المسيح هو الراعي الحقيقيّ

البابا فرنسيس: المسيح هو الراعي الحقيقيّ الذي يحقق المثال الأسمى في محبة القطيع

تلا قداسة البابا فرنسيس ظهر هذا الأحد صلاة “افرحي يا ملكة السماء” مع وفود الحجاج والمؤمنين الذين احتشدوا في ساحة القديس بطرس وقبل الصلاة ألقى الأب الأقدس كلمة قال فيها: في كل سنة يدعونا الأحد الرابع من زمن الفصح والذي يُعرف بـ “أحد الراعي الصالح” لنكتشف مجددًا وبدهشة هذا التعريف الذي يعطيه يسوع عن نفسه إذ نقرؤه في ضوء آلامه وموته وقيامته. “الراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف” (يوحنا 10، 11): هذه الكلمات قد تحققت بملئها عندما أطاع المسيح بملء حريّته مشيئة الآب وبذل نفسه على الصليب. فظهر بوضوح كامل معنى كلمة أنه “الراعي الصالح” الذي قدّم حياته تضحية من أجلنا جميعًا! إنه الراعي الصالح!

تابع البابا فرنسيس يقول: المسيح هو الراعي الحقيقيّ الذي يحقق المثال الأسمى في محبة القطيع: هو يبذل حياته برضاه وما من أحد ينتزعها منه، بل يبذلها في سبيل الخراف. بتناقض واضح مع الرعاة المزيّفين يقدّم يسوع نفسه كراعي الشعب الحقيقي والوحيد: فالراعي السيئ يفكر بنفسه ويستغلّ الخراف؛ أما الراعي الصالح فيفكّر بالخراف ويبذل نفسه. وبعكس الأجير، المسيح الراعي هو المرشد المُحب الذي يشارك في حياة قطيعه ولا يبحث عن أي مصلحة أخرى ولا يملك طموحًا آخر سوى قيادة خرافه تغذيتهم وحمايتهم. وهذا بكله بأغلى ثمن: بذل الحياة.

في صورة يسوع الراعي الصالح، تابع الأب الأقدس يقول، نتأمل عناية الله ومحبته الأبوية لكل فرد منا. فهو لا يتركنا أبدًا وحدنا! ونتيجة لهذا التأمل بيسوع الراعي الحقيقي والصالح تأتي صيحة الدهشة التي نجدها في القراءة الثانية التي تقدمها لنا الليتورجية اليوم: “أنظروا أي محبة خصنا بها الآب…”؛ إنها حقًا محبة مدهشة وسريّة، لأن الآب، ومن خلال إعطائه لنا يسوع راع يبذل حياته من أجلنا، قد أعطانا أعظم وأثمن ما بإمكانه أن يعطيه لنا! إنها المحبة الأسمى والأطهر لأنها لا تُحركها أية حاجة، ولا تتأثر بأي حساب، ولا تجذبها أية مصلحة أو رغبة مبادلة. أمام محبة الله هذه نحن نختبر فرحًا عظيمًا وننفتح على الامتنان لما نلناه مجانًا.

أضاف الحبر الأعظم يقول لكن التأمل والشكر فقط غير كافيان، بل ينبغي علينا أيضًا أن نتبع الراعي الصالح؛ وبشكل خاص أولئك الذين نالوا مهمة القيادة في الكنيسة – الكهنة والأساقفة والباباوات – فهم مدعوون للتحلّي لا بذهنيّة المدبرين والمدراء وإنما بذهنيّة الخادم والعبد تشبُّهًا بيسوع الذي أخلى ذاته وخلّصنا برحمته. هذا هو أسلوب الحياة الراعوية، أسلوب الراعي الصالح، الذي دُعي لعيشه أيضًا الكهنة الجدد في أبرشيّة روما الذين قد فرحت صباح اليوم بمنحهم السيامة الكهنوتية في بازيليك القديس بطرس. وختم البابا فرنسيس كلمته قبل تلاوة صلاة “افرحي يا ملكة السماء” بالقول: لِتَنل العذراء الكلية القداسة لي وللأساقفة والكهنة في العالم كله نعمة خدمة شعب الله المقدس من خلال البشارة الفرحة بالإنجيل والاحتفال بالأسرار والقيادة الراعوية الصبورة والمتواضعة.

وبعد الصلاة حيا الأب الأقدس المؤمنين وقال أرغب بالتعبير عن قربي من السكان الذين ضربهم زلزال قوي في نيبال وفي البلدان المجاورة. أُصلّي من أجل الضحايا والجرحى وجميع الذين يتألمون بسبب هذه الكارثة الطبيعية، ليجدوا عضد التضامن الأخوي؛ ونصلّي أيضًا لكي تكون العذراء بالقرب منهم.

تابع الأب الأقدس يقول اليوم في كندا سيتم إعلان تطويب الأم ماريا إليزا تورجون مؤسسة جمعية راهبات سيّدة الورديّة: راهبة مثاليّة، كرّست نفسها للصلاة والتعليم في المراكز الصغيرة في أبرشيتها ولأعمال المحبة. لنرفع الشكر إلى الرب من أجل هذه المرأة مثال الحياة المكرّسة لله والالتزام السخي في خدمة القريب. وأضاف البابا يقول: أحيي بمودة جميع الحجاج القادمين من روما وإيطاليا وبلدان مختلفة لاسيما العديد القادمين من بولندا بمناسبة الذكرى الأولى لإعلان قداسة يوحنا بولس الثاني. أيها الأعزاء ليتردد على الدوام في قلوبكم صدى دعوته: “افتحوا الأبواب للمسيح!” التي كان يوجّهها بصوته القوي والقديس. ليبارككم الرب مع عائلاتكم ولتحفظكم العذراء.

احد الدعوات – الرابع للفصح المجيد

رسالة البابا فرنسيس لمناسبة اليوم العالمي الثاني والخمسين للصلاة من اجل الدعوات

البابا فرنسيس: الخروج، خبرة الدعوة الأساسيّة

موقع زينيت – أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، يقدم لنا الأحد الرابع بعد الفصح أيقونة الراعي الصالح الذي يعرف خرافه، يدعوها، يغذيها ويقودها. في هذا الأحد ومنذ أكثر من خمسين عامًا نعيش اليوم العالمي للصلاة من أجل الدعوات. وفي كلّ مرة يذكّرنا بأهمية الصلاة لكي، وكما قال يسوع لتلاميذه، “يرسل رب الحصاد عملة إلى حصاده” (لوقا 10، 2). يعبّر يسوع عن وصيّته هذه في إطار إرسال رسولي: لقد دعا، بالإضافة إلى الإثني عشر رسولاً، اثنين وسبعين تلميذًا وأرسلهم اثنين اثنين إلى الرسالة (لوقا 10، 1- 16). في الواقع، إن الكنيسة “في طبيعتها رسوليّة” (المجمع الفاتيكاني الثاني، قرار في نشاط الكنيسة الإرسالي “إلى الأمم”، عدد 2)، ولا يمكن للدعوة المسيحية أن تنمو إلا داخل خبرة رسالة. وهكذا فالإصغاء إلى صوت المسيح الراعي الصالح وإتباعه، سامحين له بأن يجذبنا ويقودنا إليه مكرسين له حياتنا يعني السماح للروح القدس بأن يدخلنا في هذه الديناميكية الإرساليّة ويولّد فينا الرغبة والشجاعة الفرحة لتقدمة حياتنا وبذلها في سبيل ملكوت الله.

إن تقدمة الحياة في هذا الموقف الإرسالي ممكنة فقط إذا كنا قادرين على الخروج من ذواتنا. لذلك في هذا اليوم العالمي الثاني والخمسين للصلاة من أجل الدعوات، أريد أن أفكّر حول ذلك “الخروج” الخاص الذي هو الدعوة بذاتها، لا بل جوابنا على الدعوة التي يعطينا الله إيّاها. فعندما نسمع كلمة “خروج”، يتوجّه فكرنا فورًا إلى بدايات تاريخ الحب الرائع بين الله وشعب أبنائه، تاريخ يمرّ عبر أيام العبودية المأساوية في مصر ودعوة موسى، التحرر والمسيرة نحو أرض الميعاد. إن سفر الخروج – السفر الثاني من الكتاب المقدّس – الذي يروي هذا التاريخ، يمثّل مثلاً لتاريخ الخلاص بأسره، ولديناميكيّة الإيمان المسيحي الجوهريّة أيضًا. في الواقع إن الانتقال من عبوديّة الإنسان القديم إلى الحياة الجديدة في المسيح هو العمل الخلاصي الذي يتمّ فينا بواسطة الإيمان (أفسس 4، 22- 24). هذا الانتقال هو “خروج” حقيقيّ، إنه مسيرة النفس المسيحية والكنيسة بأسرها، التوجيه المُقرّر للحياة الموجّهة نحو الآب.

في جذور كل دعوة مسيحيّة نجد هناك هذه الحركة الأساسيّة لخبرة الإيمان: الإيمان هو ترك الذات، الخروج من رفاهيّة الأنا وتصلبها لنضع محور حياتنا في يسوع المسيح؛ أن نترك أرضنا كإبراهيم ونسير بثقة عالمين أن الله سيرينا الدرب نحو الأرض الجديدة. لا يجب فهم هذا “الخروج” كاحتقار لحياتنا وشعورنا وإنسانيّتنا وإنما على العكس، فالذي يبدأ مسيرة إتّباع المسيح يجد الحياة بوفرة، واضعًا نفسه بكليّتها في خدمة الله وملكوته. يقول يسوع: “كُلُّ مَن ترَكَ بُيوتاً أَو إِخوةً أَو أَخواتٍ أَو أَباً أَو أُمّاً أَو بَنينَ أَو حُقولاً لأَجلِ اسْمي، يَنالُ مِائةَ ضِعْفٍ ويَرِثُ الحَياةَ الأَبَدِيَّة” (متى 19، 29). وهذا كلّه يجد جذوره العميقة في الحب. في الواقع، إن الدعوة المسيحية هي قبل كلِّ شيء دعوة حبٍّ تجذب وتحملنا أبعد من ذواتنا، تُزيل مركزيّة الشخص وتدفع إلى “نزوحٍ مستمرٍ خارج الذات المنعزلةِ والمُنغلقة نحو حريّة بذل النفس، وهكذا نحو اكتشاف الذات الأصيلِ لا بل اكتشاف الله” (بندكتس السادس عشر، الرسالة العامة “الله محبة”، عدد 6).

إن خبرة الخروج هي نموذج الحياة المسيحية لاسيما لِمَن يعانق دعوة تكرّس خاص لخدمة الإنجيل. إنها تكمن في موقف دائم التجدّد في التوبة والتبدّل، وفي مسيرة دائمة، وفي انتقال من الموت إلى الحياة على غرار ما نحتفل في الليتورجيا كلها: إنها الديناميكيّة الفصحيّة. في الواقع، من دعوة إبراهيم إلى دعوة موسى، ومن مسيرة حج إسرائيل في الصحراء إلى التوبة التي نادى بها الأنبياء، حتى مسيرة يسوع الإرسالية التي تبلغ ذروتها في موته وقيامته، تشكّل الدعوة على الدوام عمل الله الذي يُخرجنا من حالتنا الأولى، ويحرّرنا من كل شكل من أشكال العبودية، وينتزعنا من التعوّد واللامبالاة ويوجّهنا نحو فرح الشركة مع الله ومع الإخوة. وبالتالي، فإن الإجابة على دعوة الله هي أن ندعه يُخرجنا من استقرارنا الزائف ليضعنا في مسيرة نحو يسوع المسيح، الهدف الأول والأخير لحياتنا وسعادتنا.

