآب، فهو يشهد لي. وأَنتُم أَيضًا تَشهَدون لأَنَّكُم مَعي مُنذُ بَدْء الأمر.

لا يَزالُ عِنْدي أَشْياءُ كثيرةٌ أَقولُها لَكم ولكِنَّكُم لا تُطيقونَ الآنَ حَملَها. فَمتى جاءَ هوَ، أَي رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه لِأَنَّه لا يَتَكَلَّمَ مِن عِندِه بل يَتَكلَّمُ بِما يَسمَع ويُخبِرُكم بِما سيَحدُث سيُمَجِّدُني لأَنَّه يَأخُذُ مِمَّا لي ويُطلِعُكُم عَلَيه جَميعُ ما هو لِلآب فهُو لي ولِذلكَ قُلتُ لَكم إِنَّه يأخُذُ مِمَّا لي ويُطلِعُكُم عَلَيه».
وكانَ يُقيمُ في أُورشَلَيمَ يَهودٌ أَتقِياء أَتَوا مِن كُلِّ أُمَّةٍ تَحتَ السَّماء. فلَمَّا انطَلَقَ ذلكَ الصَّوت، تَجَمهَرَ النَّاسُ وقَد أَخَذَتْهُمُ الحَيرَة، لأَنَّ كُلاًّ مِنهُم كانَ يَسمَعُهم يَتَكَلَّمونَ بِلُغَةِ بَلَدِه. فدَهِشوا وتَعجبَّوا وقالوا: «أَلَيسَ هؤُلاءِ المُتَكَلِّمونَ جليليِّينَ بِأَجمَعِهم؟ فكَيفَ يَسمَعُهم كُلٌّ مِنَّا بِلُغَةِ بَلَدِه بينَ بَرثِيِّين ومادِيِّين وعَيْلامِيِّين وسُكَّانِ الجزَيرَةِ بَينَ النَّهرَين واليَهوديَّةِ وقَبَّدوقِية وبُنطُس وآسِيَة وفَريجِيَة وبَمفيلِيَة ومِصرَ ونَواحي ليِبيَةَ المُتاخِمَةِ لِقِيرِين، ورومانيِّينَ مُقيمينَ ههُنا مِن يَهودَ ودُخَلاء وكَريتِيِّينَ وعَرَب؟ فإِنَّنا نَسمَعُهم يُحَدِّثونَ بِعَجائِبِ اللهِ بِلُغاتِنا».

التأمل

يدعو يسوع الروح القدس باسم المعزّي، وأثر التعزيّة هو على مستوى القلب، حين نشعر في عمقنا بارتياح وسلام وفرح بعد شعور بالفراغ أو الجفاف، ونحن لا يمكننا أن نُولد التعزيّة في أنفسنا بل هي تأتينا من آخر، نشعر باهتمامه واعتنائه بنا، ويلمسنا برقّته ولطفه وحنانه. ويصف يسوع عمل روحه القدوس الذي يرسله من لدن الآب بالتعزيّة، أي أنّ مشيئة الله ورغبته تتلخص في أن يعزّي قلب الإنسان وأن يمنحه النور والفرح والسلام.

كيف يكون هذا ؟ يصفّ يسوع المعزّي بروح الحقّ، وهو الروح الذي يجمع الآب والابن في محبة مشتركة. لا حياة ولا محبة ولا فرح أو نور إلا في الحقّ، ومن كان في الحقّ عرف التعزيّة في قلبه وصارت حياته نبع سلام وفرح للآخرين. ولكن ما الحقّ ؟ وما طريقنا للتعزيّة ؟ نحن لا نملك الحقّ وليس  بمقدورنا أن نعرفه بقوتنا، هو هبة من الله نبع الحياة، هو روح المحبّة الذي ينعش العالم وينبثق من قلب العلاقة بين الآب والابن، ويرشدنا إلى طريق البنوّة.

ويسوع الابن هو في الحقّ لأنّه يعرف تمام المعرفة أنّ حياته هي من أبيه وأنّ لا حياة له إلا بالثبات في محبّة الآب، وحقيقة حياتنا أنّنا أبناء الآب، ولا حياة فينا إلا إذا ثبتنا في كلمة من يمنحنا الحياة. بدون الابن يسوع لا يمكننا أن نفعل شيئًا بل نكون كالأغصان المنفصلة عن الكرمة فتجف وتلقى خارجًا للحرق، أمّا إذا ثبتنا في كلمته أعطت حياتنا ثمرًا كثيرًا وثمرًا يدوم. والروح القدّس يفتح أذهاننا اليوم لنقرأ كلمة الله ونتذوّقها، فنفهم حبّ الله لنا ونثبت فيه، ونحبّه من كلّ قلوبنا وقوتنا وعقلنا وأنفسنا.