إن ديناميكيّة الخروج هذه لا تتعلق بالفرد المدعوّ وحسب، إنما بالعمل الإرسالي والتبشيري للكنيسة كلها. فالكنيسة هي أمينة حقًا لمعلّمها بمقدار ما هي كنيسة “في خروج” غير منشغلة بنفسها وبنياتها الخاصة وإنجازاتها، إنما قادرة على الانطلاق والتحرك ولقاء أبناء الله في وضعهم الحقيقي ومؤاساة جراحهم. يخرج الله من ذاته في ديناميكيّة محبة ثالوثيّة، ويصغي إلى بؤس شعبه ويتدخّل ليحرّره (الخروج 3، 7). إن الكنيسة مدعوة أيضا لأن تكون وتعمل على هذا النحو: فالكنيسة التي تبشّر تخرج للقاء الإنسان، وتُعلن الكلمة المحرِّرة للإنجيل، وبنعمة الله تشفي جراح الأنفس والأجساد، وتساعد الفقراء والمعوزين.

أيها الأخوة والأخوات الأعزاء، إن هذا الخروج المحرِّر نحو المسيح والأخوة يشكل أيضا الدرب المؤدية إلى الفهم الكامل للإنسان والنمو البشري والاجتماعي في التاريخ. إن الإصغاء إلى دعوة الرب وقبولها ليسا مسألة خاصة أو حميمة قد تُعتبر وليدة مشاعر اللحظة: إنها التزام ملموس وواقعي وشامل يعانق كياننا ويضعه في خدمة بناء ملكوت الله على الأرض. لذا فإن الدعوة المسيحية المتجذّرة في التأمل بقلب الآب تدفعنا في الوقت نفسه إلى الالتزام التعاضدي تجاه تحرير الأخوة، لاسيما الأشد فقرًا. إن تلميذ يسوع يتمتع بقلب منفتح على آفاق لا حدود لها، وعلاقته الحميمة مع الرب ليست هروبا من الحياة والعالم بل على العكس إنها “تظهر بشكل أساسي كشركة إرسالية” (الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل رقم 23)

إن ديناميكية الخروج نحو الله والإنسان تملأ الحياة فرحا ومعنى. أود أن أقول هذا بنوع خاص إلى الشبان الذين يعرفون كيف يكونوا مستعدين وأسخياء بفضل سنّهم ونظرتهم للمستقبل المفتوح أمامهم على مصراعيه. قد يأتي أحيانًا المجهول والقلق بشأن المستقبل وعدمُ اليقين المحدق بالحياة اليومية ليشلّوا هذه الانطلاقة وليكبحوا هذه الأحلام وصولا إلى حد الاعتقاد بأن الالتزام لا يستحق العناء وبأن إله الإيمان المسيحي يحد حريتهم. لكن، أيها الشبان الأعزاء، لا تخافوا من الخروج من ذواتكم والانطلاق في مسيرتكم! الإنجيل هو الكلمة التي تحرّر، وتبدّل وتجعل حياتنا أجمل. كم هو جميل أن تتركوا دعوة الله تفاجئكم، وأن تقبلوا كلمته وأن تسيروا بحياتكم على خطى يسوع في عبادة السر الإلهي وتكريس الذات للآخرين! فتصبح حياتكم كل يوم أكثر غنى وفرحًا!

إن العذراء مريم، نموذج كل دعوة، لم تخشَ من أن ترد بكلمة “فَليَكُن” على دعوة الرب. إنها ترافقنا وتقودنا. بشجاعة الإيمان السخية أنشدت مريم فرح الخروج من ذاتها وإيكال مشروع حياتها لله. إننا نتوجه إليها لنكون مستعدين تماما للمخطط الذي وضعه الله لكل واحد منا؛ كي تنمو لدينا رغبة الخروج والانطلاق نحو الآخرين باندفاع (راجع لوقا 1، 39). فلتحمنا الوالدة العذراء ولتشفع بنا جميعا.

يوبيل الرحمة – Misericordiae Vultus

 Misericordiae Vultus

مرسوم الدعوة إلى اليوبيل الاستثنائي

“يوبيل الرحمة”

فرنسيس

أسقف روما

خادم خدّام الله

على الذين سيقرؤون هذه الرسالة

النعمة، الرحمة والسلام

۱. يسوع المسيح هو وجه رحمة الآب. يبدو أن سرّ الإيمان المسيحي قد وجد ملخّصه في هذه الكلمة. لقد أصبحت حيّةً ومرئيّة وبلغت ذروتها في يسوع الناصريّ. إن الآب “الواسع الرحمة” (أف 2، 4)، وبعد أن أظهر اسمه لموسى كـ “إله رَحيم ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء” (خروج 34، 6)، لم يكفَّ أبدًا عن كشف طبيعته الإلهيّة بطرق مختلفة وأوقات عديدة من التاريخ. فلما “تمّ الزمان” (غلا 4، 4)، وعندما كان كل شيء قد جُهِّز بحسب مخطّطه الخلاصي، أرسل ابنه مولودًا من العذراء مريم ليظهر لنا حبّه بشكل نهائيّ. من يراه يرى الآب (را. يو 14، 9). فيسوع الناصري يُظهر رحمة الله من خلال كلمته وتصرفاته وحضوره الذاتي الكامل[1].

۲. نحن بحاجة على الدوام للتأمل بسرّ الرحمة. إنه مصدر فرح وسكينة وسلام. إنه شرط لخلاصنا. الرحمة: هي كلمة تظهر سرّ الثالوث الأقدس. الرحمة: هي العمل النهائي والأسمى الذي من خلاله يأتي الله إلى لقائنا. الرحمة: هي الشريعة الأساسية التي تقيم في قلب كلّ شخص عندما ينظر بعينين صادقتين إلى الأخ الذي يلتقيه في مسيرة الحياة. الرحمة: هي الدرب الذي يوحد الله بالإنسان، لأنها تفتح القلب على الرجاء باننا محبوبون إلى الأبد بالرغم من محدوديّة خطيئتنا.

۳. هناك أوقات نكون فيها مدعوين بشكل قوي لنثبّت النظر على الرحمة لنصبح بدورنا علامة فعّالة لعمل الآب. ولذلك أعلنتُ يوبيلاً إستثنائيًّا للرحمة كزمن ملائم للكنيسة، لكيّ يعزز شهادة المؤمنين ويفعّلها.

ستفتتح السنة المقدسة في الثامن من كانون الأول ديسمبر عام 2015، في عيد الحبل بلا دنس. هذا العيد الليتورجي يشير إلى أسلوب عمل الله منذ فجر التاريخ. بعد خطيئة آدم وحواء، لم يشأ الله أن يترك البشريّة وحدها تحت رحمة الشر. ولذلك فكّر وأراد أن تصبح مريم القديسة، التي هي بلا عيب في المحبّة (را. أف 1، 4)، أمًّا لفادي الإنسان. إزاء خطورة الخطيئة يجيب الله بملء المغفرة. فالرحمة ستكون على الدوام أكبر من أي خطيئة ولن يمكن لأحدٍ أن يضع حدًا لمحبة الله التي تغفر. في عيد الحبل بلا دنس سأفرح بفتح الباب المقدّس. سيكون في هذه المناسبة بابًا للرحمة سيتمكن كل من يدخل من خلاله من اختبار محبة الله الذي يعزّي ويغفر ويعطي الرجاء.

وفي يوم الأحد التالي، الثالث من زمن المجيء، سيُفتح الباب المُقدّس في كاتدرائيّة روما، بازيليك القديس يوحنا اللاتيران. ولاحقًا سيُفتح الباب المقدس في البازيليكات البابويّة الأخرى. في الأحد عينه سأُحدِّد في كل كنيسة خاصة، في الكاتدرائيّة التي تشكل الكنيسة الأم لجميع المؤمنين، أو في الكاتدرائيّات الأخرى أو في كنيسة ذات أهميّة خاصة، بأن يُفتح خلال السنة المقدّسة بأسرها بابًا للرحمة مُشابهًا. وباختيار الأسقف، يمكن لهذا الباب أن يُفتح أيضًا في المزارات، وجهة العديد من الحجّاج، الذين غالبًا ما تلمسهم النعمة في قلوبهم في هذه الأماكن المقدّسة ويجدون السبيل للارتداد. وبالتالي ستكون كل كنيسة خاصة معنيّة بعيش هذه السنة المقدّسة كزمن استثنائيّ للنعمة والتجدّد الروحي. لذلك سيُحتفل باليوبيل في روما وفي الكنائس الخاصة كعلامة مرئيّة لشركة الكنيسة بأسرها.

٤. لقد اخترت تاريخ الثامن من كانون الأول ديسمبر لأنه تاريخ غنيّ بالمعاني بالنسبة لتاريخ الكنيسة الحديث. سأفتح الباب المقدس في الواقع في الذكرى الخمسين لاختتام المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني. الكنيسة تشعر بالحاجة لإبقاء هذا الحدث حيًّا. إذ قد بدأت معه مسيرة جديدة في تاريخها. فالآباء المجتمعون في المجمع قد أحسّوا بقوة، كنفحة حقيقية للروح القدس، بضرورة التحدث عن الله لرجال عصرهم بأسلوب مفهوم أكثر. وإذ تمّ هدم الجدران التي، ولزمن طويل، قد حبست الكنيسة داخل مدينة ذات امتيازات، فقد حان الوقت لإعلان الإنجيل بطريقة جديدة. مرحلة جديدة من البشارة. التزام جديد لجميع المسيحيين ليشهدوا لإيمانهم بحماسوقناعة. فالكنيسة كانت تشعر بمسؤولية كونها علامة حيّة لمحبة الآب في العالم.

تعود إلى ذهني الكلمات الغنيّة بالمعاني التي قالها القديس يوحنا الثالث والعشرون في افتتاح المجمع للدلالة على الدرب التي ينبغي إتباعها: “تفضل عروسة المسيح الآن أن تستعمل دواء الرحمة بدلاً من أن تحمل أسلحة القساوة والتزمُّت… فالكنيسة الكاثوليكية، وإذ ترفع شعلة الحقيقة الكاثوليكية بواسطة هذا المجمع المسكوني، تريد أن تظهر نفسها أمًا محبة للجميع، لطيفة وصبورة يحركها الصلاحوالرحمة تجاه الأبناء المنفصلين عنها[2]“. في الإطار عينه نجد أيضًا الطوباوي بولس السادس الذي عبّر في ختام المجمع قائلاً: “نريد أن نشير إلى أن اهتمام مجمعنا كانت المحبة بشكل خاص… وقصة السامري القديمة قد شكّلت نموذج روحانية المجمع… كما وقد فاض من المجمع تيار محبّة وإعجاب على العالم البشري المعاصر. أُدينت الأخطاء، نعم؛ لأن هذا ما تتطلّبه المحبة والحقيقة أيضًا، أما للأشخاص فتأنيب فقط واحترام ومحبة. فبدل التحاليل المُثبطة مساعدات مُشجّعة؛ وبدل الإنذارات المؤذية انطلقت من المجمع رسائل ثقة إلى العالم المعاصر: فقيمه لم تُحترم وحسب بل كُرِّمت أيضًا، أُعضدت جهوده وطُهِّرت طموحاته وتباركت… كما ينبغي علينا أيضًا أن نلحظ أمرًا آخر: لقد توجّه هذا الغنى العقائدي بأسره في اتجاه واحد: خدمة الإنسان. الإنسان في كل ظرف ومرض وحاجة[3]“.