الله حبّ وحياة، أبوّة وعطاء، بذل ومشاركة، وروحه القدّوس هو روح الحقّ الذي يدخلنا في دائرة المحبّة والبذل، وهذا ما يعزّي قلوبنا. روح الله فينا يملأنا بالفرح والنور والسلام ويشعل قلوبنا بالنار التي تريد أن يصل كلّ إنسان إلى معرفة الإله الحقيقيّ وابنه الوحيد يسوع المسيح.

ما يحدث في السماء بين الآب والابن يصبح حقيقة واقعة على الأرض، المحبّة التي تجمع الآب والابن تصير واقعًا بين الناس، وروح الحياة والحقّ المنبثق من الآب والابن يفيض في قلوب البشر فيتحولون إلى أبناء في الابن البكر، أخوة لكل الناس، شهود حياة ومحبّة، فعلة عدالة وسلام. هذه هي العنصرة، وهذا كلّه بفضل الكلمة التي نثبت فيها ونتعلق بها في قلوبنا وحياتنا. من يمجد الله على الأرض هم أبناؤه الذين يحيون بروحه القدّوس، روح الحقّ، روح البنوّة والمحبّة والمغفرة والعطاء.

“الله لم يره أحد قط، الابن الأوحد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه” (يو1: 18)، ومنه أخذنا نعمة فوق نعمة، يسوع منحنا الحياة وحياته كانت نورًا وفرحًا وسلامًا لنا، كان في الحقّ، عاش في البنوّة، آمن بحبّ أبيه الذي يفوق كلّ فهم وكلّ تصوّر. استقبل في حياته ووجوده روح الحياة والمحبّة، فراهن بحياته ومصيره على محبّة أبيه. تعرض للظلم والعنف، سيق إلى الصليب، عُلق بين مجرمين، ولكنّه ظل مؤمنًا بالمحبّة وبالحياة، ظل واثقًا بأنّ آباه لن يترك قدّوسه يرى فساده وبأنّ محبته له الابن أقوى من الموت وبأنّه ستنتصر لا محالة، فمات في المحبّة والإيمان والرجاء. لفظ روح الحياة والحقّ لكلّ البشر الذي يؤمنون بأنّ الله محبّة، شركة بين الآب والابن والروح القدّس. أطاع حتى الموت، والموت على الصليب، متضامنًا مع أخوته البشر الخطأة، فأفاض عليه آبوه روح الحياة، وأقامه من بين الأموات.

واليوم، يهب الآب والابن روحهما القدوس لنا لنقوى على وجوه الموت المختلفة في حياتنا، لنعيش ونعلن أنّنا أبناء الله بمواقفنا واختياراتنا وسلوكياتنا، لنتغذى من كلمته ونحيا بجسده ودمه، لنمجد الله في جسدنا ووجودنا، لنحيا المحبّة ونصبح شهودًا للمصالحة في مجتمعاتنا المتألمة والممزقة، الباحثة عن معنى ورجاء لحياتها.

الله يهب روحه القدّوس للبشر، الروح المعزّي، روح الحقّ لأنّه روح الحياة، والحياة أقوى من الكذب والنفاق والخداع، أعظم من الخطيئة والعنف والموت. يصرخ فينا روح الحقّ أنّنا أبناء الله، مدعوّون لنصير أخوة لكلّ الناس، لنحب الجميع حتى الذين لا يحبوننا أو يكرهوننا، لأنّ روح الآب والابن قد سكب في قلوبنا، فلم تعد حياتنا لنا، بل في الابن يسوع المسيح، من مات وقام لأجلنا.

الأب نادر ميشيل اليسوعيّ

كن الكاهن والذبيحة لله

من مواعظ القديس بطرس كريزولوغس الأسقف

(العظة 108: PL 52، 499- 500)

كن الكاهن والذبيحة لله

“أنَاشِدُكَ بِحَنَانِ الله” (روما 12: 1). يتوسَّلُ بولس، وبفمِ بولس هو اللهُ الذي يتوسَّلُ، لأنّه يريدُ من الناسِ محبّةً لا خوفًا. يتوسَّلُ لأنّه يريدُ أن يكونَ أبًا أكثرَ منه ربًّا وسيّدًا. الله يتوسّلُ، وذلك من بابِ الرحمةِ بنا، لأنه لا يريدُ أن ينتقمَ منّا بحسبِ عدلِهِ الرهيبِ.