بمشاعر الامتنان هذه لما نالته الكنيسة ومشاعر المسؤولية تجاه الواجب الذي ينتظرنا، سنعبر الباب المقدّس وكلنا ثقة بأن قوة الرب القائم من الموت سترافقنا وستعضد مسيرة حجنا على الدوام. ليكن الروح القدس، الذي يقود خطوات المؤمنين ليعاونوا في عمل الخلاص الذي حققه المسيح، مرشد شعب الله وعضده فيساعده على التأمل في وجه الرحمة[4].

٥. ستُختتم السنة اليوبيلية في عيد يسوع المسيح ملك الكون، في العشرين من تشرين الثاني نوفمبر عام 2016. في ذاك اليوم، بإغلاق الباب المقدس ستغمرنا مشاعر الامتنان والشكر تجاه الثالوث الأقدس لأنه سمح لنا بزمن النعمة الاستثنائي هذا. سنكِلُ حياة الكنيسة، البشريّة بأسرها والكون الواسع إلى سلطان المسيح، لكي يفيض رحمته كندى الصباح من أجل تاريخ خصب يُبنى بالتزام الجميع بالمستقبل. كما أرغب أيضًا بأن تكون السنوات المقبلة مشبعة بالرحمة فنذهب للقاء كل شخص حاملين صلاح الله وحنانه! ليصل إلى الجميع، مؤمنين وبعيدين، بلسم الرحمة كعلامة لملكوت الله الحاضر بيننا.

٦. “استعمال الرحمة هو من ميزات الله وبهذا الأمر تظهر قدرته بشكل خاص”[5]. إن كلمات القديس توما الأكويني تُظهر كيف أن الرحمة الإلهيّة ليست أبدًا علامة ضعف بل هي ميزة قدرة الله. ولذلك، تصلّي الليتورجيا، في إحدى صلوات الجماعة القديمة: “اللهم، يا من تتجلّى قدرتك أسمى تجلٍّ، إذ ترحم وتغفر”[6]. فالله سيكون على الدوام في تاريخ البشرية كذلك الحاضر والقريب، المُدبِّر، القدوس والرحوم.

“صبور ورحوم” بهاتين الكلمتين يستعين العهد القديم ليصف طبيعة الله. كون الله رحيمًا يجد تأكيدًا ملموسًا في أعمال عديدة من تاريخ الخلاص حيث يسود صلاحه على القصاص والدمار. إن المزامير، بشكل خاص، تُظهر عظمة العمل الإلهي هذه: “هو الَّذي يَغفِرُ جَميعَ آثامِكِ ويَشْفي جَميعَ أَمْراضِكِ، يَفتَدي مِنَ الهوةِ حَياتَكِ ويُكَللكِ بِالرَّحمَةِ والرَّأفة” (مز 103، 3- 4). وبشكل أوضح يشهد مزمور آخر على علامات الرحمة الملموسة: “مُجْري الحُكْمِ لِلمظْلومين رازِقِ الجِياعِ خُبزًا. الرَّبُّ يَحُلُّ قُيودَ الأَسْرى. الرَّبُّ يَفتَحُ عُيونَ العُمْيان الرَّبّ يُنهِضُ الرَّازِحين. الرَّبّ يُحِبُّ الأبْرار. الرَّبُّ يَحفَظُ النّزلاء ويؤَيّدُ اليَتيم والأَرمَلَة ويُضِلُّ الأَشْرارَ في طَريقِهم” (مز 146، 7- 9). وختامًا، هذه عبارات أخرى لصاحب المزمور: ” [الرب] يَثني مُنكَسرِي القُلوب ويُضَمَدُ جِراحَهم. الرَّبُّ يؤيدُ الوُضَعاء ويُذِلُّ الأَشْرارَ حتًّى الأَرض” (مز 147، 3. 6). فرحمة الله إذًا ليست فكرة مجرّدة بل حقيقة ملموسة يظهر من خلالها محبته كأب وأمّ يتأثران حتى الأحشاء من أجل ابنهما. وبالتالي يمكن القول حقيقة بأنه حبّ “نابع من القلب”. يأتي من الداخل كشعور عميق وطبيعي، مكوّن من الحنان والشفقة، تسامح ومغفرة.

۷. “إن إلى الأبد رحمته” هي اللازمة التي تكرّر بعد كل آية من المزمور 136 بينما تُروى قصة وحي الله. بقوّة الرحمة، تحمل أحداث العهد القديم كلها قيمة خلاصيّة عميقة. الرحمة تجعل تاريخ الله مع إسرائيل تاريخ خلاص. يبدو أن التكرار المستمر: “إن إلى الأبد رحمته”، كما يكرّر المزمور، يرغب بأن يكسر دائرة المكان والزمان ليُدخل كلّ شيء في سرّ الحب الأبدي. كما ولو كنا نريد القول بأنه ليس في التاريخ فقط بل وإلى الأبد أيضًا سيكون الإنسان على الدوام تحت نظر الآب الرحيم. وليس من وليد الصدفة أن يكون شعب إسرائيل قد أراد أن يُدخل هذا المزمور، “التهليل الكبير” كما يسمّونه، في الاحتفالات الليتورجية الأكثر أهميّة.

قبل الآلام صلّى يسوع مزمور الرحمة هذا. وهذا ما يؤكّده الإنجيلي متى عندما يقول: “وبعد أن سبّحوا” (متى 26، 30)، خرج يسوع والتلاميذ إلى جبل الزيتون. فبينما كان يؤسس الافخارستيا، كتذكار أبدي له ولفصحه، وضع يسوع بشكل رمزي عمل الوحي السامي هذا في ضوء الرحمة. وفي إطار الرحمة عينه كان يسوع يعيش آلامه وموته مدركًا لسرّ الحب الكبير الذي سيتمّ على الصليب. إن معرفتنا بأن يسوع نفسه قد صلّى هذا المزمور أيضًا، تجعله أكثر أهميّة بالنسبة لنا نحن المسيحيين وتلزمنا باتخاذ هذه اللازمة في صلاة تسبيحنا اليوميّة: “إن إلى الأبد رحمته”.

۸. بتثبيت النظر على يسوع وعلى وجهه الرحيم يمكننا أن نفهم محبة الثالوث الأقدس. فالرسالة التي نالها يسوع من الآب هي بأن يُظهر سرّ المحبّة الإلهيّة بملئه. “الله محبة” (1 يوحنا 4، 8. 16)، يؤكّد الإنجيلي يوحنا للمرة الأولى والوحيدة في الكتاب المقدس بكامله. وهذه المحبّة قد أصبحت مرئيّة وملموسة في حياة يسوع بأسرها. وشخصه ليس إلا محبة، محبة تبذل ذاتها مجانًا. وعلاقاته مع الأشخاص الذين يقتربون منه تظهر شيئًا فريدًا لا يتكرر. الآيات التي يقوم بها، وخصوصًا تجاه الخطأة والفقراء والمهمشين، المرضى والمتألّمين هي تحت راية الرحمة. كل شيء فيه يحدث عن الرحمة. ولا شيء فيه خال من الرأفة.

فيسوع، إزاء الجموع التي كانت تتبعه، وإذ رأى أنهم تعبون ورازحون، ضائعون بلا مرشد، شعر في عمق قلبه بشفقة كبيرة تجاههم (را. متى 9، 36). بقوة هذا الحب الشفوق شفى المرضى الذين كانوا يُقدَّمون له (را. متى 14، 14)، وبالقليل من الخبز والسمك أشبع جموعًا كبيرة (را. متى 15، 37). فالرحمة هي التي كانت تحرّك يسوع في جميع الظروف، ومن خلالها كان يقرأ في قلوب محاوريه ويجيبهم على حاجتهم الحقيقيّة. عندما التقى أرملة نائين التي كانت تحمل ابنها الوحيد إلى القبر، أخذته الشفقة على الألم الكبير للأم التي كانت تبكي، وأعاد إليها ابنها مقيمًا إياه من الموت (را. لوقا 7، 15). وبعد أن حرّر ممسوس ناحية الجراسيّين، أوكل إليه هذه المهمّة: “أخبر بكل ما صنع الرب إليك وبرحمته لك” (مر 5، 19). تدخل في هذا الإطار أيضًا دعوة متى، وإذا به يمرّ أمام بيت الجباية حدق يسوع بعيني متى. لقد كانت نظرة مفعمة بالرحمة تغفر خطايا ذاك الرجل وتغلّب على مقاومة التلاميذ الآخرين وأختاره هو، الخاطئ والعشار، ليصبح أحد الإثني عشر. في تفسيره لهذا المشهد من الإنجيل، يكتب القديس بيدا المكرّم بأن يسوع نظر إلى متى بمحبة رحيمة واختاره: نظر إليه برحمة واختاره[7]. لقد أثّرت فيّ هذه العبارة دومًا لدرجة أنها أصبحت شعاري.

۹. في الأمثال المخصصة للرحمة، يُظهر يسوع طبيعة الله كأب لا يستسلم قبل أن يحلّ الخطيئة ويتغلّب على الرفض بالشفقة والرحمة. نعرف هذه الأمثال، ثلاثة منها بشكل خاص: مثل الخروف الضائع، مثل الدرهم الضائع ومثل الأب والابنين (را. لو 15، 1- 32). في هذه الأمثال، يظهر الله دائمًا يفيض بالفرح لاسيما عندما يغفر. نجد فيها أيضًا نواة الإنجيل ونواة إيماننا، لأنها تقدم الرحمة كالقوة التي تتغلب على كل شيء وتملأ القلب محبة وتعزّي بالمغفرة.

وفضلاً عن ذلك يمكننا أن نستخلص، من مثل آخر، تعليمًا من أجل أسلوب حياتنا المسيحيّ. ردًّا على سؤال بطرس حول كم مرّة ينبغي على المرء أن يغفر، يجيب يسوع: “لا أقول لك: سبع مرات، بل سبعين مرّة سبع مرّات” (متى 18، 22)، ويخبر مثل “العبد القليل الشفقة”، الذي دعاه سيّده ليؤدي له دينًا كبيرًا، فتوسّله العبد ساجدًا، فأشفق مولاه وأعفاه من الدين. ولما خرج ذلك العبد لقي عبدًا من أصحابه مدينًا له بمائة دينار، فتوسّله صاحبه جاثيًا بأن يرحمه فلم يرضَ بل ذهب وألقاه في السجن. ولما عرف سيّده بما جرى غضب كثيرًا واستدعى ذلك العبد وقال له: “أما كان يجب عليك أنت أيضًا أن ترحم صاحبك كما رحمتك أنا؟” (متى 18، 33). وختم يسوع: “هكذا أيضًا يفعل بكم أبي السماوي، إن لم يغفر كلُّ واحد منكم لأخيه من صميم قلبه” (متى 18، 35).

يحتوي المثل على تعليم عميق لكل فرد منا. يسوع يؤكّد أن الرحمة ليست فقط تصرف الآب، وإنما تصبح المعيار أيضًا لفهم من هم أبناؤه الحقيقيون. لذلك نحن مدعوون لنعيش من الرحمة، لأننا قد رُحمنا أولاً، فتصبح مغفرة الإساءات التعبير الأوضح للحب الرحيم وبالنسبة لنا نحن المسيحيين أمرًا لا يمكننا تجاهله. كم يبدو لنا صعبًا أن نغفر أحيانًا! ومع ذلك فالمغفرة هي الأداة التي وُضعت بين يدينا الضعيفتين لنبلغ إلى سكينة القلب. إن ترك الحقد والغضب والعنف والانتقام هي الشروط الضروريّة لنعيش سعداء. لنقبل إذًا دعوة الرسول: “لا تغرُبنَّ الشمس على غضبكم” (أف 4، 26). ولنُصغِ خصوصًا إلى كلمة يسوع الذي وضع الرحمة كمثال حياة ومعيار مصداقيّة لإيماننا: “طوبى للرحماء فإنّهم يُرحمون” (متى 5، 7) إنها الطوبى التي يجب أن تُلهمنا بالتزام خاص خلال هذه السنة المقدسة.

وكما هو معلوم إن الرحمة في الكتاب المقدس هي الكلمة الأساسيّة للإشارة إلى تصرف الله تجاهنا. فهو لا يتوقف فقط عند تأكيد محبته لنا بل يجعلها مرئيّة وملموسة. من جهة أخرى، لا يمكن للمحبة أبدًا أن تكون كلمة مجرّدة، لأنها بطبيعتها حياة ملموسة: نوايا ومواقف وتصرفات تظهر من خلال التصرّف اليومي. إن رحمة الله هي مسؤوليته تجاهنا. هو يشعر بأنه مسؤول، أي يتمنى خيرنا ويريد أن يرانا سعداء نفيض بالفرح والسكينة. وفي التناغم عينه ينبغي أن تتوجه محبة المسيحيين الرحيمة، فكما يُحب الآب هكذا يحب الأبناء أيضًا. وكما هو رحيم هكذا نحن أيضًا مدعوون لنكون رحماء مع بعضنا البعض.

١۰. إن الدعامة التي ترتكز إليها الكنيسة هي الرحمة. وكل نشاطها الرعوي ينبغي أن يُلفّ بالحنان الذي تتوجه به إلى المؤمنين؛ وينبغي ألا يفتقر أي جزء من إعلانها وشهادتها حيال العالم من الرحمة. إن مصداقية الكنيسة تمر عبر طريق المحبة الرحومة والرؤوفة. الكنيسة تعيش “رغبة لا تنضب في تقديم الرحمة”[8]. وقد نكون نسينا لوقت طويل أن ندل على درب الرحمة ونعيشها. إن تجربة المطالبة بالعدالة وحسب على الدوام، جعلتنا ننسى أن هذه هي الخطوة الأولى، إنها ضرورية ولا غنى عنها، لكن الكنيسة تحتاج للذهاب أبعد منذ ذلك لبلوغ هدف أسمى وأهم. ومن جهة أخرى، من المحزن أن نرى أن خبرة المغفرة في ثقافتنا صارت نادرة. ويبدو أن هذه الكلمة نفسها راحت تتلاشى في بعض الأحيان. لكن بدون شهادة المغفرة تصبح الحياة عقيمة وتفقد خصوبتها، كما ولو كنا نعيش في صحراء قاحلة. لقد آن الأوان بالنسبة للكنيسة أن تأخذ على عاتقها إعلان المغفرة بفرح. لقد آن الأوان للعودة إلى ما هو جوهري كي نحمل على أكتافنا ضعف الأخوة وصعوباتهم. المغفرة هي قوة تقيمنا إلى حياة جديدة وتبعث الشجاعة اللازمة للتطلع نحو المستقبل برجاء.

۱۱. لا يسعنا أن ننسى التعاليم العظيمة التي قدمها لنا القديس يوحنا بولس الثاني من خلال رسالته العامة الثانية “الغني بالمراحم” والتي لم تكن متوقعة وفاجأت كثيرين بفعل الموضوع الذي عالجته. وأود التذكير بعبارتين بنوع خاص. لقد سلط البابا القديس الضوء، قبل كل شيء، على نسيان موضوع الرحمة في ثقافة عصرنا: “إن عقلية هذا العصر الحاضر تبدو ربما أشد رفضاً لرحمة الله من عقلية الأجيال السالفة؛ لا بل إنها تسعى إلى القضاء على فكرة الرحمة واستئصالها من قلب الإنسان. وإن لفظة الرحمة بما لها من مفهوم تبدو وكأنها تزعج الإنسان الذي أصبح اليوم أكثر منه في غابر الأيام سيداً أخضع الأرض وتسلّط عليها (را. تك 1، 28) بفضل ما أحرز من تقدم عظيم، لم يعرف من ذي قبل، في حقل العلوم والتقنية. ولم تترك هذه السيادة على الأرض المسّلم بها أحياناً من جهة واحدة تسليماً سطحياً، مجالاً على ما يبدو، للرحمة… ولهذا السبب فإن الكثيرين من الناس والمجتمعات في حالة الكنيسة والعالم الحاضرة، يتجهون اتجاهاً شبه عفوي، إذا صح التعبير، إلى رحمة الله”[9].

فضلا عن ذلك سعى القديس يوحنا بولس الثاني إلى التحفيز على إلحاحية إعلان الرحمة والشهادة لها في عالمنا المعاصر: “تمليها علينا محبتنا للإنسان، ولجميع ما هو إنساني، وهو في اعتقاد الكثيرين من معاصرينا، معرّض لخطر كبير … يدفعنا سر المسيح إلى إعلان الرحمة، بوصفها محبة الله الرحيمة، التي تجلّت في سر المسيح هذا. ويدعونا هذا السر أيضاً إلى الارتداد إلى الرحمة، والتماسها في هذه الفترة العصيبة الحاسمة من تاريخ الكنيسة والعالم”[10]. إن هذا التعليم آني اليوم أكثر من أي وقت مضى ويستأهل أن يُستعاد في هذه السنة المقدسة. دعونا نتقبل مجددا كلماته “تحيا الكنيسة حياة حقيقية، عندما تعترف بالرحمة وتنشرها – وهي صفة من أدعى صفات الخالق والفادي إلى الإعجاب – وعندما تقود الناس إلى ينابيع رحمة المخلص التي تختزنها وتوزعها”[11].

١۲. رسالة الكنيسة هي إعلان رحمة الله، القلب النابض للإنجيل، والذي من خلاله تبلغ قلب وعقل كل إنسان. إن عروس المسيح تتبنى تصرف ابن الله الذي انطلق لملاقاة الجميع دون أن يستثني أحدا. في زماننا هذا، الذي تلتزم فيه الكنيسة بالكرازة الجديدة بالإنجيل، لا بد من إعادة اقتراح موضوع الرحمة بحماسة جديدة وبعمل رعوي متجدد. إنه لأمر ضروري بالنسبة للكنيسة ومصداقية إعلانها أن تعيش الكنيسة الرحمة وتكون في طليعة الشاهدين لها. ينبغي أن يعكس خطابها وأعمالها الرحمة كي تدخل في قلوب الأشخاص وتحثهم على إعادة اكتشاف طريق العودة إلى الآب.

الحقيقة الأولى للكنيسة هي محبة المسيح. إزاء البشر تجعل الكنيسة من نفسها خادمة ووسيطة لهذه المحبة التي تصل إلى حد المغفرة ووهب الذات. لذا حيث توجد الكنيسة يجب أن تتجلى رحمة الآب بوضوح. لا بد أن يجد أي شخص واحة من الرحمة في رعايانا، وجماعاتنا وجمعياتنا وحركاتنا، أي حيثما يوجد مسيحيون.

١۳. نريد أن نعيش سنة اليوبيل هذه في ضوء كلمة الرب: رحماء كالآب. ينقل البشير تعاليم يسوع القائل: “كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم” (لو 6، 36). إنه مشروع حياة ملزم ومفعم بالفرح والسلام. وصية يسوع هذه موجهة إلى كل من يسمعون صوته (را. لو 6، 27). كي نكون قادرين على ممارسة الرحمة علينا أن نصغي قبل كل شيء إلى كلمة الله. هذا يعني استعادة قيمة الصمت للتأمل بالكلمة الموجهة إلينا. بهذه الطريقة يمكننا التأمل برحمة الله ونجعل منها نمطا لحياتنا الخاصة.

۱٤. الحج هو علامة مميزة للسنة المقدسة، لأنه رمز المسيرة التي يجتازها كل شخص في وجوده. الحياة حج والكائن البشري مسافر وحاج يجتاز دربا لبلوغ الهدف الذي يطمح له. وللوصول أيضا إلى “الباب المقدس” في روما وفي أي مكان آخر على كل واحد أن يقوم برحلة حج وفق طاقاته. وهذا هو دلالة على أن الرحمة هي أيضا هدف يجب بلوغه ويتطلب التزاما وتضحية. فليكن إذا الحج حافزا للارتداد: من خلال عبور الباب المقدس نترك رحمة الله تعانقنا ونتعهد بأن نكون رحماء مع الآخرين كما أن الآب رحوم معنا.

الرب يسوع يدلنا على مراحل الحج الذي يوصلنا إلى هذا الهدف “لا تدينوا فلا تُدانوا، لا تحكموا على أحد فلا يُحكم عليكم، أعفوا يُعفى عنكم، أعطوا تُعطوا: ستعطون في أحضانكم كيلاً كريما مركوما مهزهزا طافحا لأنه يُكال لكم بما تكيلون” (لو 6، 37-38). يقول قبل كل شيء لا تدينوا ولا تحكموا. من يريد ألا يخضع لحكم الله يجب ألا يجعل من نفسه ديّانًا لأخيه. إن البشر ومن خلال حكمهم يتوقفون عند الأمور السطحية بيد أن الآب ينظر إلى القلب. كم هي مؤذية الكلمات المنبعثة من مشاعر الغيرة والحسد! إن الكلام بالسوء على الأخ في غيابه يؤدي إلى تشويه صورته والإساءة إلى سمعته وجعله عرضة للنميمة. عدم الإدانة والحكم يعني، من الناحية الإيجابية، معرفة أخذ ما هو طيب لدى كل شخص وعدم التسبب له بالألم نتيجة حكمنا الجزئي وادعائنا بأننا نعرف كل شيء. لكن هذا ليس كافيا للتعبير عن الرحمة. يسوع يطلب منا أيضا العفو والعطاء: أن نكون أداة للعفو لأننا نحن أيضا نلناه من الله. أن نكون أسخياء حيال الجميع عالمين أن الله أيضا يفيض إحسانه علينا بسماحة كبيرة.

رحماء كالآب هذا هو إذا شعار السنة المقدسة. في الرحمة نجد الدليل على الطريقة التي يحب بها الله. إنه يهب نفسه بالكامل، إلى الأبد وبصورة مجانية دون أن يطلب أي شيء بالمقابل. يأتي لنجدتنا عندما نلتمس ذلك منه. كم هو جميل أن تبدأ الصلاة اليومية للكنيسة بهذه الكلمات “أسرِعْ يا اللهُ إلى نَجدَتي. أسرِعْ يا ربُّ إلى نُصرَتي” (مز 70، 2). إن النجدة التي نلتمسها هي الخطوة الأولى لرحمة الله تجاهنا. إنه يأتي لنجدتنا من أوضاع الضعف التي نعيش فيها. وعونه يكمن في جعلنا نشعر بوجوده وقربه. يوما بعد يوم فيما تلامسنا رأفته باستطاعتنا أن نصبح نحن أيضا رؤوفين تجاه الجميع.