أصغِ إلى الربِّ المتوسِّلِ والقائلِ: انظروا وشاهدوا فيَّ جسدَكم، وأعضاءَكم، وأحشاءَكم، وعظامَكم، ودمَكم. فإن كنْتُم تخافون ما هو لله، فلماذا لا تُحِبُّون ما هو لكم؟ إن كنْتُم تهرُبُون من وجهِ الربِّ، فلماذا لا تَلجَؤون إلى الأبِ الذي ولَدَكم؟

لعلّكمَ  فَزِعُون من هولِ الآلامِ التي سبَّبْتموها لي؟ لا تخافوا. فإنَّ الصليبَ لم يكُنْ شوكةً لي بل للموت. وهذه المساميُر لا تَزِيدُني ألَمًا، بل تُعمِّقُ حبَّكم فَّي. وهذه الجراحُ لا تُخرِجُ الأنّاتِ من صدري، بل تُدخِلُكم أكثرَ فأكثرَ في أحشائي. وتَمَدُّدُ جسدي ليس زيادةً في عذابي، بل فَتَحَ لكم ذراعيَّ. ولم يُرَقْ دمِي عبثًا، بل كانَ ثمنَ فدائِكم.

تعالَوا إذاً وارجِعُوا. وجرِّبوا الوالدَ الذي ولدَكم وانظروا كيف جازَيْتُكم بدلَ الشرِّ خيرًا، وبدلَ الإهانةِ حبًّا، وبدلَ الجراحِ العميقةِ محبَّةً عظيمة.

ولكن لِنَسمَعْ بماذا يناشدُنا الرسولُ: “أنَاشِدُكُم إذًا أيُّهَا الإخْوَةُ أن تُقَرِّبُوا أشخَاصَكُم” (روما 12: 1). بهذه المناشدةِ يدعو الرسولُ جميعَ الناسِ إلى القيامِ بالمهمَّةِ الكهنوتية، يقول: “أن تُقَرِّبُوا أشخَاصَكُم ذَبِيحَةً حَيَّةً”.

يا لَكرامةِ الكهنوتِ المسيحيِّ الذي لا مثيلَ له: إذ الإنسانُ هو نفسُه الذبيحةُ والكاهنُ؛ وإذ لا يبحثُ خارجًا عن ذاتِه عمَّا يذبحُه للهِ، لأنَّ الإنسانَ يَحمِلُ معه وفيه ما يجبُ أن يقدِّمَه عن نفسِه لله. إذ تَبقَى الذبيحةُ غيرَ متبدِّلةً وكذلك الكاهن. وتُذبَحُ الذبيحةُ ثم تَبقَى حيَّةً، ولا الكاهنُ مقدِّمُ الذبيحةِ يموتُ.

يا لَلذبيحةِ العجيبة، يُقدَّم الجسدُ من غيرِ جسد، والدمُ من غيرِ دم. يقولُ الرسول: “إنِّي أنَاشِدُكُم بِحَنَانِ الله أن تُقَرِّبُوا أشخَاصَكُم ذَبِيحَةً حَيَّةً”.

ذبيحةُ المسيحِ هذه اتَّخذَتْ صورتَها من الصورةِ التي بها قدَّمَ المسيحُ للهِ جسدَه ذبيحةً لحياةِ العالم. فجعلَ جسدَه الحقيقيَّ قربانًا حيًّا، ومن ثمَّ فهو حيٌّ وهو ذبيحٌ. في مثلِ هذه الذبيحةِ، الموتُ يُدفَعُ ثمنًا: القربانُ يبقى، يبقى حيًّا، والموتُ يُعاقَبُ. ومن هنا، فإنَّ الشهداءَ بالموتِ يُولَدون، ويَبدَؤُون حيث ينتهون، وبالموتِ يَحيَوْن، ويُضِيئُون في السماء، بعد أن حُسِبُوا في الأرضِ أمواتًا.

يقولُ الرسول: “إنِّي أنَاشِدُكُم، أيُّها الإخوَةُ، بِحَنَانِ الله، أن تُقَرِّبُوا أشخَاصَكُم ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً”. هذا ما أنشدَه النبيُّ لمّا قالَ: “ذَبيحةً وتقدمةً لم تشأْ، ولكنَّكَ هيَّأْتَ لي جسدًا” (ر. مزمور 39: 7).

كُنْ، أيُّها الإنسانُ، الذبيحةَ والكاهن. لا تَفقِدْ ما وهبَكَ وما منحَه إيّاكَ السلطانُ الإلَهِيُّ. توشَّحْ بدرعِ القداسة. وتحزَّمْ بحزامِ العفّة. ليكُنِ المسيحُ غطاءَ رأسِك، ولْيَكُنِ الصليبُ حِمًى لوجهِك.    ضَعْ على صدرِك ختمَ سرِّ العلمِ الإلهيِّ. جرِّدْ سيفَ الروح. وقدِّمْ قلبَك مذبحًا، وهيِّئْ بثباتٍ جسدَك ذبيحةً لله.

إنَّ اللهَ يُريدُ الإيمانَ لا الموتَ: يُريدُ النذورَ لا الدماءَ؛ وبالإرادةِ الصالحةِ لا بالموتِ يَرضَى.