۱٥. في هذه السنة المقدسة، يمكننا أن نختبر انفتاح القلب على من يعيشون في أقاصي الضواحي والتي يخلقها غالبا العالم المعاصر بطريقة مأساوية. كم هي كثيرة في عالم اليوم أوضاع الألم وانعدام الثبات! كم من الجراح المطبوعة في أجساد أشخاص كثيرين لا صوت لهم، لأن صراخهم اضمحل وانطفأ بسبب لامبالاة الشعوب الغنية. في هذا اليوبيل ستُدعى الكنيسة أكثر من أي وقت مضى للاعتناء بهذه الجراح ومداواتها بزيت العزاء وتضميدها بالرحمة ومعالجتها بالتعاضد والعناية الواجبة. دعونا لا نقع في فخ اللامبالاة التي تذل وفي الاعتياد الذي يخدّر النفس ويحول دون اكتشاف الحداثة من خلال التهكّم الذي يدمّر. لنفتح أعيننا كي نرى بؤس العالم، جراح العديد من الأخوة والأخوات المحرومين من الكرامة، لنشعر بأننا مستفَزون للإصغاء لصرخة النجدة التي يطلقونها. لنشد بأيدينا على أيديهم، لنجذبهم إلينا كي يشعروا بحرارة حضورنا وصداقتنا وأخوّتنا. لتصبح صرختهم صرختنا، ولنهدم معا حاجز اللامبالاة التي غالبا ما تسود لتخفي الخبث والأنانية.

أتمنى بشدة أن يفكر الشعب المسيحي خلال اليوبيل في أعمال الرحمة الجسدية والروحية. وستكون هذه الطريقة كفيلة بإيقاظ ضميرنا الذي ينزلق غالبا إلى السبات إزاء مأساة الفقر وبالغوص أكثر في قلب الإنجيل، حيث الفقراء هم المفضلون لدى الرحمة الإلهية. إن عظات يسوع تقدم لنا أعمال الرحمة هذه كي نفهم ما إذا كنا نعيش على غرار تلاميذه. دعونا نعيد اكتشاف أعمال الرحمة الجسدية: نطعم الجائع، نسقي العطشان، نُلبس العاري، نستقبل الغريب، نعتني بالمريض، نزور المسجون وندفن الميت. ودعونا لا ننسى أعمال الرحمة الروحية: ننصح الشاكّ، نعلّم الجاهل، نحذّر الخاطئ، نعزي المحزون، نغفر الإساءة، نتحمّل الشخص المزعج بصبر، ونصلي إلى الله من أجل الأحياء والأموات.

لا يسعنا التهرب من كلمات الرب وسيُحكم علينا استنادا إليها: إذا ما قدمنا الطعام للجائع والمياه للعطشان. إذا ما أصغينا إلى الغريب وألبسنا العريان. إذا ما وجدنا الوقت للمكوث إلى جانب المريض والسجين (را. متى 25، 31-45). كما سنُسأل إذا ما ساعدنا الآخرين على الخروج من الشك الذي يوقع المرء في الخوف ويشكل غالبا مصدر الوحدة؛ إذا ما تمكنا من التغلب على الجهل الذي يعيش فيه ملايين الأشخاص، لاسيما الأطفال الذين يفتقرون إلى المساعدة اللازمة للخروج من حالة الفقر؛ إذا ما كنا قريبين من الوحيد والمحزون؛ إذا ما غفرنا لمن يسيء إلينا ونبذنا كل شكل من أشكال الحقد والضغينة اللذين يولدان العنف؛ إذا ما تحلينا بالصبر على غرار الله الذي يتعامل معنا بغاية الصبر؛ إذا ما أوكلنا إلى الرب بواسطة الصلاة أخوتنا وأخواتنا. المسيح نفسه حاضر في كل واحد من “أصغر الصغار”. جسده يصبح مرئيا من جديد، كجسد معذب ومجروح ومصاب وجائع ونازح… كي نتعرف عليه، نلمسه ونعتني به باهتمام. دعونا لا ننسى كلمات القديس يوحنا الصليب: “في مغيب الحياة سنُحاسب على أساس المحبة”[12].

١٦. نجد في إنجيل لوقا ناحية أخرى هامة كي نعيش اليوبيل بإيمان. يروي البشير أن يسوع عاد إلى الناصرة ودخل المجمع يوم السبت على عادته. طُلب منه أن يقرأ الكتابات المقدسة، فقرأ نصا من سفر النبي أشعياء: “روح الرب نازل علي لأنه مسحني لأبشر الفقراء وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم وللعميان عودة البصر إليهم وأفرج عن المظلومين وأعلن سنة رحمة عند الرب” (61، 1-2). “سنة رحمة”: هذا ما أعلنه الرب ونحن نريد أن نعيش هذه السنة. هذه السنة المقدسة تحمل معها غنى رسالة يسوع التي يتردد صداها في كلمات النبي: حَملُ كلمة وبادرة عزاء للفقراء، إعلان تخلية سبيل المأسورين ضمن أشكال جديدة من عبودية المجتمع المعاصر، إعادة النظر إلى العاجز عن النظر بسبب انغلاقه على ذاته، إعادة الكرامة للمحرومين منها. عظات يسوع تصبح مرئية مجددا في أجوبة الإيمان الواجب أن تقدمها شهادة المسيحيين. فلترافقنا كلمات الرسول بولس: “من يرحم فليرحم ببشاشة” (رو 12، 8).

۱۷. لنعش زمن الصوم في هذه السنة اليوبيلية بزخم أكبر كفرصة ملائمة للاحتفال برحمة الله واختبارها. كم هي كثيرة الصفحات في الكتاب المقدس التي يمكن التأمل بها خلال أسابيع زمن الصوم لإعادة اكتشاف الوجه الرحوم للآب! يمكننا أن نقول نحن أيضا، مكررين كلمات النبي ميخا: أنت أيها الرب، إلهٌ تحمل الآثام وتصفح عن المعاصي، لا تشدد غضبك للأبد لأنك تحب الرحمة. أنت يا رب ستعود وترأف بشعبك، ستدوس آثامنا وتطرح في أعماق البحر جميع خطايانا (را. ميخا 7، 18-19).

بإمكاننا في زمن الصلاة والصوم والمحبة لأن نتأمل بصفحات سفر النبي أشعيا: “أَلَيسَ الصَّومُ الَّذي فَضَّلتُه هو هذا: حَلُّ قُيودِ الشَّرِّ وفَكُّ رُبُطِ النِّير وإِطْلاقُ المَسْحوقينَ أَحْراراً وتَحْطيمُ كُلِّ نير؟ أَلَيسَ هو أَن تَكسِرَ للجائِعِ خُبزَكَ وأَن تُدخِلَ البائسينَ المَطْرودينَ بَيتَكَ وإذا رَأَيتَ العُرْيانَ أن تَكسُوَه وأَن لا تَتَوارى عن لَحمِكَ؟ حينَئِذٍ يَبزُغُ كالفَجرِ نورُكَ ويَندَبُ جُرحُكَ سَريعاً ويَسيرُ بِرُّكَ أَمامَكَ ومَجدُ الرَّبِّ يَجمعُ شَملَكَ. حينَئِذٍ تَدْعو فيَستَجيبُ الرَّبّ وتَستَغيثُ فيَقول هاءَنَذا إِن أَزَلتَ مِن أَبْنائِكَ النِّير والإِشارَةَ بِالإِصبَعِ والنُّطقَ بالسُّوء. إِذا تَخَلَّيتَ عن لُقمَتِكَ لِلجائِع وأَشبَعتَ الحَلقَ المُعَذَّب يُشرِقُ نوُركَ في الظُّلمَة ويَكونُ دَيجوُركَ كالظُّهْر ويَهْديكَ الرَّبُّ في كُلِّ حين ويُشبِعُ نَفْسَكَ في الأَرضِ القاحِلَة ويُقَوِّي عِظامَكَ فتَكونُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وكيَنْبوعِ مِياهٍ لا تَنضُب” (58، 6-11).

لا بد من تفعيل مبادرة “24 ساعة للرب” التي يُحتفل بها يومي الجمعة والسبت من الأسبوع الرابع لزمن الصوم. كثيرون هم الأشخاص الذين يقتربون من سر المصالحة، ومن بين هؤلاء العديد من الشباب، الذين يجدون من خلال هذه التجربة المسيرة اللازمة للعودة إلى الرب ولعيش مرحلة من الصلاة العارمة وإعادة اكتشاف معنى الحياة. فلنضع مجددا سر المصالحة في المحور لأنه يسمح لنا بلمس عظمة الرحمة. وسيكون بالنسبة لكل تائب مصدرا للسلام الداخلي الحقيقي.

لن أتعب أبدا من الإصرار على ضرورة أن يكون المعرّفون علامة حقيقية لرحمة الآب. لا يمكن للمعرف أن يرتجل دوره، بل نصبح معرّفين عندما نكون نحن في المقام الأول تائبين نبحث عن الغفران. دعونا لا ننسى أبدا أن كوننا معرّفين يعني أن نشارك في رسالة يسوع وأن نصير علامة ملموسة لاستمرارية المحبة الإلهية التي تغفر وتخلّص. كل واحد منا نال هبة الروح القدس من أجل مغفرة الخطايا، ونحن مسؤولون عن هذا. ليس أي منا سيد السرّ، بل إننا خدام أمناء لمغفرة الله. على كل معرّف أن يستقبل المؤمنين كالأب في مثل الابن الضال: أب يركض مسرعا نحو ابنه على الرغم من أنه بذّر أملاكه. المعرّفون مدعوون إلى معانقة هذا الابن التائب والعائد إلى بيته وإلى التعبير عن فرح العثور عليه. ينبغي ألا يتعب المعرفون من التوجه أيضا نحو الابن الآخر الذي بقي في الخارج والعاجز عن الشعور بالفرح، ليشرحوا له أن حُكمه القاسي ليس عادلا ولا معنى له إزاء رحمة الآب التي لا تعرف حدودا. يجب ألا يطرحوا أسئلة خارجة عن الموضوع بل عليهم مقاطعة الخطاب الذي أعده الابن، كما فعل الأب في المثَل، لأنهم يعرفون كيف يقرأون في قلب كل تائب طلب المساعدة والمغفرة. المعرفون مدعوون إذا لأن يكونوا دائما وفي كل ظرف ومكان وعلى الرغم من كل شيء علامة لتفوّق الرحمة.

١۸. خلال زمن الصوم لهذه السنة المقدسة، أرغب بإرسال مرسلي الرحمة. سيكونون علامة لعناية الكنيسة الوالدية بشعب الله، كي يدخل بعمق في غنى هذا السرّ الجوهري للإيمان. سيكونون كهنة أمنحهم سلطان مغفرة حتى الخطايا المحفوظة للكرسي الرسولي، كي تظهر بوضوح سعة مهمتهم. سيكونون، قبل كل شيء، علامة حيّة على كيفيّة قبول الآب للذين يبحثون عن مغفرته. سيكونون رسل الرحمة لأنهم سيصبحون لدى الجميع صانعي لقاء مفعم بالإنسانية، ينبوع تحرّر، غني بالمسؤولية للتغلّب على العقبات واستعادة الحياة الجديدة للمعمودية. وسينقادون في رسالتهم لكلمات الرسول “لأنَّ اللهَ أَغلَقَ على جميعِ الناسِ في العِصيانِ ليرحَمَهم جميعًا” (رو 11، 32). إن الجميع، في الواقع، وما مِن أحد مستبعَد، هم مدعوون لقبول النداء إلى الرحمة. وليعِش المرسلون هذه الدعوة مدركين أن بإمكانهم تثبيت النظر على يسوع، “عظيم كهنةٍ رحيمًا مؤتَمنًا عندَ الله” (عب 2، 17).

أطلب من الأخوة الأساقفة دعوة واستقبال هؤلاء المرسلين كي يكونوا قبل كل شيء مبشّرين مقنعين بالرحمة. ولتُنظَّم في الأبرشيات “رسالات للشعب” بحيث يكون هؤلاء المرسلون مبشّرين بفرح المغفرة. وليُطلب منهم الاحتفال بسر المصالحة للشعب، كي يتيح زمن النعمة المُعطى في السنة اليوبيلية، لأبناء كثيرين بعيدين، إيجاد الطريق ثانيةً نحو البيت الوالدي. وليذكِّر الرعاة المؤمنين، وبنوع خاص خلال زمن الصوم، بالتقدُّم “إلى عرشِ النِّعمَةِ لننَالَ رحمَةً ونَلقى حُظوةً” (عب 4، 16).

۱۹. لتتمكّن كلمة المغفرة من بلوغ الجميع ولا تتركنَّ الدعوة لاختبار الرحمة أيَّ أحد غير مبال. إن دعوتي إلى التوبة موجّهة بإلحاح أكبر أيضا لأولئك الأشخاص البعيدين عن نعمة الله بسبب سلوك حياتهم. وأفكِّرُ بنوع خاص بالرجال والنساء الذين ينتمون لمجموعة إجرامية، أيًّا تكن. من أجل خيركم، أطلب منكم تغيير حياتكم. أطلب منكم ذلك باسم ابن الله الذي، وإذ حارب الخطيئة، لم يرفض قط أيَّ خاطئ. لا تقعوا في الفخ الرهيب للتفكير بأن الحياة متعلّقة بالمال، وأمامه، يصبح كل الباقي فاقدَ القيمة والكرامة. إنه وَهمٌ فحسب. لا نحمل المال معنا في الآخرة. فالمال لا يعطينا السعادة الحقيقية. إن العنف المُستخدم لتكديس أموال تسيل دمًا لا يجعل الأشخاص أقوياء ولا خالدين. فللجميع، عاجلاً أم آجلا، ستأتي دينونة الله ولا يستطيع أحد الإفلات منها.

لتصِل الدعوة نفسها للأشخاص الداعمين أو المتواطئين مع الفساد. إن هذه الآفة العفنة للمجتمع هي خطيئة كبيرة تصرخ نحو السماء، لأنها تهدّد أُسس الحياة الشخصية والاجتماعية. فالفساد يمنع النظر برجاء إلى المستقبل، لأنه باستبداده وجشعه، يدمّر مشاريع الضعفاء ويسحق الأكثر فقرا. إنه شرّ يعشش في الأفعال اليومية لينتشر من ثم في الفضائح العامة. إن الفساد هو حدّة في الخطيئة، يبغي استبدال الله بوهم المال كشكل من التسلّط. إنه عمل الظلمات، يرتكز للشّبهة والمكيدةCorruptio optimi pessima، كان يقول القديس غريغوريوس الكبير بحكمةٍ ليشير إلى أن ما مِن أحد يستطيع الشعور بأنه محصَّن من هذه التجربة. ولاستئصالها من الحياة الشخصية والاجتماعية، لا بدّ من الحكمة، اليقظة، النزاهة، الشفافية، مع شجاعة الإبلاغ. فإذا لم تكافَح علانيةً، تجعل الأشخاص عاجلا أم آجلا متواطئين، وتدمّر الحياة.

إنه الوقت الملائم لتغيير الحياة! إنه الوقت لتغيير القلب. فأمام الشر المرتكب، وجرائم خطيرة أيضا، إنّه وقت الإصغاء لبكاء الأشخاص الأبرياء المسلوبي الخيور، الكرامة، المشاعر، والحياة نفسها. إن الاستمرار في طريق الشر هو مصدر وهْم وحزن لا غير. فالحياة الحقيقية هي أمر آخر. إن الله لا يتعب أبدا من مدّ اليد. إنه دائم الاستعداد للإصغاء، وأنا أيضا، كما أخوتي الأساقفة والكهنة. يكفي فقط قبول الدعوة إلى التوبة والخضوع للعدالة، فيما تقدّم الكنيسة الرحمة.

۲۰. لن يكون عديم الجدوى في هذا الإطار التذكير بالعلاقة بين العدالة والرحمة. فهما ليستا بناحيتين متعارضتين مع بعضهما البعض، بل هما بُعدان لواقع واحد ينمو تدريجيًا حتى يبلغ ذروته في كمال المحبة. إن العدالة مفهوم جوهري للمجتمع المدني، حينما، وبشكل عام، تتم الإشارة إلى نظام قانونيّ يُطبَّق القانون من خلاله. ويُقصد بالعدالة أيضا واجب إعطاء كل واحد حقّه. وفي الكتاب المقدس، تتم الإشارة مرات كثيرة للعدالة الإلهية وإلى الله كديّان. ويُقصد هنا عادة بالحفظ الكامل للشريعة والتصرّف ككل إسرائيلي صالح بحسب الوصايا المُعطاة من الله. غير أن هذه النظرة قد أدّت مرات غير قليلة إلى الوقوع في حرفيّة الشريعة، من خلال تشويه المعنى الأصلي وإخفاء القيمة العميقة التي تمتلكها العدالة. وللتغلّب على هذه النظرة المتقيّدة بحرفيّة الشريعة، ينبغي التذكير بأن العدالة تُفهم جوهريًا في الكتاب المقدس كاستسلامٍ واثِق لمشيئة الله.

من جهته، يتكلّم يسوع مرات كثيرة عن أهمية الإيمان بدلا من التقيّد بالشريعة. وبهذا المعنى، ينبغي علينا أن نفهم كلماته حينما، وإذ كان جالسًا إلى المائدة مع متّى وباقي العشارين والخاطئين، قال للفريسيين الذين كانوا يعارضونه: “فهلاَّ تتعلّمونَ معنى هذه الآية: “إنما أُريدُ الرَّحمَةَ لا الذَّبيحة”، فإنِّي ما جِئتُ لأدعُوَ الأبرارَ بلِ الخاطئين” (متى 9، 13). وأمام النظرة لعدالة كحفظ محض للشريعة التي تدين من خلال تقسيم الأشخاص إلى أبرار وخطأة، يركّز يسوع على إظهار العطية الكبرى للرحمة التي تبحث عن الخطأة كي تقدّم لهم المغفرة والخلاص. ويُفهم لماذا، وبسبب نظرته المحرّرة هذه وينبوع تجدّد، رُفض يسوع من قبل الفريسيين والكتبة. فكي يبقى هؤلاء أمناء للشريعة، كانوا يضعون أحمالاً على أكتاف الأشخاص، مُبطلين رحمة الآب. إن الدعوة لحفظ الشريعة لا يمكن أن تعيق الاهتمام بالحاجات المتعلقة بكرامة الأشخاص.

إن تذكير يسوع بما كتبه النبي هوشع ـ “فإنَّما أُريدُ الرَّحمةَ لا الذبيحة” ( 6 ،6) ـ لهو معبّر جدا بهذا الصدد. يؤكد يسوع أنه من الآن فصاعدًا، ستكون قاعدة حياة تلاميذه تلك التي تضع أوَّلية الرحمة، كما يشهد هو نفسه، متشاركًا الطعام مع الخطأة. تظهر الرحمة، مرة جديدة، كبُعد جوهري لرسالة يسوع. إنها تحدٍّ حقيقي أمام محاوريه الذين كانوا يتوقفون عند الاحترام الشكلي للشريعة. أما يسوع فيذهب أبعد من الشريعة؛ فمشاركته مع أولئك الذين كانت الشريعة تعتبرهم خطأة تُبيّن لأيّ مدًى تصل رحمته.

قام بولس الرسول أيضا بمسيرة مماثلة. فقبل أن يلتقي المسيح على طريق دمشق، كانت حياته مكرّسة لإتباع البِرِّ الذي تقتضيه الشريعة بشكل لا عيب فيه (را. في 3، 6). وقاده الارتداد إلى المسيح لتغيير نظرته، لدرجة أنه يؤكد في رسالته لأهل غلاطية “ونحنُ أيضًا آمنَّا بالمسيحِ يسوع لكي نُبرَّرَ بالإيمانِ بالمسيح، لا بالعَمَلِ بأحكامِ الشَّريعة” (2، 16). وقد تبدّل مفهومه للبِرِّ بشكل جذري. ويضع بولس الآن الإيمان في المقام الأول لا الشريعة. فليس حفظ الشريعة ما يخلّص، بل الإيمان بيسوع المسيح الذي بموته وقيامته يحمل الخلاص مع الرحمة التي تبرِّر. يصبح بِرُّ الله الآن التحرّر بالنسبة للمثقلين بعبودية الخطيئة وكل تبعاتها. إن بِرَّ الله هو مغفرته (را. مز 51، 11 ـ 16).

۲١. لا تتعارض الرحمة مع العدالة إنما تعبّر عن تصرّف الله إزاء الخاطئ، مقدّمًا له إمكانية أخرى ليتوب ويرتدّ ويؤمن. إن خبرة النبيّ هوشع تساعدنا لتُظهر لنا تخطّي العدالة في اتجاه الرحمة. إن عصر هذا النبيّ هو من بين العصور الأكثر مأساوية في تاريخ الشعب العبريّ. فالمملكة على وشك الدمار؛ الشعب لم يبق أمينًا للعهد، ابتعد عن الله وفَقَد إيمان الآباء. وبحسب منطق بشري، من العدل أن يفكّر الله برفض الشعب غير الأمين؛ فهو لم يحفظ العهد المُبرَم، ويستحقّ بالتالي العقاب الواجب، أي المنفى. وإن كلمات النبيّ تشهد على ذلك “لن يَرجعَ إلى أرضِ مِصر وأشُّورُ هو يكونُ ملِكَهُ، وبما أنَّهم أبَوا أن يَرجِعوا إليَّ” (هو 11، 5). ومع ذلك، فبعد ردة الفعل هذه التي تستند للبِرِّ، يبدّل النبي لهجته بطريقة جذرية ويُظهر الوجه الحقيقي لله: “قد انقَلَبَ فيَّ فؤادي واضطَرَمَتْ أَحشائي. لا أُطلِقُ حدَّةَ غَضَبي ولا أَعودُ إلى تدميرِ أَفرائيم لأنِّي أنا اللهُ لا إِنسان والقدُّوسُ في وسطِكَ فلَن آتيَ ساخطًا” (11، 8 ـ 9). ويعلّق القديس أغسطينوس على كلمات النبيّ بالقول:” من الأسهل أن يمسك الله الغضب أكثر من الرحمة”. وهكذا بالفعل. إن غضب الله يدوم لحظة، أمّا رحمته فتدوم إلى الأبد.

لو توقّف الله عند العدالة لن يكون الله بل يصبح ككل البشر الذين يدعون لاحترام الشريعة. فالعدالة وحدها لا تكفي وتعلّم الخبرة أن المطالبة بها فقط، تهدّد بتدميرها. ولهذا يذهب الله أبعد من العدالة مع الرحمة والمغفرة. ولا يعني ذلك التنقيص من قيمة العدالة أو جعلها سطحية، بالعكس. فمَن يخطئ يجب أن يُعاقب. غير أن ذلك ليس النهاية، إنما بداية التوبة، كي يُختبَر حنان المغفرة. إن الله لا يرفض العدالة. إنه يحتويها ويتخطاها في حدث أسمى حيث تُختبر المحبة التي هي في أساس عدالة حقيقية. علينا أن نولي انتباهًا كبيرا لما كتبه بولس لعدم الوقوع في الخطأ نفسه الذي أنّب عليه الرسول اليهودَ معاصريه: “جَهِلوا بِرَّ الله وحاوَلوا إقامةَ بِرِّهم فَلم يَخضَعوا لبِرِّ الله. فغايةُ الشَّريعةِ هي المسيح، لتَبريرِ كلِّ مؤمِن” (رو 10، 3 ـ 4). إن بِرَّ الله هذا هو الرحمة المعطاة للجميع كنعمةٍ بقوة موت يسوع المسيح وقيامته. فصليب المسيح هو إذا حُكم الله علينا جميعًا وعلى العالم، لأنه يقدّم لنا يقين المحبة والحياة الجديدة.

۲۲. يتضمّن اليوبيل أيضا الإشارة إلى الغفران الذي يكتسب في السنة المقدسة للرحمة أهمية خاصة. إن غفران الله لخطايانا لا يعرف حدودا. ففي موت يسوع المسيح وقيامته، يُظهر الله بشكل جليٍّ محبته هذه التي تصل حتى القضاء على خطيئة البشر. من الممكن أن ندع ذواتنا نتصالح مع الله من خلال السرّ الفصحي ووساطة الكنيسة. إن الله مستعد دائما للمغفرة ولا يتعب أبدا من تقديمها بطريقة جديدة على الدوام وغير منتظرَة. ومع ذلك، فنحن كلّنا نختبر الخطيئة. نعلم أننا قد دُعينا إلى الكمال (را. متى 5، 48)، ولكننا نشعر بشدّةٍ بثقلِ الخطيئة. وإذ ندرك قوة النعمة التي تبدّلنا، نختبر أيضا قوة الخطيئة التي تتحكّم بنا. وبالرغم من المغفرة، نحمل في حياتنا التناقضات التي هي نتيجة خطايانا. في سر المصالحة، يغفر الله الخطايا، التي هي حقا ممحوّة؛ ومع ذلك، يبقى الأثر السلبي الذي تركته الخطايا في تصرفاتنا وأفكارنا. غير أن رحمة الله هي أقوى بكثير من ذلك أيضا. فهي تصبح غفران الآب الذي من خلال عروس المسيح يصل إلى الخاطئ المغفور له ويحرّره من كل رواسب أثر الخطيئة، من خلال تأهيله على التصرّف بمحبة، والنموّ في المحبة بدل الوقوع مجددًا في الخطيئة.

تعيش الكنيسة شركة القديسين. وفي الإفخارستيا، تتحقق هذه الشركة التي هي عطية من الله، كاتحاد روحي يربطنا نحن المؤمنين مع القديسين والطوباويين الذين لا يُحصى عددهم (را. سفر الرؤيا 7، 4). إن قداستهم تأتي لتُعين ضعفنا، وهكذا فإن الأم الكنيسة قادرة بصلاتها وحياتها أن تأتي لملاقاة ضعف البعض مع قداسة آخرين. إن عيش الغفران إذًا خلال السنة المقدسة يعني التقرّب من رحمة الآب مع الثقة بأن غفرانه يطال حياة المؤمن كلها. الغفران هو اختبار قداسة الكنيسة التي تشارك في جميع ثمار فداء المسيح، كي تنتشر المغفرة حتى أقصى الحدود التي تبلغها محبة الله.  لنعش اليوبيل بعمق سائلين الآب مغفرة الخطايا ونشر غفرانه الرحيم.

۲۳. تمتلك الرحمة قيمة تذهب أبعد من حدود الكنيسة. إنها تربطنا مع اليهودية والإسلام اللذين يعتبرانها من بين أبرز صفات الله. وقد نال إسرائيل أولا هذا الوحي الذي يبقى في التاريخ كبداية غنًى لا يُقدَّر لتقديمه للبشرية كلها. وكما لاحظنا، إن صفحات العهد القديم ملأى بالرحمة، لأنها تُخبر بالأعمال التي صنعها الرب لصالح شعبه في الأوقات الأشد صعوبة في تاريخه. إن الإسلام، من جهته، يضع الرحمن الرحيم من بين أسماء الخالق. وهذا الابتهال هو غالبا على شفاه المؤمنين المسلمين الذين يشعرون بأن الرحمة ترافقهم وتعضدهم في ضعفهم اليومي. وهم أيضا يؤمنون بأن ما مِن أحد يستطيع أن يحدّ الرحمة الإلهية لأن أبوابها مفتوحة دائما.

لتشجّع هذه السنة اليوبيلية المُعاشة في الرحمة اللقاء مع هاتين الديانتين ومع باقي التقاليد الدينية العريقة؛ ولتجعلنا أكثر انفتاحا على الحوار كي نعرف ونفهم بعضنا بعضًا بشكل أفضل؛ ولتُزِل كل شكل من أشكال الانغلاق والازدراء ولتُبعد كل شكل من أشكال العنف والتمييز.

۲٤. يتّجه الفكر الآن إلى أمّ الرحمة. ليرافقنا نظرها العطوف في هذه السنة المقدسة، كي نتمكّن جميعًا من إعادة اكتشاف فرح حنان الله. ما مِن أحد كمريم قد عرف عمْق سرّ الله الذي صار إنسانًا. إن كل شي في حياتها قد طُبع بحضور الرحمة التي صارت بشرًا. إن أمّ المصلوب القائم من الموت قد دخلت معبد الرحمة الإلهية لأنها شاركت بعمق في سرّ محبته.

وإذ اختيرت لتكون أم ابن الله، حضّرت محبة الآب مريم منذ الأزل كي تكون تابوت العهد بين الله والبشر. لقد حفظت في قلبها الرحمة الإلهية بتناغم كامل مع ابنها يسوع. وإن نشيد التسبيح عند عتبة بيت أليصابات، قد كُرس للرحمة التي تمتدّ “من جيل إلى جيل” (لو 1، 50). ونحن أيضا كنّا حاضرين في تلك الكلمات النبويّة للعذراء مريم. وسيكون ذلك عزاء وعضدًا فيما نعبر الباب المقدّس لاختبار ثمار الرحمة الإلهية.

عند الصليب، إن مريم مع يوحنا، تلميذ المحبة، هي شاهدة على كلمات المغفرة الخارجة من شفَتَي يسوع. إن المغفرة الأسمى المُقدمة لمِن صلبه تُظهر لنا إلى أي مدى تستطيع رحمة الله أن تصل. تشهد مريم على أن رحمة ابن الله لا تعرف حدودا وتبلغ الجميع من دون استثناء أحد. لنرفع إليها الصلاة القديمة والجديدة على الدوام السلام عليك أيتها الملكة، كي لا تتعب أبدا من النظر إلينا بعينيها الرحميتين وتجعلنا أهلاً للتأمل بوجه الرحمة، ابنها يسوع.

لتمتدّ صلاتنا أيضا إلى القديسين والطوباويين الكثيرين الذين جعلوا من الرحمة رسالتهم في الحياة. ويتّجه الفكر بنوع خاص إلى الرسولة العظيمة للرحمة، القديسة فاوستينا كوفالسكا. فلتشفع لنا هي التي دُعيت للدخول في أعماق الرحمة الإلهية، ولتنل لنا أن نعيش ونسير دائما في مغفرة الله والثقة الراسخة في محبته.

۲٥. إنها سنة مقدسة استثنائية إذًا، كي نعيش في كل يوم من الحياة الرحمة التي يبسطها الآب علينا منذ الأزل. وفي هذا اليوبيل، لنَدعِ الله يفاجئنا. فهو لا يتعب أبدا من تشريع باب قلبه ليكّرر أنه يحبّنا ويريد أن يقاسمنا حياته. إن الكنيسة تشعر بشكل قوي بإلحاحية إعلان رحمة الله. وإن حياتها حقيقية وصادقة عندما تجعل من الرحمة إعلانها الواثِق. إنها تعلم أن مهمتها الأولى، لاسيما في وقت كوقتنا المفعم بآمال كثيرة وتناقضات قوية، هي أن تُدخلنا جميعا في السر العظيم لرحمة الله، من خلال التأمل بوجه المسيح. إن الكنيسة مدعوة أولا لتكون شاهدة حقيقية على الرحمة من خلال إعلانها وعيشها كمركز الوحي ليسوع المسيح. ومن قلب الثالوث، ومن عمق أعماق سر الله، ينبع ويجري بلا توقّف نهر الرحمة الشاسع. ولا يمكن لهذا الينبوع أن ينضب أبدا لجميع الذين يقتربون منه. فكل مرة يحتاج إليه أحد، يستطيع أن يقترب منه لأن رحمة الله لامتناهية. وبقدر ما لا يمكن سبْر غور عمق السر الذي يحتويه، بقدر ما لا ينضب الغنى النابع منه.

في هذه السنة اليوبيلية، لتردّد الكنيسة كلمة الله التي تدوّي بقوة وإقناع ككلمة وعمل مغفرة، مؤازرة، مساعدة ومحبة. ولا تتعبنّ أبدا من تقديم الرحمة، ولتكن دائما حليمة في التعزية والمغفرة. ولتكن الكنيسة صوت كل رجل وامرأة ولتردّد بثقة وبلا انقطاع “يا ربِّ اذكُر حنانَكَ ومراحِمَكَ فإنَّها قائمةٌ منذُ أزلِكَ” (مز 25، 6).

أعطي في روما، بالقرب من القديس بطرس، 11 أبريل / نيسان، عشية عيد الرحمة الإلهية، سنة 2015، الثالثة من حبريّتنا.

***************

© جميع الحقوق محفوظة 2015 – حاضرة الفاتيكان

[1] راجع المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي في “الوحي الإلهي”، عدد 4.

[2] كلمة افتتاح المجمع الفاتيكاني المسكوني الثاني، تفرح الأم الكنيسة، 11 تشرين الأول أكتوبر 1962، 2- 3.

[3] كلمة الجلسة العامة الأخيرة، 7 كانون الأول ديسمبر 1965.

[4] راجع المجمع الفاتيكاني الثاني، الدستور العقائدي “نور الأمم”، عدد 16؛ الدستور الرعائي “فرح ورجاء”، عدد 15.

[5] توما الأكويني، الخلاصة اللاهوتية.

[6] الأحد السادس والعشرون من زمن السنة. تظهر صلاة الجماعة هذه منذ القرن الثامن بين نصوص الصلوات الموجودة في كتاب الاحتفال بالأسرار الذي يعود إلى البابا جيلاسيانوس.

[7] راجع العظة 21.

[8] الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل”، عدد 24.

[9] يوحنا بولس الثاني، الرسالة العامة “الغني بالمراحم”، عدد 2.

[10] يوحنا بولس الثاني، الرسالة العامة “الغني بالمراحم”، عدد 15.

[11] يوحنا بولس الثاني، الرسالة العامة “الغني بالمراحم”، عدد 13.

[12] كلمات نور ومحبّة، عدد 57.

إعادة اكتشاف قلب تلميذ المسيح

قراءة روحية برفقة البابا فرنسيس: إعادة اكتشاف قلب تلميذ المسيح

الأب عماد الطوال – القدس

اللقاء بالمسيح

عندما يُطرح عليك هذا السؤال: من أنت؟ من البديهي أن تكون الاجابة شاملة لوصف مهنتك وحالتك الاجتماعية وخبرتك الإيمانية وميولك الإنسانية والاجتماعية. فهذا سياق جوابي عام متوقع ومتعارف عليه على عكس جواب قداسة البابا فرنسيس الذي خرج من هذا الإطار وكان جوابه البسيط خلال المقابلة الصحفية، 2013 “إنني إنسانٌ خاطىء”. إن عُدنا إلى جوهر هذا الجواب البسيط والعميق نرى شغف قداستة بلوحة للفنان”Caravaggio” تمثّل “دعوة متى الرسول” الموجودة في كنيسة القديس لويس من فرنسا في إحدى كنائس روما التي يرتادها باستمرار ويتأمل باللقاء المصيري والتغيير الجوهري في حياة جابي الضرائب. يضيف قداسته أنه راودني هذا التأمل خلال تنصيبي إلى السدة البطرسية حيث قُلت “لماذا أنا، إنني إنسانٌ خاطىء، ولكن عانقتني رحمة ربنا”.

فمثال متى العشار يضع امامنا صورة حيّه للانتقال والتغيير حيث انتقل هذا الإنسان الجابي والمخادع المكروه من جماعته ومجتمعه وبيئته واخترق قلب المسيح. لم يغلق المسيح قلبه امام المقبلين اليه والعائدين اليه والتائبين اليه، وهذا الانفتاح قلب حياة متى الرسول رأساً على عقب حيث كانت نظرة الجابي الاولى والمهمة إلى الأموال وإلى المائدة أي إلى الأرض وممتلكاتها، ولكن هذا اللقاء والانفتاح القلبي من الرب يسوع جعله ينظر إلى قلب الناس وإلى السماء والأفق. فكان التحول من ظلمة العالم إلى إشراق شمس الإيمان. عاش متّى الرسول صراعاً داخلياً وتساؤلاً جوهرياً: لا أريد أن أنتقل من هذه الحياة، لا اريد ان اتخلى عما أملك ، لكن يسوع اعطاه قلباً قوياً كي يتغير.. والوقفة الذاتية هنا ،كيف يمكن أن أدعو خاطئاً للسير معي؟ كيف لي أن أتغير؟

“حقائبنا المالية”

رسمت لنا اللوحة الفنية اللقاء العميق لمتى العشار مع السيد المسيح. نرى بعمق تساؤلات ذاتيه وحوارات داخلية. هذه الصوره تجسد واقع العديد من الناس وتظهر مكنونانتهم الداخليه. فكما نرى فيها رحمة الله ومحبته تخترق حياة متى الانجيلي وتخرجه من ظلمته المعتمة. هكذا هو الواقع، فالله معنا ليخرجنا من الظلمة إلى النور ما علينا الا بحوار ذاتي يفتح قلبنا نحو المحبه الالهية. فماذا كان تفكير متى الرسول في هذا اللقاء وما هي مشاعره: من جهة، الدهشة والفضول والاستغراب للطريق الجديد المعروض عليه، ومن جهة أُخرى، الخجل والخزي والخوف الذي يتمثل في معاصيه وخطاياه ورفضه القاطع لتغيير نمط حياته. فماذا سيكون: متى الرسول أم جابي الضرائب؟يشرح قداسته هذا الموقف: أن إصبع المسيح قد لمس قلب متى، ونظرات المسيح قد حدقت بعيون متى، فتحول وتغير وصار إنساناً جديداً رسولاً للمسيح. لقد أصابني نفس الشعور، لماذا تقول لي تعال فاتبعني؟ “أنا إنسان خاطيء” ولكن رحمة الله تعانقنا. مع متّى نرى صورة قداسة البابا المتواضع في رسالته الروحية وعمله التبشيري بأنه رسول الرحمة الإلهية حيث وضح ذلك في الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل” مركزاً على التجدد اليومي بلقاء المسيح “أدعو كل مسيحي، في أي مكان ووضع كان، إلى أن يُجدد اليوم بالذات لقاءهُ الشخصي مع يسوع المسيح، أو، على الأقل، أن يقصد بأن يدعَ المسيح يلقاه، بأن يبحث عنه كل يوم بإستمرار” (3). ركز السيد المسيح في إرشاده الرسولى على خبرة التجدد اليوم للكنيسة وللمؤمنين لتعميق العلاقة الشخصية مع المسيح وتقليص الهوة الإيمانية وذلك لمواجهة المعضلات والتحديات التي تواجه عالم اليوم. وكما دعى متى الجابي للضرائب أن يتخلى عن حقيبته المالية، وهنا يدعونا أن نتخلى عن مغريات العالم بأن نترك كل شيء ونتبعه، ان لا ننظر الى الارضيات بل إلى السماويات واللقاء والدعوة لبناء إنسانية الحياة مع المسيح محررنا. “من يُخاطر لا يخذله الله، ومن يخطو خطوة صغيرة نحو يسوع، يكتشف أنه كان هو ينتظر مجيئه بذراعين مفتوحتين”. (3). وهنا اركز على ان اخسارة الماديه والتخلي عن مغريات العالم هي مكسب في معرفة المسيح وقبوله مخلصا وملكا في حياتنا.

“فرحُ الإنجيل”

نلمس غياب هذا الفرح الحقيقي في عالم اليوم المضطرب والمضطرم، عالم الفردية والانفرادية، عالم الذاتية والتسلطية. فرح الانجيل فرح البشرى الساره هو فرح لا ينطق به هو فرح القوه… افرحوا لان فرح الرب هو قوتكم. فرح الانجيل هو قوتنا. من هذا المنطلق وبهذه النظرة أراد قداسته أن يختار عنواناً لإرشاده الرسولي “فرحُ الإنجيل” ليذّكر العالم والمؤمنين بالفرح الحقيقي. فرح المسيح والإنجذاب والاقتراب من النبع الحقيقي. ما هو تعريف الفرح؟ يقول القديس توما الاكويني بأن الفرح الطبيعي هو ثمرة الحب. وأن الحب، اجتماعياً هو نظرة عاطفية للقرب من الآخر والشعور المتبادل بين المحب والحبيب. ولكن روحياً الفرح هو ثمر الفضيلة الإلهية المحبة، أي معانقة حب الله لنا والمشاركة في هذه المحبة الإلهية النابعة من حبٍ إلهي وشركة بالعظمة الإلهية وتبادل عجيب بين عظمة الله وضعف الإنسانية. ما أعظم هذا التبادل العجيب. الإنتقال من نظرة العالم للحياة والنظرة الإلهية، إلى الخروج من الذات والتفكير بالآخر والانسانية. فالآخر هو طريقي إلى الله وإلى ذاتي. “إن معضلة عالم اليوم، تنبع من البحث السقيم عن ملاذٍ سطحي، عندما تنغلق الحياة الداخلية على مصالحها الذاتية، يُفقد مكانُ الآخرين، فلا الفقراء يدخلون، ولا يُسمع صوت الله، ولا يُستمتع بفرح المحبة، ولا ينبضُ حماسٌ بفعلِ الخير”. (2). فرح الانجيل هو جسرنا نحو الابديه،هو جسرنا نحو الحريه والتخلص من قيود الشيطان والعبودية.

صلاة قداسة البابا فرنسيس

يدعونا قداسته إلى مواجهة هذه المعضلة بالعودة إلى فرح الإنجيل حتى يمتلئ قلب وحياة من يلتقون بيسوع ويتجدد اللقاء اليومي معه من خلال هذه الصلاة: “يا رب، لقد خُدعت، وبألفِ طريقةٍ هربت من حُبكَ، إلا أني مرةً أُخرى أُجدد عهدي معك. إني أحتاج إليك. إفدني مجدداً، يا رب، واقبلني ثانية بين ذراعيك الفاديتين”. نجد من خلال هذه الصلاة البسيطة إشاراتان (تواضع وثقة). ويضيف قداسته “كم تنفعنا العودة إليه عندما نضل! لا يتعب الله أبداً بأن يغفر، نحن الذين نتعب من طلب رحمته”. (3) فقط بفضل ذلك اللقاء -أو اللقاء الجديد- مع حب الله، فيدا الرب مفتوحتين تدعونا لنقبل له.. تعالوا الي يا جميع المتعبين، ونحن جميعا متعبين بالخطية، تعالوا الي بكل قلوبكم . فالله كامل لا يريد سوى الكمال تعالوا جميعكم، تعالوا بكل قلوبكم، دعوة صادقة على الانفتاح والقبول الكلي غير المجزوء. دعوة الى اللقاء الذي يتحول إلى صداقة مُفرحة، نتحرر فيه من ضميرنا المنعزل والمرجعية الذاتية. ونتمكن من أن نكون إنسانيين، كلياً، نكون أكثر أنسانية، عندما نسمح لله بأن يقودنا إلى ما أبعد من ذواتنا، كي نبلغَ كياننا الأكثر حقيقة. (8).

“التلاميذ المرسلون”

يشدد قداسته على الرسالة النبوية والتبشيرية لجميع المعمدين. كلٌ في مكانه. وقد صنف المعمدين إلى صنفين: “المرسلون” الذي يخرجون ويشاركون الرسالة والخبرة علناً، “والتلاميذ” وهم من يحملون للجميع شهادة حية لحب الله ورحمته. إنَّ هذا النداء موجَّه إلى جميع الذين إعتمدوا بالمسيح وآمنوا به، بحيث لا يعدُل أحد عن التزامه في التبشير بالإنجيل، لأنه إذا كان حقاً إختبر حب الله المخلص، فلا يعوزه كثير من الوقت لينطلق ويبشر به، ولا يمكنه أن ينتظر مزيداً من الدروس والتعاليم الطويلة. (120). ويشير قداسته إلى حقيقة علاقتنا بالله، التبادل العجيب بين عظمته وضعفه بقوله: “في كل الأحوال، إننا جميعاً مدعوون إلى أن نقدم للآخرين شهادة جلية عن حب الرب الخلاصي، الذي يتعدى نواقصنا ويعطينا قُربةً وقوةً ومعنىً لحياتنا. قلبُكَ يعرف أن الحياة ليست هي نفسها بدون الرب، حينئذ، ما تكتشفهُ، ما يساعدك على الحياة، ما يبثُك رجاءً، هذا هو ما عليك أن توصله إلى الآخرين”. (121). وانوه هنا بأن اعظم مايشهده ويشاهده العالم هو ايماننا ورجاؤنا بالرب ومحبتنا المطلقه هذه الركائز الثلاثه التي بها ننطلق بفرح بها كمتى عندما اكتشف ذاته بنور الرب وانفتح قلبه على خلاص الرب.. أمن فخلص هو واهل بيته.

Edward Sri (2014). Rediscovering the Heart of the Disciple. Pope Francis and the Joy of the Gospel. USA. PP. 9- 22